الدرس : 03 - سورة الحجرات - تفسير الآية 6 علاقة المؤمنين فيما بينهم.

1996-03-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

[سورة الحجرات]

 كأنَّ الله سبحانه وتعالى يريدُ أن يتماسَكَ المؤمنون، وأن يُحِبَّ بعضهم بعْضًا، وأن تكون العلاقات فيما بينهم مُحْكمةً متينة، فما الذي يقطع هذه العلاقات ؟ ما الذي يُضْعِفُهم ويُشَتِّتُهم أن يتفرَّقوا، قال تعالى:

 

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

 

[سورة الأنفال ]

 وقال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

 

(سوة الأنعام)

 الذي يُفَرِّق بينهم سوء العلاقة بينهم، وسوء العلاقة سببُهُ الغيبة والنَّميمة.
النَّميمة أن تنْقلَ خبرًا سيّئًا عن إنسان، قد يبْدو للناس أنَّ المجتمع مُتماسِكًا قال تعالى:

 

﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)﴾

 

[سورة الحشر]

 هذه الآية لو طُبِّقَت لَكنَّا في حالٍ غير هذا الحال، فن جاءَكَ خبَر لا بدَّ مِن التَّحَقُّق، ولا بدَّ من التَّثبُّت ولا بدّ من الاسْتِمْهال، فلو بلَّغَكَ أحدٌ عن شَخْصٍ أنَّه قال في حَقِّكَ: كذا وكذا، تريَّث ففي القرآن آية، وهي قوله تعالى:

 

﴿ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(27)﴾

 

[سورة النمل]

 نصيحَةٌ لِوَجْه الله، إيَّاك أن تتَّخِذ قرارًا على خبر الآحاد، فلا بدَّ من التَّثبُّت والتَّحقُّق.
 حدَّثني صديق له معمل حلويَّات، طلبَ من المعمل مائة علبة زبدة، فأرْسَلَها له، عدَّها صاحب المحلّ، فذَهَب إلى معطف أحد الموظَّفين فرأى في جَيْبِه قِطْعةً منها ! فالدليل قَوِيّ جدًّا ! كاد أن يطْرده، وأن يفْضَحَهُ وأن يسْحَقَهُ، ولكنَّ الله تعالى صبَّرَني، فقلتُ في نفسي: انْتَظِر ! ذَهَب إلى المعمل لِيُحاسِبَهم، فلما ذَهَب قالوا له: بعثْنا لك مائة باكيت، واشْترى أحد من يشْتغل عند باكيت، ونودُّ منك فقط ثمن التِّسعة و التِّسعين ! فالتَّثبُّت والتَّمَهُّل يريحُ.
 سيِّدُنا عمر جاءتهُ رسالة من أحَدِ الوُلاة محتواها: أنَّ أُناسًا قد اغْتصَبوا مالاً ليس لهم، ولسْتُ على اسْتِخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذَاب، فإن أذَنْتَ لي فَعَلْتُ، قال: يا سبحان الله ! أتسْتأْذِنُنِي في تَعذيب بشر ؟! وهل أنا لك حِصْنٌ من عذاب الله ؟ وهل رِضائي عنك يُنْجيكَ من سَخَطِ الله ثمَّ قال له: أَقِم عليهم البيِّنة، فإن قامَت فَخُذْهم بالبيِّنة، وإن لم تقُم فادْعُهُم إلى الإقرار، فإن أقرُّوا فَخُذْهم بإقرارهم، فإن لم يُقِرُّوا فادْعُهُ لٍحلف اليمين فإن حلفوا فأطْلِق سراحهم، ويْمُ الله لأَنْ يلْقَوا الله بِخِيانتِهم أهْوَن عليَّ مِن ألقى الله بِدِمائِهم !! فإن جاءَتْك ابِنْتُكَ وقالت لك: فَعَل معي زوْجي كذا وكذا فإذا بِكَ تغْضَب، ولكن هل سألْتَ زوْجَكَ ماذا فَعَلتْ به ؟! أنت لسْتَ قاضي عَدل لأنَّ سَمِعْتَ مِن طرفٍ واحِد، لذا أيُّها الإخوة الكرام، أسأل الله أن لا تسْمعوا من طرَفٍ واحِدٍ بل من الطَّرَفَيْن، وتَحَقَّق، وقد ألْقَيْتُ درسًا في جامِع النابلسي عن القضاء، قال لي أحدهم: وما علاقتنا بِهذا الدَّرْس ؟ قلتُ له: كل إنسان بالحياة هو قاضٍ، فهو قاضٍ بين أولادِهِ، وقاضٍ بين أولادِهِ وزوْجاتهم، وقاضٍ بين إخوته، وشُركائِهِ، وقاضٍ بين جيرانِهِ شئْتَ أم أبيْت، لذا عَدلُ ساعةٍ أفْضَلُ مِن أن تعْبُدَ الله ثمانين عامًا !! إيَّاك أن تتسرَّع، فَكَم مِن جريمة قَتْل كانت المرأة ضَحِيَّة بريئة، وهناك مسْرَحِيَّة لِشِكْسبير مُلخَّصُها: أنَّ أحدهم شكَّ بِزوجتهِ بِوشاية، فقَتَلها، وبعد أن قتلها وهي بريئة ثبتَ له أنَّه بريئة فانْتَحَر !! فشيءٌ كبير أن تتَّهِمَ إنسانًا وهو بريء، قال تعالى:

