الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 40 - الشهوة - المال وسيلة للتقرب إلى الله - التموية عند الحيوانات

2006-10-08

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
ومازلنا في رحاب ذلك العلم المتدفق الذي نفيض منه بإذن الله تعالى من فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً سيدي الكريم .
بكم أستاذ علاء جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :

تذكيرٌ بالسابق ربطًا باللاحق : الشهوة حيادية :

وإياكم سيدي الكريم ، وصلنا في مقومات التكليف عند الشهوة ، تحدثنا عن شهوة الجنس ، ثم وقفنا عند شهوة المال ، وحب امتلاك المال ، تبينا من خلال ما قدمت في الحلقات السابقة بأن المال قوام الحياة ، وتبينا بأن المال محبب للنفس ، كما جاء في الآية الكريمة :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

( سورة آل عمران : 14)

إلى آخر الآية ، وتبينا بأن المال حيادي ، كما أن من خصائص النفس الإنسانية حيادية كما مر معنا في الغيرة ، في التملك ، في القيادة ، في الشهرة ، في كل هذه المسائل حيادية ، وتبينا أيضاً بأن الحظوظ حيادية ، من جمال الصوت ، من جمال القوام ، من جمال الوجه ، من أشياء كثيرة هي حيادية ، إما أن يستخدمها الإنسان في منحى الخير ، وإما أن يستخدمها في منحى الشر ، وتبينا بأن حب ما لدى الغير ، وما أعطي الغير هذا حيادي ، وهذا هو الإنسان ، يتمنى هذا الشيء أن يمتلكه ، ولكن أن يبقى عند صاحبه ولا يزول ، حتى لا ينتقل إلى الحسد البغيض ، والحسد المرض إن صح التعبير .
الآن سيدي الكريم ، هنالك من يقول : إن المال هو أكبر وسيلة للتقرب إلى الله ، هنالك أبواب إلى الله كثيرة ، وهنالك قنوات إلى الله كثيرة ، وهنالك ميادين بعدد أنفاس الخلق للتقرب على الله ، هنالك من يجعل من المال أكبر وسائل التقرب إلى الله كيف نقرأ هذه المسألة ؟
الدكتور راتب :

المال وسيلةٌ من وسائل التقرب إلى الله :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

1 – طرُقُ الخير وأبوابه كثيرة :

أستاذ علاء ، بادئ ذي بدئ الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، وهناك مليون طريق وطريق يوصل إلى الله ، ولكن هذه الطرائق تتفاوت فيما بينها بقوة المحبوب ، فإذا كان الله عز وجل قد بين في قرآنه الكريم :

 

﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾

( سورة الفجر )

2 – الإنسان مفطور على حب المال :


وأن المال يحبه الإنسان حباً جما ، وأن المال مادة الشهوات ، ولأن المال قوام الحياة ، ولأن كل المتع تحتاج إلى مال ، ولأن كل المباهج تحتاج إلى مال ، وأن البيت الفخم يحتاج إلى مال ، والزواج يحتاج إلى مال ، والمركبة الفارهة تحتاج إلى مال ، وأن المال مادة الشهوات ، فالإنسان في أصل خلقه فطر على حبه للمال ، بينا أنه حيادي ، لكن المال محبب جداً
وقد تسفك الدماء من أجل المال ، وقد تقوم الحروب من أجل المال ، هذه الثروات كل شيء ، لذلك تفسر كل ما يجري في الأرض بسبب المال والثروات ، لذلك هذا المال خطير جداً ، بالمقابل هو أكبر قربةٍ إلى الله ، هو الوسيلة الفعالة في الوصول إلى الله ، لذلك الآية الكريمة :

 

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

( سورة البقرة : 177)

هنا ملمح دقيق جداً في الآية :

 

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة]

3 – إنفاق المال على حبِّه :

آتى المال على حبه ، أقام الصلاة وآتى الزكاة ، الزكاة فرض .
الأستاذ علاء :
هذا الذي نتحدث عنه غير الزكاة ؟
الدكتور راتب :
المواطن حينما يؤدي الضريبة لا يستحق الثناء ، لأنه واجبه ، أما حينما يؤدي بناء ليكون جامعة يقام له حفل تكريمي ، لذلك إنفاق المال على وجه الزكاة هذا فرض من أجل الضمان الاجتماعي .
الأستاذ علاء :
ليس له فيه خيرة .
الدكتور راتب :

