الدرس : 04 - سورة محمد - تفسير الآيات 11 - 14 .

1996-02-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الحادية عشرة من سورة محمد صلى الله عليه و سلم هي قوله تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

[ سورة محمد ]

 هذه الآية أيها الإخوة إذا قرأها الإنسان و تعمَّق في فهمها يجد شعورا عجيبا، تصوَّرْ أبًا عالما كريما غنيا حريصا على أولاده يعتني بهم عناية فائقة و يتابع صحَّتهم و يتابع أخلاقهم و علمهم و تحصيلهم و يغذِّيهم أفضل الغذاء و يكسوهم أفضل الكساء، هذا الابن الذي له هذا الأبُ يعيش في شكل صحيح و سلوك قويم و تحصيل عالٍ و رُقِيٍّ كبير، تصوَّر طفلا في الطرقات ليس له أبٌ يتعلم الكلام البذيء و يسقط في حمأة الرذيلة و يتعوَّد على السرقة و يُسجَن و يَوضع في الأحداث، أخلاقه سيِّئة و عباراته بذيئة، هل يُوازن بين طفل هكذا و طفل هكذا ؟ هل توازن بين جوهرة - و قد رأيتها في متحف استنبول ثمنها مائة و أربعون مليون دولار هي مثل البيضة -هل تساوي قطعة الفحم التي ثمنها قرش واحد ؟‍‍! هذا الذي له أب يعتني به يطعمه و يكسوه و يؤدِّبه و يعلِّمه و يرقى به إلى أن يكون شخصيةً فذَّة لامعة في المجتمع و بين طفل لا والد له، نشأ يتيما ضائعا شريدا طريدا جائعا مريضا أخلاقُه سافلة و عباراته بذيئة تعوَّد السرقة و أودع السجن.
بعد هذه المقدِّمة للآية الكريمة، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

 

[ سورة محمد ]

 المؤمن وليُّه الله يسدِّد خطاه و يؤدِّبه أحيانا و يضيِّق عليه و يجمعه مع أهل الحقِّ و يعتني به و يعاتبه و يثبّته و ينصره و يؤيّده و يرعاه و يحفظه، و هذا الكافر ليس له مولى، من حماقة إلى حماقة و من خطأ إلى خطأ و من حمق إلى حمق و من مأساة إلا مأساة و من مصيبة إلى مصيبة، هذا هو الفرق بين المؤمن و الكافر وهو فرق كبير جدًّا، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

 

[ سورة محمد ]

 فإذا تولَّاك اللهُ بالتربية، ضيّق عليك تارة و أعطاك تارة و حرمك تارة و تجلَّى على قلبك تارة و حجب عنك التجلِّي تارة و ذكَّرك و علَّمك و جمعك مع مَن ينصحك و يسَّر لك الخيرَ و حجبك عن الشرِّ، هذه نعمة كبيرةٌ جدًّا و هي نعمة لا تعدلها نعمةٌ، أن يكون اللهُ مولاك، و أن تكون ضمن التربية الإلهية و ضمن العناية المشدَّدة، المؤمن في العناية المشدّدة و غير المؤمن شارد عن الله يحلو له أن ينحرف فينحرف و يحلو له أن يأخذ ما ليس له فيُعاقَب أشدَّ العقاب، و يحلو له أن يعتديَ على أعراض الناس و تخونه و جنتُه، و بيتُه جحيمٌ و عملُه جحيم و دخله فيه مفاجآت ساحقة، لأنه لو اتَّبع رضوان الله عز وجل لهداه الله إلى سبل السلام.
أحيانا هناك آيات معناها بسيط و لكنْ صداها العاطفي كبير، قال تعالى

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

 

[ سورة محمد ]

 الله يتولَّى المؤمنَ بكلِّ خير، قال تعالى:

 

﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

 

[ سورة محمد ]

لا أحد يعطيهم و لا أحد يرحمهم و لا أحد يهديهم، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدَه عجَّل له العقوبةَ، فإذا أخطأتَ و رأيت بعد الخطأ عقابا فيجب أن تفرح، لأنك ضمن العناية الإلهية و ضمن العناية المشدَّدة.
 أحد الإخوة من إخواننا له معمل ألبسة، جاءه أخٌ مؤمن يودُّ أن يشتري قطعًا عدَّةً، اعتذر له لأنه يبيع بالجملة و رأى في البيع المُفرقّ إهانة له، قال لي هذا الأخ: لمدَّة ثلاثين يوما لم يدخل إنسان إلى معملي ليشتري شيئا، أدَّبه الله، أحيانا الإنسان يقول كلمةً يأتيه تأديبٌ سريعٌ، فإذا جاء التأديب السريع فهذه رحمة الله، و معنى ذلك أنه مطموع فيك، اسأل الطبيبَ إذا جاءه مريضٌ و هذا المريض معه ورمٌ خبيث منتشر في كل أحشائه و بلغ الدرجة الخامسة و سأله: يا حكيم ماذا آكُل ؟ قال له: كُل ما شئت و اشرب ما شئت، و امشِ ما شئت و اقعدْ و نَمْ، فلماذا الطبيب لا يبالي به ل أنه ميؤوسٌ من شفائه، أمَّا لو كان التهاب المعدة يعطيه قائمة محظورات، البهارات و المواد القاسية، يجب شرب الحليب ة تأكل التفاح فقط، فحيثما تأتي الموانع و القيود و الحدود و السدود معناه يوجد أملٌ للشفاء، أما إذا أُطلِق الإنسان إلى شهواته من دون قيد و شرط فهذه علامة موت قلبه، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]

 إذًا إذا أحبَّ الله عبدَه عجَّل له بالعقوبة و عاتبه في بنانه و جعل حوائج الناس إليه، يجهد في خدمة الخلق، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

 

[ سورة محمد ]

 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾

 

[ سورة محمد ]

 كلام دقيق، يتمتعون و يأكلون، سيدنا عمر رضي الله عنه بلغه أن بعض ولاة البصرة ابتنى دار حسنة واشترى مركبة وطيئة و رفضه نفسه كثيرا فقال له في رسالة: بلغني أنه قد صارت لك هيئةٌ حسنة في مسكنك و مركبك و مطعمك و مشربك ليست لعامة المسلمين، اِحذرْ يا عبد الله أن تكون كالدابة مرَّتْ بوادٍ خصبٍ فجعلت همَّها في السِّمن و في السّمن حتفُها"
هؤلاء الذين كفروا المتعة الرخيصة و غير الرخيصة هي ديدنُهم و غلهم هواهم و مصلحتهم مبدأهم و علاقاتهم مبنية على المصالح لا على المبادئ، قال تعالى:

 

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)﴾

 

[ سورة محمد ]

 قال تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)﴾

 

[ سورة محمد ]

 إذا كان مع الإنسان ضغطٌ مرتفع وقد علِم أن الملح يرفع الضغطَ فابتعد عنه و إنسان آخر توهَّم أن تناول الملح يخفِّض الضغطَ، مَن هو الناجح ؟ الأول، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)﴾

 

[ سورة الكهف ]

 قال تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)﴾

 

[ سورة محمد ]

 المؤمن على بينة، قال تعالى:

 

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)﴾

 

[ سورة هود ]

 مَن هو المؤمن ؟ إنسان على بيِّنة من الله أُتيح له أن يعرف الحقيقة التي أرادها الله و آتاه الله رحمة و طمأنينة و توفيق و سعادة و رضا، فعُمِّيتْ على الكافرين، ما رأوا رحمته التي ينعم بها قلبُه و ما سمعوا أفكاره التي يؤمن بها و ما اطَّلعوا على أفكاره و لا عاينوا رحمة الله في قلبه، بل نظروا إليه كإنسان له دخل محدود فازْدرَوه، قال تعالى:

 

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)﴾

 

[ سورة هود ]

 فملخَّص هذا الدرس، إن رأيت الله يشدِّد عليك و يتابعك و يحصي عليك أنفاسك و كلماتك و حركاتك و سكناتك، فهذه بشارة طيِّبة جدًّا، و معنى هذه البشارة أنك ضمن العناية الإلهية و أنك ضمن التربية الإلهية و أنك في العناية المشدَّدة.