الدرس : 2 - سورة القمر - تفسير الآيتان 4-5 ، متى ينزجر الإنسان ؟

1997-06-23

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآيات الرابعة والخامسة، من سورة القمر، وهي قوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)﴾

﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ﴾

 يعني هناك حقائق نقلت إليهم، كافية لزجرهم عن غيهم، ومع ذلك لم ينزجروا، هناك حقائق قطعية وضعت بين أيديهم كافية لزجرهم عن غيهم، ومع ذلك لم ينزجروا.
قال

﴿ حكمة بالغة فما تغني النذر ﴾

 كيف نفهم هاتين الآيتين يعني النذر ! لا تجدي، النصيحة لا تجدي، وضع حقائق خطيرة بين أيدي إنسان مدخن، عن الدخان لا ينزجر، طيب متى ينزجر ؟ كيف نحل هذه المشكلة،

 

﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ﴾

 ما أكثر العبر، الآن ما أقل المعتبرين، كم إنسان ينتقل من بيت فخمٍ جداً إلى قبرٍ ضيق، كل يوم، ينتقل من كل شئ إلى لا شئ من من الناس يفكر بالموت؟ يفكر بمغادرة الدنيا، من من الناس يصدق حقيقة أن الله سيسأله عن كل كلمة، وعن كل نظرة، وعن كل درهم أنفقه، وعن كل درهم أخذه، من أين أخذه؟ وفيما أنفقه ؟ وما أبتغى به.

 

 

﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾

 

( سورة الإسراء: 14 )

﴿ مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحد، ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ﴾

( سورة الكهف:49 )

 آيات قرآنية واضحة كالشمس، فكيف ينحرف الإنسان مع الآيات ؟ ينحرف مع الدلائل، ينحرف مع الحجج ينحرف مع البراهين، ما حكمت ذلك ؟ كيف نوفق بين الآيتين ؟.
 قال: حكمة بالغة فما تغني النذر، ربنا عز وجل يقول: فما تغني النذر، طيب ما جدوى الإنذار إذاً، إذا كان نذر لا تجدي، والحقائق لا تكفي، متى ينزجر الإنسان ؟ الجواب، أن الإنسان إذا طلب الحقيقة إن أراد الحقيقة، أقل شيءٍ بين يده يدله عليه، وإن لم يرد الحقيقة لو حشرت له علوم الأرض، لو حشرت له علماء المسلمين جميعاً، لو وضعت بين يديه كل الكتب الدينية، لا يتأثر.
 أضرب لكم مثل بسيط، نحن في الخمسينيات حينما كنا صغاراً كان في آلة تصوير، عبارة عن علبة، ثمنها عشر ليرات، فيها عدسة والفلم عبارة عن صفيحة، هذه الآلة يمكن أبسط آلة صنعها الإنسان بُكس، علبة، وعدسة، والكبسة الزر، بتفتح وبتسكر، هذه الآلة إذا فيها فلم، تلتقط صورة، الآن في آلات ثمنها نصف مليون ليرة خمسمائة ألف، وثمانية مائة ألف، وفي آلات بمليون، إذا ما فيها فلم ؟ ما تأخذ شي.
طلب الحقيقة هو الفلم، إن أردت الحقيقة أبسط شيء، يدلك على الله، طعامك

 

﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾

 

( سورة عبس: 24 )

 وإلى شرابه، ومما خلق، كأس الماء، ابنك الذي أمامك، تعلم علم اليقين أنه كان حويناً لقح بويضةً، وصار إنساناً سوياً، هذا بين يدك هذه الفواكه، هذه الخضراوات، هذه المحاصيل، هذا الحر، هذا البرد هذا الرياح، هذه الأمطار، هذه الجبال، هذه الصحارى، هذه السهول وفي كل شيء له آيةٌ يدل على أنه واحد.
أما الإنسان إذا أعرض عن الحقيقة ما أرادها، قد تكون آلته أغلى آلة بالعالم، ذكي جداً، ثقافته واسعة جداً، مطلع جداً، معه أعلى شهادة، بس فلم ما في، ما استفاد شيئاً.
بيجي إنسان، أعرابي لا معه كفاءة ولا بكالوريا، ولا ليسانس ولا ماجستير، ولا بورد، ولا أكريج، ولا أف أر أس، ما معه شئ بنوب، يقول:
الأقدام تدل على المسير، والبعر يدل على البعير، والماء يدل على الغدير، أفسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، ألا تدلاني على الحكيم الخبير، ما معه شهادات بنوب.
 يعني إنسان إذا طلب الحقيقة يراها، والله يراها رأي العين والله يراها صارخة، ماذا قال الله عز وجل ؟ ممكن تشك بابن الجيران، ابن من أنت عم ؟ ابن من، الأمر عندك تتداخل، ابن جارك اليمين، لما اليسار ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ ابن من أنت ؟ ممكن تشك بابنك من أنت تقول له من أنت ؟ تقع بالأرض مرة، إطلاقاً، مستحيل أب في الأرض، يقول لابنه أنت من، ابنه.
 ماذا قال الله عن بني إسرائيل ؟

