الدرس : 5 - سورة الممتحنة - تفسير الآيتان 12-13 ، لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق

1997-10-18

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآيات الأخيرة، الآية الثانية عشرة والثلاثة عشرة من سورة الممتحنة وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)﴾

 مركز الثقل في هذه الآية:

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 لو أن الله عز وجل قال: ولا يعصينك، مطلقاً، بتكون هي معنى آخر يعني إذا أكل النبي أكلت، فأكلت أنت خلافها فقد عصيت النبي، أما:

 

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 

أي لا يعصينك فيما هو شرعي، لذلك رماة أحد الذين عصوا النبي عليه الصلاة والسلام حينما قتلوا صلى عليهم النبي، لماذا ؟ لأنهم عصوه في أمرٍ تنظيم ولم يعصوه في أمرٍ تشريعي.
 يعني أنت قال لك الشيخ مثلاً، صلي، غض بصرك، حرر دخلك، أضبط لسانك، يجب أن تطيع الله من خلال كلام الشيخ، لأن هذا ليس كلامه، هو كلام الله، رجل الدين ينقل لك ما في الكتاب والسنة، فقط، الطاعة ليست له هي لله، أما لو أمرك بأمرٍ، مخالف لمنهج الله، لا طاعة لمخلوق في معصية الله، طبعاً لحكمة بالغة بالغة أرادها الله عز وجل، أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية وأمر عليها أنصارياً ذا دعابة، عنده روح المرح، في بعض الطريق أمر بإضرام نارٍ عظيمة، وقال لأفراد سريته اقتحموها، ألست أميركم أليست طاعتي طاعة رسول الله ؟ فأختلف أصحابه، بعضهم قال كيف نقتحمها وقد آمنا بالله فراراً منها ؟ وبعضهم قال نقتحمها لأن طاعة الأمير هي طاعة رسول الله، اختلفوا، فلما عرضوا الأمر على النبي عليه الصلاة والسلام، قال لهم: والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف.
يعني أحياناً الإنسان، الله عز وجل وصف أهل الكتاب قال:

﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾

( سورة التوبة: 31 )

 رجل الدين، يأمرك بما في الكتاب والسنة فقط، والطاعة ليست له إنما هي لله عز وجل.
أحد الخطباء أمام النبي قال ما شاء الله وشئت، فقال عليه الصلاة والسلام: بئس الخطيب أنت، ما شاء الله وحده كان وما لم يئش لم يكن، من أنا حتى جعلتني نداً لله تعالى، ما شاء الله وشئت.
 السيدة عائشة حينما نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، قالت لها أمها قومي إلى رسول الله فشكريه، قالت والله لا أقوم إلا لله سمع النبي ذلك فقال عرفت الحق لأهله، نحن ليس عندنا في الإسلام رهبان، ولا طبقت رجال دين، عندنا تعبير قرآني.

 

﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾

 

( سورة يونس: 62 ـ 63 )

 إنما الطاعة في معروف، أما إنسان يعطيك أوامر ليست من كتاب الله طلق زوجتك، هكذا، وإلا لست مؤمناً، لا، لا أطلقها إلا بسبب، دع هذا البيت لفلان، لا، بسبب، الأمر التشريعي أنا أطيعه حباً وكرامة، وأطيعه ولو خرج من فم إنسانٍ.

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ))

 

( رواه البخاري )

 أبداً: إنما هي طاعة الله عز وجل، ولكن هناك، يعني رجال يعملون في حقل الدعوة، يعدون أهوائهم هي الأوامر، يعطي أمر وينهى ويحفز ويفعل وكل هذه الأوامر ليست من منهج الله عز وجل إنما الطاعة في معروف، لو أنا النبي أكل هذا الطعام، وأنت أكلت خلافه ما في مشكلة، يجب ألا تعصيه في أمرٍ تشريعي، أما الإنسان له طبيعة خاصة يأكل أكلة ما فيها ملح، أكلة فيها ملح بحب الخضراوات بحب اللحوم بحب المقبلات، له نظام خاص في نومه في حياته، هذه ليست تشريعات، كل إنسان له مزاج خاص، تشريع كن صادقاً، كن أميناً، كن مستقيماً، أدي الصلوات، صوم رمضان حج البيت، غض بصرك، حرر دخلك، هي الأوامر، فلذلك:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

