الدرس : 03 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 5-7 الشعور بمراقبة الله

2000-11-10

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخامسة .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ

1 ـ الشعور بمراقبة الله يورث الخوف من المعصية :

 حينما يعتقد الإنسان أن الله يعلم كل شيء ؛ يعلم سره ، ويعلم جهره ، ويعلم ما خفي عنه ، انتهى كل شيء ، لا يمكن لإنسانٍ فيه ذرة عقل بعد أن يوقن أن الله يعلم ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، خاطر دقيق ، خاطر مر سريعاً يعلمه الله ، يحول بين المرء وقلبه ، لا يمكن لهذا الإنسانٍ أن يعصي الله .

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 284 )

 حينما تعلم أن الله يعلم ، وحينما تضيف إلى علمك أن الله يعلم ، وأنه سيحاسب ..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

 وحينما تضيف إلى علمك أن الله سيعاقب يوم القيامة ، أو في الدنيا ، يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب ، لا يمكن أن تجترئ على معصيته أبداً ، لأنك في الدنيا حينما تركب مركبتك ، وترى الإشارة حمراء ، وترى مَن يقف على هذه الإشارة ليضبط المخالفين ، وأنت لا تقوى على رد عقوبة صارمةٍ ، لابد أن تتقيد بقواعد السير ، لأنك تعلم أن واضع القانون يطولك علمه ، وتطولك قدرته ، إذاً لابد من أن تستقيم على أمره ، فكلمة :

﴿ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

 خير إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، فأعلى درجة من درجات الإيمان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك ، أن تعلم أن الله معك حيثما كنت ، أن تشعر أن الله مُطَّلع عليك ، ناظرٌ إليك ، مطلع على قلبك ، يعلم كل الخفايا ، يعلم كل الخواطر ، هذا الإيمان وحده يدعوك إلى أن تستقيم على أمر الله ..

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

 أما حينما تغش إنساناً ، وتحتال على آخر ، وتأكل مالَ غيره ، وتعتدي على عِرض فلان ، وكأن الله لا يعلم ، فهذا هو الجهل بعينه ، هل تصدقون أن في آيةٍ قرآنية ربنا عز وجل جعل حكمة الحج الذي هو من أرقى الفرائض فقال :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

( سورة المائدة : من الآية 97 )

 حينما تعلموا أن الله يعلم فلابد أن تلتزموا أمره ونهيه ، وحينما لا تلتزم ، وحينما لا تطيع ، وحينما لا تخضع ، وحينما تخالف ، وحينما تعصي فاعتقد اعتقاداً جازماً أنه بسبب ضعف إيمانك بأن الله يعلم .

 

2 ـ هذا مع العبد الضعيف فكيف بك مع الله الذي لا يخفى عليه شيء :

 أنت لست مع خالق الكون بل مع إنسانٍ مثلك ، مع إنسان من بني جلدتك ، مع إنسان لا يقوى عليك في كل شيء ، حينما توقن أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك ، تستقيم على أمره ، فكيف يقول الله عز وجل :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق : من الآية 12)

 الإيمان علم ..

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10) ﴾

( سورة الملك )

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾

( سورة الطلاق : من الآية 12)

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) .

[ متفق عليه ]

 هنا اسمان فقط :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾

( سورة الطلاق : من الآية 12 )

 مَثَل السيرِ واضح جداً ، تركب مركبة والإشارة حمراء ، الشرطي واقف ، والضابط واقف ، وثمة دراجة وسيارة ، وأنت مواطن عادي ، لا يمكن أن تتجاوز هذه الإشارة إلا في حالتين ؛ في وقت لا يطولك علم واضع القانون ، الساعة الثالثة ليلاً ، أو إذا كنت أقوى من واضع القانون ، في إحدى هاتين الحالتين تتجاوز ، أما إن أيقنت أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصيه ، هذا مع إنسان ضعيف من بني جلدتك ، لكنه يقوى عليك في زاوية ضيقة فتستقيم على أمره ، فكيف بخالق الكون الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ؟!!
 الشبكية بيده ، ضغط العين بيده ، دسَّام القلب بيده ، شريان القلب بيده ، عمل الكليتين بيده ، الخلايا ، نمو الخلايا ، سيولة الدم كله بيده ، كل أجهزتك ، وأعضاؤك ، وأنسجتك ، وسمعك ، وبصرك بيده ، ومَن حولك ومَن فوقك ، ومَن دونك ، وزوجتك ، وأولادك ، ورزقك ، وراحتك النفسية، وانقباضك النفسي ، كل شيءٍ بيده ، يحتاجه كل شيء في كل شيء، فكيف تعصي الإله ؟!!

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في القياس شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحـب يطيع
* * *

 إذاً :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

 

3 ـ لا يخفى على الله شيءٌ فاحذر أن تعصيه :

 وأنت في غرفتك ، والنافذة مفتوحة ، خرجت الجارة في البيت المقابل إلى الشرفة ، وعليها ثيابٌ خفيفة ، وأنت تراها ، ولا أحد يراك أنك تراها ، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله معنى ذلك أنك تعلم أن الله يعلم .
 مَثَل آخر : طبيب يعالج امرأةً ، ينظر إلى موضع المرض ، فإذا اختلس نظرةً إلى مكانٍ آخر ، ليس في الأرض كلها جهة تستطيع أن تضبط مخالفتك ، امرأة ممدّدة أمامه يعالجها ، شكت له من مكان ، فنظر إلى مكان ، مَن الذي يطلع عليه ؟ الله جل جلاله ..

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19) ﴾

( سورة غافر )

 ما تقوله ، وما لا تقوله ، ما تعلنه ، وما لا تعلنه ، ما توهم الناس به ، وما لا توهم الناس به ، في علمه .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾

( سورة إبراهيم)

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

( سورة المائدة : من آية " 97" )

 خلق الكون كله من أجل أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمُه ، اختار من بين كل أسمائه كله اسمين ؛ اسم القدير واسم العليم ، هذا كلامٌ دقيق ، حينما توقن أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصي أمره .

 

4 ـ ابحث عن الإيمان الذي ينجيك :

 سألني أخ : هؤلاء العصاة ما بالهم ، هم مؤمنون ؟ قلت له : تصور دائرة كبيرة جداً ، كل مَن قال ولو بلسانه : الله خلق السماوات والأرض فهو داخل الدائرة ، وقد يكون زانياً ، وقد يكون شارب خمر ، وقد يكون آكل مالٍ حرام ، وقد يكون معتدياً ، وكل إنسان أقرّ أن لهذا الكون إلهاً فهو ضمن الدائرة ، لكن هذا الإيمان لا ينجِّي صاحبه إطلاقاً ..

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ(87) ﴾

( سورة الزخرف )

 وضمن هذه الدائرة الكبيرة دائرةٌ أصغر منها ، مَن بداخلها مستقيمون على أمر الله ، مَن بداخلها ناجون ، هؤلاء حَمَلهم إيمانهم على طاعة الله ، الدائرة الكبرى ؛ كل من أقر بوجود الله فهو مؤمن ، خارج الدائرة ؛ كل مَن أنكر وجود الله ، هؤلاء الملحدون خارج هذه الدائرة ، لكن داخل هذه الدائرة مَن أقر بوجود الله هو مؤمن ، لكن إيمانه لا ينجيه لا من عذاب الدنيا ، ولا من عذاب الآخرة ، وهذا شأن عامَّة المسلمين ؛ لا يقيمون الإسلام في بيوتهم ، قد يكون دخلهم حرامًا ، وإنفاقهم حرامًا ، لا يتورعون ، يختلطون ، يفعلون ما يحلو لهم ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) .

[ الترمذي ، وابن ماجه ، وأحمد ]

 أما مَن في الدائرة الثانية فهؤلاء الملتزمون ، هؤلاء الوَقَّافون عند حدود الله ، هؤلاء الذين طبّقوا منهج الله ، هؤلاء الذين التزموا ، هؤلاء نفعهم إيمانهم ، هؤلاء حملهم إيمانهم على أن يستقيموا ، أين يقع إبليس ؟ ضمن الدائرة الكبيرة ، ألم يقل ربك :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص : من الآية 82 )

 آمن به رباً ، وآمن به عزيزاً ، ألم يقل :

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة ص : من الآية 76 )

 آمن به خالقاً ، ألم يقل :

﴿ فَأَنْظِرْنِي ﴾

( سورة ص : من الآية 79 )

