الدرس : 2 - سورة الإنفطار - تفسير الآيات 13 - 19 ، مصير الأبرار والفجار

1998-04-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة عشْرة، والتي بعدها من سورة الانفطار، وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾

[سورة الإنفطار]

 يبْدو من خلال هذه الآية أنَّ البشر على اخْتِلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم وانْتِماءاتهم وأجْناسِهم وطبقاتِهم ؛ كُلُّ هذه التَّقْسيمات التي يسْتعملها البشر في تقسيم الناس من أقوياء وضعفاء، ومُسْتَغِلِّين ومُسْتَغَلُّون، دُوَل عُظْمة ونامِيَة ومُتقَدِّمة ومتأخِّرة، وجنوب وشرق وغرب، كُلُّ هذه التَّقْسيمات مُلَخَّصَةٌ عند الله عز وجل بِنَوْعيْن اثنين لا ثالث لهما قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾

 

[سورة الإنفطار]

 الناس رجُلان لا ثالث لهما: رجُلٌّ عرف الله تعالى فأَحْسَن إلى خلقه واسْتَقام على أمْره فَسَعِدَ في الدنيا، مهما كان اتِّجاهه ومهما كانت ملَّتُه ومهما كان جنْسهُ، ورجل غفل عن الله وبالتالي تَفَلَّت عن منهجه ولأنَّه ألَّه الشَّهوات فَشَقِيَ في الدنيا والآخرة، مهما كان اتِّجاهه ومهما كانت ملَّتُه، ومهما كان جنْسهُ، ولن تَجِد رجل ثالث يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( فيما رواه عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * ))

 

[ رواه الترمذي ]

هذا تقسيم القرآن.
 الأنبياء ملَكُوا القلوب بِكَمالهم، والأقوياء مَلَكوا الرِّقاب بِقُوَّتِهم، وما من واحِدٍ من بني البشر إلا وتابِعٌ لِنَبِيٍّ أو لِقَوِيّ، فإذا كنت تابِع لِنَبِيّ رأس مالك كمالك، ويُلْقي الله تعالى مَحَبَّتك في قلوب الخلْق، وإذا كنت تابع لِقَوِيّ رأس مالك قُوَّتَك، تمْلِك بِها الرِّقاب لا القلوب، دخل سيِّدنا عمر عِمْلاق الإسلام على النبي عليه الصلاة والسلام ورآه مُضْطَجِعاً على حَصير وقد أثَّر في خَدِّه الشريف، فَبَكى، فقال: ما يُبْكيك يا عمر فقال رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفرْس وعابد النار والطاغِيَة الذي يبْني مَجْده على أنْقاض الناس ينام الحرير والدِّيباج فقال: يا عمر إنَّما هي نُبُوَّةٌ وليْسَتْ مُلْكاً " هذا هو الجواب، وفي رِواية: أفي شَكٍّ أنت يا عمر، وفي رِوايةٍ ثالثة: أما ترْضى أن تكون الجنَّةُ لنا والنار لهم ؟! فهذه الآية تَقْسيم مصيري وفرْزٌ كامل، كُنْ أيَّ إنسان فأنت إما برٌّ وإما فاجِر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾

[سورة الإنفطار]

 والنُّقْطة الدقيقة كما كنت أقول لكم لا يوجد صحابي فداه النبي عليه الصلاة والسلام بِأُمِّه وأبيه قال له: ارْمِ سَعْدُ فداك أبي وأمي..." كم هو يُحِبُّهُ ويُقَدِّرُه ؟ وكان إذا دخل قال: هذا خالي، وأروني خالاً مثل خالي ! النبي عليه الصلاة والسلام عظيم يُرَحِّب بأصْحابه ويُداعِبُهُم، ومع هذا كلِّه قال له عمر: يا سَعْدُ لا يَغُرَنَّكَ أنَّك خال رسول الله ! فالخلْق كلُّهم عند الله تعالى سَواسِيَة وليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعته ؛ فَعلاقتك مع الله وحده، ولو اسْتَطَعْتَ أن تنتزِعَ حُكْماً من فمِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق، ولم تكن مُحِقاً لا تنْجو من عذاب الله تعالى، علاقتك مع الله وحْده، أقول لكم هذه الكلمة: من سابِع المُسْتَحيلات أن تخاف من الله، وأن يُخيفك أحدٌ من خلقه مُسْتحيل أن تخافه ثمَّ يُخيفك من خلقه أما إن لم تَخَفْهُ يُمكن أن تخاف من خلقه ويمكن أن يُسَلّط عليك الأقوياء والقُساة الذين لا يرْحمون، أما إذا كنت مع الله فهو معك، وإذا كان معك فَمَنْ عليك ؟ دائِماً وأبداً أثْمن شيء هو مَعيَّةُ الله تعالى، يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

 

