الدرس : 3 - سورة الملك - تفسير الآيتان 3 - 4 ، إتقان الله تعالى

1997-12-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية الثالثة والرابعة من سورة الملك وهي قوله تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾

[ الملك: الآية 3-4 ]

 أيها الإخوة أكثر الصناعات البشرية على مُسْتوياتٍ ؛ صِناعةٌ عالِيَة الجوْدة وصِناعةٌ أقلّ إتْقاناً وصِناعةٌ شعْبيّة رخيصة فَصُنْع الإنسان يتفاوَتُ بالإتْقان من مُسْتوى رفيع إلى مُسْتوى مُتَدَنٍّ وكل بِضاعة لها سِعْر كلّ هذا في صَنْعة الإنسان أما في صَنعة الواحد الدَّيان كُلُّ شيءٍ خلقه الله هو على أعلى مُسْتوى من الإتْقان قال تعالى:

 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

 

[ النمل: الآية 88]

 فهذا الصوص الذي في البيْضة كيف يسْتطيع أنْ يخْرج منها ينبُتُ له على رأس مِنقاره نُتوءٌ رقيقٌ جداً كالإبْرة فَيَكْسِر بها البيْضة فإذا خرج من البيْضة عاد هذا النتوء إلى ما كان عليه ؛ في الوقت المُناسب وهذا الماء الذي نشْربه كلُّ ما في الكَون إذا سخَّنْتَهُ يتمَدَّدُ وإذا برَّدْته يتقلَّص وكل العناصر في الأرض حتى الحِجار وحتى المعادن كلَّها والهواء بالسخونة يتَخَلْخَل وضغْط مُنْخفض وبِالبُرودة يتكاثف وبِذلك ضغط مرتفع والماء كذلك إلا أنّ هذا الماء فيه صِفَةٌ وهي أنَّك إذا برَّدْته كلما برَّدْته ينْكمِش أيْ تزْداد كثافَتُهُ بالمعنى الفيزيائي فإذا وصل إلى زائد أربعة تنْعكس الآية ويتمدَّد فَمِن تحت زائد أربعة يتمدَّد ولولا هذه الخاصة التي في الماء لما كنا نحن في المسجد ولانتهت الحياة على سطح الأرض لأن البِحار كلما تجمّدت غاصت هذه الكُتل الثليجيّة إلى الأغماق لأن كثافتها كبرت فَغَاصت ثم تتجمَّد الطبقة الثانية إلى أن تتجمَّد كل المحيطات فَيَنعدم التبخر وتنْعدم الأمطار ويموت النبات والحيوان ويموت الإنسان، فالماء عند الدرجة زائد أربعة تنْعكس آلِيَة حركَتِه فالإنسان إذا وضع الثلاجة قارورة زجاج وأحْكم إغْلاقها وكانت ممتلِئةٌ تنْفجر لأن الماء إذا أراد أن يتمدَّد لا يوجد قوَّة في الأرض تقف أمامه ؛ محرِّك السيارة من أعلى مستوى من الخلائط المعدنية فإذا لم يضع صاحب السيارة مادة للتجمّد وجاء الصقيع في الليل وتجمّد الماء الذي في المُحرِّك شقَّق هذا المُحرِّك لِذلك أحدث طريقة لاقتِلاع الرخام حفْر ثقوب في أعماق الرُّخام وملْؤها بالماء ثمّ تجْميد هذا الماء فإذا بهذه الكتلة تنْعتق من الجبل والماء إذا أراد أن يتمدّد لا توجد قوة في الأرض تقف في وجْهه ائتِ بأشد المعادن صلابةً وبِأَشدّ الصخور تماسكاً يتصدَّع ولولا هذه الخاصة لما كان هناك تربة زراعِيّة فالأرض أساسها صخرٌ متجمِّد وعن طريق تغَلْغُل الماء في الصخور وعن طريق تجمّد الماء تتصدّع الصخور قال تعالى:

 

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾

 

[ الطارق: الآية 13-17 ]

