الدرس : 04 - سورة الفرقان - تفسير الآية 53 آيات الله في الآفاق وفي الأنفس.

1995-07-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة و الخمسون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)

 أيها الإخوة الكرام، نتابع الحديث الذي بدأناه في اليوم السابق عن آيات الله التي بثَّها في الآفاق و في الأرض و في الأنفس، وهذه آيةٌ بثَّها الله في الأرض، و قبل أن نمضيَ في الحديث عن هذه الآية أحبُّ أن أضع بين أيديكم أن الأنبياءَ السابقين جاءوا بمعجزات حسِّيةٍ هذه المعجزات وقعت وانتهت و بقيتْ خبرًا، يصدِّقها من يصدِّق و يكذِبها من يكذِب، إلا أن معجزة النبيِّ عليه الصلاة و السلام معجزة مستمرة، بمعنى أن في القرآن الكريم إشارات كثيرةً بينات واضِحات إلى ظواهرَ لم تكن معروفةً في عهد النبيّ، وكلما تقدم العلمُ كشفَ بعضًا منها، فالقرآن الكريم في معجزاته مُتجدِّدٌ و قد أشار إلى هذا المعنى الإمامُ عليٌّ رضيَ الله عنه فقال: في القرآن آيات لما تُفسَّر بعد " و كلما تقدم العلم اكتشف جانبا من هذا الإعجاز العلمي في هذا القرآن، بل إن هذا الإعجاز العلمي هو أحد الأدلة الكبرى أن هذا الكتابَ كلامُ الله، فمثلاً ؛ قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾

(سورة النجم)

 وأحدثُ البحوث تقول: إن تشكُّل الجنين ذكرا كان أو أنثى متعلِّق بالحُوَين المنوي لا بالبُويضة، و البويضة لا علاقة لها إطلاقا بنوع الجنين، إن الحوين المنوي فيه موَرِّثات، بعض هذه المورِّثات على شكل (x) و بعضها على شكل (y) و من الحوين وحده يتحدَّد نوع الجنين، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن كل شيء في الكون يدور في فلكٍ، قال تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

(سورة يس)

 و قد أشار القرآن الكريم إلى نظام الزوجية في الكون، فما من شيء ـ طبعا الإنسانُ و الحيوانُ ذكر و أنثى ـ أما النبات فذَكَرٌ و أنثى و أما الجماد فكلُّ ذرَّةٍ يتشكل منها الجمادُ فيها شحناتٌ إيجابيةٌ و شحنات سلبيةٌ، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)﴾

 

(سورة الذاريات)

 حينما قال تعالى:

 

﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾

 

(سورة الروم)

 المصادر التاريخية تؤكِّد أن هذه المعركة التي هُزم فيها الرومُ كانت في غور فلسطين، و الآن عن طريق أشعة الليزر اكتشف أن أخفض نقطة في القارات الخمس هي غور فلسطين، و حينما أراد الله تعالى أن يصف السماوات كلَّها بصفة واحدة جامعة مانعة قال:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

 

(سورة الطارق)

 و كل كوكب في السماء يدور حول كوكب آخر في مسار مغلَقٍ، أي انه يرجع إلى مكان انطلاقه، و لو توقف الكونُ عن الحركة لأصبح كتلةً واحدةً لأن هذه الحركة تنشِأُ قوَّةً نابذةً تكافئُ القوةَ الجاذبةَ، قال تعالى:

 

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

 

(سورة يس)

 وحينما ذكر الله تعالى الإنسانَ لما يصْعد في السماء يضيق صدره، ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طائرات لكنَّ الآن رُكاب الطائرة يرْكَبونها ويشْعرون أنَّهم في بَحْبوحة ؛ ذلك لأنَّها تُضَخُّ ثمانِيَة أمثال حجْمِها هواءً مَضْغوطًا لِيَكون الضَّغط وأنت على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مُساوِيًا للضَّغْط وأنت على الأرض، فلو تعطَّلت أجْهزة ضَغْط الهواء لوَجَبَ أن ينْزِل الطَّيَّار في أيِّ مكانٍ ولو عرَّض الطائرة للخَلَل، لأنَّ حياة الرُّكاب تكون في خطَر، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾

 

(سورة الأنعام)

 فهذه آية.

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

 

(سورة المرسلات)

 هذه الجاذِبيَّة، وقال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

(سورة الرعد)

 هذه قِوَى التَّجاذُب فالسَّماء مَبْنِيَّةً بناءً مُحْكمًا، ولكن بِغَير عَمَدٍ تَروْنَها، وإذا ذَهَبنا نتحدَّث عن آيات الله في القرآن الكريم، لوَجَدْنا أنَّ أحدَ أكبر الأدِلَّة على أنَّ هذا الكلام كلامُ الله هو الإشارات العِلْمِيَّة التي لم تكن مَعْروفةً مِن قبلُ.
 قال تعالى:

 

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

 

(سورة الحج)

 لم يقل من كل فج بعيد، مع أن الأقرب إلى المنطق "بعيد" لكنَّ الكرة كلما ابتعدتَ عن إحدى نقاطها تشكَّلَ عمقٌ، و العمق أبلغ في التعبير من البعد، قال تعالى:

 

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

 

(سورة الحج)

 فإذا جئتَ من أمريكا إلى مكةَ فالخطُّ منحني يدور مع الأرض فصار هناك عمقٌ، هذه مقدمة.
 آية اليوم ؛ آيتان في كتاب الله ؛ الأولى في سورة الرحمان و الثانية في سورة الفرقان، الأولى قال تعالى:

 

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

 

(سورة الرحمن)

 البحران إذا التقيا عند باب المندب أو عند قناة السُّويس أو عند خليج البسفور أو عند مضيق جبل طارق أو عند قناة بنما، البحار إذا اتقت لا يبغي بعضُها على بعض و لا تمتزج مياهُ بعضها بمياه بعض، و اكتُشِف هذا من مركبة فضائيةٍ صوَّرت الأرضَ فإذا خطٌّ بين البحرين وبقي علماءُ التفسير ألفَ عام في حيرةٍ من تفسير هذه الآية،

 

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

 

(سورة الرحمن)

 أين هو البرزخ؟ مياهٌ متَّصلةٌ، فلما ركبوا المراكبَ الفضائية و صوَّروا الأرضَ بالأقمار الصناعية رأوا خطًّا بين البحرين، و الحقيقة ليس خطًّا، بل هو خطٌّ وهميٌّ، خطُّ تباين الألوان، اكتشفوا أن مياه كل بحرٍ لها ملوحةٌ خاصَّة وكثافة خاصة و لها مكوِّنات خاصة و لا يمكن لمياه بحر أن تختلطَ بمياه بحر آخر، كثافة و مكوِّنات و ملوحة خاصة، و الذي بيَّن لهم ذلك خطُّ التباين بين الماءين، فأنت أحيانا لو وقفتَ على ساحل البحر لرأيتَ منطقةً زرقاءَ داكنةً و منطقة ذات زرقة فاتحةٍ، و بينهما خطُّ التباين، و طبيعة هذا البرزخ لا يعلمها أحدٌ، لكن هناك حاجزا يمنع اختلاطَ مياه كل بحر بالبحر الآخر،

 

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

 

(سورة الرحمن)

 ثم إن هناك ينابيع كثيرة في بعض البحار يقصدها سكانُ السواحل ليشربوا الماء العذبَ الزُّلالَ وسْطَ الملح الأجاج، وهذه آية من آيات الله الدالَّةُ على عظمته تعالى.
 أمَّا آية اليوم فهي قوله تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

 

(سورة الفرقان)

 و صدِّقوني أيها الإخوة، كلُّ النظريات التي افترضَتْ تفسيرا لملوحة البحر نظريات مُضحكةٌ، لا أحد يعلم لماذا كانت مياهُ البحر مالحةً، ومن وضع الملحَ في المياهِ ؟ ومن جعل هذه البحارَ ذاتَ ملحٍ أجاج ؟ و الذي يلفت النظرَ أن السفينةَ لو غرقتْ و نجا منها بعضُ الركَّابِ و ركبوا القاربَ النجاة، ما الذي يهدِّد حياتهم ؟ قلّةُ الماء، وهم على سطح الماء، ولكن مياه البحر لا تُشرَب، و قد قرأتُ قصَّةً واقعيةً غرقتْ في عرض المحيط الأطلسي، و نجا منها مائة و خمسون راكبا ركبوا في إحدى مراكب النجاة فيها، ومعهم من الماء العذب كمِّية قليلة، فكان أميرُهم يعطي كلَّ واحدٍ منهم ملعقة َشايٍ في اليوم الواحد، وصل منهم ستَّةُ ركَّابٍ، لأن الواحد منهم إذا نام قتل صاحبَه ليشرب ملعقتين، وهم على سطح البحر، وأنت على سطح البحر و العمق اثنا عشر ألف متر، و هوة أربعةُ أخماس اليابسة تموت عطشًا،قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

 

(سورة الفرقان)

 و لما يشرب الإنسان ماءً عذبًا هذه نعمةٌ لا يعرفها إلا من فقدها، لذلك لترُ الماء في بعض بلاد النفط يكلِّف ضعفَ ثمن البنزين، كلفةُ التحلية أحيانا سبعة ريالات، من أجل أن تشرب ماءً عذبا فراتا، أما الله عز وجل أكرمنا في هذه البلاد الطيِّبة بالماء العذب في البيوت، و قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

 

(سورة الفرقان)

 تمُجُّه النفسُ.

 

﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

 

(سورة الفرقان)

 هنا آية ثانية البرزخ الذي بين البحرين المالحين و بين البحرين العذبين و بين بحر مالح و بحر عذبٍ، هناك حاجز يمنع اختلاطَ البحارِ، الحِجدْر هو أسماك المياه المالحة لا يُمكن أن تصل إلى المياه العذبة، و أسماك المياه العذبة لا يُمكِن أن تكون في المياه المالحة، لذلك أكبرُ منطقة في العالم لصيد الأسماك، هي مصَبَّاتُ الأنهار، نهر كنهر الأمازون كثافتُه في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف متر مكعَّب، هذا يمشي في البحر ثمانين كيلو، و باعتبار أن الأسماك ممنوع أن تنتقل من المياه العذبة إلى المياه المالحة فيتجمَّع في أواخر هذا النهر قبل أن يصبح ملحا أجاجا، لذلك شركات صيد الأسماك تأتي إلى هذه الأمكنة تصطاد أكبر كمِّيات الأسماك من هذه الأمكنة، وهذه آية دالَّة على عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

 

(سورة الفرقان)

 النبيُّ في أوَّل دعوته لربه بدأ بتعريف الناس بربهم فلمَّا عرفوه عرَّفهم منهجَ ربِّهم، أما نحن إذا بدأنا بتعريف الناس بمنهج الله قبل أن نُعرِّفهم بربهم تفلَّتوا من هذا المنهج، إن عرفت الآمرَ قبل الأمر تفانيتَ في تطبيق الأمر و إذا عرفت الأمر قبل الآمر تفنَّنت في التفلُّتِ منه.