الحلال والحرام - الدرس : 07 - الحلال والحرام في الكسب.

1995-04-30

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أخطر موضوع في الدين هو الحلال والحرام بعد الإيمان بالله :

 
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس السابع من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد ذكرت لكم من قبل كثيراً أن أخطر موضوع على الإطلاق في الدين هو الحلال والحرام بعد الإيمان بالله، لأن الإنسان إذا عرف الله عز وجل يشعر بدافع قوي لمعرفة أمره.
 لأن المؤمن إذا تلبس بظلم كان الظلم حجاباً بينه وبين الله عز وجل، لذلك أمضى النبي صلى الله عليه وسلم سنوات كثيرة في مكة المكرمة يرسخ أركان الإيمان في أصحابه، فلما انتقلوا إلى المدينة انتقلوا إلى مرحلة أخرى بالدعوة إلى الله، مرحلة التشريع، الإنسان لابد له من مرحلة يؤمن، ومرحلة يتعرف إلى منهج الله.
 يمكن أن نلخص الدروس الماضية بأن الإنسان يأكل ويشرب، فما الحلال والحرام في المأكل والمشرب؟ ويرتدي الثياب، ويتزين، فما الحلال والحرام في ارتداء الثياب وزينته؟ ويسكن في البيت فما الحلال والحرام في أثاث هذا البيت وفي مرافق هذا البيت؟

 

من وفق في زواجه و عمله وفق في حياته :

 الآن خرج هذا الإنسان إلى عمله، ما الحلال والحرام في عمله؟ بالمناسبة أيها الأخوة: في حياة الإنسان شيئان لاصقان به لصوقاً شديداً؛ الشيء الأول: هو زواجه، والشيء الثاني: هو عمله، فإذا وفق فيهما وفق في حياته.
 
لأن المركبة نبيعها، والبيت نبيعه، ونستبدله بشيء آخر، لكن الزوجة أم الأولاد إذا استغنينا عنها تمزق الأولاد.
 والعمل كل خبراتك في هذا العمل، فمن الصعب جداً أن يغير الرجل عمله بعد حين من الوقت، لذلك من نعم الله على الإنسان أن يتعرف إلى الله في سن مبكرة، فإذا تعرف إلى الله جلّ جلاله في سن مبكرة شكّل حياته تشكيلاً إسلامياً.
 سعد في حياته الدنيا لأنه اختار الزوجة وفق ما يرضي الله ورسوله، واختار عملاً حلالاً، أنا أشعر أحياناً أن الذين تورطوا في أعمال لا ترضي الله عز وجل، وكونوا خبرتهم من خلالها، لو أن إيمانهم كان من الدرجة العالية جداً رفضوا هذا العمل، لكن أحد أكبر العقبات التي تحول بينك وبين أن تسير إلى الله عملك، أحياناً أحد أكبر العقبات التي تحول بين الإنسان وبين السير إلى الله عز وجل زوجته.
 فلذلك يا معشر الشباب تفهموا دينكم في وقت مبكر، حتى إذا اخترتم الزوجة اخترتموها صالحة، وحتى إذا اخترتم العمل اخترتموه عملاً حلالاً.

 

الإنسان في الدنيا من أجل أن يدفع ثمن الآخرة :

 أيها الأخوة: نقطة مهمة في هذا الدرس هو أن الإنسان مخلوق للجنة، ولكن هذا العطاء الكبير لا نسعد به إلا إذا دفعنا ثمنه، الآن الذي يحمل دكتوراه، ليسانس، ماجستير، لو فرضاً نال هذه الشهادة بلا جهد هو لا يسعد بها، وإذا علم الناس طريقة نيله لهذه الشهادة لا يحترمونه، الشهادة العليا لا قيمة لها إلا إذا بنيت على جهد كبير، فلذلك هذه سنة الله في خلقه، الجنة عطاء كبير، لو إنسان قال هذا القول: لو أن الله عز وجل خلقنا في الجنة، لا نسعد بها أبداً إلا إذا جئنا إلى الدنيا ودفعنا ثمنها، لو جئنا إلى إنسان لا يفقه في أمر العلم شيئاً، ووضعناه في مجلس أكاديمي عال، في جامعة، مقعد وثير، وطاولة أمامه، ولاقط، ولوحة، لكنه ليس في العير ولا النفير يتمزق.
 العطاء الثمين لا تسعد به إلا إذا دفعت ثمنه، نحن الآن في الدنيا من أجل أن ندفع ثمن الآخرة، الآخرة عطاء أبدي، وكلمة أبدي أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى توضيحها: ألف مليار مليار، هذا الرقم صفر أمام الأبد، واحد في الأرض وأصفار إلى القمر، ثلاثمئة وستون ألف كيلو متر، أصفار بين الصفرين ميلي واحد، هذا الرقم إذا قيس للأبد صفر، الله عز وجل خلقنا للأبد لنكون في جنة ربنا للأبد، نحن الآن في الدنيا في دار إعداد، والله عز وجل سماها الحياة الدنيا، ليست عليا، هي مبنية على الكدح، قال تعالى:

﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾

[سورة الانشقاق:6]

 حتى الإنسان يأخذ شهادة عليه أن يتعب تعباً شديداً، يقولون: فلان معه ليسانس، حتى يؤسس مشروعاً تجارياً، حتى يركب مركبة موديل ثمان وأربعين، يقول: مت حتى اشتريتها، هذه طبيعة الحياة:

﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾

[سورة الانشقاق:6]

نظام الآخرة شيء و نظام الدنيا شيء آخر :

 أما الآخرة فنظام ثان، لهم ما يشاؤون فيها، لمجرد أن يخطر في بالك شيء تجده أمامك، نظام الآخرة شيء والدنيا شيء آخر.

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 المرئيات محدودة جداً، يقول: أنا أعرف الأردن والسعودية وقبرص... في العالم خمسمائة مدينة، تعرف عشر منها، هذه المرئيات أما المسموعات فأكبر، ولا أذن سمعت، أنا سمعت عن كوالالمبور في الأخبار لكن لا أعرف مكانها في حياتي، تسمع بمدن لا يعرفها إلا الله، أما دائرة الخواطر فأوسع دائرة، قد يخطر في بالك حيوان طوله من الأرض إلى القمر، كخاطر ممكن، الآخرة نظام آخر، نحن مخلوقون للجنة.

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود الآية :119]

 والثمن في الدنيا، الثمن عمل صالح، باختصار شديد: الإنسان في الشهوات مخير، هناك عقل، و هناك كون يدله على الله، فطرته تدله على خطئه، عقله يهديه إلى الله، الشهوات دوافع إلى الله، حرية، اختيار، الشرع يقوّم سلوكه في مقومات الاختيار، نحن في الدنيا من أجل أن ندفع ثمن الآخرة، الآخرة ملخص واحد؛ العمل الصالح.

 

الإنسان حين مغادرة الدنيا لا يندم إلا على العمل الذي هو علة وجوده في الدنيا :

 لذلك الإنسان حينما يغادر الدنيا، أو حينما يفاجئه الموت لا يندم إلا على شيء واحد قال تعالى:

﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾

[سورة المؤمنون: 100]

 
اشترى أحد الصالحين قبراً في حياته، كان يضطجع فيه يوم الخميس ويتلو هذه الآية: "رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً"، فيقول لنفسه: قومي يا نفس لقد أرجعناك، لو يتصور الإنسان حينما يأتيه ملك الموت لو أن الدنيا كلها بيده، ترى دعوى تبقى اثنتي عشرة سنة من أجل محل تجاري، يقول: هذا المحل في شارع مهم، لو إنسان يملك شارع الحمراء كله على الصفين، والحميدية، والصالحية كذلك، والحمراء في بيروت على الصفين، وشوارع باريس، ولندن كذلك، وجاء أجله، يلقي بهذا كله من أجل أن يسمح له بعمل صالح، نحن أحياء الآن، وأبواب العمل الصالح مفتحة أمامنا:

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))

[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]

 إذاً ثمن الجنة مركز في كلمتين؛ العمل الصالح، أن يكون لك عمل.

(( لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟))

[الحاكم عن ابن الخصاصية]

 اسأل نفسك هذا السؤال كل يوم: بماذا تلقى الله؟ هل لك عمل طيب؟ هل قدمت شيئاً للناس؟ هل لك صدقة جارية؟ هل تركت عملاً ينتفع به؟ هل دعوت إلى الله؟ هل خدمت إنساناً؟ ماذا فعلت من أجل الله؟ أما من أجل مصلحتك المادية فتفعل كل شيء، وقتك كله لمصالحك المادية، أريد عملاً لا علاقة له بالدنيا، قال تعالى:

﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً﴾

[ سورة الإنسان: 9]

 ما العمل الصالح الذي تدخره للآخرة؟ سؤال يجب ألا يبرح أذهاننا إطلاقاً.

 

العمل الصالح ثمن الآخرة :

 لا أزال في الموضوع المسلسل، العمل الصالح ثمن الآخرة، والعمل الصالح يحتاج إلى أشخاص، هل هناك صدقة من دون أشخاص؟ هل هناك حلم من دون أشخاص؟ لو إنسان سكن وحده في جبل يحلم بمن؟ يكذب على من؟ يسامح من؟ يرحم من؟ يعطي من؟ يمنع من؟ فلا بد من العمل الصالح الذي هو ثمن الجنة.
 الله عز وجل قهرنا بالعمل، كيف سمح لك أن تتقن شيئاً وأنت محتاج إلى مليون شيء؟ فلا بد من أن تكون في مجتمع تشتري الطعام، اللباس، تعلم ابنك في مدرسة، تذهب إلى طبيب، تذهب إلى خياط، تحلق شعرك عند حلاق، أنت تتقن حاجة واحدة وأنت محتاج إلى مليون حاجة، بهذا التداخل في مصالح البشر جعلهم يعيشون في مجتمع، لا يكفي جعلك تحتاج إلى طعام، الجوع يحرك، وجعل هذا الجسم في بقائه متوقفاً على الطعام والشراب، وأنت مفتقر إلى ثمن الطعام والشراب، فدفعك إلى العمل، هذه فلسفة العمل، الجنة أنت خلقت للجنة، ثمنها العمل الصالح، والعمل الصالح لا يكون إلا في مجتمع، وجعلك في الأصل اجتماعياً، وسمح لك أن تتقن حاجة، وأحاجك إلى مليون حاجة، أنت لابد من أن تكون في مجتمع، تحتاج إلى طبيب، و مهندس، وخياط، وحلاق، وقصاب، ملايين المهن...
 لا يكفي أنك تتقن عملاً وتحتاج إلى مليون عمل، جعل حياتك متوقفة على تناول الطعام والشراب، والطعام والشراب له ثمن لا تملكه، إذاً دفعك إلى العمل، الآن درسنا ونحن في مجتمع، ونبحث عن رزق لنأكل به، الله سبحانه وتعالى يمتحننا، أنت الآن ممتحن؛ قهرك بالعمل، وقهرك بالجوع، تصور لو لم يكن هناك جوع لما كان هناك جامع، ولا مركبة، ولا مصباح، ولا ساعة في يدك، لماذا العمل؟ الناس يعملون ليأكلوا، ثم ليلبسوا، ثم ليتزوجوا، ثم ليسكنوا، ثم لينجبوا، ثم ليترفهوا، العمل أساس الحياة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قدّس العمل، أمسك بيد أصحابه وكانت خشنة رفعها وقال: هذه اليد يحبها الله ورسوله.
 أنا لا أحب أن يكون في الإسلام ازدواجية، عملك جزء من دينك، اختصاصك، شهادتك، تجارتك، صناعتك، وظيفتك، عملك جزء من دينك، لا يوجد انفصال هذه للدنيا وهذه للآخرة، المؤمن عمله نوع من عبادته لله عز وجل.

 

الله عز وجل سخر السموات والأرض للإنسان من أجل أن يعمل :

 الآن أول فكرة في هذا الموضوع وهو الحلال والحرام في كسب الرزق، قال تعالى:

﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾

[ سورة الملك: 15]

 في التربة لو كان الحديد ليس على شكل فلزات، على شكل كتل من الحديد الصلب، لن نستطيع أن نستعمله، لكن الله سبحانه وتعالى جعل الحديد ذلولاً عن طريق أنه على شكل فلزات، الحيوان الذي نحتاجه وهو قوام حياتنا جعله مذللاً، البقرة مذللة، الغنمة مذللة، لكن العقرب الصغير إذا رأيته تصيح وتقفز، أما بقرة وزنها يقدر باثنين طن فيقودها طفل صغير، الله جعل الأرض مذللة، جعل الأرض تربة ولم يجعلها صخراً، وأنزل من السماء ماء، وجعل أنهاراً، وجعل ينابيع، وخلق أنواع الخضار والفواكه، وأنواع النباتات، وخلق حيوانات منوعة كلها في خدمتك، يجب أن تعلم كلام خالق الكون:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية الآية : 13]

 الله عز وجل ما سخر السموات والأرض إلا من أجل أن تعمل فيها، فالعمل قيمة عالية في الإسلام، الإنسان له عمل، له دخل، تزوج امرأة صالحة، أنجب منها أولاداً، رباهم تربية إسلامية، اكتفى بهذا الدخل عن سؤال الناس، هذا الإنسان يتحرك وفق منهج الله سبحانه وتعالى، هكذا أراد الله لنا أن نعيش.

 

العمل جزء من دين الإنسان :

 النبي صلى الله عليه وسلم كان له عمل، كان يرعى الغنم على قراريط، الغنم ليست له، كان أجيراً، والنبي تاجر، وما من نبي إلا وله عمل. وصحابة رسول الله الكرام لهم أعمال، سيدنا الصديق كان تاجر أقمشة، والغريب أنه يوم تولى الخلافة وضع الثوب على كتفه وانطلق ليبيعه في السوق، إلى أين ذاهب يا خليفة رسول الله؟ قال: من أجل أن أكسب قوت يومي، سيدنا أبو عبيدة بن الجراح كان قصاباً، كل الصحابة كان لهم أعمال
علماء الأمة الإسلامية، أبو حنيفة كان تاجر أقمشة، ابن حنبل كان تاجراً، العمل جزء من دين الإنسان.
 هذا الذي لا يعمل يعيش على أنقاض الآخرين، هذا الإنسان خلاف منهج الله عز وجل، أنت لك أن تفتخر بعملك إلا أن يكون حراماً، هناك أعمال أصلها حرام، وهناك أعمال أصلها حلال، لكن بعض الناس يسلكون فيها الطرائق التي لا ترضي الله عز وجل، وأوضح مثل هناك قاعدة بالفقه تقول: هذا الشيء حرام لذاته، وهذا العمل حرام لغيره، تناول لحم الخنزير هذا حرام لذاته، أما إذا تناول لحم ضأن في مطعم ولم يدفع الثمن فهذا حرام أيضاً.
 اللحم مسموح أكله، لكن عدم دفع الثمن هو الحرام، فإما أن يرتكب الإنسان الحرام لذاته وإما أن يرتكب الحرام لغيره، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾

[سورة الملك:15]

العمل قيمة عالية في الدين :

 ذكرتكم بثلاث مقولات سابقة؛ ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، ما أودع فينا القوة الإدراكية إلا كي نتعرف إليه، والآن ما جعل السموات والأرض مذللة إلينا إلا لنعمل فيها، مسلم في بؤرة الحياة لا ينسحب منها، التقوقع والانهزام والانعزالية، ويا رب ارزقني من عندك رزقاً، هذا الكلام لا معنى له إطلاقاً، الله كتب عليكم السعي فاسعوا.
 الجنة تحتاج إلى عمل، والعمل يحتاج إلى مال، والمال يحتاج إلى مهنة، والذي يسك سبيل كسب الرزق ليكتفِ بنفسه، وليعمل عملاً صالحاً، هذا وفق منهج الله تماماً.
 لذلك محرم على المسلم أن يكسل عن طلب رزقه باسم التفرغ للعبادة، النبي الكريم دخل إلى مسجد رأى شاباً يصلي قال: من يطعمك؟ قال :أخي، قال: أخوك أعبد منك.
 من يقوم على شؤون فلان؟ قالوا: نحن نرعى له غنمه ونسقي له، قال: كلكم أعبد منه.
 العمل قيمة عالية في الدين، فباسم التفرغ للعبادة هذا الشيء لا يتفق مع منهج رسول الله، وباسم التواكل هذا فهم سقيم للتوكل.

 

معصية كبيرة أن تكون قادراً على كسب الرزق وتسأل الناس بإلحاح :

 لذلك: المؤمن الصادق ينطلق لكسب رزقه الحلال وهو في هذا في أعلى درجات التعبد، وأنا أقول لكم: الحرفة إذا كانت في الأصل مشروعة، وسلكت فيها الطرق المشروعة، وابتغيت فيها كفاية أهلك، ونفسك، وخدمة المسلمين، ولم تشغلك عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طلب علم، انقلبت الحرفة إلى عبادة.
 
وأنت في مكتبك، وأنت في متجرك، وأنت في وظيفتك، وأنت في عيادتك، وأنت في معملك، وأنت في مصنعك، وأنت تحرث أرضك، أنت تعبد الله عز وجل لأنك تتحرك وفق الخطة الإلهية التي رسمها للبشر، فالإنسان القوي، الشديد، العتيد، لا يحل له أن يعتمد على الصدقات في طعامه وشرابه، معصية كبيرة أن تكون قادراً على كسب الرزق، وقادراً على إقناع الناس على أنك فقير، والناس يصدقونك ويعطونك، رأيت هذا أحسن من العمل، كسب المال عن طريق التسول، أو عن طريق استعطاف الناس، أو بأساليب راقية وذكية دون أن تعمل، هذا محرم في الإسلام، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي ))

[أخرجه ابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( الذي يسأل من غير حاجة كمثل الذي يلتقط الجمر))

[ رواه البيهقي وابن خزيمة في صحيحه عن حبشي بن جنادة ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((ومن سأل الناس ليُثري به ماله كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، ورضفاً يأكله في جهنم فمن شاء فليقلل، ومن شاء فليكثر))

[الترمذي نحوه عن حبشي بن جُنادة]

 تسأل الناس وأنت قوي بإمكانك أن تعمل، تذهب ماء وجهك أمام الناس من أجل أن تأخذ أموالهم، هم تعبوا في جمعها وتأخذها أنت بلا تعب، هذا يتنافى مع صدق الإيمان.
 وقال عليه الصلاة والسلام:

((إن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 ينعدم الحياء من وجهه، الذين يسألون ويلحون في السؤال، لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾

[ سورة البقرة: 273]

قصة في السنة الشريفة لها دلالات خطيرة جداً :

 هناك قصة وردت في السنة الشريفة لها دلالات خطيرة جداً، إنسان سأل رسول الله أن يعطيه من المال، فسأله النبي هل عندك شيء في البيت؟ قال: لا يوجد عندي شيء، فلما ألح النبي عليه الصلاة والسلام قال: عندي قعب - إناء - وبساط، فقال: ائتني بهما، فجاء بهما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: من يشتري هاتين -هذه مزايدة- فقام أحد أصحاب رسول الله قال: أنا أشتريهما بدرهم، فقال عليه الصلاة والسلام: من يزيد عليه؟ فقال آخر: أنا أشتريهما بدرهمين، فباع النبي هذا البسط وذاك القعب بدرهمين لهذا الصحابي، وتوجه إلى السائل الذي يسأله العطاء وقال له: اذهب فاشترِ طعاماً بدرهم فانبذه لأهلك واشترِ بالدرهم الآخر قدوماً وائتني به، هناك نقطة مهمة جداً اسمها الأمن الغذائي، الإنسان لا يبدع في عمله إلا إذا كان مطمئناً على أهله، إذا البيت فيه مشكلة، جوع مثلاً وبحاجة ماسة إلى الطعام والشراب الإنسان لا يعمل، فاشترِ طعاماً بدرهم فانبذه لأهلك واشترِ بالدرهم الآخر قدوماً وائتني به، وتروي كتب الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة شدّ على هذا القدوم عود قال: اذهب واحتطب ولا أرينك لخمسة عشر يوماً.
 أي اقطع حطباً من أطراف المدينة وبعه للمحتاجين، ولا أرى وجهك لخمسة عشر يوماً، بعد خمسة عشر يوماً جاءه هذا السائل بعشرة دراهم، فقال عليه الصلاة والسلام:" هذا خير لك من أن تسأل الناس".
 لا يوجد إنسان يسأل وجه الله الكريم ويخرج من بيته ويقول: اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً، إلا و يرزقه الله.
 ولله لو أن الطرق كلها مسدودة، الله عز وجل نظير هذا الطلب الجيد والواقعي والمخلص يفتح لك أبواب الرزق، الله هو الرزاق، وإذا أعطى أدهش، وأنا أسمع قصصاً تكاد لا تصدق، السبب أن هناك إخلاصاً، قال: يا رب ارزقني رزقاً حلالاً طيباً، افتح لي أبواب فضلك، الرجل عندما يخرج من المسجد الدعاء المستحب:" اللهم افتح لي أبواب فضلك"، لها عدة معان؛ من معاني هذا الدعاء أنك إذا سمعت توجيهاً نبوياً أو تفسيراً لكتاب الله يا رب وفقني في حياتي اليومية، وإذا الإنسان دخل المسجد: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك" أنت في المسجد ضيافتك من الله الرحمة، تشعر بصفاء، برحمة، أولاً هناك علم، ثانياً هناك حال، ثالثاً هناك تفاؤل، وراحة من متاعب الحياة.

((إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها هم عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر))

[أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري]

على الإنسان ألا يضن بوقته في طلب العلم :

 أنت إذا جلست في بيت من بيوت الله تطلب العلم نزلت عليك السكينة - الحال الراحة النفسية- وغشيتك الرحمة، توفق في بيتك، وفي عملك، وتجارتك، وحفتك الملائكة، وذكرك الله فيمن عنده، رفع لك ذكرك، إذا الإنسان في وقت من أوقاته الثمينة خصص وقتاً لطلب العلم وفقه الله عز وجل.
 
وهناك إنسان يأتي إلى دروس العلم ويجعلها على الفضلة، الدنيا شتاء، الليل طويل، نأتي ونحضر هذا الدرس، ويقول لك: الدرس ممتع و لطيف، أما في الصيف فلا تجده زبوناً شتوياً، المؤمن يشكّل حياته وفق مجالس العلم، هذا زكاة الوقت، كيف الإنسان إذا أدى زكاة ماله حفظ الله له بقية ماله، واسمعوا مني ما أقول لكم: والإنسان المؤمن إذا أدى زكاة وقته لطلب العلم حفظ الله له بقية وقته، أي أن الله سبحانه وتعالى يطرح في وقته البركة، ينجز أعمالاً كبيرة في وقت قليل، والله عز وجل قادر بالتعبير الدقيق أن يتلف لك الوقت، ممكن أن تضيع اثنتي عشرة ساعة لسبب تافه، حرارة الصغير ارتفعت، تراجع الطبيب يقولون لك: تعال غداً، تأتي في اليوم الثاني كان هناك عشرون مراجعاً فتنتظر، ثم طلب منك تحليلاً، تذهب للتحليل، ثم تصويراً، ثم وصف لك دواء، ورجع الطفل إلى حرارته العادية، اثنتا عشرة ساعة وألف ليرة وكان من الممكن ألا يحدث شيء، الله عز وجل قادر أن يتلف لك الوقت الثمين بأسباب تافهة، الإنسان لا يضن بوقته في طلب العلم.
 سيدنا أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى قرأ حديثاً، كان الحديث سبب انعطاف في حياته:

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))

[الخطيب والديلمي وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائي]

 ليس هذا أنه يجد تحت الوسادة ليرات ذهب، أي أن الله ييسر له عملاً وقته قليل ودخله معقول، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، الله عز وجل يري المؤمن بعض الآيات، تنحل أعظم القضايا وأنت في المسجد لأنك في ضيافة الرحمن، الله يتكفل لك في بقية شؤونك.

 

من سأل الناس لأمر خطير فلا شيء عليه :

 ورد في الحديث الشريف:

((إن المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه))

 أي كل مسألة يجرح الرجل وجهه بشفرة، كل سؤال ندبة في الوجه:

((إن المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا إن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا ))

[بن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن سمرة بن جندب ]

 إذا رجل ابنه مريض ويحتاج إلى عملية جراحية، اسأل على الرحب والسعة، تجدي عشرات الناس الطيبين ينهضون لخدمتك، طبعاً في أمر ضروري، في مرض، في فقر، في حالات تدفئة، إذا أحد احتاج لا يمنعه هذا الحديث من أن يسأل، هناك حكمة، هناك حال لابد من هذا المبلغ، ويبنى عليه أمر خطير يجب أن تسأل، أما أشياء فيها رفاه أو أشياء ثانوية فلا ينبغي أن تسأل:

((تحملت حمالة ـ الإنسان أحياناً يكون في خصومة بين فريقين، وهناك قتلى وثأر يدفع من ماله الخاص دية القتلى وينهي الموضوع، كما فعل هرم بن سنان في الجاهلية لما أوقف حروب دامت عشر سنوات وزهير بن أبي سلمى مدحه في شعره ـ فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم أسأله فيها فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة ـ تحملها حقناً للدماء، هذا الإنسان بطل دفع ماله وركب على نفسه الدين ولم يبق معه ليوفي ـ حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله ـ محله احترق، بضاعته غرقت ـ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا ))

[ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي عن قبيصة بن المخارق]

 والحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً:

((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه))

[ متفق عليه عن الزبير بن العوام]

 العمل شرف.

 

الحكمة من أن العمل الحلال متعب ودخله قليل والعمل الحرام جهده قليل ودخله كبير :

 سبحان اللهّ العمل الطيب الحلال متعب ودخله قليل، والعمل الحرام جهده قليل ودخله كبير، وهذه لها حكمة بالغة ليمتحن المؤمن في الدنيا.
 هناك أعمال والله قال لي أخ له شقيق عمل في ملهى، في بعض الأماكن ثمانية ملايين صافي أرباح في خمسة وأربعين يوماً، وتعمل في تجارة سنة بكاملها، وتحضر بضاعة وتبيعها، وتحملها، وتتعب، ولا تحصل واحد بالعشرة من هذا الربح، لحكمة أرادها الله عز وجل الحلال متعب وصعب، والحرام سهل، أحياناً رجل يغض بصره عن مستودع يأخذ مليوني ليرة، أما حتى يحصّل هذا بالتجارة فيتعب كثيراً.
 لذلك:

(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))

[ابن عساكر عن أنس]

 هذا امتحان صعب، لأن الله عز وجل يمتحن هذا الإنسان، أنا أريد دخلاً حلالاً، ثماني ساعات مشقة لكن القرش حلال.
 أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، أنا لا أرى في الحياة بعد إيمانك بالله في أن تزهد أن يكون دخلك حلالاً، المبلغ القليل فيه بركة، الله يحفظ لك أولادك، هناك تفاهم ومودة، وتأكل كل شيء، كيف هذا المعاش يكفي؟ فيه بركة، وفيه إدارة واعتدال، و لا يوجد بذخ، ولا ترف، ولا إتلاف مواد، يمكن للإنسان أن يعيش بدخل معقول، أما إذا كان الدخل حراماً فالمال يذهب من حيث أتى، أنا لا أعتقد أن شيئاً يلزم المؤمن من أن يجهد في أن يجعل دخله حلالاً، معنى ذلك عليه أن يلتزم الصدق، والأمانة، وعدم الكذب، وعدم الحلف الكاذب، وعدم الغش، وعدم التدليس.

 

على الإنسان أن يلتزم الصدق و الأمانة في البيع و الشراء :

