الدرس : 9 - سورة يس - تفسير الآيات 77 - 83

1995-11-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ الثامنة والسبعون والتي بعدها من سورة يس وهي قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

[سورة يس]

 قد يسأل سائِلٌ ؛ كيف نُوَفِّقُ بين الشَّجَر الأخْضَر الذي لا يشْتَعِل، وبين النار التي تَحتاج إلى شَجَرٍ يابِس ؟ فَكَلِمَة أخْضَر لا تتناسَب مع الاشْتِعال ! قال بعض العلماء: إنَّ هذا الشَّجَر ما كان له أن يكون لولا الورَقَة الخضْراء ! فالوَرَقَة الخضْراء هِيَ مَعْمَل قرأتُ عنها في مَوْسوعَة عِلْمِيَّة أنَّ أعْظَمَ معْمَلٍ صَنَعَهُ الإنسان كالمُفاعِل النَّوَوِي ومعمل كمبيوتر، ومعمل طائِرات، كلّ هذه لا ترْقى إلى مُسْتَوى الورَقَة ! لأنّ هذا النَّبات يأخُذ من الأرض الماء وقد أذيبَت في أملاح المعادِن ففي الأرض يوجَد الحديد، والمغنزيوم، والبوتاسيوم، فحينما تسْقي الأرض ؛ هذه المعادِن التي هِيَ على شَكل أملاح تَذوبُ في الماء وهذا النَّبات يمْتَصُّ هذا الماء بِطَريقَةٍ عجيبة لأنَّ قانون الجاذِبِيَّة أنَّ السَّوائِل تسْقط من الأعلى إلى الأسْفَل، وهذا الماء يصْعَد مِن جِذْر النَّبات إلى أعلى ورقَةٍ فيه، وقد تزيد بعض الأشْجار عن ثلاثين مترًا إلى الأعلى، وكلّ هذا بِطَريقة اسْمُها الخاصَّة الشِّعْرِيَّة، فهذا الماء المُحَمَّل بأملاح المعادِن يصْعَد في النبات مِن خِلال أوْعِيَّة، هذه الأوْعِيَة كَشرايين الرِّجْل تقريبًا، فشرايين الرِّجْل والأوْرِدَة، الدم فيها ينْدَفِع، فحينما ينْدَفع نحو الأعلى، هناك وُرَيْقات تُفْتَح، فإذا أراد الدَّم أن يرْجِع تُغْلَق، فلو أنَّه بِحَسب قانون الجاِبيَّة أراد الدَّم أن يرْجِع ضَغْط الدَّم على هذه الأوراق يُغْلقُها، وإذا الإنسان ما اعْتنى بِصِحَّتِهِ وكان عمله حاله الوُقوف دائِمًا، يُصاب الإنسان بالدَّوالي، ما هي الدَّوالي ؟ عدم فعاليَّة هذه الوُرَيقات التي في جُدْران الأوْعِيَّة، فالدَّم ينْدَفِعُ بِقُوَّة نبْض القلب، فإذا انْدَفَع يفْتح الوُريْقات، فإذا أراد أن يرْجِع فضَغْطُهُ مِن أعلى إلى أسْفل يُغْلِقُها، فهذه الأوْرِدَة تسْمَحُ للدَّم أن يمرّ باتِّجاه واحِد، ولا رُجوع، وكذلك أوْعِيَة النُّسغ الصاعِد فيها الخاصَّة نفْسُها، فهذا النُّسغ ينْطلق من الأرض إلى قِمَم النَّبات والأوْراق، أما في الورقة فالورَقة فيها يَخْضور - كلوروفين - هذه الورقَة فيها آزوت، وطاقة شَمْسِيَّة، وفيها معْمَل حتَّى الآن يجْهل العلماء آلِيَّتَهُ ! هذا المعْمل يأخذ المعادِن الثمانِيَة عشْرة التي أذيبَت في الماء الصاعِد ويسْمَعُ نُسغًا نازِلاً، هذا النُّسُغ النازِل سائِل، إلا أنَّه ينزل بأوْعِيَة ومع نُمُوّ النَّبات يُخْشى أن تذوق لمْعة هذه الأوْعِيَة، لذلك هذه الأوْعِيَة النازِلَة مُدَعَّمة بألْياف حَلَزونِيَّة من ضَغطِها، فلو أنّ لك أنبوب مطَّاطي ويسيل فيه مادَّة غاليَة جدًّا، وتخاف أن ينْثني هذا الأنبوب فيقْطَع مُرور المادَّة، فأنت تسدُّه بِرُوسُور، والمعجِزَة أنَّ هذا النُّسغ النازِل يصْنَعُ كلّ شيءٍ، يصْنع الجِذْر والجِذع، ويصْنع الأغصان والفروع، وأخيرًا يصْنَع الأوراق، ويصْنَعُ الثِّمار، ويصْنَع الأزهار فهل يوجد بِحايتنا سائل تحقنُه فيَصْعَدُ خَشَبًا ؟! ومرَّة ثانية بطيخ !! هذا النُّسغ النازِل يصْنَعُ كلَّ شيءٍ، وهو الذي يُعين على نُمُوّ النَّبات، فما كان لِهذا النبات أن يكون موجودًا لولا الورقَة الخضْراء، فلمَّا قال الله تعالى:

 

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

 

[سورة يس]

 هذه صِفة مُترابِطَة مع المَوصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فإذا أُلْغِيَت الصِّفة أُلْغِيَ الموصوف، فالشَّجَرة معمَل بالِغ الدِّقَّة، ولا تزال المعلومات عنه قليلة، هذا المعمل فراغات ففي الصَّيف يُفْتَح وفي الشّتاء يُغلق ثمّ هناك شيء دقيق جدًّا وهو آلِيَّة الماء في الشَّجَرة عجيب ؛ فالشَّجَرة إذا إن لم تسْقِها تبدأ تسْتَهْلِك ماء الأوراق، فترى الورَق ذَبُل، فإذا لم يكْفِ ماءُ الورَق اِسْتَهْلَكَت ماء الأغْصان، وإن لم تكْفِ مِياه الأغصان اسْتَهْلَكَت مِياهَ الفُروع، فآخِر ماءٍ تسْتَهْلِكُهُ الشَّجرة ماء الجِذْع ! لذا لمَّا تموت الشَّجرة معنى ذلك أنَّها اسْتَنْفذَت كلّ الماء الذي فيها ؛ بدْءً من الورَقة وانتِهاءً بالجِذْر، ففي القرآن الكريم هناك صِفة اسْمُها صِفة مُترابِطَة مع المَوصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فأنت تقول:الطائرة تطير فإذا ألْغَينا الطَّيَران ألْغَينا الطائرة أما إن قلتَ الطائرة فَخْمة، فكذلك البيت قد يكون فَخْمًا، والقِطار فَخْمة، والطائرة غالِيَة، وكذا اليَخت غالي، أما إن قلتَ الطائرة تَطير فهذه صِفة مُترابِطَة مع المَوصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فالله عز وجل قال:

 

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

 

[سورة يس]

 لولا هذه الورقَة الخضْراء لما كانت هذه الشَّجرة.
 هذه الأوراق ؛ كم لها مِن شَكْلٍ ؟ أكْثَر مِن مليون شَكل، هناك دوائِر ومُثَلَّثات، وشَكل بيْضَوي، وشَكل إبري، وشَكل مُكَسَّر ؛ أنواع لا تُعَدُّ ولا تُحصى، فأنت لا تسْتطيع أن تحصيها أبدًا ! فما علاقة فإذا أنتم منه توقِدون ؟ بعضهم قال: هذه آية البترول، لأنَّ العصور الجيولوجِيَّة التي مرَّت على الأرض جَعَلَت في الأرض نباتات عِمْلاقة وهذه النباتات دُفِنَتْ في باطِن الأرض، وبعد أن دُفِنَت وطرأتْ عليها العوامِل المُتَعَدِّدَة انْقَلَبَتْ إلى بتْرول ؛ قال تعالى:

 

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

 

[سورة يس]

 وكل أنواع البترول أساسها نباتات مِن العُصور الماضيَة المَدفونة تحت الأرض، وبعد دَفْنِها بِحِقَبٍ طويلة انْقَلَبت إلى بتْرول فلذلك هذه الآية مِن إعجاز القرآن العِلْمي.
 وهذا البتْرول جعل الله في طبقَتِهِ الأولى من تحت ماءً مالِحًا، وهي الطَّبَقَة التي تَمْنَع تسرُّبَه إلى أعماق الأرض، وجعَلَ فوقه غازٌ ضاغِط فأنت بِمُجَرَّد أن تحفِر هذا البئْر يخْرج هذا البترول بِضَغط الغاز، فماءٌ مالِحٌ فوقهُ غازٌ ضاغِط، وهذا مِن أعْظَم الحِكَم ! ويكاد يكون هذا العَصْر عَصْر البتْرول، قال تعالى:

 

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

 

[سورة يس]

 الله عز وجل قال:

 

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

 

(سورة النحل)

 الخَيل والبغال ؛ هذه معروفة في عَهد النَّبي عليه الصلاة والسلام فلو أنَّ الآية انْتَهَت وزينَة، وجاء إنسانًا بالقَرن العِشرين، وركِب القِطار السَّريع، وركِب هذه المرْكَبات الفَخْمة، فهذا ماذا سيَقول ؟ يقول ما هذا القرآن ؟ الخَيل والبِغال والحمير ! لكنَّ الله تعالى

﴿قال بعدها قال:وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

[سورة النحل]

 فلأنَّ هذا كلام خالقِ الكَون، ولأنَّه كلام ربِّ العالمين، ولأنَّه كلام الذي عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فمَن الذي خلق فِكْرة الطائرة ؟ الله عز وجل، ومن خلق وَقودَها ؟ الله عز وجل، فهذه هي الآية الوحيدة التي تُشير إلى أنَّ الإبداع والاخْتِراع هو مِن الله عز وجل، وهي لمْعَةٌ تبْرِق في نَفس المُخْتَرِع، ولولا أنَّ الله تعالى أعْطاها للإنسان لما اخْتَرَع شيئًا، لذا قال العلماء: العَبْقَرِيَّة تِسْعة وتِسعون منها عَرَق ! أي جُهْد، وواحِد مِن المائة إلْهام، فهذه الآية:

 

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

 

[ٍسورة النحل]

 عُزِيَ خلْق الطائرة والقِطار والسيارة إلى الله عز وجل لأنَّه المُلْهِم، لذا إذا رأى الإنسان الطائرة، أو الكمبيوتر، فلا يسْتَعْظِم صانِعَها ولكن عليه أن يسْتَعْظِم من أعطى هذا الإنسان هذا العَقْل ؛ فهل سَمِعْتُم بِمُجْتَمَع القرود أنَّهُ صَنَع طائرة ؟! لذا العَقل له دَور كبير، وهو مِن رحمة الله ونِعَمِهِ لذا قالوا الفرق بين الإنسان والحيوان في النَّوع لا في الدَّرَجة، فالله تعالى كرَّم الإنسان بالعَقْل.
 ثمَّ قال تعالى

 

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾

 

[سورة يس]

 قال هذه تَقريب لنا لأنَّ أمر الله أسْرَع مِن كُنْ فَيَكون ! فالله بِمُجَرَّد أن يريد يخلقُ ما يريد، لذا لو أنَّ أوَّلكم وآخركم...".