الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 27 - الشهوة ـ الشهوات سلم نرقى بها ـ جمال ريش الطيور

2006-05-15

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، ونستمر بمعية الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الأعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً وسلام الله عليك سيدي الأستاذ ـ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته أستاذ علاء وجزاك الله خبراً ـ وإياكم .
تحدثنا في حلقات سابقة عن مقومات التكليف ، وتبينا العديد من مقومات التكليف ، ووصلنا إلى الشهوة ، نحط رحالنا اليوم عند الشهوة ، الله عز وجل يقول :

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ

( سورة آل عمران الآية : 14 )

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهم ))

[أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ]

طيب ، يا سيدي الكريم ، الله عز وجل هو الذي أودع الشهوة كمقوم من مقومات التكليف عند الإنسان ، وهو الذي حفها بالتزيين :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴾

ثم من ناحية أخرى يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهم ))

إذاً الشهوة تفضي إلى التعاسة ، والشهوة دائماً تفضي إلى المخالفة ، مخالفة الشرع ، ومخالفة المنهج ، هي قوى كامنة في الإنسان .
قلت في أحاديث ماضية : هي حيادية ، أيْ أنها قوى حيادية ، لكنها تدفع الإنسان نحو إملاء غرائزه ، ونحو إملاء ما يشتهي ، لكن في النهاية من يطيع دوافعها ليجنح عن شرع الله ، وبالتالي يحاسب ، وبالتالي يعاقب ، كيف ننظر إلى الشهوة ؟ وكيف نقوم الشهوة كأساس من أساسات التكليف ، هل هي قوى جانحة للجنوح بالإنسان إلى المعاصي ؟ أما هي قوى دافعة إلى الخير ، يستطيع الإنسان أن يركب حصانها ، وأن يمضي به الحصان إلى ذلك المورد الخير ، نعد سيدي الأستاذ ؟.
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الله خالق الكون ومنزل القرآن :


الله عز وجل أستاذ علاء يقول :

اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض

( سورة الأحقاف الآية : 33 )

وفي آية ثانية :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

( سورة الأنعام )

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ

( سورة الكهف الآية : 1 )

الله عز وجل خلق السماوات والأرض ، ونور عقل الإنسان بالكتاب ، ففي الكتاب أخبره عن حقيقة الكون ، وعن حقيقة الدنيا ، وعن حقيقة الإنسان ، ثم الآيات المتعلقة بهذه الحلقة قوله تعالى :

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)

( سورة آل عمران )

الشهوات سُلّم للرقي إلى رب الأرض والسماوات :

إنّ ما عند الله في الجنة يفوق كل لذائذ الدنيا ، لكن الشهوات ما أودعها الله فينا إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، هناك أناس يتوهمون أنه لولا الشهوات لما هلك الإنسان ، الحقيقة هي العكس ، لولا أن الله أودع في الإنسان هذه الشهوة لما ارتقى إلى الله ، تصور ما الطريق إلى الله لو لم يكن للإنسان شهوة ؟ الإنسان بالشهوة يرقى مرتين ، يرقى إلى الله صابراً ، ويرقى إلى الله شاكراً ، كيف ؟
لو فرضنا أن الإنسان تعفف عن مال حرام لا يحل له ، فيرقى إلى الله صابراً ، وهو في أمسّ الحاجة إلى المال ، لكنه تعفف عن مال حرام ، والمال الحرام أستاذ علاء أية منفعة بنيت على مضرة ، لو أردت أن ترجع كل أنواع الحرام إلى كسب المال فهي منفعة بنيت على مضرة .

أوضح مثلٍ على ذلك السرقة ، إنسان بجهد يسير في ساعة محدودة أخذ مالاً كثيراً ، والذي تعب بهذا المال فقده فجأة ، فمصلحة السارق بنيت على مضرة المسروق ، هذا أوضح مثل طبعاً ، وأنواع الحرام لا تعد ولا تحصى ، ومن دخل السوق من دون فقه أكل الربا شاء أو أبى ، أنا حينما أتعفف عن مال حرام أرقى إلى الله صابراً .

