الدرس : 07 - سورة الفرقان - تفسير الآيتان 63 - 64 الله سبحانه وتعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.

1995-07-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان)

 بيَّنتُ في الدرس الماضي أنَّ العباد جمْعٌ لِعَبد لكنَّ هذا العبْد عرف الله تعالى، وعرف أسماءه الحسنى وقام بِواجب العُبودِيَّة اتِّجاهه، أما كلّ مَخلوقٍ مقْهور ٍفي وجوده إلى إمداد الله و باستمرار وجوده إلى إمداد اللهِ، وهو عبدٌ أيضا و لكنها عبودية القهر، هناك عبودية المعرفة و هناك عبودية القهر، فالعبد الذي عرف اللهَ و عبده يُجمع على عباد و العبد الذي يفتقر إلى خالقه في وجوده و إمداده يُجمع على عبيد قال تعالى:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾

[ سورة فصلت ]

 أما هنا فقال تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾

 

(سورة الفرقان)

 وقد نُسِب العباد إلى الله نسبةَ تشريف، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 أي لا يسمح لعمله أن يستهلكه، و لا يسمح لشيء في الدنيا أن يلغيَ غايةَ وجوده، و هذا فصَّلتُه في الدرس الماضي، قاتل تعالى:

 

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 الحقيقة أن الله تعالى يريد من المؤمن أن يكون متعلِّقًا بكرائم الأمور لا بسفاسفها، و إن الله يحبُّ معاليَ الأمور و يكره سفاسفها، و هذا الإنسانُ الذي هو عبدٌ لله كما أنه لا يسمح لشيء من الدنيا أن يستهلكه و أن يلغيَ سرَّ وجوده و أن يحجبه عن هدفه الذي خُلِق له، أيضًا لا يسمح لإنسانٍ ساقطٍ جاهل غارق في شهوته أن يجُرَّه إلى معركةٍ جانبية،

 

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 والعظماءُ دائما لا يعتمدون على ردود الفعل و الناس الذين هم في المستوى الأدنى يعتمدون على الفعل و ردِّ الفعل، فأيُّ إنسان يجرُّه إلى معركة جانبية و يشغله بها، و لكنْ الإنسانُ الذي يخطِّط و الذي يعرف هدفَه و يسعى نحوه لا يسمح لكائن من كان أن يجرَّه إلى معركة جانبية، أنت راكب في مركبةٍ متَّجهةٍ نحو حمص، و لك عمل كبير في حمص، هناك طرق كثيرةٌ فرعية لحمص، فالذي له هدف كبير في حمص لا ينحرف يمنةً و لا يسرةً، هذا معنى:

 

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 الجاهل قد يخاطبك و يريد أن يستفزَّك و يصرفك عن هدفك، قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:

 

((َ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ ))

 

[رواه الترمذي]

 و قال: إن الله يحب معالي الأمر و يكره سفسافها " قال بعض الأدباء: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني و كان رأسُ ما عظَّمه في عيني صغرُ الدنيا فلي عينيه، فكان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا وجد، و كان خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم، و لا يمارِي فيما علم، و كان أكثر دهره صامتا،فإذا تكلم هزَّ القائلين، و كان يُرَى ضعيفا مستضعفًا، فإذا جدَّ الجِدُّ فهو الليثُ عاديا فعليك بهذه الأخلاق، فإن لم تستطع فعليك ببعضها فإن اخذ القليل خير من ترك الكثير" فلا يدلي بشهادة إلا إذا رأى قاضيا عدلا، خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم و لا يمارِي فيما علم، و كلام المؤمن دقيق، فإذا وُجِد من هو أقوى منه علماً في حضرته لا يجيب يقول اِسألوا فلانا، و لا يدلي بحجَّة إلا إذا كان متمكِّنا منها، أما أن يخوض مع الخائضين و يجهل مع الجاهلين و أن يُستفَزَّ مع من يستفَز، و أن يُجرَّ إلى معركة جانبية، هذا المؤمن الذي هو عبد لله عز وجل، كما أنه لا يسمح لا لعمله و لا لبيته و لا لزوجته أن تستهلكه و أن تلغيَ وجودَه وأن تلغيَ غاية وجوده، كذلك لا يسمح لإنسان آخر أن يجرَّه إلى معركة تصُدُّه عن هدفه الكبير.
 الآن في العالم الإسلامي ؛ كم موضوعا مضى و انقضى و نحن نشتغل به و نتخاصم من أجله و نتحزَّب من أجله و يعن بعضنا في بعض من أجله و قد مضى، فالموضوعاتُ التي مضت خلافاتٌ بين الصحابة الكرام، تغطِّيها آية واحدة، قال تعالى:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]

