الدرس : 07 - سورة محمد - تفسير الآية 33 .

1996-02-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والثلاثون، والتي بعدها من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾

[سورة محمد]

 حيثما وردَتْ هذه الآية في كتاب الله تعالى ؛ فهي تعني أنَّ الله تعالى يُخاطِبُ عِبادَهُ وكأنَّهُ يقول لهم: يا من آمنتم بي، ويا مَن آمنتُم بِقُدرتي، ويا من آمنتُم بِوَحدانِيَّتي، ويا من آمنتُم بِغِناي، ويا من آمنتُم بِحِكمتي، اِفْعَلوا ما أقول لكم، فأتن إذا آمنتَ بالله ينبغي أن تفْعَلَ شيئًا مُتَمَيِّزًا، قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 

[سورة محمد ]

 العلماء قالوا: حينما تأتي مثل هذه الآية فالمَقصود أن تُطيعَ الأوامِرَ في كتاب الله، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

 

[سورة الحشر]

 هناك دَعْوَة مَشْبوهة، ومُنْحرِفَة أشدَّ الانحراف، تقول: يَكفينا كِاتب الله !! ومع أنَّ السنّة سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وَحيٌ غير متْلُوّ، لقوله تعالى:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾

 

[سورة النجم]

 مِن أين تَعْرفُ نِصاب الزَّكاة من دون السنَّة ؟ ومِن أين تعرف عدد الصَّلوات الخمس وسُنَنَها مِن غير السنَّة وأحكامٌ كثيرة جدًّا جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام بِوَحْيٍ مِن الله، فالقرآن فيه الكُلِيَّات، والسنَّة فيها التَّفاصيل، فَكُلّ مَن يَدعو إلى الاكْتِفاء بالقرآن الكريم هو يُخالفُ القرآن الكريم، وهذه الآية دليل، قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 

[سورة محمد ]

أيْ أطيعوا الله في قرآنِهِ، وأطيعوا الرسول في سنَّتِهِ.
 مِن لوازِمِ طاعة رسول الله، حسْب القاعدة الأُصوليَّة: ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجِب، فالصَّلاة فرْض، وكذا الوُضوء، لأنَّ الصلاة لا تتِمُّ إلا بالوُضوء، يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

[سورة محمد ]

 كيفَ تسْتطيع أن تُطيعَ رسول الله إن لم تعْرِف سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا أمْرٌ يقْتضي الوجوب وعندنا مُباح ومندوب ومكروه ومحرَّم، فالأمْر يقتضي الفرْضِيَّة، والنَّهي يقْتضي التَّرْك والمندوب أقلّ مِن الفرض، ومكروه أقلّ مِن الحرام، والوسَط هو المُباح فما مِن شيءٍ في الحياة إلا ويتعاوَرُ عليه هذه الأحكام الخمْسة ؛ أمْر نَدْب ومباح ومكروه ومُحَرَّم، كيف نعرِف الأمْر ؟ مِن فِعل الأمْر، كلّ أمْرٍ يقتضي الوُجوب، وإن أرَدْتَ أن تُنَفِّذ هذا الأمْر عليك أن تفْهم فَحْوى هذا الأمْر، مِن هنا كان طلبُ العِلم فريضةٌ على كلّ مسلِم ؛ لأنَّك لن تستطيعَ أن تعْبُدَ الله إلا إذا عرفْتَ أمْرَهُ، كما أنَّهٌ لن تسْتطيع اتِّقاء ارْتِفاع الضَّغْط إلا إذا عرفْتَ أنَّ ضَغْطَكَ مُرْتَفِع، فالعِلْم هو أوَّلُ شيءٍ، كيف يُعالِجُ الطبيب المريض ؟ يقول له: حلِّل ‍، كيف يأمُره وينْهاه؟ ينبغي أن يعرف حالهُ، وأنتَ لن تستطيعَ أن تُطيعَ الله عز وجل إلا إذا عرفْت أمْر الله فأنْ تحْضر مَجلس العِلم كي تعرف الأمْر والنَّهي هو فرض عَيْن وإنِّي أعْجَبُ مِمَّن يقول: ليس لي وَقت ‍!! فإذا كان الإنسان ليس له وقت لأخْطر شيء في حياته، فلو أنَّ مريضًا أُصيب بِمَرضٍ عُضال، وقال له الطبيب لا بدّ من أن تُجري تَحليلاً على النَّسيج، فقال المريض: أما الآن فليس لي وقت ! فكلمة مَشْغول تُقال للثانَوِيَّات، والفرْعِيَّات، أما في الحياة يوجد أساسيَّات، فكيانُكَ أساسهُ معرفة الله عز وجل، فكلّ إنسان يقول: ليس لي وقت لِحُضور مجلس عِلْم، كَمَن يقول سأسوقُ سيَّارتي دون أن يتعلَّم أُصول السِّياقة، والحصول على الشهادة ؛ أنا أُعلِّق على كلمة: ليس لي وقت، الله عز وجل قال:

 

﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(7)﴾

 

[سورة التحريم]

 أي إن لم تَكونوا مُتَفَرّغين، ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة مصيركم فماذا تعملون إذًا، قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 

[سورة محمد ]

 أطيعوا الله في كتابه وأطيعوا رسول الله في سنَّتِهِ، فلا بدَّ مِن أن تعرف سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام، فآلاف وآلاف الأوامر التّفصيليّة التي تَجعل حياتَكَ سعيدة جدًّا وما مِن مشكلةٍ على وَجه الأرض إلا بِسَببِ مُخالفةٍ لأمْر الله، وما مِن مُخالفةٍ لأمْر الله إلا بِسَبب الجَهْل، والجَهل أعْدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل بِنَفْسِهِ ما لا يستطع عدُوٌّ أن يفْعَلَهُ به ! فأحد المزارعين كانت له نسبة رِبح في مزرعَتِهِ ثمان مائة ألف ليرة، مِن شِدَّة حِرصِهِ على الزِّيادة والنَّماء بدل أن يضَع كيلوا سميد، يضَع اثنان كيلو غرام، فإذا به يسْتيقظ صباحًا فيَجِد مَحصوله كلّه أسْوَد !! فالجَهل أعدى أعداء الإنسان، فهذا فعَلَ بِنَفْسِهِ ما لا يفْعَلُهُ أعداؤُه به ! فأنت إذا أردْت الآخرة فعَلَيك بالعِلم، وإذا أرَدْت الدنيا فعَلَيك بالعِلم، والمؤمن الصادِق يُبَرْمِج حياته وفْق مجالس العلم، وهناك من يَجعل هذه المجالس على الفراغ، والمفروض أنَّ حُضور هذه المجالس قبل كلّ شيء، كي تتعرَّف على دينك، وعلى سنَّة رسول الله، وإن شاء الله تعالى إن وفَّقنا الله لإنهاء التفسير ننتقل إلى دراسة سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾

 

[سورة محمد ]

 هناك إنجازات جبَّارة في الأرض، وهذه إن لم تسْبِقْها معرفة الله عز وجل لا قيمة لها، قال تعالى:

 

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

 

[سورة الفرقان]

لأنَّه ما آمن بالله، ولا آمَنَ بِرَسول الله، وما أطاع الله ورسوله، فالله تعالى أبْطَلَ عملهُ هناك تِجارات ليل نهار، ورواج مبيعات، ومخازِن، والمال حرام، والبِضاعة مُحرّمَة.
 أيها الإخوة الكرام، سَلُوا تاجِرا أتى بِتِجارة، وسَهِر عليها خمْس سنوات ثمَّ ما ربِحَ، يقول: يا للخسارة، ويا لِهذه التِّجارة، يتألَّم كثيرًا، فإنسان يعيش ستِّين سنة أو أكثر ؛ بنى وتاجرَ، وكلّ عمله هباءً منثورًا، فإذا كان عملُكَ وِفْق المنْهج كان عِبادة، وإذا كان زواجُكَ وِفْق المنهَج كان عبادة أما العمل الذي هو خلاف منْهج الله لا ترْقى به، فهناك محلاَّت متسلسلة في منطقة باب الجابيَة أصْبحت كلّها بالدُّش ! لو عرفوا أنَّ هناك منهج لما فعلوا، حدَّثني أحدهم أنَّ أرباح أحد أصدقائه كانت ثمانيَة ملايين خِلال خمسة وأربعين يومًا ! خمور، ودعارة، والناس لا يعبئون إذا الأمر حلالاً أمْ حرامًا.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾

[سورة محمد ]

فالأُبوَّة عمل، والبنوَّة عمَل، وإتقان العمل عمل، والأمومة عمل، والمهنة عمل، ونفْع المسلمين عمل، وطلب العلم عمل.
 أحدُ المُغَنِّيين فيما سَمِعتُ عنه ما ركِب طائرةً في حياتِهِ خَوف الموت وما تناوَل طعام العشاء إلا فواكِه، ثمَّ بعدها مات، وهو عنده عدَّة أغاني !! ماذا سيقول يوم القيامة ؟! قال تعالى:

﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾

[سورة محمد ]

 ابْحَث عن عملٍ صالحٍ، وعن عملٍ ترقى به، يا رب أنا علَّمتُ علمًا، ووزَّعْتُ المال على الفقراء، وراعيتُ الأيتام ؛ هذا الذي ترقى به، فالأصل أن يتحرَّى الإنسان في دَخلهِ، وكلمة تُبطوا أعمالكم مركز ثقل الآية، قال تعالى:

 

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

 

[سورة الفرقان]