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)

( سورة النازعات )

الحياة كلها ضبط ، حلقتنا كلها متعلقة بالضبط ، الإيمان هو الخلق ، والخلق الانضباط ، انضباط في كسب المال ، حينما يتعفف عن امرأة لا تحل له يرقى إلى الله صابراً ، حينما يغض بصره عن محارم الله يرقى إلى الله صابراً ، حينما يبتعد عن أية علاقة حرمها الشرع يرقى إلى الله صابراً ، حينما يبتعد عن كل كلمة تسير الضحك في المجلس ، لكنها تؤذي إنساناً ، يرقى إلى الله صابراً ، أية شهوة أودعها الله في الإنسان لها جانب سلبي ، وجانب إيجابي ، أما حينما يتزوج ، ويكرمه الله بزوجة تسره إن نظر إليها ، وتحفظه إن غاب عنها وتطيعه إن أمرها ، يرقى إلى الله شاكراً ، حينما يكسب المال الحلال بكد يمينه ، وعرق جبينه ، ويقدم سلعة للناس متقنة بسعر معتدل ينتفع بها الناس يرتقي إلى الله شاكراً ، وحينما يصلح بين اثنين يستخدم لسانه للإصلاح لا للإفساد يرقى إلى الله شاكراً .
إذاً ما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، وما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها مرتين إلى الله مرة صابرين ، ومرة شاكرين .
فلذلك الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر ، والصبر والشكر يقتضي الانضباط .
المذيع :
سيدي الكريم الشهوة تقتضي الاندفاع إليها ، لأنه شيء في غريزة الإنسان ، الله أودع الاندفاع إليها ، هناك من يقول عن حالة الامتناع عنها ، ماذا نقول ؟

 

الشهوات بين المثيرات وهوامش الأمان :

الدكتور :
نقول : إنك إذا تعرضت إلى مثيرات الشهوة ، ثم امتنعت عنها تقع في هذه الحالة ، أما إذا نفذت أمر الله في البعد عن أصل الشهوة فلا تتعذب أبداً ، لذلك ما قال الله عز وجل لا تزنوا ، قال :

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا

( سورة الإسراء الآية : 32 )


الزنا له مقدمات ، فالشهوة فيها قوة جذب ، الآن تيار الكهرباء العالي 3000 فولت معه حرمة 8 أمتار ، لو دخل مخلوق إلى هذه الأمتار الثمانية يصبح فحمة ، لذلك وزير الكهرباء يعلن أنه : ممنوع الاقتراب من التيار ، لا يقول : ممنوع مس التيار ، مس التيار موت حقيقي .
إذاً : الشهوة لها قوة جذب ، فإذا تساهل الإنسان في مقدمات الشهوة وقع في الفاحشة الكبرى ، لذلك :

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ

( سورة الأنعام الآية : 152 )

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا

( سورة البقرة الآية : 187 )

لا بد من أن تدع بينك وبين المعصية هامش أمان ، إذا تركت هذا الهامش فأنت في مأمن ، فلا تعذيب ، ولا إحساس بالحرمان ، أو أن الإنسان إذا تعرض لإثارات لا تحتمل عندئذ لا يستطيع أن يتفادى الوقوع في الفاحشة ، لأنه في طريق يجذبه إلى الفاحشة .
تماماً لو أن هناك نهراً عميقاً مخيفاً ، على شاطئه شاطئ زلق مائل ، ثم شاطئ جاف مستوٍ ، فإذا مشى الإنسان على الشاطئ الجاف المستوي فهو في آمان ، أما إذا مشى على الشاطئ المائل الزلق فاحتمال سقوطه في النهر كثير جداً .
لذلك الشهوات لها قوة جذب ، البطولة كما قال السيد المسيح في قول رائع : أن تهرب من أساب الخطيئة ، لا من الخطيئة نفسها ،

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

دائماً وأبداً المؤمن يضع هامش أمان بينه بين المعاصي ، هذا الهامش أكبر وقاية له .
المذيع :
سيدي قلت في معرض الرد : إنه لا حرمان في الشرع تجاه المرأة ؟

 

الشهوات لها قناة نظيفة تسري مِن خلالها :

الدكتور :
لأنه ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، فيجب أن يوقن المؤمن أن الله ما حرمه شيئًا ، بل حرمه القذارة ، وحرمه الخطأ ، وحرمه الفوضى ، وحرمه العدوان ، حرمه أن يبني مجده على أنقاض الناس ، حركه أن يعتدي ، لكن ما حرمه من أية شهوة أودعها بالإنسان ، فما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .

أنا أقول لك : الدوافع الكبرى في الإنسان دافع إلى الطعام والشراب ، لك أن تشتري طعاماً وشراباً بمالك الحلال ، وتأكله وتسمي الله ، وتحمد الله على أن أطعمك فأشبعك ، وسقاك فأرواك ، هذه الشهوة تحقق بالمال الحلال ، لذلك يقول العبد :

(( يا رب ، يل رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، فأنى يستجاب له ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ رواه الطبراني عن ابن عباس ]

أستاذ علاء ، كلمة مطعمك يعني اجعل هذا المال حلالاً ، أي لا تكذب ، لا تغش المسلمين ، لا تأكل ما ليس لك ، لا تدلس ، لا تبالغ ، لا تحتكر ، آلاف المعاصي في البيع والشراء ، لو ترفعت عنها لكان المال حلالاً ، وكان الطعام الذي اشتريت به اشتريته بهذا المال طيباً ،

(( أطب مطعمك ))

الطعام الطيب هو الذي اُشتري بمال حلال ، والمال الحلال هو المال الذي كسبته بالطريق المشروع .

إذاً : الله عز وجل مستحيل وألف ألف مستحيل أن يحرمنا شيئاً .

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)

( سورة الرحمن )

جنة في الدنيا ، المؤمن يتمتع بسعادة لا توصف ، لأنه مصطلح مع الله ، مع القوة المطلقة في الكون ، من بيده حياته ، وموته ، ومرضه ، وصحته ، ونجاحه في زواجه ، ونجاحه في عمله ، ونجاحه في أولاده ، من كان على علاقة طيبة مع من حوله ، ومع من فوقه ، ومع من دونه ، هذا كله من ثمار الإيمان ،

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

ليس في الإسلام حرمان ، لكن الشيطان يزين للإنسان المعاصي والآثام .

 

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ

( سورة إبراهيم الآية : 22 )

العاصي قبِل دعوة الشيطان طواعية :

أستاذ علاء ، لو أن الإنسان يرتدي ثيابا رائعة ، وغالية جداً في الصيف ، وهي ثياب بيضاء ، أرقى حذاء ، أرقى قميص ، ونزل في حفرة مياه آسنة سوداء ، وذهب إلى مخفر ليشتكي على شخصٍ ما ، سأله المحقق : هل دفعك إلى هذه الحفرة ؟ يقول : لا والله لا أظلمه لم يدفعني ، هل أمسسك ووضعك فيها ؟ قال : لا والله ، ما فعل هذا ، هل شهر عليك مسدس وأجبرك أن تنزل فيها ؟ لا والله ، لمَ تشتكِ عليه ؟ قال له : قال لي : انزل فنزلت .

﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ﴾

ما ذنب الناس إذا وقع في معصية فيلعن الشيطان ، أنا قناعتي أن يلعن نفسه أفضل ، لأنه استجاب للشيطان ، لا يملك أي سلطان .

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان

ٌ

( سورة الحجر : 42 ـ الإسراء : 65 )

من تفيد استغراق الجزئيات ، ولا أدنى سلطان ،

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

المذيع :
في البداية لما رفض الأمر في السجود ، وطلب الاستمهال إلى يوم القيامة قال :

لَأُغْوِيَنَّهُمْ

( سورة ص الآية : 82 )

الذي ضلّ له رغبة في الضلال :

الدكتور :
الذي عنده رغبة أن يكون غاوياً ، هذه قناعتي أنه لا يستطيع مخلوق كائنا من كان أن يضل مخلوقاً كائناً من كان ، لكن الذي توهمنا أنه أُضل من قِبل فلان فهذا الذي أُضل عنده رغبة في الضلال .
المذيع :
سيدي يمكننا أن نأخذ هذا المثال :
مسألة الوسائل الدعاية التي تملأ البصر ، سواء الطرقية ، أو التلفزة الأرضية ، أو الفضائية ، أو على الصحف ، والمجلات لمنتج معين لقضية معينة ، هل استجابة الإنسان لهذه الطرائق طرائق الجذب النظري في الإعلان ، والمشي وراءها هو دعوة أو استجابة لدعوة دون تعقل ، عليه أن يذهب إلى مثلاً كما في هو موجود في دول أوربا ، عندنا لجان ، أو عندنا مؤسسات حماية المستهلك ، يذهب إليها المستهلك فيأخذ المواصفات الفنية لكل منتج ، ويميز هو بين المنتجات ، ويدقق قبل أن يشتري ، ولا ينجر وراء تلك الدعايات الخاطفة للبصر .

