المحاضرة : احتفال الجماهيرية الليبية بمناسبة فتح مكة ـ أين يكمن الخلل؟.

2000-01-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الخلل في مجتمعنا الإسلامي يرجع إلى ضعف المعرفة بالآمر :

 أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء سأطمئنكم أنني لن أطيل عليكم، وبعدها عنوان محاضرتي أين الخلل؟ هناك وعود من الله عز وجل للمؤمنين كثيرة جداً:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الغافر: 51 ]

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 173]

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 141 ]

 بربكم ألا تشعرون أن هذه الوعود ليست محققة للمؤمنين اليوم؟ و زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الخلل عندنا، هناك خلل خطير في العالم الإسلامي ذلك لأن وعود الله عز وجل للمسلمين لم تحقق، أين الخلل؟ يمكن أن نتحدث طويلاً عن هذا الخلل، وقد تكون بنود هذا الخلل كثيرة جداً، ولكن هذا الخلل يمكن أن يرجع إلى سبب وحيد، ضعف المعرفة بالآمر.

 

غياب عبادة التفكر من حياة المسلمين وهي من أرقى العبادات :

 كما تعلمون جميعاً آية الأمر تقتضي أن نأتمر، آية النهي تقتضي أن ننتهي، آية وصف الأقوام السابقة تقتضي أن نتعظ، آية وصف الجنة تقتضي أن نسعى إليها، آية وصف النار تقتضي أن نفر منها، ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، ماذا تقتضي؟ تقتضي العبادة التي ضاعت في حياة المسلمين، هي عبادة التفكر، شاهدها القوي:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث عن هذه الآية: "الويل لمن لم يتفكر في هذه الآية".
 إذاً غابت من حياتنا عبادة هي من أرقى العبادات هي عبادة التفكر.

 

ومضات من عالم الفلك :

 أيها الأخوة الكرام، ومضات من عالم الفلك، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، أربع سنوات ضرب أربع، ابنك الصغير في المرحلة الإعدادية معه آلة حاسبة خلال أربع دقائق يحسب لك كم بعد أقرب نجم ملتهب للأرض، لو أردنا أن نصل إليها بسيارة ـ افتراض علمي ـ متى نصل؟ نحتاج إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام من أجل أن نقطع أربع سنوات ضوئية، بعد الأرض عن نجم القطب أربع آلاف سنة ضوئية، ضرب ألف، بعد الأرض عن مجرة المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، بعد الأرض عن أحدث مجرة مكتشفة أربع وعشرون ألف مليون سنة ضوئية، أيها الأخوة الكرام:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة الآيات : 75-76]

هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا  ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته  إن المـحب لمن يحب يطيع
* * *
فـلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمة  لــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى  سهولته قلنا له قد جهلتنــا
* * *

معرفة الله أساس طاعته :

 أيها الأخوة الكرام، من أجل أن نطيع الله ينبغي أن نعرفه، والله عز وجل كما قال في كتابه:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

[سورة الأنعام: 103]

 لكن العقول تصل إليه من خلال آياته الكونية، وفي القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، بربكم إن قرأت آية الأمر يقتضي أن تأتمر، آية النهي يقتضي أن تنتهي، فإذا وصلت إلى ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ماذا تقتضي؟ التفكر، هذه العبادة الغائبة عبادة التفكر، وهناك أحاديث تذكر هذه العبادة.

 

ومضة ثانية من عالم الفلك :

 أيها الأخوة الكرام، ومضة ثانية، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، و الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي إن مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، الله عز وجل يقول:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج الآية : 1 ]

 أحد أبراج السماء برج العقرب، الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، أحد هذه الأبراج برج العقرب، في هذا البرج نجم صغير أحمر اللون متألق، اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير المتألق الأحمر يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن  فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لي  أيا عبدنــا ما قرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظر ما به جـاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــا
ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى  سهولته قلنا له قــــد جهلتنا
***

 خلق الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة الكرام، على وجه الأرض ستة آلاف مليون إنسان، ما منهم واحد إلا وهو حريص حرصاً لا حدود له على سلامة الوجود، وكمال الوجود، واستمرار الوجود، هذا شأن أي إنسان على وجه الأرض، أنت أعقد آلة في الكون، تعقيدك تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز.

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 بالدماغ مئة وأربعون مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، وهناك طبقة في الدماغ هي قشرة الدماغ فيها المحاكمة، والذاكرة، مركز السمع، مركز البصر، الذاكرة حجمها بحجم حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة.

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان: 11 ]

 في شبكية العين بمساحة لا تزيد عن مليمتر وثلث مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، وهذه الآلات التي أمامي أرقى الآلات الرقمية الاحترافية بالميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بالعين يوجد مئة وثلاثين مستقبلاً ضوئياً بمليمتر وثلث:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن ﴾

[ سورة البلد: 8-10 ]

 أيها الأخوة الكرام، برأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة شريان، ووريد، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، وليس في الشعر أعصاب حس، ولو كان في الشعر أعصاب حس لاضطررت كل أسبوع أن تجري عملية في المستشفى اسمها عملية الحلاقة، تحتاج إلى تخدير كامل، حكمة الله عز وجل في خلقه، هذا الجسم بين أيدينا، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[ سورة العلق: 1-5 ]

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان بقلبه دسامات ومضخة، يضخُّ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعَّبة من الدم، ويضخ في عمرٍ متوسط لإنسان عاش ستين سنة ما يملأ أكبر ناطحة سحابٍ في العالم، هذا القلب الذي يعمل لا يكل ولا يمل.
أيها الأخوة الكرام، لو نظرنا في أجسامنا لاقشعرت جلودنا تعظيماً لله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، هذه العين فيها طبقة أولى شفافة ـ الملتحمة ـ هذه الطبقة تتغذى بطريقة فريدة، تتغذى بأن الخلية الأولى تأخذ غذاءها وغذاء جارتها، لئلا تتغذى عن طريق الشعريات تصبح الرؤية ضمن شبكة شعريات، كي ترى الرؤية النقية الواضحة جعل الله تغذية طبقة العين بطريقة فريدة تتميز بها.

 

التفكر في خلق السماوات و الأرض طريق الإنسان لمعرفة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، طبعاً هذا غيض من فيض، آيات الله الدالة على عظمته لا تعد ولا تحصى، ولكن من أجل أن تعرف الله يجب أن تتفكر في خلق السماوات و الأرض، قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 6]

 والآيات كما تعلمون آيات كونية هذه التي تحدثت عنها، و هناك آيات تكوينية أفعال الله، و آيات قرآنية كلام الله، وطريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، وإذا فعلنا هذا اقتربنا من معرفة الله عز وجل، ومعرفة الله أصل الدين، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.