الدرس : سورة القارعة - تفسير الآيات: 1 - 8 الميزان.

1985-06-21

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

القارعة بِمَعْناها اللغوي ليستْ مقْصودة في هذه الآية :

أيها الأخوة المؤمنون، سورة اليوم سورة القارعة، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾

القارعة وردتْ ثلاث مرات، في قوله تعالى:

﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

لو فَتَحْنا قواميس اللغة ومعاجِمَها، القارعة أنْ تقْرَعَ أيْ تضْرب شيئاً صُلْباً بِشَيْءٍ صلب، هذا هو المعنى المُعْجمي واللغوي وهو بالتأكيد أنَّ الله لا يُريده، لو أنَّ الله سبحانه وتعالى يُريدُ المعْنى اللغوي لما قال:

﴿ الْقَارِعَةُ*َمَا الْقَارِعَةُ ﴾

في هذه الآيات الثلاث الأولى إبْهامٌ وتَهْويلٌ وتعْجيز :

قد أقول لكم الجِدارُ وما الجدار وما أدراكم ما الجدار، لا يُمْكِن أنْ تعنِيَ هذه العبارة الجِدار، قد أُحَدِّثُكم عن جدار الصوت وعن طائِرَةٍ أسرع من الصوت، وهذه طائرة تجْعل أمامها جِداراً ثمَّ تخْتَرِقُهُ فَيَحْدُثُ دَوِيٌّ كبير، قال علماءُ التفْسير: في هذه الآيات الثلاث إبْهامٌ وتَهْويلٌ وتعْجيز، فحينما قال الله تعالى: القارعة، شيءٌ مُبْهَمٌ، معْنى القارعة اللُّغَوي لا يرْقى لأنْ يكون من كلام الله عز وجل، لا بد أنَّ الله سبحانه وتعالى يريد شيئاً كبيراً جداً، أكثر من أنْ تضرب شيئاً صُلْباً بِشَيْءٍ صُلب؛ فَحينما جاءَتْ القارعة مُبْهَمَة كان إبْهامُها باعِثاً لنا لِطَرْحِ السؤال؛ جاء السؤال: ما القارعة؟ تَهْويلٌ ثمَّ جاء التعْجيز، وما أدْراك ما القارعة؛ أيْ إنَّ أحداً على وَجْهِ الأرض لا يستطيع أنْ يُدْريك ما القارعة، لماذا؟ لأنها من أمور الغيب، الإنسان محْجوب عن الماضي بالزمن، ومحْجوب عن المُسْتقبل بالزمن، فهذا المكان الذي نحن فيه لا ندْري قبل ألف عام من أقام فيه؟ هل كان بُسْتاناً؟ هل كان بيْتاً؟ هل كان طريقاً؟ هل كان ساحَةً؟ فَنحن محْجوبون عن الماضي بحاجز الزمن، ولا ندْري بعد ألف عام ما سَيَكون بِهذا المسجد! هل سَيَبْقى مسْجداً يَؤُمُّهُ المُصَلُّون، ماذا يحْصل ونحن محْجوبون عن عالم المُستقبل بِحاجِزِ الزمان؟ ونحن محْجوزون عن الحاضِر بِحاجِز آخر وهو المكان؟ نحن الآن في دمشق لا ندْري ماذا يجْري في مكة! ولا ندْري ماذا يجْري في المدينة! لا ندْري ماذا يجْري في القُطْبين! فالإنسان أمام ثلاثة حواجز، حاجز المكان يحجزه عن الحاضر وحاجز الزمان يحجزه عن الماضي والمستقبل، وما دامت القارعة وهي يوم القيامة من الأمور الغيبية التي لم تحدث بعد فإن أحداً من بني البشر لا يستطيع أن يخبرنا عنها إلاَّ الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى خالق الزمان والمكان، والزمان والمكان لا يحجبان عن الله شيئاً لأنهما من خلقه، إذاً القارعة شيء مبهم، ما القارعة؟ سؤالٌ مُثير يبعث الاهتمام، وما أدراك ما القارعة تعجيز.
ومن أسماء يوم القيامة القارعة، الحآقَّة، الطَّآمَّة، الصَّآخَّة، يوم الفصل، النبأ العظيم، هذه كلُّها من أسماء يوم القيامة، والقارعة أحد هذه الأسماء، ولكل شيء من اسمه نصيب.

الحكمة من جعل كلمة (القارعة) كلمة مبهمة :

لِمَ سمَّاها الله القارعة؟ لأنها تقرع الإنسان، قال تعالى:
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

[ سورة يس: 52 ]

تصيبه بالذُّهول، قال تعالى:

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 83 ]

أي ضربٌ شديد مُفزِع مُخيف تُصعَق له النفوس، تَقرع الإنسان فتصيبه بالذُّهول، تقرع السماء فتصيبها بالانفطار والانشقاق، قال تعالى:

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾

[سورة الانشقاق: 1 ]

وقال:

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾

[سورة الانفطار: 1 ]

تقرع الجبال فتَنسِفُها نسفاً وتدُكُّها دكاًّ، تقرع البحار فتفجِّرُها، وتقرع النجوم فتَنكدِر، تقرع الشَّمس فتُكَوَّر:

﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

أحد أسماء يوم القيامة، لكنه لشِدَّة الهول وعِظَم المُصيبة، ولِفَظَاعة الخَطبِ، ولأنها تَدُكُّ كل شيء، وتبيِّن معالم كل شيء، وتبطل كل القوانين، وتحلُّ كل التماسكات، وتعطِّل كل الزمن، وتجعل الشمس تتكَوَّر، والنجـوم تنْكدر، والسماء تنْفطر، والبحار تُفَجَّر، وتجعل الأرض تُشَقَّق وتُدَكّ، والإنسان يسْعى، جعلها مبهمة.

القارعة هنا لها معنى اصْطِلاحي وهو يوم القِيامة تَقْرَعُ كُلّ شيء وتُصيبه بالذهول:

ذكرتُ قبل قليل أنَّ هناك معنىً لُغوياً ومعنىً اصْطِلاحِياً، فالقارعة بِمَعْناها اللغوي ليستْ مقْصودة، مثلاً كلمة " نَحْو" تقول ذهَبْتُ نحو المدينة، فكلمة نحو لها معنى لُغَوي، ولكنَّ علماء اللغة اسْتعملوا هذه الكلمة كَمُصْطَلَح؛ علمُ قواعد الكلام فإذا قلْتُ تعَلَّمْتُ النحْو هنا تُقَدِّرها بالمعنى الاصْطِلاحي، الحجُّ هو القصْدُ فإذا قال الله عز وجل:

﴿ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 97 ]

فالحجُّ هنا له معنى آخر، وهي العبادة التي تعْني الذهاب إلى البيت الحرام والطواف حَوْلَهُ والسعْي بين الصفا والمروة، والوُقوف بِمِنى ومُزْدَلفة وغيرها، فالحجّ له معنى لُغَوي واصْطِلاحي، فَقَرَعَ بِمَعنى ضَرَبَ، العَبْدُ يُقْرَعُ بالعصى والحرُّ تكْفيه الإشارة، لكنَّ القارعة هنا لها معنى اصْطِلاحي وهو يوم القِيامة تَقْرَعُ كُلّ شيء وتُصيبه بالذهول، وتُبَدِّلُ معالم الكون، تُعَطِّل علاقاته، وتُبْطِلُ قوانينه:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

أضيق دائِرَة هي المُشاهدات ثم المسْموعات ثم الخواطر :

ثمَّ قال تعالى:

﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾

قبل أنْ نشْرح هذه الآية نَقِفُ مرَّةً ثانِيَة عند مَدْلولات الألْفاظ، ربنا عز وجل قال:

﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾

[ سورة الرعد: 35 ]

لماذا قال الله عز وجل مثلُ الجّنَّة؟! لأنَّ الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي قال:

(( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

وفي الحديث تَرْتيبٌ منطِقي، الإنسان له مُشاهدات محْصورةٌ في دائِرَة، وله مسْموعات وهي أْشياءُ سَمِعَها، لكنَّ دائرة المسْموعات أوْسَعُ بِكَثيرٍ من دائرة المشْهودات، المُشاهدات ما شاهَدْتَهُ أنت لكنَّ المسْموعات ما شاهَدْتَهُ أنت وما شاهده غيرك فَسَمِعْتَهُ أنت، لكِنَّ دائِرَة ثالثَة هي دائِرَةُ الخواطر وهي واسِعَةٌ جداً؛ قد تُشاهِد إنْساناً، طوله مِتْرَان، وقد تسْمعُ أنَّ إنْساناً في القارة الفُلانِيَّة طوله متْران ونِصْف! هذه مسْموعات، وقد يخْطر في بالِكَ إنْسانٌ طولُهُ ثلاثة أمْتار، فكما تُلاحِظون أنَّ أضْيَقُ دائِرَةٍ هي دائِرَةُ المُشاهدات، والتي بعْدها دائِرَةُ المسْموعات، والتي بعْدها دائِرَةُ الخواطر، الآخرة شيءٌ لم يقع بعْدُ قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدْسي:

(( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

الفواكه التي في الدنيا ليس منها في الجنة إلا الاسم :

ربُّنا عز وجل إذا أراد أنْ يُعَرِّفَنا عنه، يُعَرِّفُنا بالجنَّة، وما فيها من فواكِه فقال: فواكه وهم مُكْرمون، قال: عِنَبٌ ورُمان، قال: نخيل وأعْنابٌ ورُمان، فَثَمَّة أسْماء فواكه في الدنيا، هذه الفواكه التي في الدنيا ليس منها في الجنة إلا الاسم، لها طعْمٌ آخر بِحَيْثُ ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، من الآيات التي تعْني هذا المعْنى قوله تعالى:

﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 25 ]