من أسباب العنف في العالَم : مجتمع الاستهلاك :


الدكتور :
أنا أرى أن أحد رؤساء الجمهورية الفرنسيين جمع ثلاثين عالما كبيرا ، وأقاموا في منتجع راقٍ ، وطلب منهم أن يجيبوا عن سؤال واحد ، هذا السؤال هو : لماذا العنف في العالم ؟ كلمة عنف بلا هوية ، لمَ العنف ؟ فبعد شهر من الدراسات أعطوه النتيجة التالية : 1 ـ مجتمع الاستهلاك ، أي أنّ الإنسان يرى كما تفضلت بالدعايات على الشاشة ، في الطرقات ، في الصحف ، في المجلات ، أرقى سيارة ، أرقى مركبة ، أرقى غسالة ، أرقى آلة ، أرقى آلة تصوير ، هذه الرؤيا المستمرة تخلق في النفس حاجة لهذا الشيء ، دخله محدود .

خيارات الإنسان أمام دعايات المنتجات الاستهلاكية :

إن هذا الإنسان أمام ثلاث خيارات ، أحلاها مر .

الخيار الأول :


أن يمضي وقت فراغه ، هذا وقت الفراغ إذا فقده الإنسان فقد إنسانيته ، وقت تجلس فيه مع زوجتك ، مع أولادك تحاول أن تمارس هوايتك الحقيقية ، أن تتعرف إلى الله ، أن تجلس مع إخوانك ، مع أصدقائك ، فإذا ألغِي وقت الفراغ تلغى إنسانية الإنسان ، وقد يقول أحدهم : أنا أذهب إلى عملي قبل أن يستيقظ أولادي ، وأعود بعد أن يناموا ، يظن أنه قد أفلح ، لكنه ألغى أبوته ، وألغى في الزوجة أنها زوجها ، وألغى الزوج كونه زوجا ، وضاع البيت ، فأول رد فعل سيء سلبي لمجتمع الاستهلاك دعايات ، أن الإنسان الشريف يلغي وقت فراغه ، ويمضي في عمل إضافي حتى يأتي بهذه الحاجة التي عُرضت عليه ، وتمنى شراءها .

 

الخيار الثاني :

 

إحساس بالحرمان دائماً .

الخيار الثالث :

يمد يده للحرام ، فيسقط من عين الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله .

 

موقف المسلم تجاه دعايات مجتمع الاستهلاك :

هذا مجتمع الاستهلاك ، ماذا علمنا النبي الكريم ؟ كلما نظرت إلى شيء جميل إلى بيت رائع ، إلى مركبة فارهة كان يقول :

(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[ متفق عليه ))

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))

[أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

يقول الله عز وجل :

أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)

( سورة القصص )

السعادة واللذة :

الفرق بين السعادة واللذة :

وهذا السؤال الرائع أستاذ علاء ينقلنا إلى موضوع دقيق ، الفرق بين السعادة واللذة :
اللذة حسية ، ومصادرها خارجية ، وهي متناقصة ، وتنتهي بالكآبة ، وقد تنتهي إلى جهنم اللذة الحسية ، مادية ، وأسبابها خارجية ، تعقبها كآبة ، وقد تنتهي إلى النار .

شروط السعادة :

مشكلتها الكبرى أنها تحتاج إلى ثلاثة شروط ليست متوافرة دائماً ، تحتاج إلى وقت ، وإلى صحة وإلى مال ، ففي بدايات الإنسان المال غير موجود ، والوقت كافٍ ، وصحة طيبة ، لكن المال منعدم .
وفي منتصف رحلة الإنسان هناك صحة ، ومال ، لكن ليس هناك وقت .
في خريف العمر هناك وقت ومال ، لكن ليس هناك صحة .
أما السعادة فتنبع من داخل الإنسان ، لا يحتاج إلى أي مصدر خارجي ، فهي متنامية .