لكن له أجر ، وعليه وزر إن لم يفعل ، لكن في الأساس الفرائض مبتوت بها ، ليست قابلة للنقاش إطلاقاً ، والزكاة لا بد من أن تؤدى ، وذكرت في حلقة سابقة كيف أن المزكي يطهر من الشح ، وتنمو نفسه ، وكيف أن المزكى له يطهر من الحقد ، وتنمو نفسه أيضاً ، وكيف أن الله يحفظ المال من التلف المزكى عنه ، وأنه ينميه بطريقين ، بطريق معروف ، وبطريق العناية الإلهية .
الأستاذ علاء :
وأيضاً المجتمع تثمر فيه هذه القضية لحمة وترابطاً .
الدكتور راتب :
لذلك أستاذ علاء ، أنت حينما تنفق المال تنفق شيئاً أنت في أمسّ الحاجة إليه ، تنفق شيئاً محبباً إليك ، تنفق شيئاً من قوام حياتك ، تنفق شيئاً من مادة رفاهيتك ، لذلك الذي ينفق ماله يقدم شهادة يقينية على أنه يحب الله ، لذلك سمى الله إنفاق المال صدقة ، لأن إنفاق المال يؤكد صدق الإنسان مع الله ، أنت قد تتكلم الكلام ، وهذا لا يكلف شيئاً ، قد تعبر عن مشاعر قد تكون غير موجودة ، قد تطمح إلى شيء لا تستطيع أن تصل إليه ، هذه كلها أشياء فارغة ، أما حينما تنفق من مالك ألف ليرة ، ألفي ليرة ، مساهمة في بناء ، حينما تنقذ أسرة من الفقر ، حينما تعالج مريضا من مرض قد يودي بحياته تشعر بأن الله أكرمك ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

( سورة الكهف : 110)


أنت بالمال ترقى إلى أعلى عليين ، ولكن أداء الزكاة واجب وفرض ، ولا خيار فيه ، بينما ترقى بإنفاق الصدقات ، وآتى المال هذه على حبه ، إما على حب المال ، أي رغم حبه للمال أنفق المال ، أو على محبته لله ، تحتمل المعنيين ، إما أنه آتى المال في سبيل الله ، أو آتى المال على أنه يحبه .
أستاذ علاء ، لو أن إنسانًا أمسك بقبضة رمل ، وأعطاها لفقير ، هل يرقى عند الله ؟ لا قيمة لها ، لذلك الصحابة الكرام كانوا يتصدقون بأنفس أموالهم ، وهناك أناس الحاجة التي لا يحبها ، وقد كرهها ، أو طعام عافته نفسه يقدمه للآخرين ، وهذا خطأ كبير ، قال تعالى :

 

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران :91)

الشيء الذي تحبه ينبغي أن تنفقه ، لذلك قابيل قدم قرباناً من أسوء أمواله ، وهابيل قدم قرباناً من أفضل أمواله ، فتقبل من أحدهما ، ولم يتقبل من الآخر ، قال لأقتلنك ، والعالم كله الآن قبابيل وهبابيل ، إنسان قوي طاغية يبني مجده على أنقاض الآخرين ، معه قوة ، ليس معه حق ، وإنسان آخر معه حق ، لكنه ضعيف ، فلا بد من أن نجمع لأمتنا بين قوة الحق وحق القوة ، من أجل أن نجمع لأمتنا ، وهي عندها وحي السماء ، وهذه قوة الحق ، أن يكون مضاف لهذه القوة حق القوة ، قوله تعالى :

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال : 60)

أمام الغني خيارات كثيرة للعمل الصالح :


مادام الحديث عن المال أنا أذكر الأخوة المشاهدين بكلمة قلتها سابقاً أن المال قوة والذي يملك المال أمامه خيارات لا تعد ولا تحصى للتقرب إلى الله عز وجل ، بين أن تنشأ ميتماً مأوى عجزة ، مستشفى ، مدرسة ، بين أن تبني بيتاً للفقراء ، بين أن تزوج الشباب ، أن تهيئ فرص عمل لهم ، الأعمال التي ينجزها المال الخيرة لا تعد ولا تحصى ، لذلك وجب أن تمتلك المال لا حباً بالمال ، ولكن حباً بالعمل الصالح ، هذا عبّر عنه بعض علماء القلوب بأن المال في يده ، وليس في قلبه ، لذلك يجب أن تكون غنياً إذا كان طريق الغنى سالكا وفق منهج الله .
الأستاذ علاء :
سيدي ، هنا نتبين قول النبي عليه الصلاة والسلام عندما جاءه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقد ملأ حجر النبي من الذهب ، وهيأ عشرة آلاف رجل في جيش العسرة ، فقال :

(( مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ ، مَرَّتَيْنِ ))

[ الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة ]

الدكتور راتب :

والآن أغنياء الأمة ، والله أمامهم فرص ليكونوا أكبر الناس عند الله حينما تحل بأموالهم مشكلات الناس ، المحسن إنسان كبير جداً ، المحسن إنسان في قلبه رحمة ، في قلبه رقة ، المحسن أخلاقي ، المحسن مؤمن ، المحسن ديّن ، لذلك إن الله يحب المحسنين ، هل هناك مرتبة أعلى من أن يحبك الله عز وجل ؟ اقرأ الآيات ، هناك تقريباً ثلاث عشرة آية في القرآن الكريم :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

وهكذا الله عز وجل التعامل معه مبرمج ، أحيانا تتعامل مع إنسان تعاملا مزاجيا ، والإنسان ليس له قاعدة واضحة ، صعب التعامل معه لأنه مزاجي ، ما عنده مبدأ واحد ، يكيل بمليون مكيال ، هذا إنسان صعب أن تتعامل معه ، لكن في التعامل مع خالق السماوات والأرض مبادئ ، يحب هؤلاء ، ويبغض هؤلاء ، اسلك طريق محبته ، الأمر بيدك ، وبالتعبير المعاصر الكرة في ملعبنا ، وإن تعودوا نعد ، الآن نحن الأمر بيدنا ، وليس بيد أعدائنا نحن حينما نصطلح مع الله ، الأمر بيدنا ، لأن الله عز وجل ، وعدنا بالنصر ، قال تعالى :

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر : 51)

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات)

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة النور : 55)

هذا قانون .

 

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا ً﴾

( سورة النور : 55)

وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، ولكن هناك خلل في حياتنا ، قال تعالى :

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

( سورة مريم )

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لكن هناك طريق واضح جداً ، وفيه بذل حقيقي وتضحية ، المال محبب جداً ، لذلك كان المال من أكثر الوسائل التي تقرب إلى الله عز وجل .
الأستاذ علاء :
سيدي ، يأتي بعد بذل النفس ؟ المرتبة . الدكتور راتب :

بذلُ المال مقدَّمٌ على بذل النفس :

أبداً ، ما جاء بذل المال إلا بعد بذل النفس في أكثر من ثمانية عشرة آية ، إلا في مكان واحد :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

( سورة التوبة : 111)

بدأ بالنفس ، ثم بالمال ، لأن الأموال أسهل إنفاقاً ، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، إنفاق المال أهون من إنفاق النفس بكثير ففي أكثر من ثمانية عشرة آية بدأ الترتيب كان بذل المال ثم بذل النفس إلا في آية واحدة ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : 111)

أرض مساحتُها مئة دنمٍ ، ومركبة الأرض ثمنها أضعاف مضاعفة ، تبدأ بالأهم ، الآية بدأنا بالأهم ، بالأكبر حجماً ، بالأكبر ثمناً .
الأستاذ علاء :
ولكن سيدي ، بالبذل يأتي المال في البداية ، لأنه أهون .
الدكتور راتب :
الإنسان أحيانا يبذل كل ماله من أجل عملية جراحية ، معنى ذلك أن نفسه أغلى من ماله .
الأستاذ علاء :

كلمةٌ تُضْحِك الثكلى : إنفاقُ المال يورث الفقرَ !!!

سيدي الكريم ، نأتي إلى مسألة ، عندما نقرأ في كتب السيرة وحياة الصحابة الكرام ، سيدنا عبد الرحمن بن عوف شَطَر ماله في حياته شطرين ، لعشرات المرات ، ثم نما المال ، شطره شطرين ، شطر لله عز وجل ، لأوجه الخير ، وشطر يتجر به ، نما ماله ، وشطر ماله ، تقول كتب السيرة : أكثر من عشرين إلى ثلاثين مرة ، ونما ، وزكى ماله ، وأصبح التاجر الأول في المدينة ، بل في الجزيرة العربية ، حتى إن قوافله عندما كانت تأتي المدينة يعج الغبار ، ويكون هناك صوت جلجلة أجراس البعير ، هنالك من يقول : إن بذل المال يورث الفقر .
الدكتور راتب :
هذا كلام مضحك لأنه يتناقض مع كلام الله عز وجل ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾

( سورة سبأ : 39)

(( أنفق يا بلال ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ البزار عن بلال ]

وفي الأثر القدسي :

(( عبدي أَنفِق أُنفق عليك ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

(( لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا ))

[ أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ]

هذا يتناقض مع صريح القرآن الكريم ، بل هذا من تلبيس إبليس .
هناك نقطة دقيقة في موضوع المال ، حينما تبذل المال ترقى إلى الله ، لأن المال محبب ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل من أحد من أصحابه ماله كله إلا من أبي الصديق لمرتبته ، وذلك اصطلح على مصطلح جديد اسمه فقر الإنفاق ، هذا أعلى مرتبة بالإنسان ، أنه أنفق ماله كله ، لكن التوجيه القرآني :

 

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة : 195)

قال بعض المفسرين : أيْ إن لم تنفقوا .
وقال بعض المفسرين : إن أنفقتم مالكم كله ، قال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

( سورة الفرقان )

الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، حتى نستطيع أن نعلم أن الوصية أقل من الثلث ، والثلث كثير ، من هذا المنطلق .
الدكتور راتب :

الوصية :

1 – الوصية المحرَّمة :


يا سيدي ، هناك وصية محرمة كيف ؟ عندك بيت مساحته مئة متر ، عندك خمسة أولاد ، توصي بثلث أموالك للفقراء ، أو لطلاب العلم ، وليس لك غير هذا البيت ، معنى ذلك أنه بعد الوفاة ينبغي أن يباع البيت ، وأن يتشرد الأولاد ، لذلك هناك وصية غير مقبولة .
أما مَن عنده أموال طائلة فيجب أن تبقي أهلك أغنياء ، لذلك الرجل يعبد الله ستين عاماً ، ثم يضر في الوصية ، فتجب له النار ، ينبغي أن يكون أهلك في المقام الأول ، لأن تدع ورثتك أغنياء أفضل مِن أن تدعهم فقراء يتكفّفون الناس مِن بعدك ، إنفاق المال يحتاج إلى حكمة بالغة ، إنفاق المال فن ، إنفاق المال منهج ، إنفاق المال قيمة ، إنفاق المال يحتاج إلى دراية كبيرة جداً ، لأن المال قوام الحياة .

 

2– لا إسراف ولا تبذير :

سيدي ، الشاردون الفجار إن أنفقوا أَنفقوا إسرافاً وتبذيراً ، وإن أمسكوا أَمسكوا بخلاً وتقتيراً ، والإسراف في المباحات ، والتبذير في المعاصي والآثام ، إذا كان إنفاق المال في المعصية فهو تبذير ، وإذا كان في المباح فهو إسراف ، والله عز وجل قال :

 

 

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

( سورة الأعراف : 31)

الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، نأتي إلى مسألة السخاء والإنفاق ، والمال أكبر وسائل التقرب إلى الله عز وجل ، هل هذا السخاء أو هذا العطاء يندرج في مسألة الإيثار ، أم الإيثار يأخذ جانباً آخر ؟
الدكتور راتب :

مقارنة بين الإنفاق والإيثار :


الإيثار أوسع من إنفاق المال ، قد تؤثر أخاك في مكان في المركبة ، قد تؤثر أخاك في طعام ، قد تؤثر أخاك في قيادة معينة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( تَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا ))

[ متفق عليه عن أبي موسى الأشعري ]

أنا حينما أطيع أخي للمصلحة العامة أكون بطل ، فالمؤاثرة واسعة جداً ، أما المال إنفاقه يمكن أن ينفق المال مؤاثرة ، لكن كقاعدة أساسية : لا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة .
لما أعطي أمي مبلغاً من المال طلبته حتى أفسح مجال لأخي أن يعطيها ، هذا مرفوض في الشرع ، لا مؤاثرة في الخير ، لم أنفق هذه النفقة حتى أتيح مجالاً لأخي كي ينفقها ، لا ، وأخوك لا ينفق عندئذ ، لذلك أخطر شيء أن تكون هناك مؤاثرة في الخير ، ولا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة .

قصصٌ من الواقع لا خيالَ فيها :

أستاذ علاء ، سيدنا عبد الرحمن بن عوف له قصة ، لما هاجر المهاجرون إلى المدينة كان موقف الأنصار بطوليًا ، عرضوا عليهم نصف أموالهم ، له دكانان ، خذ واحدة له ، لكن لم يؤكد كتاب السيرة أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري أبداً ، ماذا قال ابن عوف لأخيه سعد بن الربيع لما عرض عليه نصف ماله ؟ قال له كلمة تبكي : << بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق >> ، فدله على السوق ونما ماله ، يقول هذا الصحابي الجليل : << ماذا أفعل إن كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً بالمساء << ، وقد ورد في بعض الروايات قد تكون غير مؤكدة أنه سيدخل الجنة زحفاً ، قال : << والله لأدخلنها خبباً ـ أيْ هرولة ـ وما ذنبي إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً بالمساء >> ، ما نقص مال من صدقة .
والله عندي قصص لا تعد ولا تحصى عن إكرام أكرمه الله به للمحسنين .
مرة لي صديق له قريب توفي ، فذهب إليهم للتعزية ، و قال لأولاده : أعلى أبيكم دين ؟ قالوا : نعم ، قال : كل دينه عليّ ، هو تصور الدين عشرين ألفاً ، ثلاثين ألفاً ، بعد أيام صار الرقم ثلاثمئة وثمانين ألفاً ، دفعه بكامله ، يقسم بالله خلال أسبوعين عوضه الله خيراً من هذا المبلغ ، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه ، لذلك عبدي أَنفق أُنفق عليك ، ما نقص مال من صدقة .
أستاذ علاء ، المنفق ، إذا أنت ذهبت إلى صديق لتقدم له هدية ، يهمك أن يكون اسمك على الهدية ، لو أخذها منك ابنه ، وأخذ اسمك ضاعت الهدية ، فالإنسان حريص أن يضع بطاقة أحياناً داخلية ، وليست خارجية على الهدية ، لذلك قال الله عز وجل :

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾

( سورة البقرة : 270)

طمأنك :

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾

( سورة سبأ : 39)

الأستاذ علاء :
المال أكبر وسائل التقرب إلى الله عز وجل ، الوقت يدهمنا دائماً ، وحان وقت الفقرة العلمية ، فماذا اخترت سيدي ؟
الدكتور راتب :

ظاهرة التمويه عند الحيوانات :

لازلنا في موضوع التمويه ، وهو موضوع دقيق جداً ، وله حلقة قادمة إن شاء الله .

1 – التمويه عند طائر ( الباتو ) :


إن الطائر المسمى ( باتو ) يعيش في غابات فنزويلا هو أحد المهارة في عالم التمويه ، أرياش الطائر وقشر الشجر التي حط عليها تتطابقان إلى حد ممتع ، هذا الخط بين ريش الطائر وبين لحاء الشجر .
الأستاذ علاء :
لو لم يوضع هذا الخط لما ميّزنا .
الدكتور راتب :
ترون على الشاشة أرياش الطائر ، وقشرة الشجرة معاً ، الشجرة على اليسار ، والطائر على اليمين ، تشابه تام ، هناك علامة فارقة واحدة لتمييز الطائر ، إنها منقاره وعيناه ، إلا أن الطائر يعرف جيداً استعمال النقش الذي عليه .

 

 

 

متى يستعمل طائر الباتو عمليات التمويه ؟

عند الخطر يبدأ بالتنفيذ يقلص كما ترون نفسه بإغلاق عينيه ومنقاره ، وحينئذ لا يمكن التمييز بينه وبين الشجرة ، وكأنه أحد أغصانها ، هنا تصميم فائق أيضاً ، فرغم إغماض الطائر عينيه يرى ما حوله من خلال الفراغ الخاص بين جفون عينيه ، وعند ابتعاد الخطر يترك التمثيل ويرتاح ، إذاً : مَن علّم الطائر مثل هذا التمثيل ؟ الحقيقة الصارخة هنا هي صنع الله الذي أتقن كل شيء ، دون مثال .
إنه شيء لا يصدق ، طائر وكأنه غصن ، له عينان ، وله منقار ، وله نَفَس ، يحبس نفَسه ، ويبدو كأنه أحد أغصان الشجرة ، كل هذه الصور حقيقية .

 

 

 

2 – التمويه عند السمك :


تقنية التمويه التي ألهمها الله سبحانه للكائنات لا حدود لها فبعض الكائنات تخفي نفسها باستخدام بعض المواد التي في بيئتها ، فعلى سبيل المثال هذه السمكة الصغيرة تعمل على تجهيز مكان آمن لها لإفراغ الرمال من المحارة الفارغة ، طبعاً قد يكون هناك أخطبوط ، هذا الأخطبوط يتبع أسلوب تمويه ذكي جداً ، حيث يقوم بجمع الأصداف التي حوله في مكان واحد ، ثم يخبئ نفسه بينها ، ينتظر فريسة تبحث عن طعام لها بين هذه الأصداف .

 

 

 

 

3 – التمويه عند الأخطبوط :


شيء لا يصدق الأخطبوط له تمويه عجيب ، أيضاً سرطان البحر سوف نشاهد سرطان البحر هذا أخطبوط ، نشاهد حركة هذا السرطان المحيرة جداً ، يقطع بدقة أجزاء النبات التي اختارها من سطح البحر ، إذاً : ماذا ستفعل بهذا الأجزاء من هذا النبات ؟ الجواب مدهش جداً ، سيخفي نفسه يضع على جسمه ، وأحيانا الجنود يضعون على جسمهم أغصان أشجار ، العملية نفسها ، هذا الجزء من النبات الذي قطعه ويجعله كالملابس من الطحلب ، وهكذا يقوم بعملة تمويه خارقة .

 

 

 

 

 

 

 

 

4 – التمويه عند سرطان البحر :


سرطان بحر آخر يضع الأغصان التي قطعها بدقة على قشرة رأسه ، وهكذا يمكنه الاختباء بسهولة بين النباتات ، وهنا حقيقة أخرى وهي إفراز سائل لاصق ليتمكن من إلصاق هذه الأغصان عليه بسهولة .
لقد خلقت أنظمة بالغة الدقة في جسم الحيوان متناسبة مع فطرتها التي فطرت عليها ، أما هذا السرطان الذي ترونه فيقطع إسفنجة يبدو فعله بالنسبة لكم مستحيلاً ، ولكنه بذلك يخيط لنفسه ملابس ثم يلبسها .
لو وقفنا في هذه النقطة وقفة متأنية ، فالسرطان الذي لا يرى نفسه في المرآة ، ولا مرة واحدة ، وكذلك يفتقر إلى إمكانية التخطيط والتفكير أيضاً ، إذاً : من أين عرف السرطان ضرورة عمل التمويه بالنسبة له ؟ إنه يستخدم التكتيك ، الجندي الذي يموه نفسه تماماً بإلصاق الأغصان والأوراق عليه من أين تعلم السرطان التمويه بهذه الطريقة ؟ ما دخل دورة عسكرية ، ولا خريج كلية حربية ، واضح أن هذا العمل الذي قام به هو إلهام ، وبلا شك القدرة التي أعطت السرطان هذه الخصائص لحماية نفسه بهذا الشكل الذكي هي قدرة الله عز وجل الذي أوجد الكائنات كلها من عدم ، كلها آيات دالة على عظمة الله عز وجل .
الأستاذ علاء :
لا يسعنا أعزائي المشاهدين في نهاية هذه الحلقة ، وبعد أن استمتعنا بها وبأجزائها ، وخاصة بما ختمت سيدي الكريم بهذه الفقرة ، إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، إن شاء الله نلتقي في الحلقة القادمة شكراً لك وسلام الله عليك ورحمته وبركاته .