لذلك قال عليه الصلاة والسلام:" ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الاسم "، قد يكون في الجنة تُفاح ولكن تُفاح الجنَّة له طعْمٌ آخر لم نُشاهِدْهُ ونسْمع به ولم يخْطر على بالنا ولم نتذَوَّقْهُ بعْد، ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، أعْدَدْتُ لعِبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، فالله عز وجل يسْتخدِمُ كلمات نسْتعملها في كلامنا ولكنّ المدْلول الإلهي لِهَذه الكلمات ليس المدْلول الذي نفْهَمُهُ نحن، لا بد من فَهْمٍ آخر لِكَلمات الله عز وجل. قال تعالى:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾

الحقيقة أنَّ مشاهد يوم القِيامة كثيرة؛ من هذه المشاهد أنَّ الله سبحانه وتعالى خَبيرٌ بِأعْمالنا، ويُرينا أعْمالنا، ويُنْطق أيْدينا وأرْجلنا وجلودنا علينا، وبل يُنْطق الأرض كلها بِما فعَلْنا، وهذا مشْهَدٌ من مشْهَدِ يوم القِيامة.

هذه السورة اخْتَصَّتْ بِمَشْهَدٍ واحدٍ من مشاهِدِ يوم القِيامة وهو الميزان :

الحِسابُ مشْهد، والجزاءُ مشْهد، والميزانُ مشْهَد، هذه السورة اخْتَصَّتْ بِمَشْهَدٍ واحدٍ من مشاهِدِ يوم القِيامة وهو الميزان، كيف توزنُ أعْمال المرْء في هذا اليوم العظيم، يوْمَ يكون الناس، هؤلاء البشر الذين هم أكْرم المخْلوقات، والذين كَرَّمَهُم وخلق لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأسْبَغَ عليهم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَة، هؤلاء البشر الذين قال الله تعالى في حَقِّهِم:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

هؤلاء البشر الذين سُخِّرَتْ لهم السماوات والأرض يوم القِيامة يكونون كالفراش المَبْثوث وهي صورة، لماذا شَبَّهَهُمْ الله تعالى بالفراش؟ قالوا: لأنَّ الفراش أضْعَفُ المخْلوقات، وقالوا أيْضاً: لأنَّ الفراش من أغْبى المخْلوقات فَهِيَ تُلْقي بِنَفْسِها في حَتْفِها، في الضوء فَتموت، الذين ضَيَّعُوا الأمانة، هؤلاء الذين نَسوا الله في الدنيا، وعَصَوْهُ، يوم القيامة يكونون كالفراش المَبْثوث، والمَبْثوث المُنْتَشِر، والمُتَفَرِّق، وهو الذي ليس بينه وبين الآخرين علاقة قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 94 ]

فالإنسان يوم القيامة ينْسلخ عن كُلِّ علاقاته الدُّنْيَوِيَّة إنْ كانَ مُنْتَمِياً إلى جماعة ينسلخ منهم، وإنْ كانَ قَوِياً ينْسلخ من قُوَّته، وإنْ كان ذا شأنٍ ينسلخ من شأنه، وإنْ كان ذا مالٍ ينسلخ من ماله، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، فراشٌ مَبْثوثٌ.

الله سبحانه وتعالى يسْحَبُ أمْدادهُ من الجبال التي كانت في الدنيا فَتَغْدو كالعِهْن المنْفوش:

ثم قال تعالى:

﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾

الحقيقة الله عز وجل ضرب لنا مَثَل الأشياء الضخمة الصُّلبة والمُتماسِكَة الشامخة في حياتنا، وهي الجبال، الجبال تبعث في النفس الوَقَار، ولها سُلوكُها ووقَارُها، والإنسانُ يُعَظِّمُها أحْياناً، هذه الجِبال المُترادِفَة في الدنيا ذَرَّاتُها صُّلْبة، الله سبحانه وتعالى يسْحَبُ أمْدادهُ منها فَتَغْدو كالعِهْن المنْفوش، العِهْن الصوف الملون الذي انْفَصَل عن الغنم، والمنْفوش، قد تجد على ظهْر الغَنَمَة صوفاً مُتَكَتِّلاً يأتي الإنسان فَيُفَرِّقَهُ:

﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾

قال تعالى:
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

 

[ سورة يس: 52 ]

الفرق بين كلمة (وما أدْراك) وكلمة (وما يُدْريك) :

الله سبحانه وتعالى إذا قال: وما أدْراك، معْنى ذلك أنه سَيُدْريكَ هو! ولا أحَدَ في الأرض مُؤَهَّلٌ كي يُدْريك لكنّ الله وحْده يُدْريك، أما إذا قال الله سبحانه وتعالى: وما يُدْريك هذا من شأن الله سبحانه وتعالى، لا أحدَ يدْريك والله لن يُدْريك، مثلاً الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾

[ سورة الشورى: 17 ]

وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة لقمان: 34 ]

وقال:

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴾

[ سورة عبس: 3 ]

معنى ذلك أنَّ هذا من اخْتِصاص الله تعالى.