هذا ما تفعله السكينة في قلب المؤمن :

أقسم بالله أن الإنسان حينما يجرب ـ أقول : يجرب ـ أن يتعامل مع الله ، وأن يصطلح معه ، وأن يؤدي واجباته الدينية ، وأن يتصل به ، وأن يقرأ القرآن ، وأن يذكر الواحد الديان ، وأن يكون محسناً للخلق ، يلقي في قلبه نوراً يريه الحق حقاً والباطل باطلاً ، ويتجلى على قلبه بسكينة يسعد بها ولو فقد كل شيء ، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء .

1 ـ السكينة وسيدنا يونس في بطن الحوت :

هذه السكينة وجدها يونس في بطن الحوت :

فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

( سورة الأنبياء الآية : 87 )

2 ـ السكينة وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في الغار :

وجدها في الغار فقال يا أبا بكر :

(( ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟ ))

[ متفق عليه ]

لذلك الملك الذي ترك المُلك قال : " والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه من السعادة لقاتلونا عليها بالسيوف " .
فجوابي لسؤالكم الطيب : إذا رأى الإنسان شيئاً يلفت النظر ، كمركبة ، وبيت ، وطعام نفيس ، ولا يتاح له أن يأكله يقول :

(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

المذيع :
إذاً هذه الدعايات ليس لها سلطان لها على الإنسان سوى أن تستثيره ، كما يفعل الشيطان حين يزين ، لكن الإنسان الله أعطاه من العقل كما قلنا ، والموانع التي تمنع .

تذكُّر نعمة الأمن لدفع الدعايات والمثيرات :

الدكتور :
ورد في بعض الأحاديث :

(( من أصبح منكم آمنا في سربه ))

[ أخرجه البخاري ، والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]

نعمة الأمن أستاذ علاء لا تعدلها نعمة ، أنا أعلق تعليقاً دقيقاً على هذه النعمة فأقول : نعمة أمن الإيمان ، أنت حينما تصطلح مع الله تشعر أن خالق الكون معك .

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى

( سورة طه )

أن تشعر بمعية الله ، هذا إحساس يصعب تصويره .

(( من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ))

[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]

إذاً ليس في الإسلام حرمان ، وكل شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، وإلى الآية الكريمة ، قال تعالى :

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

( سورة القصص )

أي أنك إذا اتبعت هواك وفق منهج الله لا شيء عليك ، آية في أصل في الموضوع :

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

إذاً : أستاذ علاء ، هذه الشهوات ما أودعها الله فينا إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، ونرقى بها مرتين ، مرة صابرين ، ومرة شاكرين ، وما من شهوة أودعها الله فينا إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، وليس في الإسلام حرمان ، فالشهوة قوة دافعة أو مدمرة .
المذيع :
إما أن تكون هذه القوة ، أو هذا الوقود دافعا للتقدم وللرقي ، وللارتقاء في حياته ، وإلى الله ، وإما أن تدمره بجنوحها عن الطريق السليم .

 

الموضوع العلمي : مِن تجلَِّيات اسم الله ( الجميل ): جمال ريش الطيور :

الدكتور :
الآن إلى الموضوع العلمي :

الإنسان يحب الجمال ، ويحب الكمال ، ويحب النوال ، والله جميل يحب الجمال ، الآن نرى تجليات اسم الله ( الجميل )على بعض المخلوقات ، ونختار من هذه المخلوقات الطيور ، فالطيور مع أن كونها كائنات جديرة بالإعجاب في تقنيات الطريان من الأجنحة ، من استعداداتها الأخرى فهي أيضاً ذات جمال أخاذ بالنقوش الفنية على أجسامها ، تستخدم ذكور الطيور نقوشاً وألواناً جذابة لشد انتباه الإناث إليها ، هذه النقوش آيات جمالية ، لا يمكن أن تفسر بأية مصادفة ، وبحدوث هذه النقوش رُتب لون في ريش الطائر ، ونقش كل قسم من الريش على حدا ، حتى ظهر الطائر بشكل رائع جداً يلفت الأنظار ، والله عز وجل يقول :