 آمن باليوم الآخر ، لكن إيمانه ما قدَّم ولا أخَّر ، فمن كان ضمن الدارة الثانية فهؤلاء الذين نفعهم إيمانهم ، وحملهم على طاعة الله ، ومركز هذه الدائرة هم الأنبياء المعصومون ، فثمة إنسان خارج الدائرة الكبرى ، هذا ملحد ، ضمن الدائرة الكبرى ، هذا مؤمن ، وقد لا ينجو ، ضمن الدائرة الصغرى ، فهذا مؤمن مستقيم ، أما في المركز فهم الأنبياء المعصومون .
 إذاً :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

 أناس كثيرون يتحدثون ، ويقولون شيئاً لا يؤمنون به ؛ لمصلحةٍ ، أو لخطة ، أو لخبث ، أو لخديعة ، الله عز وجل يعلم سركم وجهركم ، وقد ورد عند بعض علماء القلوب : " القلب منظر الرب " ، أي لا تجعل الله أهون الناظرين إليك ، إن الله ينظر إلى قلوبكم ، ورد في بعض الآثار القدسية : أن عبدي طهرت منظر الخلق سنين ، الإنسان يجدد بيته ، يجدد أثاث بيته ، يرتدي ثياب جميلة ، يغسل مركبته ، يحسِّن مدخل بيته ، طهَّرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة ؟ والقلب منظر الرب ، إن الله مطلع عليك ، أما يستحي الإنسان أن يتآمر على أخيه ، كفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب .
 القلب فيه غش أحياناً ، فيه مكر ، فيه خداع ، فيه مؤامرة ، في احتقار ، في كِبر ، في استعلاء ، من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر هذا هالك ، مثقال ذرة .
 أنا كنت أضرب هذا المثل : عندك كيلو لبن ، وجاءك خمسة وعشرون ضيفًا ، يمكن أن تضيف على هذا الكيلو خمسة كيلوات من الماء ، وأن تقدمه شرابًا ، أما إذا وضعت قطرة نفط واحدة فهل بإمكانك أن تشربه ؟ قطرة نفط واحدة تفسد هذا اللبن ، بينما خمسة أمثاله ماء لا يفسد ، لذلك الكبر خطير جداً .
 أساساً هناك معصيتان ؛ معصية الغلبة ، ومعصية الكبر ، معصية الغلبة يسهل أن تتوب منها ، ولكن معصية الكبر يصعب أن تتوب منها ، هذه معصية إبليس .

﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

 أما الإنسان أحياناً يغلب ، فيستغفر ، فيجد الله تواباً رحيماً .
 إذاً :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء

 

1 ـ هذا ما يحدث في اللقاء الزوجي :

 في اللقاء الزوجي خمسمئة مليون حوين ، تحتاج البويضة إلى حوين واحد ، وهناك آلية دقيقة جداً ، الحوين في رأسه مادة نبيلة ، هذه المادة النبيلة مغلَّفة بغشاء رقيق ، فإذا اصطدم بجدار البويضة ، تمزق الغشاء ، المادة النبيلة تستطيع أن تذيب جدار البويضة فيدخل ، فإذا دخل إلى البويضة أغلق الباب ، واكتفت البويضة بزوجٍ واحد ، الانقسام الآن من المبيض إلى الرحم ، تنقسم البويضة الملقحة إلى عشرة آلاف جزيء ، وفي الرحم تُغْرَس ، وتبدأ بالنمو .
 لكن هذه النطفة فيها مورِّثات ، بعضهم قال : خمسة آلاف مليون ، سمعت أنها مليون ، على كلٍ ليس أقلّ من مليون ، هذا الذي أقوله لكم هو شُغل العالم اليوم ، الهندسة الوراثية ، فكل شيء أنت فيه مصمم من قبل ؛ الطول ، اللون ، خده الأسيل ، عينان زرقاوان ، شعر أسود ، شعر أشقر ، قامة طويلة مديدة ، شامةٌ على الخد ، أي كل تفاصيل الخلق ، كلها تنفيذ لبرنامج ، هذه المورثات ، لو سلمنا أنها مليون مورث ، فحتى الآن عرفوا ثمانمئة مورِّث ، هذه تسهم في تفاصيل حياة الإنسان .
 حدثني أخ كريم فقال لي : جاءني بنتان توأمان من بويضة واحدة ، وكل بنتٍ لها طبع ، الأولى حادَّة المزاج ، والثانية هادئة جداً ، ومن بويضة واحدة ..

