الدرس : سورة الفيل - تفسير السورة بكاملها

1998-07-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، سورة الفيل تبْدأ بِقَوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

[سورة الفيل]

 أصْحاب الفيل ؛ أبْرَهَةُ الأشْرم أراد أن يأتي إلى الكعبة لِيُهَدِّمَها، وهو مع جُنودِهِ قُوَّة كبيرة، فهذا درْسٌ بليغ للبشَرِيَّة إلى يوم القيامة، والله وحده هو القويّ، ولا قوِيَّ مع الله تعالى أبَدًا، فأكبر قُوَّة على وَجْه الأرض تتهاوى كَبَيْتِ العَنْكبوت، وتَرَوْن بِأَعْيُنِكم مِمَّا يجري بيننا من أحداث أنَّ قِوَى كبيرة جدًا تُؤْمِنَ بأَنَّهُ لا إله، وتُصبح كعصْف مأكول فهذه سنَّة الله في خلْقِهِ، والإنسان حينما يَعْتَدُّ بِنَفْسِهِ، وينسى أنَّ الله مَوجود، وأنَّه تعالى بِيَدِه كُلّ شيء، وقادِر على كُلّ شيء، وأنَّه بِلَحْظةٍ واحِدَة يجعل هذا المخلوق خبرًا بعد أن كان حقيقةً، وأنّ الله سبحانه وتعالى بِإمكانهِ وبِقُدْرتِهِ في أيِّ لحْظة أن يجْعل الأقوياء المبطلين أحاديث، قال تعالى:

 

﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(19)﴾

 

[سورة سبأ]

 فربنَّا عز وجل لإظْهار حِكْمتِهِ سلَّط عليهم طيْرًا أبابيل، وقد قال بعض المُفَسِّرين: الطَّيْر الأبابيل أضْعف أنواع الطَّيْر، ألْقَتْ عليهم حِجارَةً مِن سِجِّيل، وكُلّ حجَرٍ مُسَجَّل عليه اسم الذي سَيَقْتُلُه، وحجَرٌ مِن طينٍ يابِس، فجعلهم كعَصْف مَأكول، وهذه حقيقة بدَأتْ بِقَوْله تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

 

[سورة الفيل]

 مع أنَّ الذين خُوطِبوا لم يَرَوا هذه الحقيقة، إنَّما سَمِعوا بها، فقَوْل الله عز وجل: ألَمْ تر ؟ أيْ أنَّ المؤمن يتلقَّى الخَبَر عن الله عز وجل وكأنَّهُ رآهُ، لِمِصْداقِيَّتِهِ، والعِلْم حَرْف والتَّكرار ألف كما يقولون وقِس على أصْحاب الفيل كُلَّ قوَّة غاشِمَة في الأرض تريد أن تَسْتَعلي على الخَلْق، فالحَرْب العالميَّة الثانِيَة ؛ هذا الذي جَعَلَ من الشَّعْب الألماني أعْظَم شَعْب في العالم، وجَعَلَنا نحن في مُؤَخِّرة الشُّعوب ؛ مع البرابرة أين انتهى به جَبَروتُهُ ؟ انْهَزَمَ ومُزِّقَت بلادُهُ، فَقِصَّةُ أصْحاب الفيل تتكَرَّر، وأيُّ قوَّة ظالمَةٍ غاشِمَة تَسْتعلي على الخلق، وتبني مَجْدها على أنقاضهم، الله عز وجل يُظْهِرُ آياتهِ، سأقول لكم هذه الحقيقة القِوى الغاشِمَة هذه التي تَسْتَعْبِدُ الشُّعوب، وتُسَخِّرُها لِمَصالِحِها وتَنْهَبُ ثَرواتها، هذه قوى هاوِيَة، وهذه الخِطَط إذا ما نَجَحَتْ إلى ما شاء الله فَنَجاحُ هذه الخِطَط يتناقض مع وُجود الله، فلا بدَّ مِن أن يُظْهِرَ الله آياتِهِ، عرفْتُ الله مِن نقْض العزائِم، تجد دَوْلَةً عُظْمى عاتِيَة تقول: سياسَتُنا الخارِجِيَّة كَسِياسَتِنا الداخلية ! أيُّ جِهَةٍ في الأرض يجب أن تأتَمِرُ ؛ هذا يجب أن يُعاقب بالحِصار، وهذا يُعاقَب بِمَنْع الطَّيران، أما التي تَخْرِقُ كُلَّ القوانين الدَّوْلِيَّة ولا تعْبأ بأيِّ قرار فهذه لا تُحاسَب فهذه القِوَى المُتَجَبِّرة في العالم، وهذه القِوى الطاغِيَة حِسابُها كأصْحاب الفيل قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

 

[سورة الفيل]

 والذي لا يرى أنَّ هذه القِوى الطاغِيَة مُسَيْطِرَة ومُهَيْمِنَة تارَةً بالأقمار الصِّناعِيَّة، وتارةً بالرَّصْد الجَوِّي، وتارةً بالتَّحليل الكيماوي، وهم مُسْتَعِدُّون أن يُفْنوا الشُّعوب ؛ سِتُّ مائة طفْلٍ يموتون كُلَّ عام في العراق ولا يزالون يدَّعون أنَّ هناك شيئًا أخْفاهم عنهم، وفي السُّودان كُلَّ يوم مائة ألف صباحًا يموتون جوعًا من الحِصار، فهذه القِوَى الجبارة أيُّها الإخوة، وهذه الفِتَن في العالم يصْطَنِعُها الأقوياء لِيُضْعِفوا الشُّعوب ويبْدو أنَّ أصْحاب الفيل كانوا أكبر قوَّة في الجزيرة العربيَّة طغيانًا قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

 

[سورة الفيل]

 فأراد أبْرَهَة أن يَهْدِمَ الكعْبة ونَسِيَ أنَّ الله بِيَدِهِ كُلّ شيء، كما أنَّهُ أراد بعض الطُّغاة في تركيا أن يُلْغوا الإسلام ؛ كمال أتَاتوُرْك ! مات وبقيَ الإسلام.
 كُلّ إنسان إذا اعْتَزَّ بِقُوَّتِه وجَبَروتِهِ، ونَسِيَ المُبْتَدى والمُنْتهى، ونسِيَ الجبار الأعلى، وطغى وبغى، فالله عز وجل سيَقْصِمُهُ، فهذا على مُسْتوى جماعي، وعلى مستوى فرْدي إذا اغتنى واحتلَّ مرْكزًا حساسًا وقال: أنا ربُّكم الأعلى !! فالله عز وجل قد يسوق له مرضًا يجْعلُهُ يبْكي كالأطفال ! لذا كُلّ مَن تَجَبَّر وطغى واسْتَعْلى ويتجاوَز الحُدود فهذا ينْتظِرُهُ القَصْم، والمؤمن يُعالَج، قال تعالى:

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

 

[سورة البقرة]

 فالمؤمن مُبْتَلى، والمؤمن يُعالَج، أما الذي يطْغى ويَبْغى، وينسى المبتدى والمنتهى، فهذا ينتظرهُ القصْم، يصْعد إلى أعلى مكان ويسْقط من ذاك المكان !
قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)﴾

 

[ سورة الفيل]

كَيْدُ الله غير كيْدِهم، فَكَيْدُ الله تعالى رَدٌّ على كَيْدِهِم، وكَيْدُ فيه حِكمة وعَدْلٌ ورحمة، قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾

[ سورة إبراهيم]

 وقال تعالى

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

 

[سورة الأنفال]

 وقال تعالى:

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾

 

[سورة آل عمران]

 وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾

 

[سورة غافر]

 وقال تعالى

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾

 

[سورة آل عمران]

 المؤمن لا يَضْعُف ولا يسْتكين، قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

 

[سورة الفيل]

 فالإنسان أحْيانًا يرى قُوَّة غاشِمَة التي تتحكَّم في العالم الآن، فهذه تأتيه أعاصير ثلاثون مليار خسائِر، أعاصير مُدَمِّرة، وحريق مُدَمِّر و فيضانات مُدَمِّرة، انْتِشار أمراض خبيثة ؛ كُلّ عَشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدز ولا يوجَد زواج يسْتَمِر أكثر من سَنَتَيْن، وأطْوَل زواج سنتَيْن ! يقول رئيسهم كلينتون قبل سنة: أربعة أخْطار تُواجِه ُ بلادنا ! أنتم قد تتوهَّمون مثلاً أن يقول: اليابان أو الاتِّحاد الأوروبي !! قال: انْحِلال الأخلاق، وتَفَكُّك الأُسْرة، وشُيوع الجريمة، وانْتِشار المُخَدِّرات، لذا فهؤلاء الثلَّة لهم انْهِيارٌ داخلي، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾

 

[سورة الطارق]

 وَمَنْ هَوِيَ الكَفَرَة حُشِرَ معهم، لا ينْفَعُهُ عملُهُ شيئًا، حدَّثني أخٌ زارنا قبل أسبوعَين مُقيمٌ بأمريكا يعْمل بِشَرِكَة ضَخْمة بالكمبيوتر، قال لي: قبل خمْس سنَوات لو اكْتَشَفَتْ الشَّرِكَة أنَّ أحَدَ المُوَظَّفين يُساكِن امرأة ليْسَت زوْجَتَهُ يُطْرَد من وظيفَتِه ! وقبل أشْهُر زُفَّتْ إلينا بُشرى لِكُلَّ المُوَظَّفين أنَّ أيَّة علاقةٍ شاذَّة بين مُوَظَّف وشريك له يسْتحِقّ ميِّزات المُتَزَوِّج !! أيُّ شُذوذ جنْسي يسْتحق التَّعويض، ذَكَر بين ذَكَر أو أنثى بين أنثى أو ما شاكل ذلك !! هذا هو الانْحِلال أيها الإخوة، فالشُّذوذ عندهم يُصيبُ عِلْيَة القَوم، شَخْص ذو مَنصب رفيع، ومكانة كُبرى، ففي مؤْتَمر صحفي رئيس وزير الصِّحة البريطاني، وهو مُكَلَّف بِحِماية الصِّحة بِبْريطانيا، وأخطَر شيء يُواجِهُهُ الإيدز ! يقول: أنا شاذٌّ جِنْسِيًّا!! وزير الصِّحة والذي يَحمِل الدكتورة يقول هذا الكلام فالإنسان يسْتحي أن ينْتمي إلى هذا المُجْتَمَع، وهذه امرأة تُقيم مؤتَمر صُحفي بُثَّ على أثنى عشرة قناة فضائِيَّة، وهذا البرنامَج رآهُ سِتُّ مائة مليون بالعالم، تقول: أنا زَنَيْت اليوم الفلاني مع فُلان، واليوم الفلاني مع فلان، ولمَّا ماتَتْ بِحادِث مشى بِجنازَتِها ستَّة ملايين إنسان !!! رؤساء الدُّوَل بَكَوْا وأرْسَلوا مَن يُمَثِّلُهم في جنازتها، لذا نحن نعيش في أيِّ عَصْر ؟! كيف إذا كان المعروف فيكم مُنْكَرًا، والمُنْكر معْروفًا ؟ وكيف بِكُم إن أمرْتُم بالمُنكر، ونَهَيْتُم عن المعروف ؟ وكيف بِم إذا ائتُمِن الخائن وخُوِّن الأمين ؟! وكيف بكم إذا صُدِّق الكاذب وكُذِّب الصادِق ؟! نحن في آخر الزَّمان، القابض على دينِهِ كالقابِض على الجَمْر، وأجْرُهُ كَأَجْر سَبْعين فقالوا: أمِنَّا أم منهم ؟ فقال: بل منكم لأنَّكم تَجِدون على الخير مِعْوانًا ولا يَجِدون.
فهذه السورة تنتظر كُلّ الفسَقَة والفُجَّار والأقْوِياء، والطُّغاة في العالم الذين يعيشون على أنقاض الشُّعوب البريئة.
 والله أيها الإخوة، إنَّ الأخبار مُؤلِمَة، تأتي باخِرة مُساعدات غِذائِيَّة للصومال، نصفُها نفايات ذَرِيَّة تُلقى على سواحِلِها، وبالاسْم مُساعَدَة كلمة جهَنَّم يستأهلها هؤلاء، تجدُ جِهَةً واحِدَة تبيع السِّلاح للطَّرفَيْن فهذا الذي يَحْتَرِمُ الغربيِّين، ويُبَجِّلُهم ويرى أنَّهم مُتَحَضِّرون هو إنسانٌ أْحمَق وأعْمى، والمسلِم هو الشريف والصادِق والرَّحيم، ولازِلنا بِخَيْر أيها الإخوة، ولازالَت جوامِعُنا ممتلئة، فنحن في نِعْمة كُبرى نرْجو الله أن يُديمَها علينا.