الدرس : 01 - سورة الحجرات - تفسير الآية 1 الأمر والنهي حكمة إلهية.

1996-03-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الأولى من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾

[ سورة الحجرات ]

 أي أنت تُقدِّم اقْتِراحًا، وبديلاً لأمر الله تعالى، ولِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فحينما تقْترِحُ شيئًا لم يكن في منْهج الله، وحينما تريد أن تُضيف شيئًا ليس مِن دين الله، وحينما تتمنَّى أنَّ هذا الحكْم الإلهي لا يتناسبُ مع هذا العصْر وحينما تريد أن يُضاف على الإسلام شيئًا، أو أن يُحْذَفَ منه شيئًا فأنت لا تعرف الله عز وجل، لأنّ الله الذي شرَّعَهُ هو الخبير والصانِع.
 لذا لا تُقَدِّموا ؛ لا تضَع حُلولاً لم تَرِد في شَرْع الله، ولا تقْتَرِح اقْتراحاتٍ لا تتوافق مع سنَّة رسول الله، فالذي جاء به القرآن الكريم، والذي جاءَت به السُّنة المطهَّرة ؛ قوْلٌ فصْلٌ مِن عند خبير عليم ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3)﴾

 

[ سورة المائدة ]

 فالتَّمام عَدَي، والكمال نَوْعي أيْ عدَدُ القضايا التي عالجهَا الدِّينُ الإسلامي تام لا يقْبَلُ زِيادَةً، ولا يَحْتَمِلُ نقْصًا، وطريقة المُعالجَة كاملة، ولا تقْبَلُ تَعْديلاً، ولا تطْويرًا، فالعَدد تانّ، والطريقة كاملة، لذلك أمر الله عز وجل بِأشياء لِحِكمةٍ مُطلقة، ونهى عن أشياء لِحِكمة مُطلقة، وسَكَتَ عن أشياء لِحِكمةٍ مُطلقة، فالذي سَكَتَ عنه يتعلَّق بالمُتَغَيِّرات ؛ اختلاف البيئات، والتَّقاليد والعادات، والأماكن الجغرافيَّة، والأعْراق، والأجناس، والذي سَكَتَ عنه مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، والذي أمرَ به أمْرًا قَطْعِيَّ الدَّلال هذا مُتَعَلِّق بالثَّوابت، والذي نهى عنه نَهْيًا قَطْعيَّ الدَّلالة مُتَعَلِّق بالثَّوابت، والذي أمرَ به أمْرًا ظَنِيًّا فهذا مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، والذي نهى عنه نَهْيًا ظَنِيًّا مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، فحينما تعْلَمُ أنَّ هذا القرآن الكريم كلام خالق الكون، وأنَّ كلام النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ مِن عند خالق الكون، لِقَول الله تعالى:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾

 

[سورة النجم ]

 فَحينما تعْتَقدُ ذلك لا تجرأ أن تُضيف على الدِّين شيئًا ولا أن تحْذِفَ منه شيئًا، ولا أن تتمنَّى أن يكون الحُكْم غير ذلك، ولا أن ترْجو أن تضَعَ بديلاً لِهذا المنْهج الإلهي، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾

 

[ سورة الحجرات ]

 لا تُقَدِّم اقْتِراحًا ولا بديل، ولا سُلوكا لم يفْعَلْهُ النبي عليه الصلاة والسلام.
 ورَدَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أن حد البشر....والذي نفسُ محمَّد بيدِه لا ينطق هذا اللِّسان إلا بحق..." في الرِّضَا وفي الغضب، ولو لم يعْصِمْهُ عن الخطأ كان الأمْر أن نُطيعَهُ في كلّ ما جاءَنَا به، وأن ننتَهي عن كلّ ما نهانا عنه ؛ أمْرًا لا معنى له، كأنَّ الله أمرنا أن نخطئ، لو أنَّه غير معصوم، وقد أمرنا الله تعالى في قوله تعالى:

 

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

 

[ سورة الحشر ]

 لو أنَّه غير مَعصوم، وأُمِرْنا أن نأخذ عنه كلّ شيء، وأن ننْتهي عن كلّ شيء نهانا عنه، لكان هناك أمْر بالمعْصِيَة إذا كان النبي غير معصوم إذًا هو معصوم بأقواله، وأفعاله، بل إنَّ سنَّتَهُ التي نطَقَ لها، والتي فعلها والتي أقرَّها هي وَحيٌ يوحَى، فالإنسان يتطاوَل، وهو لا يشْعُر، يريدُ أن يضَعَ توجيها ؛ يا أخي الحياة مُعَقَّدة ! وأن نُجمِّد المال بطريقة غير ربَوِيَّة ؛ هذا غير مألوف ! يريدُ هو أن يضَعَ بدائل لاسْتِثمار المال، ويريدُ نِسبًا ثابتة، فكثر التُّجار الآن يُعْطون رِبَحًا ثابتة ! وما معنى أرباحًا ثابتة ؟! يعني هذا ربا، لذا ينبغي أن لا تُقدِّم أتراح ولا بديلاً، ولا إضافةً ولا حذْفًا لما جاء به الله عز وجل، أتن لا تتعامَل مع جِهةٍ أرْضِيَّة تُصيبُ وتخطئ إنَّك لا تتعامَل مع مُشَرِّع مِن بني البشَر يكشِفُ حقيقةً، وتغيبُ عنه حقيقة ولا مع إنسان يُحابي نفسَه، إنَّكَ أمام تشْريعٍ إلهي خالق الكون.
فهذه الآية على مدار الأيام، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾

 

[ سورة الحجرات ]

 إنَّك إن قلتَ: هذه فيها نقْص، وأنا أضيف كذا، وهذه لا أُطيقها ! فأنت تتَّهِمُ الله تعالى، قال تعالى

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

 

[ سورة البقرة ]

فإذا قلتَ هذا لا نسْتطيعُهُ ! فمعنى ذلك أنَّ الله تعالى كلَّفَنا ما لا نُطيق.
 أيها الإخوة، القِصَّة أنَّ الإنسان إذا عرفَ الله انْصاع إلى أمْرِهِ، وكنتُ أقول دائِمًا: إن عرفْتَ الآمِر، ثمَّ عرفْتَ الأمْر، تفانَيْتَ في تطبيق الأمر أما إن لم تعرف الآمر، وعرفْت الأمْر تفنَّنْت في التَّفلُّت منه، فبين أن تتفانى في تَطبيقه، وبين أن تتفنَّنَ في التَّفَلُّت منه ؛ مسافة كبيرة، لذا اِعْرِفِ الآمِر قبل الأمْر، وأنَّ هذا الذي شرَّعَ هذا الدِّن هو خالق الأرض والسماوات، فهذه مجرَّة تبْعُدُ عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة مع أنَّ الضوء يقْطع في الثانيَة الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، فالذي صَنَعَ هذه المجرَّة وخلقها هو الذي أنزَلَ الكاتب، وشرف الكتاب من شرف المرْسِل فالله هو الذي شرَّعَ، ومن هنا قال سيّدنا سَعد بن أبي وقاص: ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِد من الناس، من هذه الثلاثة قال: ما سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّه حقٌّ نم الله تعالى، فالعِلْم كلَّما تقدَّم الْتقى مع الدِّين، فلا تفْرح بالدِّين إذا وافق العِلْم ولكن اِفْرَح بالعِلم إذا طابق الدِّين، فالأصل هو الدِّين، والأصْل كلام الله فأنت إن فرِحتَ مُطابقة الدِّين للعلم إنَّك بهذا تجْعل العِلم هو الأصْل، والعِلم تَجريبي يخطئ ويُصيب، وكلُّه تَجاريب ونظريَّات، درسناها وثبَتَ خطأها، قلتُ البارحة لإنسان: قال تعالى:

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

[ سورة النحل ]

 في عصْر النبي كان هناك خيل وبِغال وحمير، ويُتباهى بها، فلو أنَّ القرآن من عند النبي لنتعت الآية هنا، يأتي إنسان في هذا العصْر ويركب أفْخر أنواع المركبات من سيارات وطائرات وقطارات، فأين الآية ؟ ولكنَّ الله تعالى قال:

 

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

 

[ سورة النحل ]

كلُّ شيءٍ دخَلَ هنا، لأنَّ الله يعلمُ ما سيصْنع الإنسان.
 أيها الإخوة، يجب أن نعلم ونعتَقِد أنَّ هذا القرآن من عند الله الخبير، ومن عند الله الصانِع، ونحن أعْقَدُ آلةٍ في الكون، ونحن علينا أن نُطَبِّق تعليمات الصانِع.