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾

2 ـ علم الأجِنَّة وحده أكبر دليل على عظمة الله :

 والله يا أيها الإخوة الكرام ، علم الأجِنَّة وحده أكبر دليل على عظمة الله ، علم الأجنة ؛ تطور الخلق ، من مضغة ، إلى علقة ، إلى عظم ، ثم يكسى العظم لحماً .
 دخل طبيب أستاذ علم الأجنة في جامعة أكسفورد ، له كتاب يعد عند الدارسين إنجيل الأجِنَّة ، كتاب قيم ، مترجم إلى معظم اللغات ، يدرس في كل الجامعات تقريباً ، فقال هذا الطبيب لتلاميذه : معي حقيقة ناصعة كشفتها اليوم ، تعد ثورةً في علم الأجنة ، ما هذه الحقيقة ؟ أنه اكتشف أن العظام تُشَكَّل أولاً ، ثم تُكسى لحماً ، وهو قبل عشرين عامًا سابقة كان يعتقد أن العظام تلي خلق العضلات ، فقام طالب مسلم في هذه الجامعة فقال : هذه حقيقة في كتاب المسلمين ، فالأستاذ صعق ، ولم يصدق ، في اليوم التالي جاءه بالقرآن الكريم مع تفسيره ، أطلعه على الآية :

﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) ﴾

( سورة المؤمنون )

 إن قضية تشكل الجنين في الرحم ، والأطوار التي يمر بها ؛ من مضغة إلى علقةٍ ، إلى نطفة مُخَلقة وغير مخلقة ، إلى عظمٍ ، إلى لحمٍ ، إلى أجهزةٍ ، إلى دماغ ، شيء لا يصدق ، قبل تسعة أشهر نقطة ماء ، بعد تسعة أشهر يكون طفلا يأكل ، ويشرب ، ويتحرك ، ويرى ، ويسمع ، وينام ، وفيه دماغ ، وفيه أعصاب ، ومعدة ، وأمعاء ، وقلب ، وكبد ، وأذنان ، ولسان ، هذا كله من خَلق الله عز وجل .

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 إنسان طويل ، وإنسان قصير ، إنسان لونه فاتح ، وإنسان لونه داكن ، إنسان عصبي المزاج ، وإنسان هادئ الطبع ، إنسان يتَّقد ذكاءً ، وإنسان محدود ..

﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 

الْعَزِيزُ الْحَكِيم

 

1 ـ العزيز :

 العزيز : الذي لا ينال جانبه ، كما قلت في درس سابق : يندر وجوده إن كان العزيز شيئاً من خلق الله ، وإن كان اسماً لله فهو واحدٌ لا شريك له ، إن كان صفةً لمخلوقات الله فهو يندر وجوده ؛ والشيء العزيز تشتد الحاجة إليه ، وإن كان اسماً لله فيحتاجه كل شيء في كل شيء ، والعزيز إذا كان صفةً لغير الله فيصعب الوصول إليه ، أما إذا كان اسماً لله فيستحيل أن تحيط به .

2 ـ الحكيم :

 الحكيم : يضع كل شيء في مكانه الصحيح ، كل شيء وقع لو أنه وقع بخلاف ما وقع لكان نقصاً في حكمة الله ، ولكان الله ملوماً ، فليس في الإمكان أبدع مما كان .
 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب

1 ـ الآيات المُحكمات :

 بعضهم قال : الآيات المُحكمات هي الآيات الواضحات ، وبالتعبير الأصولي : هي الآيات قطعية الدلالة ، لا تحتمل معنيين ، ومن رحمة الله بنا أن كل الآيات المتعلقة بسعادتنا أو شقائنا ، الآيات المتعلقة بالأساسيات ؛ شيء يعد فرضاً لسلامتنا وسعادتنا تغطيه آيات محكمة ، وشيء إن فعلناه كان دماراً لنا في الدنيا والآخرة تغطيه آية محكمة ، أي آية واضحة ، آيةٌ قطعية الدلالة ..

