الدرس : 2 - سورة الحديد - تفسير الآية 9 ، رحمة الله ؟

1997-08-11

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية التاسعة من سورة الحديد، وهي قوله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) ﴾

الآية هي العلامة، والعلامة هي الأثر الذي يدل على مؤثر.
لله عز وجل آيات نصبها في الآفاق.. ولله عز وجل آيات تظهر في أفعاله.. ولله عز وجل آيات في قرأنه.
فآياته كونية وتكوينية وقرآنية،
هو الذي ينزل على عبده آيات بينات
المقصود بها، آيات القرآن الكريم، والآيات، كلمة آية علامة، و أكد هذا المعنى بكلمة بينات، يعني واضحات، نيرات ظاهرات، من أجل ماذا ؟ هذه اللام لام التعليل،
ليخرجكم من الظلمات إلى النور
الجهل ظلام، الكفر ظلام، الشرك ظلام، أتباع الهوى ظلام، فالإنسان قبل أن يعرف الله، في ظلمات،

﴿ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ﴾

( سورة النور: 40 )

الإنسان إذا كان في ظلام دامس، وتحرك، لا بد من إن يقع لا بد من إن يصطدم بحجر، أن يقع في حفرة، أن تؤذيه حشرة، أن يصطدم بشجرة، ما دام في حركة، وفي ظلام، ما هي الحركة الحركة هذه الشهوات، التي أودعها الله في الإنسان، هذه تحركه تحركه نحو أخذ المال، أو تحركه نحو الطرف الآخر، ليقضي حاجته وشهوته، ما دام في شهوات، في اندفاع، نحو تحقيقها، فالإنسان إذا وقف في الظلام، ما تحرك ما في مشكلة، لكن هو في الظلام، ولا بد من إن يتحرك، بدافع الشهوات، حركة من دون إضاءة، الحادث حتمي، مثل بسيط جداً، طريق كله منعطفات، على اليمين وادي وعلى اليسار وادي، والإنسان أطفئ مصابيح سيارته فجأة، احتمال الحادث بالمائة مائة.
لذلك العلم نور، هذا القرآن منور، قال تعالى

﴿ الله نور السماوات والأرض﴾

( سورة النور: 35 )

يعني الله جل جلاله، خلق السماوات والأرض ونورها، بهذا الكتاب، يعني وضح الهدف من خلق الإنسان، وضح حقيقة الإنسان، وضح مهمة الإنسان، وضح المنهج الذي ينبغي إن يسير عليه، بين له ماذا بعد الموت، ماذا قبل الموت، كيف يتزوج، كيف يأكل، كيف يشرب، فهذه التعليمات هي تنوير، أنت حينما تشتري آلة بالغة التعقيد، غالية الثمن، عظيمة النفع، الكتيب الذي يهديك إلى طريقة استعمالها، وصيانتها، كأنه نور ينير لك طريقة استعمالها.
إذاً الآية الكريمة:
هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات، الظلمات جمع، النور مفرد، الحق لا يتعدد الباطل متعدد، في باطل اعتقادي، في باطل سلوكي، في باطل أساسه الانحراف، في باطل أساسه التكذيب، في باطل أساسه الطغيان الباطل الاعتقادي مليون مذهب، ومليون فرقة، ومليون نْحلة ومليون اتجاه، فالباطل يتعدد، كما إن الخط المنحي يتعدد، والخط المنكسر يتعدد، ممكن بين نقطتين، ترسم مليون خط منحني، ومليون خط منكسر، لكن بين نقطتين لا يرسم إلا خط مستقيم واحد، لذلك أينما جاءت، جاء طريق الاستقامة جاء مفرداً.

﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾

( سورة الأنعام: 153 )

﴿ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾

فالسبل متعددة، السبل التي لا توصل إلى الله متعددة، أما السبيل الذي يوصل إلى الله واحد.
إذاً المؤمن خرج من ظلمات الجهل، والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، خرج من وحول الشهوات إلى جنات القربات، هذا ملخص الملخص، خرج من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، و من وحول الشهوات إلى جنات القربات.
طيب لماذا فعل ربنا هذا جل جلاله ؟ إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جمعياً إن الله غني عنكم لو أن أولكم و أخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب واحد منكم، ما زاد في ملكي شيئاً، لو أن أولكم و أخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد في ملكي شيئاً، لو كنتم على أفجر قلب رجل، ما نقص في ملكي لو كنتم على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد في ملكي شيئاً، لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم، وقفوا على صعيد واحد، وسألني كل واحد منكم مسألة، ما نقص ذلك في ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في مياه البحر، ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنا إلا نفسه.
طيب ما دام الله جل جلاله لا يزيده هدايتنا، ولا ينقصه ضلالنا، ولا يغتني إذا أطعناه، ولا يفتقر إذا عصيناه، فلماذا أخرجنا من الظلمات إلى النور قال:

﴿ وإن الله بكم لرءوف رحيم ﴾

ما في أب الآن غني، وقوي، وله شئن كبير، فلماذا يجهد بصلاح ابنه، بدافع رحمته، أكثر الآباء، لا تريد من أبنائها شيئاً ولا شيء، إلا إن يكون سعيداً، إلا إن يكون في مكانة علية فهذا الكمال،

﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ﴾

( سورة الشورى: 23 )

إلا أن تود الله عز وجل بعمل تتقرب به إليه.
إذاً:
هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم.
يعني رحمة الله عز وجل هي السبب، إني والأنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.
مر النبي عليه الصلاة والسلام، في الطريق مع أصحابه بامرأة تقبل أبنها، وتضمه، فقال عليه الصلاة والسلام: أتلقي هذه المرأة بولده إلى النار ؟ قالوا معاذ الله، قال: والذي نفس محمد بيده لله أرحم بعبده من هذه بولدها.
رحمة أمهات العالم من آدم إلى يوم القيامة، لا تساوي جزء من مليار من مليار، مليار من رحمة الله عز وجل، والدليل قال تعالى:
فبما رحمة ـ نكرة ـ

﴿ من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾

( سورة آل عمران: 159 )

عن نفسه ماذا قال:

﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾

( سورة الكهف: 58 )

الرحمة كلها عند الله وسيد الخلق، وأرحم الخلق بالخلق، أوتي جزء منها، وأمهات العوالم أمهات البشر، وأمهات الحيوانات، وأمهات الأطيار، وأمهات الأسماك، أوتيت جزء من رحمة الله عز وجل.

إذاً
: هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ـ هذا القرآن ـ
ليخرجكم من الظلمات ـ ظلمات الجهل، والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم ـ
إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم.