الدرس : 2 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 1 - 56 ، مقياس الدنيا والآخرة

1997-07-26

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
سورة الواقعة تحدثنا عنها في الدرس الأخير عن آياته الأولى:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾

 كيف أن هناك مقاييس لبني البشر، يقيم بها الناس، وهناك مقاييس يقيم بها الإنسان يوم القيامة، فمن اختلاف المقاييس، يختلف التقييم، فالذي كان في الدنيا في أعلى مرتبة، قد يكون في الآخرة في أدنى مرتبة، والذي كان في الدنيا في مرتبة دنيا قد يكون في الآخرة في مرتبة عليا.
فالإنسان يحاسب في الآخرة على قدر خدمة للعباد، فالذي بنى مجده على أنقاد الناس له حسابٌ خاص، الذي بنى غناه على إفقارهم له حساب خاص، أما الذي كان معطائاً، إذا أردت أن تعرف مقامك فنظر فيما استعملك، كل إنسان يطرح على نفسه هذا السؤال، ما حقيقة عملي ؟ في عمل قائم على الكذب والغش، والاحتيال، في عمل قائم على ابتزاز أموال الناس، في عمل قائم على إيقاع الأذى بالناس، في عمل قائم على الإيقاع بين الناس، التحريش بينهم، فكل هذه الأعمال التي يعملها الناس، والتي بنيت على إيذاء الآخرين، هذه الأعمال سوف تكون عليهم وبالاً يوم القيامة، فالعبرة أن تسأل نفسك هذا السؤال؟
 مرة سألني أخ يعمل في التموين، موظف، ماذا أفعل ؟ أردت أن أفاجئه بفتوى لم يصدقها، قلت له افعل ما تشاء، ضع الناس في السجن، أُكثر من كتابة الضبوط، قال كيف ؟ هكذا تقول لي، قلت له نعم، إن كنت بطلاً هيئ لربك يوم القيامة جوابٌ عن كل ضبط، هيئ لا لعبد الله، لله، جواباً عن كل ضبط.
فكل إنسان بمكان يقدر يؤذي الناس، في دوائر كثيرة، يقدر يؤذي، يقدر لا يؤذي، بيقدر يرحم، بيقدر يقسو، بيقدر يكون واقعي منطقي، بيقدر يكون حرفي، نصي، فهذا بيد الإنسان.
 فهذا الذي يدمر أسراً بأكملها عن طريق ضريبة غير معقولة، بإمكانه أن يرحمه بإمكانه أن يحط له الشريحة الدنيا، فهذا الذي يفعل ويظن أنه بطل، هذا سوف يحاسب حساباً شديداً، الصغار يسيئون، الكبار ما أمروك أن تفعل هذا أعطوك حركة مرنة، حد أدنى، وحد أقصى، بدأ بالأقصى، غير معقول.
فلذلك إذا أردت أن تعرف مقامك، فنظر فيما استعملك، عد للمليون قبل أن تؤذي إنسان، لأن ربناً سوف يعاقبك على إيذائه عقاباً شديداً، عد للمليون قبل أن تكذب، قبل أن تغش الناس.
 أذكر قصة، رجل يعمل في الميكانيك، جاءه إنسان يركب سيارة جديدة اشتراها حديثاً، وهو يجهل أمورها الداخلية، فيها علة، فهذا الذي يعمل في الميكانيك أدرك أن هذا الشخص يجهل كل شيء في السيارة، فقال له عشرة آلاف، السيارة جديدة، بس صاحبها غشيم، جاهل فقال له مثل ما بدك، هي عملية تصليح ربع ساعة، تستهلك خمس مائة ليرة، بس أدرك أنه جاهل.
 ورد بالحديث أن غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام، هذا مسترسل، بقول جاره، صلحها بربع ساعة وراح أول يوم على المطار، أخذ أهله، وثاني يوم على الوادي، واليوم الثالث على الزبداني، ثلاثة أيام استخدمها صلحها بربع ساعة، واليوم الرابع أخذ عشرة آلاف عداً ونقداً، من عما يراقبه ؟ جاره، فعاتبه، قال له: هكذا العمل، هكذا، هكذا أصول العمل، قال له: مثل ما بدك، ابنه يعمل بمخرطة، بتفوت نثرة حديد بقرنية العين، يأخذه إلى بيروت، في الجامعة الأمريكية، بيدفع للعملية عشرين ألف ليرة لبناني، والليرة بمائة وستين كانت قبل السبعينات، فمن طلع ذكي ؟ المستقيم هو الذكي، أخذهم عشرة دفعهم ثمانية وعشرين، دفعهم على ابنه.
فأنت حينما توقن أن المال الحرام سوف يدمر، يدمر ومعه مال آخر، بل إن المال الحرام سيدمر صاحبه، هذا الشعور، شعور إيماني، أنه كل شيء بحسابه.
 يروى طرفة، طرفة مضحكة، أن شوحى سألت سيدنا سليمان، قالت له اسأل ربك، هو مهول أم عجول، يعني يعاقب سريعاً أم يمهل، فلما سأله قال: قل لها إنني مهول ولست عجولاً، اطمأنت، رأت أناس يأكلون اللحم فخطفت هذا اللحم وطارت به، علق ببعض قطع اللحم فحمة مشتعلة، فحرقت عشها وبيضها، فرجعت إلى سيدنا سليمان، قالت له يا سليمان: ألم تسأل ربك فقال إنه مهول ؟ هو عجول، قال يا ربي ماذا أجيبها ؟ قال: قل لها هذا حساب قديم، هي قديمة، عن ذنب آخر.
فكل شيء بحسابه، والله أيها الأخوة، والله، ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عودٍ، إلا بما قدمت أيديكم، والله الابتسامة، المال الحرام، الإساءة، الظلم، كله بحسابه، فإذا الإنسان عرف أنه في إله عظيم، عادل يستقيم ينجو باستقامته.
فلذلك الواقعة إذا وقعت.

﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً (6) ﴾

 الإنسان أحياناً يكنس غرفته في الشتاء، وأشعة الشمس داخلة إلى وسط الغرفة، يرى ذرات عالقة في الأشعة، هذا الهباء فبجبال ضخمة.

 

﴿ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)﴾

 معناها في ثلاث أصناف، أصحاب الشمال إلى النار، أصحاب اليمين إلى الجنة، أما والسابقون السابقون، أولئك المقربون، يعني في راسب، وفي ناجح مقبول، وفي ناجح شرف، الناجحين صنفان، والراسبين صنف.

 

 

﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾

يعني كثيرون.

 

 

﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) ﴾

 يعني عدد المتفوقين عند الله، في الآخرين قليل، في الأولين كثير.

 

 

﴿ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً (25) إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً (26)﴾

 هذه أعلى درجة في الجنة، والسابقون السابقون للذين باعوا أنفسهم، وأموالهم، ووقتهم، وعلمهم، وعضلاتهم، وكل شيء بحوزتهم باعوه لله عز وجل، هؤلاء الذين صاحبوا رسول الله، فدوه بالغالي، والرخيص، والنفس، والنفيس، هؤلاء ليس لهم في الدنيا هم إلا طاعة الله، هؤلاء الذين أعطوا كل شيء، ولم يأخذوا شيئاً هؤلاء، والسابقون السابقون هؤلاء في درجة علية عند الله عز وجل.
 الصنف الثاني، توسعوا في المباحات، والتزموا المنهج، لكن ساعة له، ساعة لربك، له حظوظ في الدنيا، لكن مباحة، ما عمل شيء، رتب بيته، رتب أموره، بحب الراحة، السرور، الأكل، السيران، السفر، يعني بحب يكون في عنده بالبيت شي درجة أولى، هذا يعني دروس علم ماله فاضي كثير يحضرها، عنده شغل، عنده تجارة، بس ما بيكذب، ما بغش، بصلي، بصوم بحج، بذكي، أموره كلها مطبقة، بس ما في بذل كبير.
قال:

 

 

﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)﴾

 هي درجة ثانية، مثل ما حكينا بسورة الرحمن، في درجة أولى، تحتاج إلى تفصيل، وفي درجة ثانية
قال هؤلاء:

 

 

﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)﴾

 يعني عددهم كثير قديماً، وكثير حديثاً.
أما المشكلة:

 

 

﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45)﴾

 الترف اقترن مع النار، إنفاق الأموال جزافاً، البذخ، التبذير، العلو في الأرض، هذه من صفات الكفار

 

 

﴿ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)﴾

 هذا كلام خطير أيها الأخوة، يجب أن تسأل نفسك أنت مع من ؟ هل أنت مع السابقين ؟ السابقين لهم شروط، هل أنت مع أصحاب اليمين، أصحاب اليمين مطيعون لله عز وجل، ولكن توسعوا في المباحات، أما العصاة مع الصنف الثالث.

 

 

﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون ﴾

 

( سورة النجم: 59 ـ 60 )

 تستمعون إلى الغناء، فهذا كلام خطير، ومصيري، فالمؤمن يجب أن يعرف أين هو من هؤلاء، إن كان مع أصحاب اليمين جيد ولكن الأجود أن يكون مع السابقين، أما في التعليم، الذي يطلب النجاح فقط لا ينجح، أما الذي يطلب التفوق قد ينجح فاطلبوا التفوق كي نكون مع أصحاب اليمين إن طلبنا أن نكون مع السابقين ربما نكون مع أصحاب اليمين، أما إذا اكتفينا مع أصحاب اليمين قد لا نصل إلى هذه المرتبة.
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..