 فهذه خاصّة، إنسانٌ ذهب إلى فِرْلَنْدا الحرارة هناك تسعة وستون درجة تحت الصِّفر مما تجعل أهلها يرتدون قفازات ومِعطف سميك ويرتدي ألبسة داخلية صوفِيَّة وجوارب سميكة جداً وأحذية مُبَطَّنةٌ بِالفَرْو كل عُضوٍ بِإمكتنه أن يضع عليه الصوف ولكن هل يستطيع أن يغلق عَيْنَيْه ؟ فالعَيْنُ مُلامِسة للهواء والهواء تسعة وستون درجة تحت الصِّفر فالله عز وجل أوْدع في العَين مادَّةً مُضادّةً للتجمّد قال تعالى:

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾

 

[ الملك: الآية 3 ]

 وهذه السمكة التي بالبحر كيف تعلم أنها باتجاه سطح الماء أم باتِّجاه أغْماقِه ؟ الله عز وجل جعل لها جُراب وجعل في الجُراب بعض حبات الرمل وجعل أعْصاباً حساسةً جداً في أرضِيَة هذا الجُراب فإذا كانت الرمال على أرْضِيَّة الجُراب معنى ذلك أنها نحو الأعلى فإذا اخْتفتْ الرِّمال والأعصاب لم تتحسِّس بها فهي باتِّجاه قاع البحر ؛ دقِّق بالسمكة تجد أنَّ لها خيْط بِقِسْمها العُلوي بين حراشِفِها خيط وهذا الخيط جِهاز ضغط وهو أنبوب مُفَرَّغ من الهواء وتعلم السمكة في أيِّ لحظة أين هي من سطح الماء ؛ قال تعالى

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾

 

[ الملك: الآية 3 ]

 وهذه الدجاجة تأكل كلّ شيء حتى الأقذار وتُعْطيك بيْضة لها ستَّة عشر فيتامين وثمانيَة معادن وبروتينات ومواد دُهنِيَّة وشحوم وسكَّريات شيءٌ مُذهل ! البيضة غِداء كامل لأنها تصْنع مخلوق كامل ولو أنه وُضِع البيض تحت أمِّهم للتفْريغ تصنع هذه البيضة صوصاً وكائن كامل يحْوي عِظام وعضلات وأعْصاب وأجهزة كلها من هذه البيضة قال تعالى:

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾

 

[ الملك: الآية 3 ]

 وهذه البقرة تأكل الحشيش ويجري الدم في عُروقها فوق غدةٍ ثدْيِيَة على شكل قُبَّة وهذه الغُدَّة عبارة عن خلايا ثدْيِيَة تأخذ حاجتها من أعلى دم البقرة وترشح هنا نقطة حليب وكل ستمائة حجم من الدم يعادل حجم واحد من الحليب فهذا الحليب الذي تشربه ساهم فيه ستمائة حجم من الدم قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66)﴾

[ النحل: الآية 66 ]

 كأنّ البقرة دكتور في العلوم عاقل ؛ بروتين شحوم ومواد دسمة سكريات وفيتامينات فالحليب غداء كامل قال تعالى:

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾

 

[ الملك: الآية 3 ]

 وهذه أوراق النباتات لها مسامات تغلق في الصيف وتفتح بالشتاء لأن في الشتاء رطوبة عالية والبرد شديد مفتوحة للتنفّس أما حين الحر الشديد والتبخّر العالي تُغلق هذه المسامات، إنسان ذهب بِحِقل بطيخ كلُّه أخضار أيَّةُ حبَّةٍ يقطعها ؛ جبل البطيخ ينضج خلال ثلاثة أشهر وأنت بالمنطق إذا وضعت في المِقلاة زيت وأوْقَدت النار ووضعت حبات البطاطا في هذا الزيت بالمنطق لابد أن تنْضج خلال ساعة واحدة لأن الظروف واحدة ؛ ضعْ كميَّة من قطع البطاطا وبعد ثمانية دقائق تجدها قد نضجت جميعاً فالظروف واحدة في الزراعة فالبَرد واحد والمطر واحد، هذا الحقل ينضج بطيخهُ اتباعاً خلال تسعين يوم فماذا نفْعل بالبطيخ لو نضج في يوم واحد ؟ لابد من اِتْلافه لكن كيف يعرف الفلاح أنّ هذه البطيخة قد نضجت ؟ إذْ كلُّه أخضر اللون ! بعضه أبيض والآخر أحمر ؛ الله عز وجل وضع خيط على شكل حلزون يمْسكه الفلاح فإذا انْكسر معنى ذلك أنها نضجت وإذا لم ينْكسر معنى ذلك أنّ البطيخة لم تنْضج بعد قال تعالى