 

﴿ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴾

 

( سورة البقرة: 146 )

 شايف هالتشبيه،

 

﴿ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴾

 يمكن ما في معرفة بسيط جداً، لاتحتاج إلى برهان، ولا إلى دليل ولا إلى تريث انتظر، بقلك بتعرفني بيطلع، امهلني شوي، إذا كان شخص التق فيك فجأة، بقلك بتعرفني بتقله، طول بالك سأقول لك من أنت، أما أبنك بتقول انتظر، لأعرف من أنت،

 

 

﴿ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴾

 فالمشكلة: هذا قرار داخلي، إن بحثت عن الحقيقة أي شيئاً يدلك عليها، أي شئ، وإن أردت الدنيا ولم ترد الحقيقة، لو حشر لك الأنبياء جميعاً.
النبي الكريم سيد العالمين، أعلى درجة في العلم، أعلى درجة في الكمال،

 

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾

( سورة القلم: 4 )

 وحيٌ يتنزل عليه معجزات بين يديه، كمالٌ ما بعده كمال، رحمةٌ ما بعدها رحمة أليس هناك من كفر به ؟ وكذبوا دعوته، وسخروا منه، وحاولوا قتله وأبغضوه.
معنى ذلك إن أردت الحقيقة وجدتها، وإن لم ترد الحقيقة، لن تجدها.
الآن مع هذه المقدمة تتضح هذه الآية

 

﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)﴾

 يعني معهم حقائق، الآن، بين أيدي الأطباء حقائق عن الإيدز، وحقائق عن أخطار الدخان، الشيء الكثير، ومع ذلك هناك من يدخن، وهناك من يمارس الزنى، مع كل هذه الحقائق

 

 

﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)﴾

 يعني إن أعرضت عن الحقيقة، لا تنفعك النذر، ولا الدلائل ولا البراهين، ولا أي شئ ينفعك، وإن أردتها.
بالمناسبة، آية تتمم،

 

 

﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾

 

( سورة العنكبوت: 69 )

 لنهدينهم اللام للام التوكيد، النون نون التوكيد الثقيلة اطمئنوا أيها الأخوة، إن أردت الحقيقة، لابد من أن تصل إليها، لابد من أن تجدها، والله عز وجل يسوقك إلى من يعطيك إياها، دليل آخر

 

﴿ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ﴾

 

( سورة الأنفال: 23 )

 فإذا أسمعك الله الحق هي علامة طيبة جداً، علامة من الله، أنه أراد بك خيراً،

﴿ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ﴾

 إذاً:

 

﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغني النذر، فتول عنهم. يعني، وما أنت بمسمع من في القبور ﴾

 

(سورة فاطر: 22 )

 واحد مقبور بشهوته، مقبور بتجارته مقبور قبر ميت يعني تزوج الدنيا

 

﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ﴾

 زهرة الحياة الدنيا،

 

 

﴿ ولا تحزن عليهم ﴾

 

( سورة الحجر: 88 )

 هؤلاء انصرفوا إلى دنياهم، هؤلاء قلوبهم غُلف، هؤلاء في آذانهم وقرٌ، هؤلاء هو عليهم عماً، هؤلاء،

 

﴿ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ﴾

 

( سورة البقرة: 18 )

 حبك الشيء يعمي ويصم، حب الدنيا رأس كل خطيئة.
إذا كانت الدنيا ملكت قلبه، وأغلقت عليه منافذ الهدى

 

﴿ فتول عنهم يوم يدع الداعي إلى شيء نكر ﴾

 

( سورة القمر: 6 )

 يعني هؤلاء لا يصحون إلا بمصيبة الموت،

 

﴿ خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر ﴾

 

( سورة القمر: 7 )

﴿ فذكر إن نفعت الذكرى ﴾

( سورة الأعلى: 9 )

إنسان الدنيا استحوذت على قلبه، وملئت أركانه، وكانت غشاوةً بينه وبين الحقيقة، هذا دعه وانصرف إلى إنسان آخر، يلقي لك أذنٌ صاغية
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..