الدرس : 06 - سورة القصص - تفسير الآيات22-24 ، الغِنى هو غنى العمل الصالح.

1995-09-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[سورة القصص]

 أوَّل اسْتِنباط من هذه الفقْرة أنّ الغِنى هو العمل الصالح وأنّ الفقْر الحقيقي هو فقْر العمل الصالح، لذا قد تَمْلِك مئات الملايين وأنت أفْقر الفقراء إن لم يكنْ لك عَمَلٌ صالِحٌ ينْفَعُكَ بعد الموت، وقد لا تمْلكُ ثرْوة لكنَّ لك أعمال كالجبال فأنت أغنى الأغنياء، هذا ما قاله الإمام علي كرَّم الله وجْهه ؛ قال: الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله، هذا النبي الكريم يُقَرِّر بإذْن الله عز وجل أنَّ الغِنى غِنَى الأعمال الصالحة وأنّ الفقْر الحقيقيّ فقْرُ الأعمال الصالحة،
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ))

[رواه الترمذي]

 كلمة الحق صدَقة، والنُّصْح صدقة، وأبواب الخير مُفَتَّحة على مصارعها، ترْبِيَة الأولاد من أعْظم الأعمال، والرِّفْق بالزَّوْجة من أعْظم الأعمال ورِعايَة الأبَوَيْن من أعظم الأعمال، ورِعاية الأولاد من أعظم الأعمال والنُّصح للمسلمين من أعظم الأعمال، وإتقان العمل من أعظم الأعمال فَبِإمكانِكَ أن تكون أغنى الأغنياء، وبِمِقْياس الأرض الأغنياء هم الذين يَمْلِكون الملايين المُمَلْيَنَة، ولكنْ بِمِقْياس السَّماء الأغنياء هم الذين سخَّر الله لهم ما يُعينهم على الأعمال الصالحة، قدَّر على يدهم الخير ؛ الخير بِيَدي والشرّ بيَدي فَطوبى لِمَن قدَّرتُ على يده الخير، والوَيل لِمَن قدَّرْتُ على يده الشرّ، وإذا أردْت أن تعرف مقامَك فانْظُر فيما اسْتَعْمَلَك، كيف يسْتعملكَ الله ؟ لِخِدْمَة الخلق أم لإيذائهم، لإعْطائِهم أم للأخْذ منهم ؟ لتَطْمينهم أم لِتَخْويفِهم ؟ الويل ثمَّ الوَيل ثمَّ الوَيل لِمَن جعلَهُ الله أداة تأديب خلْقِهِ! يسوق الشرّ على يَدَيْه، ولذلك أحدهم قدَّم كتابًا للنبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا مَن جئْتَ الحياة فأعْطَيْتَ ولم تأخذ، أما الكفار أخذوا كُلَّ شيء، ولم يُعْطوا شيئا، والأنبياء أعْطَوا كُلَّ شيء ولم يأخُذوا شيئًا، والمؤمنون يأخذون ويُعطون.
 ويا مَن قدَّسْتَ الوُجودَ كُلَّه، ورعَيْتَ قضِيَّة الإنسان، ويا مَن زكَّيْتَ سِيادة العَقْل، ونَهْنَهْتَ غريزة القطيع، ويا مَن هيَّاك تفوُّقك لِتَكون واحِدًا فوق الجميع فَعِشْتَ واحِدًا بين الجميع، يا مَن كانت الرحْمة مهجتك، والعَدل شريعَتَك، والحبّ فطْرَتَك، والسُّموّ حِرْفَتَك ومُشْكلات الناس عبادتَك، سيِّدنا ماذا فَعَل ؟ سقى لِفتاتَين مؤْمِنَتَين ترفَّقَ بهما، فأنت كَمُؤْمِن الآن ألَيْس لك بنات أخ وبنات أخت، أليْسَ لك جار مُتَوَفِّى أولادُهُ أيتام أليْسَ لك أن ترْعى هؤلاء، وتُقَدِّمَ لهم مَعونةً، وهَدِيَّة، وأن تُعالِج مريضًا، وأن تحضر تَعْزِيَة، أليْسَ بِإمكانِكَ أن تفعَلَ الخير ؟ أليْسَ لك أن تقوم في مركبتِك عامَّة لامرأة مُحَجَّبَة ؟ أليْسَ بإمكانك أن تُعطي مقْعَدَك لِرَجُل كبير بالسِّنّ ؟ أليْسَ بإمكانِكَ أن تبْتَسِم لِمَن هم دونَك ؟ أحيانًا تجِدُ مَن يبْخل بابْتِسامة لأخٍ صانِعٍ عندهُ، والابْتِسامة في وَجْه أخيكَ صدَقَة، ألا تستطيع أن تزور أقْرِباءَكَ يوم الجمعة ؟ صلة الرَّحِم ! تنصحهم وتُبلِّغُهم، وتأتي بهم على الجامع، وتأتي بأولاد أخوك على الجامع، ماذا فعل سيدنا موسى ؟ سقى لِفتاتَيْن ابنتي شعيب، قال تعالى:

 

﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

 

[سورة القصص]

 أبواب الخير مُفَتَّحة على مصارعها.
 قال تعالى:

 

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾

 

[سورة القصص]

 اسْتنبط العلماء أنّ المرأة المؤمنة لا تُزاحِمُ الرِّجال، ومن صفات المرأة المؤمنة أنَّها تبتعِدُ عن مُزاحَمَة الرِّجال، قال تعالى:

 

﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

 

[سورة القصص]

 كلمة واحدَة، وكلَّما زاد إيمانك خاطَبْتَ الأجْنبيَّات بِكَلِمَة واحدة جادَّة صارِمَة مُخْتصرة، ما خطبكُما ‍! وليس في اللُّغة كلمة أقلّ منها، لم يقل: ماذا تفعلان هنا ؟ أنا بِخِدْمتِكم، قال تعالى:

 

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا(32)﴾

 

[سورة الأحزاب]

 ما خطبكما، يُمْكن أن تبيع النِّساء، ولكن بالجدّ ! هذه سِعْرها كذا ! وأحْيانًا المرأة تقول: نحن جيرانك، وقلبك قاسٍ علينا، ألا تُراعينا ؟! اللِّين اجْعَلْهُ مع زَوْجتِك، ليس في البيت دبور وبالخارج شَحرور ! هذا الكلام الطيِّب دَعْهُ لِزَوْجتك، ولِمَن تحلّ لك، وابْتِسامتك لِزَوْجتِك وأذْكر مرَّة أنَّني كنتُ بِمَحَلّ تِجاري، وصاحب المحلّ أعْرفُهُ، دَخَلَتْ امرأة فرحَّب بِها تَرْحيبًا غير مَعْقول، فأنا مِن شِدَّة أنَّني أعْرِفُهُ مؤمنًا جَزَمْتُ أنَّها أُخْتُهُ وأحد العلماء كان بالصَّدر فعبسَ، فقلتُ له: هذه أخْتُهُ ! ولمَّا ذهَبَت قال لنا: هذه أخْتي.
 الآن اسْمعوا الجواب، قال تعالى:

 

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾

 

[سورة القصص]

 واسْتَنْبَطَ العلماء أنَّ المرأة لا تخْرجُ إلا لِضَرورة قال تعالى:

 

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33)﴾

 

[سورة الأحزاب]

 فإذا خَرَجْتِنَّ لِضَرورة فتسَتَّرن، وقد وردَ أنَّ البيان يطْرد الشَّيْطان يقول: هذه أختي كي لا يُساء الظنّ فيه ورحمَ الله عبْدًا جبَّ المغيبة عن نفْسِهِ، لا تجعل نفْسَك في مواضع الشُّبْهة والتُّهْمة، دائِمًا لا تضَع نفْسَكَ موْضِع التُّهْمة، ثمَّ تَلوم الناس إذا اتَّهَموك، فإذا كنت مُسافِرًا وكلَّفْتَ أخ زوْجتِكَ أن يتردَّد على أخته فلا بدّ أن تُبَيِّن للجيران أنَّك مسافر وسوف يتردَّد أخو زوْجتِكَ، حتى لا يشكَّ أحد في عرضِك البيان يطْرد الشَّيْطان، ولا تضَع نفْسَكَ مَوْضِعَ التُّهْمة ثمَّ تَلوم الناس إذا اتَّهَموك، قال تعالى:
ًُ

﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]

 وكل واحِد مِنَّا أيها الإخوة، يستطيع أن يفْعل مائة عمل صالح باليوم وحتَّى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يكْنُس دارهُ، ويحْلبُ شاتهُ ويخسف نعلَهُ، وكان في مؤونة أهله، فلو أعَنْتَ زَوْجتَكَ هو لك صَدَقة ولو أفْرَغْت دلْوَك في دَلْوِ المُسْتسْقي هو لك صدَقة، طالب علم مِن إفريقيا يجب أن يُقابل أستاذًا له من بيْروت وركِبَ سيارة تاكسي، فهذا التاكسي أوْصَلَ هذا الطالب إلى بيروت وأرْجعَهُ واشْترى له هدايا وقال له لا أريد منك شيئًا ! وقال له: اُدْع لي، وكذا إذا كنت طبيبًا لك أن تُعين من ليس معه، فأبواب العمل الصالح مُفتَّحَة على مصارعها، قال تعالى:

 

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

 

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]

 ولا تَنْسَوا قَول الإمام عليّ كرَّم الله وجْهه: الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله ! والإنسان إذا وضَع اللُّقْمة في فيِّ زوْجتِهِ يراها مثل أُحُد فأنت في أكلك يمْكن أن تعمل العمل الصالح، رأيتَ قليلاً من اللَّحْم أعطه لِزَوْجَتِكِ، ولابنك.