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ

( سورة الأعراف الآية : 180 )

ومن أسمائه الحسنى أنه جميل ، وما دامت حاجة الإنسان إلى الجمال عميقة فيه ، فالإنسان إذا تعرف إلى الله رويت هذه الحاجة في أعلى مستوى ، أنا أقول : العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، حب الجمال حاجة أساسية في الإنسان ، لكن الجمال الذي يأتينا عن طريق مشروع ، وعن طريق منهج الله جمال يسمو بنا ، وجمال يبلغ درجة لا تصل إليها كل المستويات الأخرى .

 

لماذا كان الذكر أجمل من الأنثى في عالم الطيور :


شيء آخر : الريش أستاذ علاء ، ريش الطائر ـ إذاً لماذا كان الذكر أجمل من الأنثى عند عالم الحيوان أو الطيور بشكل عام ؟
من أجل أن يجلب الأنثى .
هناك نقطة دقيقة جداً : أن الله سبحانه وتعالى تجلى باسم ( الجميل )على بعض مخلوقاته ، فخلبت لب الناس ، لذلك إذا تعرف الإنسان إلى الله فهذا الميل إلى الجمال يروى بأعلى درجة .

فلو شاهد عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــــا وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خـــطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولــــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الـذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولـــو نسمت من قربنا بك نسمة لـــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
***

أستاذ علاء ، الطيور ، والفراشات ، والورود ، والأزهار أساتذة مهندسي الألوان ، أحياناً ترى لونا لمركبة رائعة جداً ، مهندس هذا اللون اقتبسه من طائر ، الاتساق بين الألوان .

لداروين كلمة رائعة في هذا الموضوع : هذا الريش ريش الطاووس يزعجه أيما إزعاج ، لأنه يلغي نظريته ، أن تكون هذه المخلوقات نشأت صدفة بهذه الألوان الرائعة ، بهذا التفصيل الرائع ، بهذا الجمال الأخاذ ، والحياة جميلة ، لكنها جميلة بمعرفة الله ، الحياة جميلة لأن الله عز وجل خلقك ليسعدك .

إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ

( سورة هود الآية : 119 )

الأصل هي السعادة ، لكن الشقاء يأتي من الجهل ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .
هذه الحاجة الرائعة عند الإنسان تلبَّى في كل مناحي حياته ، لذلك أنا أتمنى على الإخوة المشاهدين أن يعتقدوا أن الجمال مطلب أساسي ، البيت الجميل يجذب الأولاد إليه ، والبيت الغير جميل ينفر الأولاد منه ، يرتمي في الطرقات مع أصدقاء السوء ، فكل شيء جميل يجذب ، فنحن إذا استخدمنا هذه القيمة لجذب من حوله إلينا ، وإلى منهجنا ، وإلى معطيات حياتنا ارتقينا به .
الطرف الآخر أدرك هذه النقطة ، لكن استخدم الجمال بشيء يخالف منهج الله عز وجل ، فوقع الفساد في الأرض ، والجمال مسموح به ضمن حدود معينة ، .
مثلاً : أي شهوة مسموح أن تمارسها بـ180 درجة ، تستطيع أن تمارسها مسموح لك 70 درجة ، لذلك قال تعالى :

بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ

( سورة هود الآية : 86 )

ما بقي لك من جانب الشهوة ، وامتنعت عن فعله تسمو به ، هذا ثمن الجنة .

 

خاتمة وتوديع :

المذيع :
هذا ثمن الجنة الفارق بين التكليف ، والطبع أو الشهوة بكل معنى الكلمة ، ومغالبة النفس في هذه المسألة هذه التقوى ، وهذه ضريبة أو ثمن الجنة إن صح التعبير .
كنا نود أن نستمر ، ولكن نتابع هذا إن شاء الله في الحلقة القادمة ، أعزائي المشاهدين لا يسعني إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق ، شكراً أستاذنا الكريم وإلى اللقاء إن شاء الله في الحلقة القادمة يوم الاثنين إن شاء الله .