الدرس : 2 - سورة الملك - تفسير الآية 12 ، خشية الله بالغيب

1997-12-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الثانِية عشرة من سورة الملك وهي قوله تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾

[ الملك:الآية 12 ]

 هذه الآية على إيجازِها تعني شيئاً كبيراً وهو أنّ هذه الجنة التي خُلِقنا لها والتي وُعِدنا بها والتي لا يليق بالإنسان أن يعْمل إلا لها ثمنها أنْ تخْشى الله بالغيب، فما معنى كلمة بالغيب ؟ أيّ إنسان إذا رأى خطراً بِعَيْنِه يبْتعد عنه بل أيّ حيوان إذا رأى خطراً بِعَيْنِه يبْتعد عنه فابْتِعاد الإنسان عن خطرٍ محْسوس لا أجْر له به ؛ ابْتِعاد الإنسان عن خطرٍ محْسوس لا أجْر له به أما ابْتِعادك عن خطرٍ أخْبرك الله عنه مكتوب وخبر أما المحسوس لا قيمة له إذْ أنّ أكثر الناس تجده ذو صحةٍ طيّبة ومال وأكل وولائم وسفر ونزهات ومسلْسلات وصحون وسهرات وفنادق وإطلاق بصر لا شيء يمْنَعُهُ أما المؤمن يقرأ آيةً من كتاب الله :

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

 

[ النور:الآية 30 ]

 تجده يغض بصره إذْ المرأة مُحَبّبة جداً فهو يخْشى الله بالغيب أما لو افْتَرَضْنا أنه صدر تشْريع أنّ كلّ إنسانٍ ينظر بامْرأةٍ يُطْلق عليه الرصاص فهل من أحدٍ أنْ يتطلّع ؟ لا... ولو كان بالأجر فالخوف يُراوِدُهُ ؛

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾

 

[ الملك:الآية 12 ]

 فإذا كان معك مال يتيم ولا أحدَ يسْألك عنه ممكن أن تضعه بصَفْقة غريبة ما تدْري رِبحها تجُسّ السوق بِمالِه أما مالك تتركه للصفقات النِّظاميّة والتي لها بيْعٌ قويّ وأرْباحها قويّة والزبائن لها جاهزون أما مال اليتيم بِصَفْقة لا تعْرف مصيرها فإذا خسرَت تقول:هذا أمر سيّدك وإن ربِحت تُدْخِل مالك الأساسي بهذه الصَّفْقَة فَمَن يعْرف هذا ؟ الله وحْده ؛ فهذه الجنة الرفيعة التي فيها ما عَيْنٌ رأَت ولا أُذُنٌ سمِعت ولا خطر على قلْب بشر ثمنها أن تخْشى الله بالغيب ؛ جالِسٌ بالغُرفة والنافذة مفْتوحة والجارة خرجَت إلى الشرْفة المُقابِلة بِثِيابٍ مُتَبَذِّلة ليس في الأرض كلّها إنسانٌ يُحاسِبُك فأنت بالبيت جالس ولا أحدَ يطَّلِع عليك إلا الله فإذا بك تغضّ بصرك وتغلق السِّتار فأنت الآن خشِيتَ الله بِالغَيب ؛ الذي يخشى الله بالغيب ؛ يأْتي إليك مريض معه أعراض مرض إذا قلت له:يمكنك تخْطيط بِأَلف ليرة أو إيكو بِأَلفين لا يوجد إنسان يُحاسِبك لأنّك مَوْثوق ولكنّك تعلم عِلْم اليقين أن هذا المريض لا يحْتاج لِكل هذا العمليات ولكنّك أخذت منه ثلاثة آلاف زِيادة على حَقِّك ؛ فَمَن يعْرف ذلك ؟ الله وحْده أما المؤمن تجده سباق للخير، أصْحاب المِهَن ذكر لي أخ أنّه أخذ سيارته وقال له المصلّح أنَّها لا تحْتاج إلى أيّ شيء إلا أنني كنت مُقْتَنِعاً أنها تحْتاج إلى تصْليح فأَذْهَبْت ثلاثين ألْفاً هباءً منثوراً ؛ ثمن الجنّة أنْ تخْشى الله بِالغَيب، مثلاً لك شريك وبِعْتَ بِضاعةً مُرابحةً تَكْشف وراءك ثمن البِضاعة من الشركة والشحن والجمارك والتأمينات... إلخ وأنت سافرت إلى أوروبا فأنت سافرْتَ إلى خمْس موضوعات ووضَعْتَ كلّ هذه المصاريف على هذه الصَّفْقة فمن الذي يكْشف هذا ؟ لأنك سافرت من أجل البِضاعة فأنت سافرت إلى خمس شرِكات وأخذْت معك زوْجَتَك وتنزَّهْت كان يجب عليك أن تتْرك له خمسمائة ألف على هذه الصفْقة لأنها تكاليف بِضاعة ومن الذي يكْشِفُها ؟ الله عز وجل ؛ فيا أيها الإخوة، إن لم تخْش الله بِالغيب فالطريق غير سالك أما مظاهر العِبادات والصلوات والصوم والحج والعمرة هذه عِبادات شعائِرية أما الله عز وجل يُحاسِب على الدِّرْهم وعلى القِرْش والمَلِّيم وعلى النظْرة ؛ طبيب لا يوجد إنسان يُحاسِبُهُ وعنده مريضة شَكَتْ له من مَوْضِع فَمِن حقِّهِ أنْ ينْظر إلى هذا الموْضِع أما إذا نظر إلى موْضِعٍ آخر لا تشْكوهُ منه فمن الذي يُحاسِبُهُ ؟ ومن يعْلم خائِنة الأعْيُن ؟ الله وحْده ؛ فَلو أنّ الدنيا محْسوسة والآخرة محْسوسة لما كانت هناك جنّة ولو أنّ الشهوات محْسوسة وجهنّم محْسوسة لما كانت هناك نار أما متى يسْتحقّ الإنسان دُخول الجنّة حينما يكون حُرًّا وبِإمْكانِه أنْ يفْعل ما يشاء ويقول ما يشاء ثم يخاف الله فيما بينه وبينها فهذا وَرَع والخوف هذا هو ثمن الجنّة ؛

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾

 

[ الملك:الآية 12 ]

 إنّك لا ترى الله ولا ترى الجنّة بِعَيْنك فالجنّة خبر والنار خبر ؛ أما المرْأة المُتَبَذِّلة في الطريق حقيقة ومحْسوسة والمرْكبة التي ثمنها ثمانية وعشرون ملْيون والبيت الفَخْم المُكَلِّف خمس وسِتون ملْيون و الطعام النفيس كلّ هذا تراه بِعَيْنِك أما النصوص بالكتاب والسنّة فالمؤمن لا يأكل المال الحرام لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أكْل المال الحرام ؛ ومن أخذ أمْوال الناس يريد إتْلافها أتْلفهُ الله، فالنقطة الدقيقة بالدرس والتي هي مِحْوَرُهُ الشهوات محْسوسة والأمر والنهي غَيْبٌ مكْتوب بالقرآن والسنّة فقط ؛ حينما تُصَدِّق قوْل الله عز وجل وتأْخذ مَوْقف يأتي الأجر وهو ثمن الجنّة ؛ كل الشهوات بين يدَيك ومع ذلك تخاف الله رب العالمين ؛ ومن لم يكن له ورَعٌ يصُدُّهُ عن معْصِيَة الله إذا خلى لم يَعْبإ الله بِشيءٍ من عملِه فَقيمة عملِك إذا خلَوْت مع الله أو إذا خَلَوْت مع نفْسك تخْشى الله، المؤمن أخلاقه صارخة فالمال بِيَدِه لكنّه لا يُدْخل عليه ولا قِرْش حرام ؛ أبو حنيفة - لعلها مُبالغة- كان واقِفاً بِظِلّ بيْت فانْزاح عنه إلى الشمس وقال هذا البيت مرْهونٌ عندي وأنا أخاف أنْ أنْتَفِع بِظِلِّه فالمؤمن من أجل خشْيَتِهِ يقِف أعلى مَوْقف من ورَع وهذا الورع والذي هو خوْف الله بالغيب هو ثمن الجنة ؛

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾

 

[ الملك:الآية 12 ]

 أما الإنسان أمام الناس تجده يتجمّل ويتعطّر ويصلي أحْياناً ويأْخذ موْقف أديب ويضْبط مشاعره وجوارحه كل هذا من أجْل انْتِزاع إعْجاب الناس أو من أجْل أن تُحافظ على مكانَتِك ؛ متى تكون عند الله محْبوباً ؟ إذا خشيتَهُ بالغيب قِصَّة غريبة لا أعْرف تفاصيلها لكن جاءتْني ورقة من سنتين لا زِلت أحْتفظ بها ؛ إنسانٌ بخيلٌ جداً وغنيٌّ جداً وتقَدَّمت به السّن فأعطى شخْصاً عشرين مليون ليرة ولأن بخيل لم يُخْبر أحداً ولا أهله وأولاده وثاني يومٍ مات بِحادِث ولا توجد أيّ وثيقة ضدّ الذي أخذ المبْلغ ؛ سمِع درْساً بالعثمان - أنا لا أعْرفه - لكنّه أرْسل لي ورقَةً فقال:سمِعْت درْس الأمانة وأدَّيت للورَثَة عشرين مليون عن طيب خاطِر ولو أني أخذْتُها لا أحد في الأرض يسْألني عنها لكنّ الله يعْلم فهذا هو ثمن الجنّة أنْ تخْشى الله بالغيب، وهذه قصة سمِعْتُها من أحد إخْواننا يشْتغِل بِلَفّ المُحَرِّكات جاءه مُحَرّك كُلْفَتُهُ خمْسة آلاف ولما فتحه لم يجِد فيه شيئاً يُصَلّح إلا اليسير فَلَحم ما يجب تلْحيمُهُ خِلال ثانية وفي اليوم الثاني جاء صاحِبها وأخذ منه خمسة آلاف ولما تاب إلى الله أُعيدت معه العملية فلم يأخذ من صاحِبها إلا خمسة وعشرون ليرة فَتَعَجَّب صاحِبها هذه هي خَشْية الله بالغيب ومن الذي يعْرف أنه لم يلُفّ المحرك ؟ الله وحْده.
وهذا أخ آخر من إخواننا يشْتغل بِتَصْليح السيارات قال لي:جاءني بواط فَكَّهُ فَوَجَدَ قِطعة مكْسورة وثمنها بالسوق خمسين ليرة ولما صاحب السيارة أخذ منه خمسون ليرة فقط وكان بِإمْكانه أن يقول له هذه قطعة غير موْجودة بالسوق ويأْخذ منه الكثير ؛ فهذه هو سؤال درْسنا ؛

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾

 

[ الملك:الآية 12 ]

 يجب أن تخاف الله والمؤمن ورَعُهُ صارِخ واسْتِقامَتُهُ واضِحة وأكثر شيءٍ بِكَسْب المال والنِّساء وهاتان النقطتان هما نقْطتا الضعف عند الإنسان ؛ المال والنساء والمؤمن عفيف عن المحارم عفيف عن المطامِع وهذا المال الذي يبْقى معه بِالحلال يُبارك الله عز وجل فيه وهذه الزوجة التي هي له والتي يقصر طرْفه عليها ولا ينْظر إلى غيرها يُبارك الله له فيها ويَسْعد بها لأن هذه بقِيَّة الله ؛ بَقِيَله من النساء زوْجته ومن المال:الحلال وهذا هو ثمن الجنّة لأن الله تعالى قادِر على أنْ يجْعل العذاب محْسوس والشهوات محْسوسة والأعمال الصالحة محْسوسة والجنّة محْسوسة والكل يعْل العمل الصالح ولكن عندئذ لا توجد هناك جنّة وانْتَفى أمامك عملٌ فيه بُطولة أما أنت كلّ شيء يدْعوك للمعْصِيَة ومن أجْل أنّ الله تعالى يأْمرك بالطاعة تُطيعُهُ وكلّ الناس يبْحثون عن شيء قريب وأنت تبْحث عن شيء بعيد بعد الموت وهذا هو ثمن الجنّة