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾

( سورة المائدة : من الآية 38 )

﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103) ﴾

( سورة النساء )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) ﴾

( سورة البقرة )

 أيةٌ قضية أساسيةٍ في سلامتنا وسعادتنا ، وهي أساسية في دمارنا وشقائنا مغطاة بآية محكمة ، أي آيةٌ واضحة الدلالة قطعية المعنى ، لا شك فيها ، كأن نقول : أعطِ فلانا ألفاً وخمسمئة ليرة ، لا تحتاج لمفسر ، ولا موضح ، ولا لإنسان تستشيره في المعنى : أعطِ فلانا ألفاً وخمسمئة ليرة ، هذا نص واضح قطعي الدلالة ، أما لو قلت لك : أعطِ فلاناً ألف درهمٍ ونصفه ، هذه جملة متشابهة ، يا ترى الضمير يعود على الألف ، أي ألفا وخمسمئة درهم ، أم يعود على الدرهم ، ألف ونصف درهم ؟؟ هذه متشابهة ، فيمكن أن تؤول بألف وخمسمئة إذا أعدنا الضمير على الألف ، ويمكن أن تؤول بألف ونصف درهم إذا أعدنا الضمير على الدرهم ، هذه آية متشابهة أي ظنية الدلالة .

 

2 ـ الآيات المتشابهات :

 الآيات الظنية الدلالة ، وكذلك الأحاديث ، تغطي المتغيِّرات في حياة الإنسان ، في حياتنا ثوابت وفي متغيرات ، فالثوابت ما تقوم عليه سعادتنا، وما يهددنا بالشقاء الدنيوي والأبدي ، هذه ثوابت ، فالإنسان أكل ، ولم يطعم أمه التي أنجبته ، من دون تعليم ، من دون توجيه ، من دون أن تستمع إلى خطبة عن بر الوالدين ، هذا شيء تعرفه بالفطرة ، ومغطى بنصٍ قطعي الدلالة ، فكل جريمة تهلك الإنسان محرمة بنصٍ قطعي الدلالة ، وهناك متغيرات ، فالله عز وجل قال :

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾

( سورة النور: من الآية 56 )

 يا رب ، نؤتيها مالاً ، أم نؤتيها طحيناً ، أم نؤتيها تمراً ، أم قمحاً ، كيف نؤتيها ؟ يحتمل أن تؤديها مالاً إذا كنت في المدينة ، ويحتمل أن تؤديها قمحاً إذا كنت في الريف ، القضايا المتغيِّرة ، والمتغيرات تغطيها الآيات ظنية الدلالة ، والثوابت في حياة الإنسان تغطيها الآيات المحكمات .
 ولكنني أنا كإنسان حينما أصوغ نصاً ظني الدلالة ، أنا أقصد معنىً واحدًا ، ولكن عبارتي جاءت فضفاضة ، أما إذا جاء خالق الأكوان في قرآنه بعبارة ظنية الدلالة ، معنى ذلك أن الله أراد كل المعاني كي تغطي كل الظروف ، وكل البيئات ، وكل الحاجات ، فإذا كان في النص طابع ظني فالله عز وجل أراد كل المعاني رحمةً بالخلق ، وتغطية لكل المتغيرات في الحياة ، أما إذا أراد معنى واحداً هذا لا يحتمل تأويلاً آخر .
 إذاً :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾

 آيات الوجود ، آيات الكمال ، آيات الوحدانية ، آيات المحرَّمات ، آيات الفرائض ، الآيات الأساسية التي تقوم عليها سعادتنا ، والآيات التي إن خالفناها نشقى في الدنيا والآخرة محكمات ، أما ندفع الزكاة مالاً ، أم ندفعها طعاماً ، هذه آية ظنية الدلالة ، هنا مجال اجتهاد المجتهدين .

 

3 ـ معنى آخر للآيات المحكمات :

 معنى آخر : أن الآيات المحكمات هن الآيات التي تعدُّ أصول الكتاب ، وأن الآيات المتشابهات هي الآيات التي تعد فروعاً للكتاب ، في أصول وفي فروع ، وكل آية متشابهة ينبغي أن ترد إلى آية محكمة ، أرجو الله عز وجل أن يمكنني من توضيح هذه الحقيقة ..
 أنا أقول : الخبز مادة خطيرة ، كلمة خطيرة هل تعني قنبلة تنفجر ، أما أنها مادة أساسية ؟ الخبز مادة خطيرة ، القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان ، ثم أقول بعد حين : القمح مادة أساسية ، أساسية محكمة ، خطيرة متشابهة .

الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت :

 القاعدة الأصولية أن كل آيةٍ متشابهةٍ ، أو أن الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت ، هذه قاعدة أساسية .

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) ﴾

( سورة الأنعام )

 هذه الآية أصل ، وواضحة ، ومحكمة في أن الإنسان مخير لا مسير ، تأتي آية ثانية :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النحل : من الآية 93 )

 فالآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلَّت ، هذه قاعدة أصولية ، لذلك إذا قلت : الله عز وجل أضل فلاناً ، الله لا يضل ، هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، قياساً على قوله تعالى :

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف : من آية " 5 " )

 إذاً : المحكمات ؛ الواضحات ، قطعية الدلالة ، اللواتي تغطي أساسيات الحياة ، والثوابت في الحياة الإنسانية ، والمتشابهات ؛ الآيات ظنية الدلالة ، تشبه الحق من جانب ، والباطل من جانب .
مثلاً :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13) ﴾

( سورة السجدة )

 نعود للمثل السابق : كلفت إنساناً أن يعطي فقيراً ألف درهماً ونصفه ، كيف يؤوِّل النص ؟ ألف ونصف درهم ، هذه لأن الهاء تعود على الدرهم ، كأن ثمة امتحانا ؛ إذا كان كريما يعيدها على الألف ، فيعطيه ألفاً وخمسمئة ، وإن كان بخيلاً يعيدها على الدرهم ، فيعطيه ألفا ونصف درهم ..

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾

﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 130 )

 

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة

 النهي على الأضعاف المضاعفة ، أما لو أكلناها بنسبٍ قليلة فلا شيء علينا ، " النظرة الأولى لك ـ ولكنه ظل ساعة في النظرة الأولى ـ والثانية عليك " فجعل الأولى ساعة .
 فدائماً :

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾

( سورة الحج : من الآية 41 )

 الله لم يمكّننا ، إذاً : لا نقيم الصلاة ، فهناك تأويلات مضحكة ..

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾

 فتنوا بالدنيا ، فأرادوا مخلَصاً لشهواتهم من بعض النصوص ، وكثيراً هي الكُتُب التي تؤلف حديثاً تحت اسم ( قراءة معاصرة في القرآن الكريم ) التي تخفف على الناس التكاليف ابتغاء الفتنة ..

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾

 عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَنَزَلْنَا فِي مَكَانٍ كَثِيرِ الثُّومِ ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا مِنْهُ ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُصَلَّى فَوَجَدَ رِيحَهَا مِنْهُمْ فَقَالَ :

(( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسْجِدِنَا )) .

[ رواه أحمد ]

 يعني من البصل والثوم ، هل تصدقون أنه في بعض البلاد حتى يتخفف من صلاة الجمعة يأكل سناً من الثوم ؟‍ ما دام قد أكل من هذه الشجرة فينبغي ألا يقرب مصلانا ، ما خطر في بال النبي أن واحدا من أمته بعد حين سيفهم هذا الحديث : أي أن يعفى من صلاة الجمعة ، فالإنسان المنحرف يعمل في التأويل ، يغيِّر ، ويبدل ، ويؤول كي يجر التغطية الشرعية الموهومة إلى انحرافاته ، هذه قاعدة ..

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾

 

معنى التأويل :

 ما معنى التأويل ؟ العلماء فرقوا بين التفسير والتأويل ، الإنسان حينما يخطر في باله فكرة يعبِّر عنها ، فأن تعيد النص إلى أصله الفكري هذا تأويل ، فالله عز وجل قال :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

( سورة السجدة )

 إن الله عز وجل خلقك مخيراً ، حَمَّلَكَ الأمانة ، هيَّأ لك سعادة أبدية ، خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض ، لو شاء أن يجبرك على الهدى لأجبرك ، لكن عندئذٍ لا تسعد ، لو أنني مجبر أحدا على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى ، ولكن الهدى القسري لا يسعد ..

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

( سورة السجدة )

 تعني هذه الآية : أن الله لو أراد أن يجعل كل العباد المؤمنين إيماناً قسرياً لفعل ، فلو أن بلدا يفرض استقامة قسرية عن طريق المراقبة ، تدخل إلى سوق كبير جداً فيه بضاعة ألوف الملايين ، خمسة موظفين على الباب ، أية سلعة إن لم تدفع ثمنها تعط صوتاً ، فمن هو المستقيم إذاً ؟ في بلاد كثيرة مع التطور التكنولوجي أجبر الإنسان على الاستقامة ، لكن هذه الاستقامة التي أجبر عليها لا قيمة لها إطلاقاً ، ولا ترقى بالإنسان ، كما أنها لا تسعده ، فالآيات المحكمات تغطي الثوابت في الإنسان ، والمتشابهات تغطي المتغيرات .