يعني حتى معصية النبي، قيدت بما هو معروف، حتى معصية النبي.
 مرة كنت في العمرة، وجلست في أحد الدروس في الحرم النبوي، كان هذا الذي يلقي درساً، قال رجل من شدة حبه للنبي كان يأكل الأكل الذي أكله النبي، النبي كان يحب اليقطين، الدباء، لأن ابنه رفض أن يأكل هذه الأكلة قتله، قتله على الخالص يعني، وأراد هذا الذي يلقي هذا الدرس أن يبن محبة هذا الإنسان للنبي، من قال لك هذه محبة ؟ إذا كان ابن ما حب القطين، ليش القطين أمر تشريعي هذا ليس أمر تشريعي، هذا أمر شخصي، كل واحد له في الطعام ذوق معيناً، هذه سكت عنها، الذي أمر الله به، علينا أن نأخذه والذي نهى عنه، علينا أن ننتهي عنه، والذي سكت عنه الشرع سكت لا عن نسيانٍ لا رحمة بنا، هذا لابس كحلي، وهذا أبيض، وهذا أصفر، وهذا أزرق، هذا في بيته قعدة عربي، هذا كنبات، هذا يأكل على طاولة، هذا على القاعد، هذه أشياء ماله علاقة فيها، نحن علاقتنا مأمورين ألا نكذب، ألا نخون، أن نصلي، أن نصوم، أن نحج، أن نفعل الخيرات، أن نضبط جوارحنا، أن نضبط أعضائنا هكذا:

 

 

﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)﴾

 آخر آية:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

 أكثر يعني ما أسمع أنه أراد هذه الشاب أن يتزوج فتاة لقضية مزاجية فقط أبوه رفض، وإن تزوجها يغضب عليه، هذا ليس له علاقة بالرضى والغضب، ابن مؤمن أختار شابة مؤمنة، الأب يريدها إنسانة أخرى، يريدها إنسانة من نوع آخر من اتجاه آخر شكل آخر، هذه زوجته وليست زوجتك.
 أم سيدنا سعد ابن أبي وقاص، أرادت أن تحمل ابنها على ترك دين الإسلام، فقالت له يا بني: إما أن تكفر بمحمد وإما إن أدع الطعام حتى أموت، فقال يا أمي: لو أن لك مائة نفسٍ، خرجت واحدة واحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، ليس كل شيئاً متعلق بالرضى والغضب، لو أن الأب أمرك بمعصية، وقال لك إلا لم تفعل أغضب عليك، ليس له غضب إطلاقاً، أما قال لك أنا بحاجة إلى طعام فلم تأتيه بالطعام، أنت الآن عققته، قال لك بحاجة إلى ثياب، قال لك بحاجة إلى دفئ، بحاجة إلى دواء، بحاجة إلى طبيب، أما قال لك طلق امرأتك، تعنتاً، لأنه أغضبته، أو لأنها لم تكن على مزاجه طاعة النبي بالمعروف مقيدة، طاعة النبي المعصوم مقيدة بالمعروف فمن أنت ؟ النبي الذي قال الله عز وجل لنا:

 

 

﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾

 

( سورة الحشر: 7 )

﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾

( سورة الأحزاب: 21 )

 هذا النبي المعصوم طاعته مقيدة بمعروف، فكيف إنسان عادي،فلذلك:
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
سمعت بالأخبار أن رجل بتركية، له شيخ، أمره أن يذبح ابنه وذبحه، أحياناً الإنسان يتطرف، يتوهم، يتبرمج، بنغسل دماغه لدرجة أنه الذي يتلقاه من فلان هو الحق، من دون تفكير، العقل لا يعطل أبداً، شوف الآية:

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 ما في طاعة لإنسان، أطيعوني، يعني سيدنا الصديق يضع في جيبه مليون شيخ، في طرف جيبه، قال: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، يعني راقبوني، أرأيت إلى هذه الموضوعية، أرأيت إلى هذا التواضع، أرأيت إلى هذا الشعور بالمسئولية، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، هل هناك في الأرض إنسان يحب النبي كحب الصديق له فلما مات، قال من كان يعبد محمد ـ ما قال رسول الله ـ فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، لئلا يعبد النبي من بعد الله عز وجل، هي آية:

 

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 أنا لا أطيعه إلا الأمر الإلهي، بالدليل، والتعليل، لذلك أنا بحب من أخوانا الكرام ما يقبل شئ إلا بالدليل، ولا يدع شيء إلا بالدليل، أما أمر مزاجي، أمر عاطفي، أمر شخصي، أمر أساسه هوى، ما في.

 

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف، إذا كانت طاعة النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق وهو المعصوم الذي يوحى إليه مقيدة بالمعروف، خلص هذا هو ديننا، دينا دين أمر ونهي، دينا دين دليل، دينا دين تعليل، دينا دين منهج قويم مو دينا مزاجي شخصي لا في منامات، ولا في أحوال، ولا في خرافات ولا في سحبات، ولا في كرمات، نحنا في عنا كتاب في أمر وعنا سنة مبينة بالكتاب، هذا الذي ينبغي أن نأتمر به، وهذا الذي ينجبنا من عذاب الله عز وجل وإلا في تطرفات كثيرة جداً، كبيرة جداً.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)﴾

الإنسان ولاءه للمؤمنين، أما إنسان غضب الله عليه، لا ينبغي أن تواليه ولا أن تصافيه، ولا أن تجاريه، ولا أن تجالسه وهذه علامة الإيمان أن توالي المؤمنين، وأن تتبرأ من الكفار والمنافقين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..