 

﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

 

[سورة الحجرات]

 وفي قراءة فتثبَّتوا، وقذْف مُحصنةٍ يهْدِمُ عملَ مائة سنة، إنسانة بريئة وشريفة تتَّهِمُها في شرفها بِبَساطة، ومن دون تَحَقُّق، بِمُجرَد أن تُقال فيها كلمة بِقيل تُرَوِّجُها، لذا قال عليه الصلاة والسلام: كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع..." ألا يوجد عندك رقابة، ومُصَفِّي للكلام، ولا سيما إن كان هذا المُخْبرُ فاسِقًا، لأنَّ الفاسق عادةً يكْذب، والشرع وحدة مُتكاملة لا تجزأ فالفضيلة لا تجزأ، فالذي يشْربُ الخمْر يكْذب، والذي يزْني يكْذب، والذي يُطْلقُ بصرَهُ في الحرام يكْذب، فالفِسق علامة الكذب، قال تعالى:

 

﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

 

[سوة الحجرات]

 والله أيها الإخوة مئات القضايا لمَّا سَمِعْتها مِن طرفٍ واحِدٍ وجَدْتُ أنَّ الطرَف الآخر مُجْرِم، ولكن لمَّا اسْتَمَعْتُ من الطَّرف الثاني اسْتَحْيَيْتُ ! فالإنسان بِحُكم عمله بالمسْجد تُرْفَع على قضايا كثيرة فهذه خِبرة لمَّا سْمع من طرف واحِد أشعر بأنَّ الطرف الثاني مُجرم، ولكن عند استِماع الطرف الثاني أسْتَحي من الله على سوء ظَنِّي به.
 قُبَيْل معركة بدْر قال لأصحابِهِ: لا تقْتُلوا عَمِّيَ العباس ! قال أحدهم: أحدنا يقْتُل أباهُ وأخاه وينهانا عن قَتل عمِّه !! فهذا الذي قال هذه الكلمة لمَّا كُشِفَت له الحقيقة يقول: تصدَّقْتُ عشْر سنين وأنا أرْجو اله أن يغْفِرَ سوء ظَنِّي بِرَسول الله !! عَمُّهُ العباس كان مُسلِمًا، ولكن كان عَيْنًا في مكَّة فهو إن لم يُشارِك قومه في مُحاربة رسول الله كشَف أمْره، وإن ذَكَر النبي لأصحابِهِ أنَّهُ مسلِم كشَفَهُ وانتهى دَوْرُهُ، وإن سَكَتَ النبي عليه الصلاة والسلام قَتَلوهُ ! وأنا أقول لكم: آلاف البيوت هُدِمَت بِخَبرٍ غير صحيح وآلاف الشركات وُقِّفَت بِخَبر سيئ غير صحيح، وآلاف الأُسَر شُرِّدَت بِخَبر غير صحيح فما دام عندنا حُكم شَرعي احْتلَّ سَطْرين مِن كلام الله، فهذا شيءٌ خطير، قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

 

[سورة الحجرات]