 أنا حدثني إنسان في بلد عربي عن سوبر ماركت أعلن عن بيعها في الصحف، جاء زبون طبعاً عن طريق الهاتف قال له: أنا لا أملك من الوقت أن ألتقي بك في هذا المكان إلا من الساعة الواحدة وحتى الواحدة والنصف فقط، وجاء هذا الزبون ليشتري هذه السوبر ماركت، لم يتمكن أن يتكلم مع صاحبها من كثرة الزبائن، فيها مئة زبون، فالشاري فقد عقله وقال له: كم سعرها؟ فرد عليه أنا لست فارغاً حتى أتكلم معك ألم تر؟ تعال مساءً إلى البيت، مساءً دفع ثمن المحل، و كان ثمنه رقماً فلكياً، استلم المحل وعمل عقوداً، ثم فتح الساعة الثامنة لا يوجد أي زبون، الثامنة والنصف، التاسعة، التاسعة والنصف لا أحد، الساعة الثانية عشرة ظهراً لا أحد، الواحدة لا أحد، في الواحدة والنصف جاءه زبائن، مقابل المحل هناك معمل لبيع المشروبات الغازية، كل هؤلاء العمال يأتون بنصف ساعة يشترون حاجاتهم بنصف ساعة، متى وعده؟ من الواحدة والنصف حتى الثانية، ورأى مئة زبون عنده، اشتراها برقم فلكي، أنا سئلت هل يجوز أن يبيعها بهذا الطريقة؟ الجواب لا.
 مبلغ كبير والربح قليل، خاسرة معه، هل يجوز للشاري أن يبيعها بطريقة شرائها؟ قلت له: لا يجوز، إذا كان هناك إنسان مغفل غشه آخر فهو يغش الناس بالطريقة نفسها، لو وعد الثاني في نفس الوقت يبيعها فوراً بأعلى سعر، فإن لم يكن هناك غش، ولا تدليس، ولا كذب، ولا احتكار، صار الدخل حلالاً، هذا القرش مبارك، مثلاً قماش درجة عاشرة، ويوجد حواش، و هي عبارة عن ماء ذهب تكوى فتصبح صناعة فرنسا، تبيعها بخمسة أضعاف، هذا غش، كل عملية إيهام للزبون أن هذا القماش أجنبي أو مستورد دخلت في الحرام، فلذلك الدين كله هنا، لا الصلاة وهي فرض، ولا الصوم، ولا الحج.
 ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، دانق من حرام لا يوجد فيه غش، ولا كذب، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا احتكار، ولا إيهام، ولا كذب.

((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه))

[ متفق عليه عن الزبير بن العوام]

من يبني دخله على أكل أموال الناس بالباطل يخسر الدنيا والآخرة :

 الحقيقة أحياناً الذي يغش يظن نفسه ذكياً، هو يجمع المال عن طريق الغش بالمئات، يدفعها بالملايين دفعة واحدة، لكن لا أحد يعلم، المؤمن يعلم أن المال الحرام يتلف ويتلف صاحبه.
 أعرف رجلاً له دخل حرام، أول ولد معتوه و كذلك الثاني والثالث والرابع:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية:12]

 يبني دخله على الحرام، يبني دخله على أكل أموال الناس بالباطل، يبني دخله على الكذب، يبني دخله على غش الناس.
 هناك أخ كريم جالس معنا، الآن حدثني يصنعون الطحينة يضعون فيها مواد خطيرة جداً، مواد توضع في دهان البيوت، يبيض لونها فيزيد سعر الكيلو عشر ليرات، حتى يبيض لونها يستعملون مواد في الدهان توضع في الطحينة فيبيض لونها فيرتفع السعر، لا يهمه المسلمين، يهمه أن يربح، لكن الله كبير، إنسان أصيب بمرض عضال، قد يكون له علاقة بطريقة البيع والشراء، فالإنسان يجب أن يكون دخله حلالاً، والإنسان إذا صدق مع الله قال تعالى:

﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾

[سورة الذاريات: 58]

 هو الرزاق، إنسان قال: إذا لا أكذب لا أربح، هل هذه آية أم حديث؟ هذا كلام الشيطان، يقولون: الناس قواعد، ليس لها أساس من الصحة إذا لم نكذب عندنا أولاد، الله يغفر لنا، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

 

شروط العمل الحلال :

 أيها الأخوة: يجوز أن تعمل بأي عمل مشروع، زراعة، صناعة، تجارة، وظيفة، وفق ثلاثة شروط؛ ألا تقوم هذه الحرفة على حرام، وألا تعين على حرام، وألا يقارنها حرام، لا تقوم، ولا تعين، ولا تلتقي مع الحرام، إذا زرعت عنباً هذا شيء حلال، أما هذا المحصول تعلم علم اليقين أنه سوف يصل إلى معمل تصنيع العنب ليكون خمراً صار حراماً، لأن هذه الزراعة أعانت على الحرام.
 لذلك الإنسان يمدد تمديدات لملهى، هذا التمديد أعان على حرام، تزيينات في فندق في قسم الخمور، مهندس مسلم هذا لا يجوز، أي عمل لك أن تفعل ما تشاء الأصل في الأشياء الإباحة، إلا أن يكون أصل العمل حراماً، أن يعين على الحرام، أو أن يقترن بالحرام اقتراناً أو إعانة أو أصلاً، وما سوى ذلك الأصل في الأشياء الإباحة.

 

على الإنسان أن يتحرى الحلال في كل شيء :

 نحن في درس قادم إن شاء الله سنتحدث عن العمل الزراعي، وما في هذا العمل من محرمات، وعن العمل الصناعي والتجاري ثم عن العمل الوظيفي، لكن القصد أن يكون الإنسان دخله حلالاً.
 الحقيقة أن كلمة النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 الحرام ولو كان مغرياً اركله بقدمك، أحياناً تجد بضاعة مصادرة لها صاحب قد تكون مصادرة منه ظلماً، أخي رخيصة، أجنبي.
 اشترِ بضاعة وطنية وغالية الثمن ولا تشترِ بضاعة أجنبية ومصادرة، يجب أن تتحرى الحلال في كل شيء، لذلك الإنسان يحتاج إلى علم، طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، من دخل السوق بلا فقه أكل الربا شاء أم أبى، لا يوجد إنسان لا يشتري ويبيع، وهناك بيع أساسه حرام فيشبهه، أو يشبه الربا، يجب أن تتفقه في الدين، وطلب الفقه ألزم لوازم المؤمن.

 

تقصي الحلال أعظم شيء في الدين :

 أقول لكم عود على بدء: ما من موضوع بعد الإيمان بالله أخطر في حياة المسلم من الحلال والحرام، تقصى الحلال في بيعك، وتجارتك، وزراعتك، وصناعتك، ووظيفتك.
 
سأقول لكم قصة؛ أحد أخواننا الكرام يغادر عمله ساعة كل يوم، وحسم على نفسه بقدر الساعة، صاحب العمل عندما رأى منه هذا الورع قال له: أين تدرس أنت الدين؟ فحضر معه الدرس، هناك إنسان بهذا الورع يخصم على نفسه من معاشه وهو يعمل في المحاسبة؟
 الإنسان الورع الله عز وجل يهدي به، أحياناً هناك دعوة أبلغ من اللسان، يمكن أن تكون أكبر داعية إلى الله وأنت ساكت بعملك وورعك، هناك كلمة قلتها صباحاً في درس الفجر: ثلاث نصائح تكتب على ظفر: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع.
 كن ورعاً:

 

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 كلمة لا تدقق هذه كلمة الشيطان، لا يسعنا إلا فضله، كلمة حق أريد بها باطل، بلوى عامة، كلمة حق أريد بها باطل، الضرورات تبيح المحظورات، اسمعوا ما معنى الضرورة؟ عندما يغلب على يقينك أنك هالك أنت وأهلك جوعاً وعرياً أو تشرداً هذه هي الضرورات التي تبيح المحظورات، تلك هي الضرورات التي تبيح المحظورات، كي نتسع نأكل المال الحرام، كي نجاري الناس نأكل المال الحرام، عندئذ لا تنفعك صلاتك، ولا صومك، ولا حجك، لأن الدخل الحرام حجاب بين العبد وربه، أعظم شيء في الدين تقصي الحلال، في الوقت، في كسب المال، رجل من العلماء الكرام توفي قبل أشهر كان من الورعين مرة صلى مكانه رجل لمدة خمسة أيام، فقسم معاش الشهر على ثلاثين يوماً ثم ضرب الناتج بخمسة وأعطاه المبلغ، وقال له: حتى أخذ معاشي حلالاً.

 

الإنسان الورع الله عز وجل يهدي به :

 الورع هو العاقل، فإذا جهد الإنسان ألا يدخل عليه قرشاً حراماً يكون أعقل العقلاء، وأنا التقيت مع والد صديقي قال لي: عمري ست وتسعون سنة- وكنت أزوره كل سنة، لم يعيد لي قصة مرتين- لم آكل قرشاً حراماً في حياتي، وقال: إنه أجرى تحليلاً من يومين النتيجة جيدة تماماً، البول والدم كلها نسب نظامية، وعمره ست وتسعون سنة، أنا أقول هذا الكلام بالضبط: أعرف رجالاً كثيرين يتمتعون بصحة ممتازة، هناك إنسان عمره ست وثمانون سنة، له مكانة، وذاكرة قوية، يقول: لم آكل قرشاً حراماً في حياتي، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، الذي يحب أن يحيا حياة مباركة فيها استقرار وهدوء، فيها تمتع بريء، فيها حياة سعيدة، ليزهد أن يكون رزقه حلالاً، وأنا أقول لكم الحديث الثاني:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 التقيت في عقد قران - وكان يجلس بجواري- نقيب المحامين في دمشق، و هناك قرابة بيني و بينه، قال لي: عندكم أخ حببني في الدين، فسألته: ما هي قصته؟ قال لي: أنا وكيل رجل في أمور تجارته، و هناك أخ استأجر مني بيتاً، ثم جاءني بمبادرة منه ليرفع الإيجار، وأنا كنت أنوي أن أرفع عليه دعوى، جاءني بمبادرة منه، وقال لي: هل يوجد أناس في هذا الزمان هكذا؟ قلت له: نعم طبعاً، إذا كنت تسكن في محل أو بيت أجرته يجب أن تدفع الأجرة المناسبة، المؤمن ينصف الناس من نفسه، وبالتعبير الدارج لا يأتيها إلا الله، الله يرزق الرزق الوافي الذي يلبي هذا الموقف الأخلاقي.