 

الذين في قلوبهم مرضٌ يتبعون المتشابه :

 لكن المنافقين ومَن كان في قلبه مرضٌ ..

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾

 يقول لك أحدهم :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النحل: من آية " 93 " )

 الله لم يكتب لي الهداية ، الله عز وجل هداك ، ينتظر أن تستجيب له ، أما : كلمة : ( من يشاء ) فلها معنى آخر في آيات أخرى :

﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264) ﴾

( سورة البقرة )

﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ﴾

( سورة البقرة )

 لا يهدي الكاذبين ، فالله أوجز بمكان ، وفسر بمكان ..

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه

 هنا شيء ثان لابد من ذكره ، من معاني المحكمات والمتشابهات : القرآن كله آيات محكمات إلا بعض الآيات التي لا تزيد على أصابع اليد ، هذه الآيات متعلقةٌ بذات الله .

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة الفجر : من الآية 22 )

 أين كان ؟

﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 54)

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح : من الآية 10 )

﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾

( سورة المائدة : من الآية 116 )

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾

( سورة القصص : من الآية 88 )

 وجه ، نفس ، يد ، سمع ، بصر ، جاء ، بضع آيات لا تزيد على عدد أصابع اليد ، سماها العلماء آيات متشابهات ، هذه متعلقة بذات الله ، أكمل موقف أن نوكل أمر معناها إلى الله ، عشر آيات ليس أكثر ، وبعضهم أوَّلها تأويلاً يتناسب مع كمال الله ، فقالوا :

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة الفجر : من الآية 22 )

 أي جاء أمره .

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح : من الآية 10 )

 أي قدرته .

﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(181) ﴾

( سورة البقرة )

 أي علمه .
 وجهه : ذاته ، نفسه : ذاته ، إلخ ... فالآيات المحدودة المتعلقة بذات الله يمكن أن تسمى آيات متشابهات ، فإذا لم نأولها واكتفينا وفوضنا إلى الله تأويلها نكون قد سلمنا ، وإذا اجتهدنا بتأويلٍ يليق بكمال الله نكون قد وفقنا ، أما أن نشبِّه الله عز وجل ببعض خلقه ، فهذا كلامٌ غير مقبول ، إما الذين أنكروها ضلوا ، والذين جسَّدوها ضلوا ، ولكن الذين فوَّضوها كانوا أكمل الناس ، والذين أولوا كانوا قد وفقوا ، هذا معنى آخر للمحكمات والمتشابهات .

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾

 إذا : الآيات محكمات ..

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾

 

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم

 نقف عند العلم ، أما إن كانت الآيات متشابهات متعلقة بذات الله ..

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾

1 ـ الوقف عند لفظ الجلالة ( الله ) أو لفظ ( العلم ) كلاهما صحيح :

 نقف هنا ، نقف عند كلمة الله إن كان الآيات متعلقة بذات الله ، ونقف عند كلمة والراسخون في العلم إذا كانت الآيات متعلقةً بالأحكام الشرعية ، وقصص الأنبياء السابقين وما إلى ذلك ، يقولون هؤلاء العلماء الراسخون :

﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7) ﴾

 على كل ، أيها الإخوة القرآن الكريم يحتاج إلى تقوى ، لأن الله عز وجل يقول من بعض معاني هذه الآية :

﴿ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ(79) ﴾

( سورة الواقعة )

2 ـ الفِرق الضالة تعتمد على المتشابهات :

 فإذا كنت طاهر القلب ، موَحداً ، مستقيماً ، أعانك الله على فهم كلامه ، وإلا فالمنحرف يقع في فتنة المتشابهات .
 بالمناسبة ما من فرقةٍ ضالةٍ إلا اعتمدت على معنىً من معاني المتشابهات التي ما أرادها الله عز وجل ، الآيات المتشابهات فيها نوع من الامتحان للإنسان ، أما المؤمنون الصادقون فإنهم :

﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