 

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)﴾

 

[ النحل: الآية 16 ]

 يُمْكنك أنْ تُفكِّر بالكون وتقف وجْهاً لوَجْهٍ أمام عظمة الله ؛ هذه الثِّمار قال الله عز وجل:

 

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

 التفاح ثلاثمائة نوع وكذلك العِنب وهذا تفاح حامض وذاك حُلو والآخر أحمر داكن وذاك له لون ورْدي وتفاح سكري وشتْوي والقمح هناك خمسة وأربعين ألف نوع في العالم وكنت ظن أربعة آلاف وخمسمائة لكن دكتوراً من إخْواننا قافل لي: بل خمسة وأربعين ألف نوع في العالم ؛ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، والجمل سفينة الصحراء والدواب تنام مُضْطجِعةً على جنْبِها أما الجمل ينام بِجَلْسة نِظامِيَّة إذْ لو أنه كان مضْطَجِعاً كيف يمكنك أن تُحَمِّل عليه ؟ فإذا كان واقِفاً كان أعلى منك وإذا صعدْت إليه بالسُّلم لأسْقطك لكنَّه يجْلس جلْسة نِظاميَّة ثم تُحَمِّل عليه وبعدها يقف ؛ غبار الصحراء دقيق جداً لكن للجمل في عَينَيْه رُموش كالشبكة تماماً تمْنَع عنه غبار الصحْراء وعَين الجمل على شكل تلسْكوب وميكروسْكوب في آنٍ واحد تُريه البعيد قريباً والصغير كبيراً والجمل يستطيع أن يعيش من دون الماء أكثر من سنة ويستطيع أن يأخذ ماء الخلايا ويعيش من دون غِداءٍ ثلاثة سنوات فهُو مُصمَّم للصحراء ويستهلك سنامه للغداء مُصمَّم للصحراء والصحْراء باعْتبار رمل كأنّ له خُف وقاعات اسْتِناده عريضة جلْسَتُهُ النِّظامِيَّة تحْتاج إلى ثَفِنات بِبَطْنه وعلى قدَمَيْه وعلى يديْه كذلك جِلْدٌ مُتَقَرِّم وله بَوْل يكاد يكون لزِج وكثافة بَوْل الجمل عشرين ضعف بَوْل الإنسان شيء دقيق جداً قال تعالى

 

 

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)﴾

 

[ الغاشية: الآية 17-24 ]

 أردتُ من هذه الآية أنّ الله سبحانه وتعالى كُلُّ شيء خلقه جعلَهُ مُتْقَناً اتْقاناً عجيباً قال تعالى

 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

 

[ النمل: الآية 88 ]

 وأحْقر كائِنٍ حيواني تحْتقِره به أجهْزة تفوق الخيال هناك سمك يمْشي في قاع المحيطات والغواصة إنْ هبَطَتْ أقل من مائتان متر عن سطح البحر تتحطَّم بِفِعْل الضغط وفي خليج مرْيانة بالمحيط الهادي عُمْقُه اثنا عشر ألف متر فإذا كانت غواصة من فلاذ تحطَّمت إذا جاوزت الحد فَلِما لا يتحطَّم السمك الذي في هذا المحيط ؟ قال لأن له فَجْوات مفْتوحة والضغط بالداخل يُكافىء الذي بالخارج ؛ لذلك لو كان الإنسان بالسيارة وحدث حادث وكان فمُهُ مُغلق يُثقب غِشاء الطبل أما إذا كان مفْتوحاً فلا يحدث شيئاً بِمعنى إذا فتح فمهُ أصبح دخول الهواء من فمِهِ وأُذُنِهِ مُتكافِىء وبالتالي أصبح هناك ضغط مُتَكافىء ؛ فهذا السمك الذي يعيش في قاع المحيطات له فَتْحات داخِلِيّة وخارجيَّة وبهذه الطريقة يتحمَّل الضغط العالي وهناك سمك يُفرِز سحابة أمامه بالحِبر وهناك سمك له كهرباء ستة آلاف فولط يُمكِنُها أن تُضيء بِناية عجائب بالبحر.
أيها الإخوة، كلُّ شيءٍ خلقه الله عز وجل خلقه في أحسن تقْويم والإنسان سيّد المخلوقات قال تعالى:

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾

 

[ الملك: الآية 3-4 ]