الدرس : 1 - سورة الممتحنة - تفسير الآيات 1-3 ، الولاء لله والبراء من الكفار

1997-10-06

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأولى من سورة الممتحنة وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)﴾

 صحابيٌ أسمه حاطب بن أبي بلتعة، نزلت هذه الآية فيه أرسل كتاباً إلى قريش.
يقول لهم:
 إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، أرسل هذا الكتاب مع امرأة مسافرة إلى مكة، واخفت هذا الكتاب في عقاصة شعرها، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام الوحي، واخبره بما فعل حاطب، فأرسل صحابيين جليلين يلحقان بهذه المرأة التي خرجت من المدينة إلى مكة لتعلم قريشاً أن محمداً سيغزو أهل مكة وسيفتح مكة.
 فلما جيء بالكتاب وقرأه النبي عليه الصلاة والسلام، أستدع حاطب بن بلتعة، وقال ما هذا يا حاطب ؟ هذا اسمه في العرف العالمي خيانة عظمة، خيانة عظمة، يستحق عليها الإعدام في كل الأنظمة، وفي كل العصور، ما كان من سيدنا عمر إلا أن قال دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يا عمر إنه شهد بدرا.
 يا حاطب ما حملك على ما فعلت ؟ النبي أراد التفسير، الوضع خيانة عظمة، الفعل خيانة عظمة، ولكن هل هناك أسباب مخففة، ما حملك على ما صنعت ؟ فقال حاطب: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكني لصيقٌ في قريش، لست من صلبهم، أردت بهذا الكتاب أن أحمي أهلي ومالي، فغفر لي ذلك يا رسول الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام بشجاعة بالغة، قال: إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام بهذا العمل أنهضه، وحمله وغفر له ذنبه، وصدقه، وأمر أصحابه إن يصدقوا، وإن يكفوا عنه بأسهم، إثر هذه الحادثة نزلت هذه الآية:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾

 في نقطة دقيقة جداً، في كلمة عدوي وعدوكم، حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾

 

( سورة الأنفال: 60 )

 يعني، لو أن لكم عدواً وليس عدواً لله، أنتم إذاً أعداء الله يجب أن يكون عدوكم دائماً عدوا الله، وإلا الحرب غير مشروعة، لو أنك حاربت عدواً ليس عدواً لله، معنى ذلك أنت عدو الله، لا يمكن أن تحارب إنسان عدواً لك إلا إذا كان في الوقت نفسه عدواً لله عز وجل.

 

﴿ ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾

 وكلمة ترهبون تعني شيئاً كثيراً، تعني أن السلاح ليست العبرة منه، أن نستخدمه، بل أن نرهب به، والدول الكبرى الآن التي عندها سلاح نووي، قد لا تستعمله إطلاقاً، ولكن وجود هذا السلاح عندها تصبح مرهوبة الجانب، فالسلاح مهمته أن تكون مرهوباً، أن تكون مرهوب الجانب، لا أن تكون مهيض الجناح.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾

 لذلك العلماء قالوا: من لوازم الإيمان الولاء والبراء، من لوازم الإيمان فمن لم يوالي المؤمنين، من لم يوالي الحق، من لم يوالي أهل الحق، من لم يوالي القرآن والسنة، من لم يوالي الأنبياء بل وال أعداء الله، وال المنافقين، وال الكفار، وال المنحرفين أحبهم، جلس معهم، سهر معهم، سافر معهم شاركهم، أنسجم معهم أندمج معهم، أحبهم، هذا ليس فيه ذرة من الإيمان.
الحد الأدنى بإيمانك أن توالي المؤمنين، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين، ما دام الكافر تعظمه، وتبجله، وتوقره، وتحترمه وتتمنى أن تكون معه وتحت جناحه، وأن يرعاك، وأن تستقوي به وأن تعتمد عليه، فعلم علم اليقين أنه ليس في القلب ذرة إيمان.
من لوازم الإيمان الولاء.
من لوازم الإيمان البراء.
توالي وتتبرأ، توالي المؤمنين، وتتبرأ من الكفار والمشركين.
 يعني واحد له قريب ميسور الحال غني جداً، ما بصلي، ينكر على أهل الدين دينهم، يستخف بالحق، هذا لا ينبغي أن تحتفل به وأن تندمج معه، وأن تزوره، وأن تستعين به، وأن تتضعضع أمامه وإلا لست مؤمناً، الولاء والبراء توالي أهل الإيمان، وتتبرأ من أهل الكفر والعصيان.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾

 علاقات العمل مسموح بها، علاقات العمل، أنت موظف أنت معلم، عندك مدير ثانوية، يجب أن تحترمه، وأن تطيع أمره ضمن العمل، وأن تكون لك معه علاقة طيبة، هذا شيء غير الولاء الولاء:

 

 

﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾

 

﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾

( سورة البقرة: 14 ـ 15 )

﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ﴾

 معنى ذلك: الحب والولاء أساس التوافق في العقيدة، التوافق في القيم، التوافق في المبادئ، التوافق في الأهداف، التوافق في الوسائل، التوافق بالتمنيات، هذا الولاء بكون.

 

﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ﴾

 كيف توالونهم ؟ أنت تخاف الله، كيف تحب من لا يخاف الله ؟! ترجو الآخرة، كيف تحب من يرجو الدنيا ؟! لا تحب الكذب كيف تحب الكاذب ؟!.

 

 

﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾

 هؤلاء الكفار الذين توالوهم، لماذا أخرجوا النبي عليه الصلاة والسلام من مكة، وطاردوه وأتمروا على قتله، ونكلوا بأصحابه لماذا ؟! لأنه دعا إلى الله أيقل أن توالي هؤلاء.

 

 

﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)﴾

لذلك: من شهد معصية فأنكرها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فاقرها كان كمن شهدها.
 أنت ساكن بالشام، لك قريب ساكن بكندة، أسمعت قصته، إنه قدر يحتال ويأخذ مال وفير، سرقة أو احتيالاً، وعمر قصر، وسكن واشترى مركبة، وعاش ببحبوحة، أنت قلت بس والله دبر حاله شاطر طلع، هو بكندة وأنت بالشام، شاركته في الإثم، لأنك أقرته عليه.
من غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها، ومن شهد معصية فأنكرها كان كمن غاب عنها لو أبنك بالبيت، عمل عملاً لا يرضي الله عز وجل، فأنكرته ووبخته، كأنك غبت عنه.
إذاً درسنا اليوم الولاء والبراء، لا بد من أن توالي المؤمنين ولا بد من أن تتبرأ من الكفار والمنافقين.

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾

 أنتم فعلتم هذا، كيف توادون من أخرجكم ؟ من شردكم ؟ من طردكم ؟ هذا شيء غير معقول.

 

 

﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾

 يعني لو أمام المؤمنين، أظهرت العداوة الشكلية، وفيما بينك وبينهم محطهم الود، الله عز وجل يعلم ما أخفيت وما أعلنت.

 

 

﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)﴾

 أنحرف انحراف خطير.

 

 

﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾

 يعني إن سيطروا عليكم، يكون لكم أعداء.

 

 

﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)﴾

 أعداء ألداء، إن تمكنوا منكم، آذوكم، وإن لم يتمكنوا منكم سلقكم بألسنتن حداد، فلا ينبغي أن توالي من جعله الله عدواً لك.

 

 

﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)﴾

قالت له: إما أن تكفر بمحمد وإما أن أدع الطعام حتى أموت أم سيدنا سعد بن أبي وقاص، قال يا أمي: لو أن لك مائة نفس وخرجت واحدة واحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي.
يعني إذا الإنسان له أقارب منحرفين، لن ينفعوا يوم القيامة أنت ولائك للمؤمنين، فدرس اليوم على الولاء والبراء، مسموح لك أن تقيم علاقات عمل وليس مسموح لك أن تقيم علاقات حميمة، بينك وبين الكفار والمنافقين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..