(وما أدْراك) تعني أن أيُّ إنْسانٍ لا يسْتطيعُ أنْ يُدْريك ولكنَّ الله يُدْريك :

لكنَّ الله تعالى قال:

﴿ الْحَاقَّةُ*مَا الْحَاقَّةُ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

[سورة الحاقة: 1-3 ]

الله سبحانه وتعالى أدْرانا ما الحاقة، وقال:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾

[سورة المدثر: 27]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمَ الْفَصْلِ ﴾

[سورة المرسلات: 14]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَومُ الدِّينِ ﴾

[سورة الانفطار: 17]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾

[سورة المطففين: 19]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴾

[سورة البلد: 12]

وما أدْراك ما العَقَبَة، وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾

[سورة الطارق: 19]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾

[سورة القدر: 2]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴾

[سورة الهمزة: 5]

وقال:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾

[سورة القارعة: 10]

في آخر هذه السورة، فَحَيْثُما وردت: وما أدْراك، تعني أن أيُّ إنْسانٍ لا يسْتطيعُ أنْ يُدْريك ولكنَّ الله يُدْريك.

الإنسان ينْبغي أنْ يقول (إنْ شاءَ الله) إذا أراد أنْ يفعل شيئاً في المُسْتَقْبل :

أما إذا قال تعالى:

﴿ وَمَا يُدْرِيْكَ ﴾

[سورة الأحزاب: 63]

كان ذلك معنى آخر ،وهو أنه تعالى سوْفَ يُدْرِك:

﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

القارعة تكون:

﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ*وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾

قال تعالى:

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 101 ]

الإنسان ينْبغي أنْ يقول إذا أراد أنْ يفعل شيئاً في المُسْتَقْبل: إنْ شاءَ الله، وبِناءً على قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ﴾

[سورة الكهف: 23 ]

كُلُّ حَدَثٍ يقعُ في المستقبل لا بد له من خمسة عناصر وهذه العناصر لا يمْلِكُها الإنسان:

بعض العلماء قال: الأحداث لها خَمْسُ مُقَوِّمات: الفاعل والمفْعول والمكان والزمان والسبب والقوَّة، مثلاً إذا قلتَ: إنَّني غداً سأذْهَبُ للطبيب الفُلاني، يجب أنْ تقول: إنْ شاء الله، لماذا؟! لأنَّ بقاءَك إلى اليوم الثاني ليس بيدِكَ، فقد يأتي غداً وأنت تحت التراب، وقد يأتي غدٌ والطبيب تحت التراب، فالفاعل الذي هو أنت لا تمْلِكُ حياتك إلى الغد، والطبيب الذي أنت ذاهِبٌ إليه لا يمْلِكُ حياته إلى الغد، والمكان الذي فيه الطبيب قد يُصيبُهُ زِلْزال فَيَجْعَلُهُ رأْساً على عَقِب، والزمان قد ينْقطِع، وأما السبب فإن أراد الإنسان أنْ يذهَبَ إلى الطبيب لِيُعالِجَ ابنه، فإذا مات ابنه اِنْعَدَمَ السبب، وأما القوَّة فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُمِدُّ الإنسان بالقُوَّة فَكَيْفَ يذْهَبُ إلى الطبيب؟! فَكُلُّ حَدَثٍ يقعُ في المستقبل لا بد له من الفاعل والمفْعول والمكان والزمان والسبب والقوَّة، وكٌلُّ هذه العناصر الخمسة لا يمْلِكُها الإنسان، فإذا قال: سأَفْعَلُ هذا غداً فقد أساء إلى عقيدَتِهِ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((من عَدَّ غداً من أجَلِهِ فقد أساء صُحْبَةَ الموت))

[تخريج السيوطي عن أنس]

فالعزْمُ على فِعْل الشيء دون قوله إنْ شاء الله فقد أساء صُحْبة الموت، هذا الكلام سُقْتُهُ على قول الله سبحانه وتعالى على قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾

القضاءُ في الدنيا قد يخطئ لذلك لا علاقة له بِقَضاء السماء :

الآن دخلنا في صُلْب السورة، وهو مُتَعَلِّقٌ بالميزان قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

لما السيِّدة عائِشَة قالت: يا رسول الله، أَيَعْرِفُ بعضنا بعْضاً يوم القيامة؟! قال: نعم، يا أُمَّ المؤمنين إلا في ثلاثة مواضِع، إذا الصُّحُفُ نُشِرَت، وعند الميزان، وعلى الصِّراط.
لماذا لم يقل الله عز وجل: فأما من ثقُلَ ميزانه؟! وقال:، لِمَ جاءتْ كلمة موازين بالجمْع ولم تأتِ بالمُفْرد؟! قد تضْطر لِوَزْن الذهب، وهناك ميزانٌ خاصٌ للذهب، إذا كان هناك مِرْوَحة توقِفُها لأنَّ ضغْط الهواء قد يُسَبِّب رُجحان كَفَّة الذهب والذَّهب غال، فللذهب ميزانه، ولكن إذا وَزَنْتَ شيئاً بالكيلوغرامات لا تحْتاج إلى تَوْقيف المِرْوَحَة، ولا إلى ميزان حساس، هناك موازين إنْ وَضَعْتَ ورقَةً وكَتَبْتَ اسمك عليها وزْنُ المِداد يُرَجِّحُ الكَفَّة، هذا ميزانٌ حساسٌ، هناك ميزانٌ أشَدُّ حساسِيّة بِحَيث لو وَضَعْتَ يدك على الكَفَّة وَهَبَطْت بها، هذا الهُبوط الخفيف يُسَبِّبُ هُبوط الكَفَّة، وهناك ميزانٌ لو وَضَعْتَ عليه مئة كيلوغرام لا يتَحَرَّك، وهو ميزان السيارات الضَّخْمَة، فَرَبُّنا عز وجل قال:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

