سؤال وجواب - الحلقة : 4 - أساليب القرآن الكريم في تربية الإنسان

1996-01-27

مقدمة :

 أيها الأعزاء : السؤال الأول في حلقة اليوم ورد من المستمع وائل مخزوم من محافظة حلب ، يطلب فيه فكرة موجزة عن المنهج التربوي المعجز في القرآن الكريم .
 يجيب عن هذا السؤال الأستاذ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق .

فكرة موجزة عن المنهج التربوي المعجز في القرآن الكريم :

 إذا تأملنا كتاب الله عز وجل بفكر الباحث التربوي ، وقد ربّى هذا الكتاب الكريم أجيالاً من البشر ، ذوي نفوس وعقليات وطبائع متباينة ومختلفة ، حتى صاغ جميعها في نفس إنسانية واحدة ، وبنى الإنسان المسلم بناء فكرياً ، ونفسياً ، وخلقياً ، واجتماعياً ، وجمالياً .
 المسلم الذي رباه القرآن يتمتع بروية صحيحة ، وإدراك دقيق ، ووعي عميق ، له قلب كبير ، وعزم متين ، وإرادة صلبه ، هدفه أكبر من حاجاته ، ورسالته أسمى من رغباته ، يملك نفسه ولا تملكه ، ويقود هواه ولا ينقاد له ، تحكمه القيم ويحتكم إليها ، من دون أن يسخرها أو يسخر منها .
 هذا الكتاب الذي ربّى الإنسان المسلم تربية أساسها السيطرة على الذات ، وطبعت أجيالاً متعاقبة بطابع أخلاقي ، ولا بد من أن يكون مرتكزاً في أصول دعوته ، وطرائق تربيته على أسس رائعة مثلى .
 فمن أساليب القرآن اعتماده على المناقشة والحوار في إقناع المخاطب ، وهذا الأسلوب ينمي شخصية المخاطب ، قال تعالى :

﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النمل : 60-61]

 واعتمد القرآن أيضاً أسلوب القصة في تربية المؤمنين ، لكن منهج القرآن في القصة خاص به ، فهو لا يسوق من القصة إلا ما يتعلق بالغرض الذي سيقت القصة من أجله ، فهو يترفع عن التفاصيل التي لا تسهم في إيضاح الغرض ، وتعد عبئاً على القصة ، وكثيراً ما يعقب على أحداث القصة تعقيباً يشبه القانون الثابت ، ليستفيد منه قارئ القرآن في كل زمان ومكان ، فقد قصّ القرآن علينا قصة سيدنا يونس ، وها هو ذا يونس عليه الصلاة والسلام النبي الكريم ينادي ربه وهو في بطن الحوت :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87-88]

 انتهت القصة ، التعقيب :

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 88]

 هذه هي القاعدة التي أدخلها القرآن في خليات القصة ليجعل من القصة قانوناً ، وليبعدها على أن حدثاً وقع ولن يقع مرةً ثانية .
 وبما أن الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، لذلك خاطب القرآن عقله من خلال الحوار ، وخاطب وجدانه من خلال الإثارات العاطفية ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

[ سورة الإنفطار : 6-8]

 واستخدم القرآن الكريم أسلوب المثل ، وفي المثل تقريب للحقائق المجردة وتجسيد لها في صور حسية ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة النور : 39]

 هذه لمحات سريعة عن أساليب القرآن في تربية الإنسان ، لكن هذا الموضوع لا تتسع له المجلدات ، ولكن أخذ القليل خير من ترك الكثير .