[سورة المائدة]

 فإذا الواحد مثلاً كان يعرف شَخْصِيَّة في البلد، يقول لك: معي تلفون فلان، بِأيِّ لحْظة أُخَبِّرُه ! فهو يتَقَوَّى بِشَخْصٍ قويّ ويطْمئِنّ، فكيف إذا كنت مع خالق الأرض والسماوات وإذا كان الله تعالى يُحِبُّك، كيف تكون أنت ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

 

[سورة المائدة]

 إلا أنَّ مَعِيَّة الله مشْروطة، أما قوله تعالى: أينما كنتم فهو معكم.." فهي مَعِيَّة عامَّة، كلّ مخلوق معه بِعِلْمِه ولو كان كافِراً، أما هو مع المؤمن بالتوفيق والنَّصْر والتأييد والنَّصْر، فَشَتَّان بين مَعِيَّة العِلْم ومَعِيَّة التوفيق ! كما أنَّ مَعِيَّة الله تعالى لها ثَمَن، عز وجل:

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

 

[سورة المائدة]

 وقال:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)﴾

 

[سورة الإنفطار]

 في الدنيا والآخرة، إذاً هي مُطلقة وغير مُقَيَّدة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أبو بكر في الجنَّة..." ففي الدنيا جَنَّة من لم يدْخُلها لم يدْخل جَنَّة الآخرة فَجَنَّةُ الدنيا القُرْب من الله تعالى، ويقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعْدائي بي بُسْتاني في صَدْري، إن أبْعَدوني فإبْعادي سِياحة وإن سَجَنوني فَسِجْني خلْوة، وإن قَتَلوني فَقَتْلي شَهادة ! فالمُطْلق على إطْلاقه، في الدنيا نعيم القُرْب وفي الآخرة نعيم القرب والجنّة ورِضْوان الله عز وجل، ففي الجنَّة حور العين لو أطَلَّت إحْداهنّ على الأرْض لَغَلَبَ نور وجْهها ضوْء الشمْس والقمر، وفي الجنَّة بساتين وعَسَل مُصَفى، ولبَن لم يتغَيَّر طعْمه، وعسل وماء غير آثن، وخمْر لَذَّة للشاربين، وجنات تجْري من تحتِها الأنهار، فهل من شيء أفضل من هذا ؟ نعم، النَّظر إلى وجْه الله تعالى، الله تعالى:

 

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾

 

[سورة القيامة]

 وهل من فوق هذا ؟ نعم، ورِضْوان من الله عز وجل قال تعالى:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾

 

[سورة التوبة]

 أن يرضى الله عنك هو أعلى عطاء يناله مَخْلوق بالكون، أن يكون الله تعالى راضٍ عنك، قال تعالى:

 

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(8)﴾

 

[ سورة البيِّنة ]

 كما أنَّك تتمنى رِضاه هو سَيُرْضيك، قال تعالى:

 

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾

 

[ سورة الضحى ]

 أما إذا كنت مؤمن دون سوف انتظر، فالدنيا ليسَت مِقْياسَك، قال تعالى

 

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 المِقْياس هو الآخرة.
إذاً كما قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾

 

[سورة الإنفطار]

 في جحيم البُعد والإخْفاق والنَّكَد والمعيشة الضَّنْك والضِّيق والخُصومات والحَسَد والخوف، وفي جحيم الشِّرْك، أنواع مُنَوَّعَة، أما هذه العَيْن فهي ترى الفاجر غَنِيّ كأن يكون بيْته فَخْم، والأثاث فخْم وسيارات، فهذا الجحيم يكون ظاهِراً للعَيان يوم الدِّين، قال تعالى:

 

﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)﴾

 

[ سورة الانفطار ]

 فالدنيا فيها وسَائِط، وجماعات وأتْباع، فالحياة الدنيا مبْنيَّة على العلاقات، أما بالآخرة فقال تعالى:

 

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

 وقال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾

 

[ سورة الانفطار ]

 يمكن أغلى شيء بِحَياتك ابنتك، والبنت غير الصَّبِيّ، والبنت ولاؤُها لأبيها أشَدّ، يقول عليه الصلاة والسلام: فاطمة بضْعة منِّي من أكرمها.ز.."، وحينما جاءتْهُ فاطِمَة ضَمَّها وشَمَّها وقال: ريْحانةٌ أشمّها وعلى الله تعالى رزقها ومع ذلك قال: يا فاطمة بنت محمد أنا لا أغني عنك من الله شيئاً..." وقال عليه الصلاة والسلام: إنما أهلك الله بني إسرائيل أنَهم إذا سرق فيهم الشريك تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا فيه الحدّ، ويْمُ الله لو أنَّ فاطمة بنت محد سرقت لقطعت يدها..." هذا هو الدِّين.
فآيات اليوم: قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾

 

[سورة الإنفطار]