الدرس : 4 - سورة الطلاق - تفسير الآيات 1 - 5 ، الزواج الصحيح.

1997-11-30.

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في الدرس الماضي، شُرحت الآيات الثلاث:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) ﴾

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) ﴾

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)﴾

 في نهاية الدرس سألني أخ كريم ما علاقة هذه الآية بسورة الطلاق ؟ قلت والله فاتني أن أذكر العلاقة بين هذه الآيات وسورة الطلاق، سأذكرها الآن.
 القرآن الكريم من أعجازه أنك إذا أخذت آية ونزعتها من سياقها آية واسعة، شاملة، مانعة، جامعة إلى ما لا نهاية، فإذا قرأتها مع سياقها لها معنى آخر، فحينما حدثنا ربنا عز وجل عن الطلاق، قال:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾

 في طلقة أولى، وطلقة ثانية، وطلقة ثالثة، وكل طلقة في قرء أولى، قرء ثاني، قرء ثالث، وقبل نهاية القروء الثلاثة يمكن أن تراجعها بكلمة، أو بلمسة، وبعد القروء الثلاثة لك أن تعقد عليها عقد جديداً بمهر، وشاهدي عدلٍ، أما في الطلقة الثلاثة تبين عنك بينونة كبرى، هذا النظام الذي شرعه الله لنا هو الطلاق السني، أما الذي يطلق ثلاث تطليقات في جلسة واحدة، عطل هذه الآية الله عز وجل قال:

 

 

﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾

 تعطلت، ما جعل فرصة للزوجة أن تراجع نفسها، وما جعل فرصة له لعله ندم على تطليقها، ساعة غضب، قضية طارئة، بعد حين نسيها، فمن يتق الله في تطليق زوجته أن يطلقها طلاقاً سنياً طلقة واحدة، وينتظر ثلاث قروء، فإن راجعها في هذه القروء الثلاثة انتهى الأمر، وإن لم يراجعها بإمكانه أن يعيد عقده عليها، بعد انتهاء القروء، وهذا اسمه بينونة صغرى، وله أن يعيد هذه الكرة مرة ثانية أول قرء، وثاني قرء، وثالث قرء، وبإمكانه أن يراجعها بكلمة أو بلمسة، لو وضع يده عليها راجعها، فإن مضت القروء الثلاثة ولم يراجعها بإمكانه أن يعيد عقده عليها من دون أي إشكال، أول قرء وثاني قرء، وثالث قرء هي فرصة، طلق تطليقة ثانية، رابع قرء وخامس قرء، وسادس قرء، ما هي المشكلة التي تستمر ستة أشهر ؟ والزوج مصر على الطلاق ؟ معناها قضية كبيرة جداً، قضية لا تحتمل.
 أما أية مشكلة لها عمر محدود، قد تتلاشى تتناقص بعد شهر بعد أسبوع أحياناً، أيام ثورة غضب بعد ثلاثة أيام ما عاد في شيء فهذا الذي طلقها في ثورة الغضب وعنده خمسة أولاد مجرم بحق هذه الأسرة، لأنه أخذ قرار وهو غضبان، فلذلك كل من طلق امرأته طالقاً سنياً، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، يرجعها، قضية سهلة جداً، لا تحتاج إلا إلى كلمة راجعتك، أو إلى لمسة، وضع يده على يدها انتهى الأمر، أول قرء وثاني قرء، وثالث قرء، ورابع قرء، وخامس قرء، وسادس قرء فإن طلقها تطليقة ثالثة بانت بينونة كبرى، ولا تحل له إلا إذا تزوجت زواجاً طبيعياً عفوياً حراً رجلاً آخر، ثم إن هذا الرجل طلقها طلاقاً عادياً حراً طبيعياً، وإلا فهو التيس المستعار، وهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، هي أحكام الطلاق، المرأة إلا لم تكن لها علاقة بموضوع الطلاق هذا طلاق بدعي، أختلف مع شريكه فحلف بالطلاق فحنث بيمينه فوقع الطلاق، تقول له يا هذا ما ذنب هذه المسكينة جالسة في بيتها تطبخ، وتمسح، وتربي أولادها ما ذنبها أنها أصبحت في الطريق لنزوة غاضبة بينك وبين شريك، هذا طلاق بدعي، الذي يطلق امرأة في الحيض طالق بدعي، الذي يطلق امرأة في طهرٍ مسها في طالق بدعي، الذي يطلق امرأة وليس لها علاقة بموضوع الطلاق طالق بدعي، الذي يطلق ثلاث تطليقات في جلسة واحدة طالق بدعي، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، صار في ندم الإرجاع سهل، ما في مشكلة، لكن حينما تطلق ثلاث طلقات دفعة واحدة في مجلس واحد، أضيف تعليق لطيف وكلما حلالك شيخ يحرمك عشرة، هذا إنسان أحمق، إنسان جاهل ليس أهلاً أن يكون زوجاً، لأنه يقامر بهذه الأسرة، يقامر بزوجته وأولاده لذلك حق هذا الطلاق يعطى للزواج، أما الحمقى مشكلة كبيرة، وهذا كان قديماً كان ابن عباس يقول: أيرتكب أحدكم أحموقته ويقول يا ابن عباس يا ابن عباس، يعني أكثر سؤال يواجه خطباء المساجد بعد الخطبة، الطلاق، كان الزوج مالك الزمام، كان سيد، كان هو بيده السلطة، فلما طلقها طلاقاً معلقاً، إن ذهبت إلى بيت أهلك أنت طالق إن فعلت كذا فأنت طالق، إن دخلت الجارة الفلانيه فأنت طالق، تنازل عن سلطته، وعن قيادته، وعن مكانته، وعن الصلاحية التي أودعت بيده إلى زوجته، في أية لحظة إن ذهبت إلى ما منعتها عنه تطلق أصبح الطلاق بيدها، أنت سلمتها هذه السلطة عن طيب خاطر، فإذا حنثت، وخالفت أمرك، وقع الطلاق، وأنت بتحب وعندك منها أولاد ومستقبلهم بين يدك ويدها، من شيخ لشيخ، تتسكع على أبواب المشايخ تتسكع، وإن جاء مفتي وأعطاك الحكم الشديد، يزعجك، وإن جاء مفتي آخر أعطاك الأمر السهل، لا تثق به، بتفوت بمتاهة ما بعدها متاهة هذه نصيحة للأزواج، هي الزوجة جملةً وتفصيلاً، إذا كان جيدة، يعني وفية عفيفة، قانعة بما أنت في، ما دام الزوجة مقبولة إجمالاً، فأي خلاف معها لا تحل له عن طريق الطلاق، لا تكلمها عنفها، أي شيء فعلته معها قضية سهل جداً، ما لك علاقة مع المشايخ ولامع الإفتاء، ولا مع الحلال والحرام، أنت في بحبوحة، وفي عز وفي مكانة، واجعل هذه العلاقة بينك وبينها، وذكرت في درس سابق أن أي امرأة خرجت من بيت أهلها عقب مشكلة، أصغر مشكلة وهي في بيت أهلها تغدو أكبر مشكلة، وقد تنتهي إلى الطلاق، وأكبر مشكلة بين الزوجين إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها، تتلاشى وتتناقص، لذلك من الخطأ الفاحش من قبل الزواج والزوجات أنه عقب مشكلة أن تطردها إلى بيت أهلها، ومن الخطأ الفاحش من قبل الزوجة أنها إذا اختلفت مع زوجها تذهب إلى بيت أهلها، هون صار في أطراف، صار في أطراف أخرى، الأطراف الأخرى يعنيهم أن يحطموا الزوج، فيثروا حفيظة الزوجة، يغيرون صدرها، ويمنونها ويعدونها بأشياء كثيرة، فإذا صدقت هذا الكلام، وركبت رأسها، وتألم الزوج طلقها قضية قد تنتهي بعد يومين في البيت، في بيت أهلها انقلبت إلى مشكلة كبيرة ولا تحل إلا بالطلاق، كم من أسرة انهارت ؟ كم من أولاد تشردوا ؟ كم من مصلحة تحطمت ؟ وراء الطلاق التعسفي المبني على لحظة طارئة، مبني على غضب شديد، خذ هذه النصيحة لا تتخذ أي قرار وأنت غضبان، أبداً، وأنت غضبان لا تتخذ أي قرار لا في تجارتك، ولا بوظيفتك، ولا ببيتك، لأن هذا القرار غير صحيح، ماذا فعل سيدنا سليمان لما جاءه الهدهد، قال:

 

 

﴿ قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾

 

( سورة النمل: 27 )

 أصحاب القرار هي أخلاقهم، قال:

 

﴿ قال سننظر ﴾

 لا تتخذ قرار وأنت غضبان، لأنه لا بد من أن تندم أشد الندم والعاقل هو الذي لا يندم، وكل إنسان أتخذ قرار وعقب القرار ندم أشد الندم فالقرار غير صحيح.
قال عليه الصلاة والسلام

 

(( لا يفرك مؤمن مؤمنة، يفرك ؛ لا يكره، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر ))

 مرة جاءني أخ كريم يشكو لي زوجته، قلت له: أتخونك ؟ قال معاذ الله امرأة عفيفة طاهرة، طيب شي جميل، لا تحسن الطبخ ؟ لا والله طبخها جيد، قلت له قذرة ؟ قال لا والله نظيفة، أنا أقصد من هذه الأسئلة أن أدفعه إلى أن يذكر ميزاتها، فلما ذكر أربع ميزات قام أستح ما عاد كمل، قال لي ما في شي.
 كن منصف، حلق في نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، واحد طلع من بيته جاء لعنا هون، مطمئن، ما أحد دخل لبيته، هي ميزة لا تقدر بثمن، ولا يعرفها إلا من فقدها، إذا الإنسان شك بزوجته، شك باستقامتها، بأخلاقها، انتهى، ما عاد زوج، صار كتلة توتر، فنعمة الزوجة الصالحة، لا تقدر بثمن، نعمة أن زوجة راضية بك، تسعدك ما في إنسان كامل، وأنت ما لك كامل، وأنت أيضاً ما لك كامل فكل إنسان ما بكون منصف يجعل بيته جحيم، وكل إنسان يكون منصف يجعل بيته جنة، والبيت لا يحتاج ليكون جنة لا يحتاج إلى فخامة، ولا إلى إنفاق، يحتاج إلى تفاهم.
فلذلك نظام الطلاق، نظام بالسلام معقد جداً، أول طلقة وأول قرء شهر زمان، وهي ببيتك، ومزينة، إن مسستها انتهى الطلاق، وأي مشكلة تتناقص، بكون أول يوم قايمة القيامة، ثاني يوم سكتت، ثالث يوم والله أنا زودتها، رابع يوم والله مو عامله شي إذا كان هيك مشاكل الزواج المفروض ما يطلقوا، وإذا كان ركبوا رأسهم وطلقوا طلاق سني، مو طلاق بدعي، طلقة واحدة، الأمر فيه بحبوحة.
فعلاقة الآية بالطلاق بالضبط هو:

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

قانون هذا.
 من يتقي الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال.
من يتقي الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم.
من يتقي الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي.
فهذه الآية قانون تطبق على مليون حالة، أما حينما جاءت هذه الآية في سورة الطلاق لها معنى آخر، معناها من يتقي الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها.
 في أشياء في حياة الإنسان، في تعبير حديث تحتها خط أحمر لا تقرب من أشياء تحتها خط أحمر، أسرتك، وكيانك، وأولادك، لا تعمل الزواج لعبة بيدك، هذه إنسانة مستقرة، حينما تهددها بالطلاق تخاف، وإذا خافت تغير لونها أساساً، ارتبكت، أما إذا طمأنتها وشعرت أنك وفي لها، فالطلاق لا يستخدم إلا في حالات نادرة جداً لا تطلق المرأة إلا من ريبة، يعني إذا تيقنت أنها تخونك أما الأزواج يرتكبون حماقات الطلاق لأسباب تافهة جداً، هذا اسمه طلاق تعسفي والله سبحانه وتعالى يعاقب عليه، ودائماً الله مع المظلوم، بالشراكة والزواج إذا شريكين واحد ظلم الله مع المظلوم، إذا زوجين واحد ظلم الله مع المظلوم.
 تأكل مع زوجها دجاجة، طرق الباب سائل همت أن تعطيه قطعة من هذا الدجاج فعنفها زوجها ونهرها وسبها، فصرفت هذا السائل، بعد حين المشكلات تفاقمت بينها وبينه إلى أن طلقها، ثم جاءها رجل تزوجها، وكان غنياً عاشت في بحبوحة، وكان دين، بعد سنتين ثلاثة طرق الباب، من غرائب الصدف أنها جالسة مع الزوج الثاني، وتأكل دجاج، طرق الباب، ذهبت لتفتح الباب اضطربت اضطراب شديد، قال ما الذي حدث، قالت سائل على الباب، قال لماذا اضطربت، قالت أتدري من هو ؟ إنه زوجي الأول، قال أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول.
 الله قدير، قادر يعكس الميزان، فأية امرأة تطلق مظلومة الله معها، وأي زوج تظلموه زوجته الله معه، الزوج المظلوم تأتيه زوجة تنسيه الماضي، والزوجة المظلومة يأتيها زوج ينسيها الماضي، وهذه قاعدة بالشراكة والزواج إذا فسخت شراكه، أو فسخ زواج الله عز وجل مع المظلوم دائماً، فكن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم، أفضل لك ألف مرة أن تكون مظلوم، من أن تكون ظالماً لأن الظالم مرتعه وخيم، وكل إنسان يستضعف زوجته، مالها أحد مقطوعة، أهلها فقراء، ما بيتحملوها، يضغط عليها، الله عز وجل يضغط عليه يضغط عليه بصحته، قد تأتيه أمراض يجعل حياته جحيماً، وكم من زوج ظالم صار يعوي كالكلاب أمام زوجته.
فالإنسان يتقي الله عز وجل، ويعامل زوجته بإحسان، قال تعالى:

 

 

((وعاشروهن بالمعروف))

 

( سورة النساء: 19 )

 أروع ما في التفاسير أن المعاشرة بالمعروف ليست أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، معنى المعاشرة بالمعروف أن تحتمل الأذى منها، وكل إنسان يصبر على زوجته من أجل الحفاظ على هذه الأسرة، وعلى سلامة تربية الأولاد، هذا له أجر كبير.
رجل أعرابي اختلف مع زوجته خلاف كبير، فجاء لسيدنا عمر يشكو له وإذا به يسمع صياح في البيت، فولى هارباً، سيدنا عمر سمع طرق للباب بعدين ما عاد سمع فتح لقى واحد بعيد يا أخ العرب، لماذا ذهبت ؟ قال جئتك أشكو مما أنت منه تشكو.
يعني ما في بيت مائة بالمائة سلام، ما في زواج مائة بالمائة سعيد، يعني كل واحد هو وسط وزوجته وسط، أرضى بها ولترضى بك.
قال له يا أخ العرب هذه الزوجة تغسل ثيابنا، وتطهو طعامنا وتربي أولادنا، نحتملها وتحتملنا.
فإذا ما في احتمال، ما في تساهل، ما في إنصاف حلول، لا يستمر زواج.
فلذلك:

 

(( وعاشروهن بالمعروف ))

 لا يفرك مؤمن مؤمنة، يفرك، إن كره منها خلقاً رضي بها خلقاً آخر.
واحد خطب امرأة وحب ينصحها، قال إن في خلقي سوءاً، أنا رجل عصبي كثير، وأخلاقي سيئة جداً، فقالت له إن أسوأ خلقاً منك من حاجك لسوء الخلق.
واحد عنده زوجة سيئة جداً، قيل له طلقها، قال والله لا أطلقها فأغش بها المسلمين.

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..