 الشيء الدقيق أنَّ المُتَكَلِّم فاسِق، وما دام فاسِقًا فاحْتِمال أن يكون كلامُهُ كذِبًا قائِم، إذًا لا بدَّ من التَّحقُّق والدليل والتّثبُّت، ونحن إذا بنَيْنا علاقاتنا على سوء الظَّن انتَهَيْنا وخُرِبَت البيوت، وانتهى كلّ شيء، ولكنَّ الحياة لا تُبْنى إلا على وقائِع وعلى حقائق ويقينيَّات.
 التاريخ الإسلامي يُؤكِّد لنا كثيرًا أنَّهُ لا بدّ مِن التَّحَقُّق، ولا بدّ من التَّثبُّت وعلامة نُضْج الإنسان، وعلامة رُقِيِّه النَّفسي، والاجْتِماعي، وذكائِهِ في علاقاته أنَّه لا يبْني حُكْمًا إلا بعد تحقيق وبَحث ودِراسة، فهو حينما يقول: هذا الشيء حُكمُهُ كذا ومع الأدلَّة، ولولا الدَّليل لقال مَنْ شاء ما شاء، فلا بدَّ من الدليل، وأنت عوِّدْ نفْسَكَ عدم قَبول اتِّهام من دون دليل، ولا تكن إمَّعة كما قال عليه الصلاة والسلام: إن أحسن الناس...."

 

ما أنا إلا مِن غَزِيَّة إن غَوَتْ  غَوَيْتُ وإن ترْشُد غَزِيَّة أرْشُدِ

فهذه الآية تَكفينا، ونريد نحن التَّطبيق، فإن حدَّثَك شَخص عن أخيك انَّه قال فيك كذا وكذا، لا بدّ نم أن تطْلبَ الدليل، ومتى قال هذا الكلام ؟ وفي أيِّ مناسبة، وصدِّقوني آلاف القِصص لو عرفْتَ ملابساتها، وما رافقها، والسَّبب الذي قيلَتْ من أجلِهِ.
 أذكر أنَّني قلتُ مرَّة: من قبَّل القرآن من وُجوهِهِ السِّتة، ثمّ لم يُطَبِّق أحكامه ما فعَلَ شيئًا لِقَول النبي الكريم: ما آمن بالقرآن من اسْتحلَّ محارِمَه...." أخٌ مِن إخواننا يحْمل شهادة هنْدسة قال لبعْض العلماء: الأستاذ ينهى عن تَقبيل المُصْحف ‍‍!! وهذا العالم غضِب، وقال في درْسٍ عام: هذا لا يجوز، أن ينْهى إنسانًا عن تقبيل المصحف، ومن يُعظِّم شعائر الله فإنَّها نم تقوى القلوب، وسبحان الله كان أحدُ الحُضور جالسًا في المجلس وقد سَمِع درسي، فقال له: ما هكذا قال !! الْتقى بي بعد حين وطلب منِّي العفْو، وقال لي: تسرَّعْتُ ! فَكَم مِن قصَّة نُقِلَت على غير ما قيلَتْ، والأمْر الثاني أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أنْ لا نضَع أنفسنا مَوْضِعَ التُّهمة ثمَّ تلوم الناس إذا اتَّهَموك، ونبيُّنا أعظم من أن يُشْتَبَه، ولكن لمَّا كان يمشي مع صفيَّة رآه صحابيَّان فقال لهما: على رِسلكما، هذه زوْجتي صفيَّة ! فقالا: أفيك شُكَ ؟! فقال: لا، ولكن الشيطان يجري مجْرى الدَّم.
ذكر لي أحدُ إخواننا التُّجار أن يضْطرّ لِجَلبِ مسْتنَدِهِ الساعة الواحدة بالليل فهذا الأخ بلَّغ الحاجب، وأفْهمَهُ سبب أخْذِهِ لهذا المستند حتَّى لا يُقال عنه: أخذ نقود شريكِهِ بالليل !!
 فأنت إن سافرْت ووصَّيْت أخاك أن يعتني بِبَيتِك في غِيابِك، عليك أن تُبَلِّغ وقلْ: أنا مسافر، وقد أوْصَيت أخو زوْجتي أن يتفقَّدها، أما أن يَرَوا أنّ رجلاً دَخَل، وآخر خرَج، فها يعني أنَّ مشكلةً بالبيت، والبيان يطْرُد الشَّيْطان، فأنت بيِّن، وإن جاءَكَ فاسِق فتثبَّت، وكقاعدة: أنت مُتَّهَم حتَّى تثْبُتَ براءَتُك، فكلّ شيءٍ بيِّنْهُ، عندها نتماسَك ونتحابَبْ، ويثِقُ بعضُنا بِبَعض، فأحدُ الإخوة كان عملهُ إداري، فكان يجْلب له أحدهم بيضًا، ظنَّ بعضهم أنَّ هذه رشْوَة، والأخ كان يُعطيه ثمنَهُ في الخارج، حتَّى نُصِح ذاك الأخ، فأصْبَحَ حينما يأتيه ذلك الشَّخص يُعطيه النقود أمامهم ‍‍! فالبيان يطْرد الشيطان.