معنى ذلك أنَّ كُلُّ عَمَلٍ له ميزانٌ خاصٌّ به، السَّبَقَة لها ميزان، والذكاءُ له ميزان، مُعامَلَتُك لِوالِدَيك لها ميزان، علاقتك بِزَوْجتك لها ميزان وكذا بِأوْلادك، كَسْبُكَ للمال له ميزان، كيفَ أنْفَقْتَهُ؟ له ميزان، وكذا وَقْتُك والعمل الصالح وعلاقتك بالجار، كلُ هذه لها ميزان، لذلك ربنا عز وجل قال: ثقُلَتْ موازينه، ومعنى ثقُلَت أيْ ليس هناك حاجَةً لِوَزْن الحسنات ثمّ لِوَزْن السيِّئات! بل توضَعُ الحسنات في كَفَّة والسيِّئات في كَفَّة فإذا رَجَحَتْ السيِّئات - لم يقُل الله عز وجل رَجَحَتْ بل خَفَّتْ ومعنى ذلك الأصل الحسنات، والحديث عن الحسنات فقط إما أنَّها راجِحَة وإما أنها خفيفة، أو كأنَّ الحسنات هي كُلُّ شيء، إما أنها كافِيَة لِتَسْعَد بالجنَّة إلى الأبد وإما أنَّها خفيفة ليستْ كافِيَة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام حينما أمر أحد الصحابة رِضْوان الله عليهم أنْ يَدَعَ الجِهاد معه وأنْ يُلازم أمَّهُ وأباه وقال: صابر الله في بِرِّهِما، أي بِرُّ الوالِدَين عَمَلٌ يرْجحُ في الميزان وثقيلٌ وله قيمته، هِدايةُ الناس عَمَلٌ ثقيل له قيمته، يا عَلِيّ لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، خيرٌ لك مما طلعَتْ عليه الشمس، خيرٌ لك من حمر النَّعم، لماذا قال الله تعالى: ميزان، واسْتَخدمها؟ الإنسان أحْياناً قد يُقَيِّمُ شيئاً، سيِّدُنا رسول الله قِمَّةُ البشر وسيِّدُ ولد آدم ومع ذلك لو جاءَهُ خصْمان وكان أحدهما ألْحن من الآخر فلن ينجو من عذاب الله، هذا القضاءُ لا علاقة له بِقَضاء السماء.

القاضي بشر ويجْتهدُ أنْ يُصيب لكنَّ ميزان القاضي قد لا يكون كميزان الله عز وجل:

القاضي بشر ويجْتهدُ أنْ يُصيب لكنَّ ميزان القاضي قد لا يكون كميزان الله عز وجل، يَرْوي التاريخ أنَّ قاضِياً تَوَجَّهَ إلى أحد الخلفاء وقال: يا أمير المؤمنين، أريدُ أنْ تُعْفِيَني من منْصِبِ القضاء! فقال الأمير: ولم؟ وليس في الأمةِ من هو أعْدل منك! فقال: والله لقد شاع بين الناس أنَّني أُحِبُّ الرُّطَبَ، وفي أحد الأيام طرق الباب رجلٌ وقدَّمَ لِخادِمي طبقاً من الرُّطَب، وجاءِني بها في بواكيرها - إذْ الفاكِهَة التي تأتي في وقتها مُحَبَّبة جداً! فقال: ممن هذا؟! فقال الخادمُ رجُلٌ في الباب، فقال: صِفْهُ لي فلما وصَفَهُ له، عرف أنَّ هذا الرجل له قَضِيَّةٌ عنده فَرَدَّ الطبَقَ، وفي اليوم التالي جاء الرجُلان إلى مَجْلِسِ القاضي فقال: والله يا أمير المؤمنين ما اسْتَوَياَ في نظري - الخصْمان - على الرغْم من أنِّي رَدَدْتُ الطبق، فَكَيْفَ بي إذا أخَذْتُهُ! فهذا هو الإنسان مهما كان ميزانه حَسَناً قد لا يسْتطيعُ تقْييم الحق مئة بالمئة، سيِّدُنا داوود حينما جاءَهُ مَلَكان على شكل رَجُلَيْن يخْتصِمان إليه، قال أحدهما:

﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾

[سورة ص: 23 ]