 يا تُرى الشيخُ محي الدين رحمه الله تعالى كان سلطانَ العارفين أم كان الشيخَ الأكبرَ كما يسمِّيه بعضُهم، الشيخُ محي الدين انتقل إلى رحمة الله، و اللهُ وحده يعلم صِدْقه وعِلْمهُ وإخلاصه، قال تعالى:

 

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 ما الفائِدة من أن ندْخل في هذه الخُصومة ؟ والخِلاف بين سيِّدنا عليٍّ ومُعاوِيَة، قال تعالى

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]

 هذه معارف مضَتْ وانْتَهَت، والله هو الحَكَم بينهم، وهو الذي يعْلم أسْرار النُّفوس، وخبايا القلوب، ويعْلم النَّوايا، والمقاصِد، فنحن لا ينبغي أن نُسْتَهلك بِمَعركة الجاهلين، نحن لنا هَدَف أمامنا، ومنْهجُنا واضِح، فالمؤمن الصادِق لا يسْمَح لِشَيءٍ أن يسْتَهْلِكَهُ، ولا لإنسانٍ أن يصْرفَهُ عن هَدَفه، وهذا هو معنى قوله تعالى:

 

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 أحيانًا تجد مَن يسْعى لِنَشْر الحق، وإذا به تَجِدُهُ يتْرك الدَّعوة إلى الله ويرُدّ على المُخالفين، وهم يرُدُّون عليه، وإلى أن تَقَع خُصومات لا يعلمها إلا الله، وهذا لِمَصْلحة أعداء المسلمين، فالإنسان المؤمن ليس له خُصوم، ولا يسْمح بالخُصومات، يتكلَّم في المُتَّفَق عليه، ويبْتَعِدُ عن المُخْتلف فيه، ويُمكن أن تدْعو إلى الله خمْسين سنة، دون أن تحتاج إلى طَرْح قَضِيَّة خِلافِيَّة، فالشَّجرة لها جِذْع وفُروع وأغصان ولها أوراق، فإذا كنتَ بطلاً فابْق في الجِذْع الواحِد المُوَحِّد، فالدَّعوة الناجحة التي تكون في الأصول والمُتَّفق عليه وأنت في الموضوعات التي لا يخْتلف فيها اثْنان، نحن الآن بِحَاجة إلى أن نذْهب إلى الينابيع وينابيع الإسلام كتاب الله وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولْنُنْهي كلَّ مُشْكلةٍ وكلَّ خصومةٍ، فإن كانت سابقة فالأحْرى بِنا أن نُلْغِيَها، ونكْتفي بِهذه الآية الكريمة، قال تعالى:

 

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

 

[ سورة البقرة ]

 عَوِّد نفْسَك أن تُلغي القضايا التي لا طائل من البحث فيها، فنحن أبعَدُ ما يكون عن الخِلافات والطَّعْن، وعن التَّجْريح، وعن إهْدار القيمة، وعن التَّكْفير، ليس عليك إلا أن تذْهب إلى هَدَفِكَ في الطريق الواضِح السَّوِيّ، والمنْهَج واضِح أمامك.
 قال تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 هناك من تجِدُه من عمل لآخر، ومن لقاء إلى لقاء، ومِن سَهْرة إلى سَهْرة إلى أن يفاجئ أنَّهُ في العنايَة المُشَدَّدة، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتْفِهِ وهو لا يشْعُر، خُذ من الدُّنيا ما شئْت، وخُذ بِقَدَرِها همًّا، ولا تسْمَح لِعَمَلِكَ أن يُنْهيك، ويُلغي وُجودَك، ويُلغي سِرَّ وُجودِكَ، ويُلغي هَدَفك الكبير، ولا تسْمَح لِعَمَلِكَ أن يصْرِفَك عن طلب العِلم، ولا عن طاعة الله ولا تسْمح لإنسانٍ آخر أن يجُرَّك إلى معركةٍ رخيصة، وإلى معركَةٍ جانِبيَّة يسْتهْلِكُ فيها وقْتَكَ وجُهْدكَ فطاقة الإنسان إما أن تُبْذَل لِتَقَدُّمِهِ وإمَّا أن تُبْذَل لِدَفْع تدنِّيه، وأنت بين حالين ؛ حالة مُتابعة التَّرقي وحالة مُتابعة التَّدَنِّي، فالإنسان إذا صَرَفَ نفْسه إلى معارِكَ داخِليَّة، فإنَّ طاقاتهُ تُدْفع في معركة دَفْع التَّدنِّي وعليك أن تكون في مُتابعة التَّرقِّي فَمِن أجل أن تكون في هذا المُسْتوى الرَّفيع، ومن أجل أن شْغَلَ نفْسَكَ بِمَعالي الأمور وأن تَدَع سَفْسافها ودَنِيَّها، ومن أجل أن تقول للجاهِل سلامًا، ذَكَروا أنَّ أحدهم رأى الإمام عليَّ كرَّمَ الله وجْهه، فَكُلَّما خاطَبَهُ قال له الإمام عليّ رضي الله عنه سلامًا سلامًا، ففَرِحَ فرحًا شديدًا، فلمَّا اسْتيْقظ قصَّ هذه القِصَّة على إخوانِهِ فقالوا: مِسْكين ! إنَّك جاهِل لأنَّه يقول لك: سلامًا سلامًا، قال تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 فأنت اتَّخذ من هذه الآية منْهَجًا، لك هَدَف ينبغي أن تمْضي إليه ولا تسْمح لأحدٍ أن يصْرف عنه، ومن أجل أن تكون في هذا المستوى، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 ما الذي يرْقى بِكَ ؟ اتِّصالُكَ بالله تعالى، وأشَدُّ حالات الاتِّصال أن تُصَلِّيَ في الليل، وهذه الصلاة ليس فيها رِياء، وليس فيها نِفاق وليس فيها شُعور أنَّكَ صالِح، لذلك قال تعالى:

 

﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 درسنا اليوم فيه ثلاث نِقاط ؛ النُّقطة الأولى أنَّ عِباد الرحمن يمْشون على الأرض هَوْنًا، ويقْتَطِعوا مِن وقْتِهِم الثَّمين وقت لله تعالى و وقت لِطَلب العِلم ونشْرِهِ، ووقت للعمل الصالح وترْبيَة الأولاد، ولا يسْمح لأعماله مهما نجَح بها أن تُنْهي وُجوده، لا يسْمَح لِمَخلوق أن يَجُرَّهُ لِمَعركةٍ جانِبيَّة، وأن يَجُرَّهُ عن هَدَفِهِ الكبير، ومن أجل أن يكون كذلك عليه بِقِيام الليل، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 نحن نظنُّ أنَّ الصلاة حركات وأقوال وأفعال تبتدئ بالتَّكبير وتنتهي بالتَّسليم فإذا قام بها الإنسان سَقط الوُجوب وإن لم يحْصل المَطلوب ! الصلاة من أجل أن تتَّصل بالله، وحينما تتَّصِل بالله تعالى تمْلِكُ هذه القُدرة على أن تكون مُتوازِنًا، وعلى أن تكون جادًّا، وعلى أن تكون بعيدًا عن السخافات، وفي درسٍ قادِمٍ نُتابِعُ الآيات.