الدرس : 6 - سورة يس - تفسير الآية 65

1995-11-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والستون من سورة يس و هي قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[سورة يس]

 الإنسان في الأصل مُخَيَّر و الاختيار أصلٌ في التكليف، ولولا أنَّه مُخَيَّر، ما كُلّف و ما سُئِل،و كُوفِئ ولا عُقِب،و ما وُجِد ثوابٌ و لا عقابٌ، و لا كانت جنَّةٌ و لا كانت نارٌ.
 أصل التكليف أنَّ الله سبحانه وتعالى كلُّ شيء أودعه في الإنسان حيادي يُمكن أن يستخدمه في الخير و يُمكِن أن يستخدمه في الشَّر لأنَّه مُخيَّر، و مِن هذه الأشياء التي وهَبك الله إياها العقلُ، وهو أعظمُ جهاز أودعه الله في الإنسان على الإطلاق، فالإنسان هو المخلوق الأوَّل وأعظم جهاز أودعه الله فيه هو العقل، ومِن خلال العقل يُمكن أن تعرف الله، وتعرف منهجه، و تعرف ما يُرضيه وما يُغضبه وأن تسعد بِقُربه في الدنيا و الآخرة، إلاَّ أنَّ الإنسان كما قُلتُ قبل قليل مُخيَّر، فحينما يختار الشَّر يجُد أنَّ عقله يُمكن أن يستخدمه في شيء آخر غيرِ معرفة الله ؛ في فلسفة الشَّر، فتجدُ في الدنيا ناسًا يقترفون كلَّ الجرائم ويُفلسِفون جرائمهم على شكل مبادئَ و أفكارٍ و مذاهبَ فهناك فكرٌ تبريري أساسه الانحرافُ، لذلك تجد الإنسان في الدنيا مُتفلِّتًا غيرَ مُلتزمٍ يسيئُ و يعيش لِذَاته ويبني أمجاده على أنقاض الآخرين، ومع كلِّ هذا الانحراف يُفلسِف سلوكَه على أنَّه واقعيٌّ وعلى أنَّه منفتح، فمَن الذي جعله يفعل كلَّ هذا ؟ هذا الفكر و ذاك العقل الذي أودعه الله في الإنسان ليعرف الله به فإذا هو يستخدمه لغير ما خُلِق له. هناك في السُّوق الآن آلاتٌ طابعةٌ مُلوِّنةٌ يُمكن للمهندس أنْ يستخدم هذه الآلة و يربح منها الآلاف المُؤَلَّفة، لأنَّه يُمكن أن نستخدم هذه الآلة لكسب الرزق الحلال الوفير، ولو أنَّ صاحب هذه الآلة خَطَرَ له أنْ يُصوِّر العُملة الصعبة ؛ الدولار مثلاً، وقد فعلها الكثير وهم بالسجن استخدموا هذه الطابعة المُلوِّنة في تزوير العُملة، فحينما استُخدِمت هذه الطابعة لغير ما صُمِّمَتْ له عُوقب صاحبُها بالسِّجن، ضربْتُ هذا المَثلَ لِأرِيَكُم كيف أنَّ العقل البشري يُمكن أن يقودك إلى الله وإلى طاعته وإلى جنَّته و إلى الفوز بالدنيا و الآخرة، والعقل نفسُه إنْ أسيء استخدامُه أو إنِ اِستخدمْتَه لغير ما خُلِق له يُمكن أنْ يقودك إلى النار فلذلك الإنسان الكافر الفاجر في الدنيا يُفلسِف لك حياته المنحرفة و يُفلسف لك كسب المال، يأخذ ما ليس له، ثُمَّ يُعطي هذا العمَل طابَعًا فلسفيًّا مقبولاً.
 الآية اخترتُها لكم اليوم لِأنَّ القدرة العقلية لفلسفة المعصية َفقدها الإنسان يوم القيامة، قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

 

[سورة يس]

 فالقدرة على فلسفة المعصية و التبرير و التسويغ و قلب الحقِّ باطلاً والباطل حقًّا، هذه القدرة العقلية المنحرفة التي يُغطِّي بها الإنسانُ انحرافَه تصبح يوم القيامة مُعطَّلةً، قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

 

[سورة يس]

 يقولون مثلاً نحن جِئنا بالتَّعليم المُختلَط حتَّى يصير هناك تهذيبٌ للمشاعر، وليس الأمرُ كذلك، الآن في أُوروبا يُمارس الزنا في دورات المياه في المدارس و اللُقطاء بِمِئات الأُلوف، و أنت تقول مِن أجل تهذيب المشاعر، يُفلسفون شيئًا حرَّمه الله، ثمَّ نتفاجأ بأمراض لا تنتهي، هذا مِن جرَّاء فلسفة المعصية، يقول: أنا منفتح وواثقٌ مِن زوجتي حتَّى يتورَّط في الخيانة الزوجية، فالقصد مِن هذا كلِّه أنَّ كلَّ المُسوِّغات و المبرِّرات والفلسفات و المنطق التبريري الذي يستخدمه الإنسان في الدنيا يَفقده يوم القيامة، قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

 

[سورة يس]

 فأعمال الإنسان تُعرَض عليه عملاً عملاً بشكلها الصحيح ووقتها ومُلابساتها و بيئتها و عواملها ونواياها، قال تعالى:

 

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾

 

[سورة الإسراء]

 الإنسانُ في الدنيا بإمكانه أن يَخدع كلَّ الناس لبعض الوقت و بإمكانه أن يخدع الناس لكلِّ الوقت، أمَّا أن يخدع الناس في كلِّ الوقت فمستحيل، هذا في الدنيا مستحيل، فكيف عند الواحد الديَّان ؟!.
 الإنسان إذا لم يعرف الله عز وجل يظنُّ أنَّ معه حُجَّةٌ و يُبرِّر لنفسه أمَّا إذا عرف الله عز وجل وأنَّه يعلم السِّرو أخفى و يعلم الخبايا و الخواطر يستقيم على أمره، وأكثرُ الأشياء التي يقع فيها الناس موضوع الميراث، فيحرِم بناته بِحُجَّة أنَّ هذا المال يذهب للغريب فهل زوجُ ابنتك و حامي عرضها غريب ؟ فلماذا تحرِم بناتك مِن الميراث ؟ هذا خِلافُ الشرع، و أحيانا يكون عنده أولادٌ مِن زوجة لا يُحبُّها، فيحرِمهم مِن كلِّ شيء، و يعطي أولادَ التي يحبُّها، فيوقع نفسه في الظلم بفلسفته، وماذا يوم القيامة ؟ قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

 

[سورة يس]

 عندي صديق له زوجة مِن أُمٍّ مُطلَّقة لأبيها، فاشتهتْ هذه الزوجة أن تزور أباها يوم العيد، فذهبتْ مع زوجها وأولادها، فوجدت بناته مِن زوجته التي يعيش معها كلَّهنَّ في البيت و قد أعطى أبوهم كلَّ واحدة خمسة آلاف , و أعطى بنته مِن زوجته المطلَّقة خمسمائة ليرة ثمَّ أمرها بالخروج مِن بيته، فبقيت الزوجة تبكي شهرًا كاملاً، وهذا ظلم والظلم ظلمات يوم القيامة، فإذا لم يُدخل الإنسانُ في حسابه خالق الكون و لم يعدل في أبنائه فإنَّه سيحاسبك على ذلك،
 عَنِ النُّعْمَانِ ابْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ

(( سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ ))

[رواه البخاري]

 أنت حينما تفرِّق في الوصيَّة أو في توزيع الإرث بينَ ابنٍ مُحِبٍّ وبينَ ابنٍ غير محِبٍّ تزيد البعيد بُعدًا و تزيد العاق عُقوقًا، أمَّا إذا عدَلتَ‌ تُؤلِّف بينهم، ولعلَّ هذه العداوة تزول.
 فيا أيُّها الإخوة الأكارم ؛ أعمالنا يجب أن تكون مغطَّاةً بالشرع، أمَّا أن نجد لها تبريرا و تسويغًا نتفلسف به على الله عزوة جل و نقول: فعلْنا هكذا لأنَّه هو اللائق، وهل هذه الحُجَّة مقبولةٌ يوم القيامة ؟ و قد لا يُتاحُ لك يوم القيامة أن تقول كلمةً، قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

 

[سورة يس]

 أحيانًا الإنسان يُطلِّق زوجته طلاقًا تعسُّفيًّا بعد طول عشرة -بذنب أو بغير ذنب -وحتَّى يرتاح يلجأُ إلى تكبير أخطائها و يَفضحها، أمَّ يوم القيامة فهذا الكلام عند الله غير مقبول، فما ذنبها بعد طول عشرة ثمَّ ألقيتَ بها في الطريق و لا أحدَ لها، فالإنسان لا بُدَّ أن يتأنَّى كثيرًا قبل أن يتخِّذ قرارًا ومعه تبرير لذلك، قال تعالى:

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(7)﴾

 

[سورة الأنبياء]

 و قال تعالى:

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾

[سورة الفرقان]

 ففي أمور الدنيا اسأل به أهل الذكر و في أمور الآخرة اسألْ به خبيرًا حتَّى لا يَتوهَّم الإنسان أنَّ معه حجَّةٌ وهي غير مقبولة، فكلَّما سُئِلتُ عن موضوع إعطاء ابن شيئًا في حياته هو خلاف الإرث ؛ أقول له: معك لله حُجَّة، فيقول: كيف ذلك ؟ فأقول: إذا كان عندك ابنٌ مُصابٌ بعاهة و هيَّأْتَ له دكَّانًا فمَعَكَ حجَّة، إخوتُه يعملون جميعًا فأنت معك حجة، فلا بُدَّ أن تُهيِّئ لله جوابًا مقبولاً، أمَّ أن تأتيَ بفلسفة لكلِّ انحراف قد لا تُقبَل عند الله عز وجل، فالآية هذه دقيقة جدًّا، أي يجب أن تكون تحت سمعنا و بصرنا، قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

 

[سورة يس]

 فكلُّ حركاتك وسكناتك مُسجَّلة بالصورة والصوت واللون والوقت والتاريخ، فالإنسان بسيط لو أراه الشرطيُّ صورة سيَّارته بالوقت والمكان والمخالفة، هل يستطيع أن يتكلَّم كلمة ؟ فهذا الإنسان ؛ فكيف بخالق الأكوان ؟!.