هذا النصّ دقيقٌ جداً، كلمة: لي تِسْعٌ وتِسْعون نعْجَة، هذا الكلام لا علاقة له بِحَيْثِيات الدعوة، كان يجب أنْ يقول: إنَّ هذا أخي يُريدُ أنْ يأخذ نعْجتي، له كذا وكذا، كلُّ هذا الكلام خارج الموْضوع، إذا أراد فلانٌ من الناس أنْ يغْتَصِبَ شيئاً، فَهَل تدخُلُ في حَيْثِيات الدَّعْوة أمْلاكُهُ؟ لا علاقة لِهذا بِذاك، الاغْتِصابُ اغْتِصابٌ سواء كان المغتصِب فقيراً أمْ غنِياًّ! مع أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَل قال: إنَّ هذا أخي له تسعٌ وتِسْعون نعْجة ولي نعْجةٌ واحدة، هذا الكلام طرق مسامِعَ سيِّدنا داوود، فأدْخَلَها في حَيْثِيات الدَّعْوة وقال:

﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾

[سورة ص: 24 ]

هذه أمْثلةٌ صارِخَة.

الحياةُ الدنيا إنما جِئنا إليها من أجل العمل الصالح :

رسول الله يقول:

(( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنْ قَضَيْتُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً ))

[مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]

البشَرِيَّة لها عواطف تأخذ وتعطي، وهذا القاضي لما قال: ما اسْتَوَيا في نظري، ربنا عز وجل قال: ميزان، والميزان حديد والحديد لا يتأثَّرُ بالعواطِف، فهذا الميزان لا يأخذ بالحجم، ولا يتمنى أنْ تكون هذه القِطْعة أوْزَن من هذه، ربنا عز وجل لما قال: ميزان، معنى ذلك أنَّ تقْييم الأعْمال يوم القِيامة من الدِّقَة المُتناهِيَة بِحَيْث أنَّهُ لا مثيل له في الأرض، أعْمالكَ كُلُّها صغيرُها وكبيرُها، جليلُها وحقيرُها، خاصُّها وعامُّها، فلو وضع النجار عِوَضَ البراغي مسامير يُحاسَب على هذا العمل الخَفِيّ، فالنجار له ميزان، والحداد له ميزان، وصاحِبُ المصْلَحَة له ميزان، والدهان له ميزان، وكُلُّ صاحب صَنْعَةٍ له ميزان يُحاكم فيها، الطبيب يُحاسب حِساباً غير حِساب المُحامي، لم يقُل الله عز وجل: فأما من ثقلت سيِّئاته! السيِّئات ليستْ داخِلَة في الحِساب إطْلاقاً، الشيءُ الداخل في الحِساب هو الحَسنات، لذلك قال تعالى:

﴿ وَالعَصْرِ* إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَواْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِالصَّبْرِ*﴾

[سورة العصر ]

من هذه الآية يتَّضِحُ أنَّ هذه الحياةُ الدنيا إنما جِئنا إليها من أجل العمل الصالح، وهذا العمل سوف يُقَيَّم تقْييماً مُتناهِياً في الدِّقَة، العمل يُقَيَّمُ بِنِيَّةِ صاحِبِه ولِهَدَفِه، بِمِقْدار ما أزاح من وقْتِ ومن جُهْدٍ وخِبْرة.

إذا عَبَّر الله عز وجل عن اسم الفاعل باسم المفْعول فَهُناك عِلَّةٌ كبيرة :

الشيءُ الغريب أنَّ الله سبحانه وتعالى قال: عيشَةٌ راضِيَة، ولم يقُل مَرْضِيَّة! لماذا؟ راضِيَّة اسمُ فاعِل، الأصْلُ أنْ تقول في كلامك: أنا راضٍ عن هذا البيت، أما أنْ أقول هو راضٍ عنِّي فهذه ليس لها معْنى، فَلِماذا لم يقُل الموْلى عز وجل: فَهُوَ في عِيشَةٍ مَرْضِيٌّ عنها؟ هذا الموضوعُ مُعَقَّد، فقد قال بعضُهم: قد يُسْتَخْدَمُ اسم المفْعول مكان اسم الفاعل، تقول جريح وهو بِمَعنى مَجْروح، وكذا قتيل وطريح فهذا في اللغة وارِدٌ، وكذا وارِدٌ أنْ نسْتخدم اسم الفاعل مكان اسم المفْعول، قال تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾

[سورة الماعون: 5 ]

فَهؤلاء البشر الذين يتجلى الله عليهم بِإمْدادِهم كيفَ هم غافِلون عن هذه الصلاة؟! من معاني هذه الآية أنَّ هؤلاء البشر جميعاً الله هو مُمِدُّهُم بإمْدادِه وتَجَلِّياته وروحه وهم عن هذه الصِّلَة غافلون، لكنَّ بعضهم قال: لا يمكن أنْ نسْتخدم اسم الفاعل مكان اسم المفْعول ولا اسم المفْعول مكان اسم الفاعل إلا لِعِلَّةٍ كبيرة، فَرَبُّنا عز وجل قال:

﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 45 ]

فكلمة مسْتور لها معنى ساِتر، وقالوا: الحِجاب الكثيف المُؤَلَّفُ من طَبَقَتَين ساتِرٌ ومَسْتور، فلما عَبَّر الله عز وجل عن اسم الفاعل باسم المفْعول فَهُناك عِلَّةٌ كبيرة.

يوم القِيامة كل المخْلوقات التي خلقها الله تعالى تُسْهِمُ في إمْتاع المؤمنين :

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 45 ]

هناك آيةٌ أخرى قال فيها ربنا تبارك وتعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلّاً ظَلِيلاً ﴾

[سورة النساء: 57 ]

فهذا الظِلّ ظليلٌ أمْ مُظَلَّلٌ؟! كذلك هنا المعنى نفسه ظِلٌّ فوق ظِلّ، فصار الظِلّ الأوّل مُظَلَّلٌ أيضاً، من باب المُبالغة وهذا تَوْجيهٌ. بعْضُهم قال: لا، العيشةُ نفسُها راضِيَة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 44 ]

فالنفسُ البشَرِيَّة نفْسٌ والنبات نفْس والجماد نفْس، يُؤَكِّدُ هذا المعْنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

فهذه الأشياءُ تُسَبّح، لماذا عيشَةٌ راضِيَة؟ قال: الإنسانُ في الدنيا قد يأكل اللُّقْمَةَ وهي تلْعَنُهُ لأنَّهُ ليس أهْلاً لها، وقد يدْخُلُ بيْتاً وهو يلْعَنُهُ لأنَّهُ كافِرٌ وجاحِدٌ بِنِعَم الله عز وجل، لكنَّ الله سبحانه وتعالى سَخَّر له هذا البيت وهذا الطعام، وسَخَّر له هذه الدابَّة، وهذه الكأس من الماء، لكن يوم القِيامة هذه المخْلوقات تُسْهِمُ في إمْتاع المؤمنين.

المؤمن يوم القِيامة يأكل اللُّقْمة وهي راضِيَةٌ عنه لأنَّها تعْلمُ أنَّهُ يسْتحقها :

تعلم أنّ هذا المؤمن له حياة مملوءَة بالطاعات، وأنَّهُ يسْتحِقُّ هذا النعيم، فَهِيَ بِهذا راضِيَةٌ عنه، فالمؤمن يوم القِيامة يأكل اللُّقْمة وهي راضِيَةٌ عنه لأنَّها تعْلمُ أنَّهُ يسْتحقها قال تعالى:

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة: 24 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يعْرف حجراً بِمَكَّة يُسَلِّمُ عليه، ودخل إلى بُسْتانٍ فرأى جَمَلاً فلما رآهُ الجمل ذَرفتْ عَينا الجمل بالدُّموع، فَمسَحَ جِفْنَيْه وقال: من صاحب هذا الجمل، فقالوا: فتىً من الأنْصار، فقال: آتوني به، فلما جاؤوا به قال: ألا تتَّقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها فإنَّهُ شكا إِلَيَّ، وحينما انْتَقَل عليه الصلاة والسلام إلى المِنْبر حَنَّتْ إليه النخلة، حتى أنَّها سُمِّيَتْ الحناء ونص الحديث:

(( أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ وَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَتَتْ ))

[النسائي عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ]

وهي الآن في المقام النبوي الشريف مِنْبرهُ صلى الله عليه وسلَّم رَمْزٌ لِهَذه النخلة التي قُطِعَت، وكانت تَحِنُّ إليه، كان عليه الصلاة والسلام حينما يصعد المنبر يضعُ يده على النخْلة، فَكُلُّ شيءٍ تسْتَهْلِكُهُ يُسبِّحُ بِحَمْدِه، لذلك بعض العارفين قال: إذا الإنسان جلس بِبُسْتان ووجد حشيشاً ثمَّ قطعه كان ذلك إثْماً إذْ يقول لك الحشيش: لِمَ قَطَعْتني؟! لو أنَّ خروفاً أكَلَني لكنت سعيداً، إنني خُلِقْتُ من أجل الخروف كي يقْتاتَ بي ولِكَي تقْتات أنت بالخروف! قد تقطعُ زَهْرَةً، لو بلغَتْ حساسِيَّتُك هذا المُستوى لَخَشيتَ أنْ تدوس على زَهْرة لأنَّها نفْسٌ تُحاسِبُك، لو تركْتَ في صحْنك حَبَّة رزٍّ لعاتَبَتْكَ لأنها نفْسٌ، سيِّدُنا حنظلة رآه سيّدنا الصديق يبْكي فقال له: ما لك يا حنظلة تبكي، فقال: نافق حنْظلة، فقال الصِدِّيق ولِمَ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن مع الجنَّة كهاتَيْن، فإذا عُدْنا للأهل لَهِيَتْ قلوبنا! لو بقيتم على الحال لصافحتكم الملائكة، المعنى الأول بالعيشة الراضِيَة أنَّ الإنسان يوم القِيامة هذا الذي يأكله نفوس، يستحق أنْ يأكل هذا الإنسان هذا الطعام وهو راضٍ عنه، أما في الدنيا قد يشرب هذا الإنسان هذا الماء وهو يلْعَنُهُ، وقد يأكل الطعام النفيس وهو يلْعَنُهُ لأنَّهُ يكْفر بِرَبِّه، قال تعالى:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾

[ سورة الدخان: 29 ]

معنيان لقوْل الله تعالى (فهُو في عيشةٍ راضِيَة) :

سيّدنا أنس سئل: يا إمام أَتَبْكي السماء؟ قال: نعم، ما دامت هنا لم تبْكِ على هؤلاء لا بد أنَّها تبْكي على أُناسٍ آخرين، ربنا عز وجل عندما قال:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾

[ سورة الدخان: 29 ]

قال عليٌّ مَوْضِعان: موْضِعٌ في السماء ومَوْضِعٌ في الأرض يبْكِيان على المؤمن، مصْعَدُ عمله في السماء، ومُصلاهُ في الأرض يبْكِيان عليه، فالسماء تبْكي، بعض المُزارِعين ينهى عن سلخ الغصن لأنها نفْس لا بد من قَصِّه قصّاً نِظامِياً، في بعض التجارب وضعوا جهازاً حساساً للرطوبة وُضع على غصن نبات، جاء إنسان ومَزَّق نباتاً أمامه فإذا بعقْرب الجهاز يتحرَّك دَلَّت على أنَّ هناك حياةٌ للنبات لم يكْتشفوا حقيقتها بعد، فَقوله تعالى:

﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

[ سورة الحاقة: 21 ]

هذا الشيءُ الذي يتنعَّمُ به يوم القيامة نُفوسٍ راضِيَةٌ عن المؤمن، والمعْنى الآخر أنَّ الإنسان في الدنيا قد يكون في نعيمٍ مُقيم لكن يُداخِلُهُ قلقٌ عمي لا يفْتأ حتى يُفارق هذا البيت، أو أن يُفارق هذه الزوْجة، أو يبيْع هذه السيارة، هذا القلق يُدَمِّرُ سعادته، أما ربنا عز وجل لما قال:

﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

[ سورة الحاقة: 21 ]

أيْ هذا الشيء الذي معه في الجنَّة راضٍ عنه، ومعنى راضٍ عنه أنَّهُ مٌلازِمٌ له، ولا ينْفكُّ عنه، ليس مُسَخَّراً بل هو مُلازِماً لهذا الإنسان طَوْعاً، وهذا هو معنى قوْله تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ*فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

بركات الجنَّة وبركات النار :

مثلاً - ولو أنَّ الإيداع بالمَصْرف غير وارد - إذا إنسان أوْدَعَ لَيْرَتَين في مصرف ثم غاب سَنَتَيْن ثمَّ رجع فأراد كشْفَ حِسابه فإذا بِه يجد أن حِسابه اثْنتا عشرة لَيْرة، أما لو أوْدَعَ الإنسان مئتي ألف كلّ يوم ثمَّ غاب عشر سنوات فإذا أراد كشْفَ حِسابه بعد العَوْدة، أَعْطَوا له دَفْتر كشْف حساب لأنَّه لا تكْفي ورقة لِعَدِّ ما ترك وما ربح! للإنسان عملٌ كبير بالدنيا يودِعُهُ صدقات، زكاة، إعانة مريض، ِخِدْمة إنْسان، أحْسَنَ لِزَوْجَتِهِ وأوْلاده وجيرانه، هذه أعْمال ضَخْمة وثقيلة يوم القِيامة، قال تعالى:

﴿فأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ*فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ*وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ*َفَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ*َوَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ* نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾

كلمة أُمّ مَبْعَثُ الحنان، مَلْجأ وملاذ وهذه من بلاغة القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾

[سورة الكهف: 29 ]

فَأُمُّه التي يأوي إليها ويَحْتمي في كَنَفِها ويرْتاحُ في حِجْرِها هي النار، فأُمُّهُ هاوِيَة، يَهْوي بها، لما بلغ أنَّ النبي علم أنَّ بعض المُنافقين تُوُفِي قال: الآن اسْتقرَّ في جَهَنَّم حجرٌ كان يهْوي منذ سبعين خريفاً، لذلك قالوا: بركات الجنَّة وبركات النار قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 145 ]

اِفْتَرَشَ الأرض والْتَحَف بالسماء:

مُشَرَّدٌ يهْوي إلى هَمِّه إذا أوى الطَّيْرُ إلى وَكْرِهِ
* * *

﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ*َوَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ*﴾

هذه الأُمّ التي يأوي إليها هي نارٌ حامِيَة! لو أنَّ إنْساناً قال لك: هذه المِقلاة ساخنة كان معنى ذلك أنَّ حرارتها مئة وخمسون، أما إذا إلهٌ عظيمٌ قال لك: نارٌ حامِيَة فهي على قُدْرَتِه، وهذه صورةٌ دقيقة.