الدرس : 6 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 71-72 -73 ، أهمية النار

1997-08-03

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
 ربنا سبحانه وتعالى بث في الكون آيات دالة على عظمته وعلى وحدانيته، وعلى قدرته، وعلى رحمته، وعلى كل أسمائه الحسنى، إن الكون بشكلٍ أو بآخر مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.
فالآية الأولى:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) ﴾

 وجودكم، طريقة وجودكم، والآية الثانية: طعامكم، والثالثة شرابكم، والرابعة دفئكم: وجود، طعام، شراب، دفئ، الآية التي قبل الأخيرة:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71)﴾

 تصور أن النار ألغيت من حياتنا، أولاً: كل الأدوات المعدنية التي نستخدمها في الصناعة، إنما صنعت عن طريق النار، الحديد تراب، فلذات الحديد تراب، أخرجت هذه الفلذات وضعت في أفران عالية، صهرت، واستخلص منها الحديد، فكل أدوات الصناعة على الإطلاق، لا تجد سكين تقطع بها الفاكهة، ولا تقطع بها اللحم، لا تجد قدوم، لا تجد محفار، لا تجد محراث، كل الأدوات مهما تكن بدائيةً من دون نارٍ لن تجدها، هذا النسيج، هذه الثياب التي تلبسونها صنعت بآلات نسيج، آلات النسيج من الحديد، الحديد لولا النار لما كان حديد، فيمكن أن تعد النار سبباً لكل شيء تراه عينك، حتى طعامك، وشرابك، لولا النار لما أكلته، البقول لا تأكل من دون طبخ إطلاقاً، هل بإمكانكم أن تأكلوا القمح من دون طبخ، من دون سلق مستحيل، الخبز، لو تصورت النار لوجدتها داخلة في كل شيء تراه عينك، لذلك:

 

﴿أفرأيتم النار التي تورون ﴾

تشعلونها.
 طيب، من جعل في باطن الأرض هذه الثروات النفطية ؟.
قال تعالى:
الذي

 

 

﴿جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ﴾

 

( سورة يس: 80 )

 قد يعجب الإنسان ! الشجر الأخضر لا يشتعل ! كيف يقول الله عز وجل:

﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ﴾

 قال العلماء: الورقة الخضراء هي المعمل، لولاها لما كان النبات، فوصف بسببه من الشجر الأخضر نارا، هذه الغابات العملاقة التي كانت في العصور المطيرة، والتي دفنت تحت الأرض، والتي أصبحت نفطاً هو الطاقة الأولى في حياتنا

 

﴿جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ﴾

 يعني أنت من أجل أن تعرف ما قيمة هذا الوقود السائل مركبة وزنها طونين فيها خمس ركاب، في طريق صاعدة هكذا، كم رجل يستطيع أن يحركها نحو الأمام، بينما بالبنزين هذا السائل الانفجاري يدفعها نحو الأمام بوزنها، وركابها، وأمتعتهم، الطائرة تزن مائة و خمسين طن، الجانبو وقودها مائة وخمسين طن، وقودها بقدر وزنها هذا الوقود تستهلكه في أربعة عشرة ساعة، تستهلك الطائرة وقوداً بقدر وزنها بأربعة عشرة ساعة، من أجل أن تحمل مائة وخمسين طن ركاب، مع الوقود، مع أمتعتهم، على ارتفاع أربعين ألف قدم، من صمم هذا الوقود.

 

 

﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾

 

( سورة النحل: 8 )

 لو الآية انتهت هنا لكان كلام محمد، لأنه عاش في صحراء، في أمامه خيل وبغال، وحمير، وجمال، أما لأنه كلام الله،

 

﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾

 ويوجد أيضاً، سيارات، وبواخر، وطائرات، وصواريخ ومراكب فضائية، عزي خلق الطائرة إلى الله، إلهاماً، ومواد أولية ووقوداً، ما قيمة الطائرة بلا وقود ؟ لا قيمة لها إطلاقاً.
لذلك:

 

 

﴿ أفرأيتم النار التي تورون ﴾

 هذه النار، يعني في أشياء عندك بسيطة جداً، والله طبخنا على الغاز، ما هذا الغاز ؟ من أين جاء الغاز ؟ هذا الغاز في حقول النفط بين الحقل، وبين سقفه غاز مضغوط، فإذا حفرت بئر النفط، انطلق النفط ذاتيا بضغط الغاز، ثم إن الغاز مادةٌ ثمينة جداً، الآن بأوربا معظم السيارات على الغاز، لا يلوث الطبيعة أبداً، مصروفه أقل بكثير، هذا الغاز الذي يشتعل لهبة زرقاء هذا من باطن الأرض.

 

 

﴿ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ﴾

 

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)﴾

 يعني سواءً جئت بقطع من الحطب أحرقتها في الفرن، أو جئت بالبترول أحرقته، المؤدى واحد، لأن هذا البترول أصله شجر في العصور المطيرة نشأت غابات عملاقة في الأرض، بفعل الزلازل والبراكين دفنت تحت الأرض، فكانت حقول النفط، بقلك الحقل الفلاني، مثلاً السعودية مخزون النفط فيها يكفي مائة وسبعين عاماً قادمة، البلد الفلاني مخزون النفط في طاقة كبيرة جداً في الأرض

 

﴿ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾

 لماذا ؟ في نار جهنم، هل تقوى على تحمل النار ؟ قال أحد العلماء: قرأ حديثاً أغناه عن أربعة مائة ألف حديث، اتقي النار بقدر صبرك عليها، واعمل للجنة بقدر مقامك فيها، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واتقي الله بقدر حاجتك إليه كل شيء يحتاج الله في كل شيء، وجودك، قيامك.
 إذا واحد ماشي هي نعمة كبرى، إذا ماشي نعمة الحركة، لو تعطلت أقرب الناس إليك يتنمى أن يخفف الله عنك، أقرب الناس إليك نعمة الحركة، نعمة السمع، والبصر، فالله عز وجل يحتاجه كل شيء في كل شيء، اعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للجنة بقدر مقامك فيها إلى أبد الآبدين، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واتقي النار بقد صبرك عليها،

 

 

﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾

 يعني موجة حر 45، الناس يخرجون من جلودهم أليس كذلك موجة حر 45، الشمس درجة حرارة سطحها ستة آلاف درجة حرارة باطنها عشرين مليون درجة، لو أن الأرض ألقيت في جوف الشمس لتبخرت في ثانية واحدة، ثانية، تبخرت، هذه نار الدنيا فكيف بنار الآخرة ؟

 

 

﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾

 

( سورة النساء: 56 )

 فالإنسان قبل أن يعصي الله ليأتي بشمعة مشتعلة، ويضع إصبعه عليها، قبل أن يعصي الله ليأتي بموقد الغاز يضع كفه عليه، قبل أن يعصي الله، قبل أن يأكل المال الحرام، قبل أن يملئ عينيه من الحرام، قبل أن يكذب، قبل أن يغتاب، قبل أن يطلق طلاقاً تعسفياً، قبل أن يقبض مالاً حراماً، قبل أن يفعل هذه المعاصي ليضع يده على موقد الغاز،

 

﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾

 في نار في الدنيا، لكن نار الدنيا، مخففة جداً، مخففة ملايين المرات.

 

 

﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ (73)﴾

 المقوينن ؟ المسافرين، يشعلون النار يتدفئون بها.

 

 

﴿ إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى﴾

 

( سورة طه: 10 )

 قال بعض العلماء: كن لي مالا ترجو، أرجا مما أنت منه ترجو، ما معنى هذا الكلام ؟ سيدنا موسى ذهب ليأخذ قبساً من نار فكلمه الله عز وجل:

 

﴿ إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ﴾

أربع آيات أخوانا... آيات خلقنا.. وآيات رزقنا.. وآيات الماء.. وآيات النار.. خلق.. ورزق.. وماء.. ونار.
 وهي أساسيات جداً بحياتنا، أنت موجود تأكل، وتشرب وتتحرك بالنار، راكب مركبة، لو ما في نار ما بتتحرك السيارات بالأرض، ما في طائرات، ما في زراعة، ما في أي أداة لأن الله عز وجل قال:

 

 

﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ﴾

 

( سورة الحديد: 25 )

هذا الحديد أساسه النار، لأنه فلذات تراب، هل تستطيع من دون نار أن تجعل من هذا الترب حديداً ؟ مستحيل.
 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهو أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا أثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا أرضى عنا و صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم..