موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 293 - النحل.

1994-10-28

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إليكم هذه المقدمة :

 أيها الأخوة المؤمنون, الأمر التكويني فعل الله، والأمر التكليفي أمر الله ونهيه، لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم بأمرٍ تكويني، وكلفه أن يبني مجتمعاً فاضلاً، أساسه التعاون, والتنظيم، والعمل المنتج، وتحكمه القيم بأمرٍ تكليفي، فإذا ظهر الخلل والفساد في المجتمع البشري، فسببه الخروج عن الأمر التكليفي .
 شاءت حكمة الله أن يخلق مجتمعاً قائماً على أعلى مستويات التعاون، والتكامل، والاختصاص، والعمل الدؤوب المنتج، والتنظيم المعجز, بأمر تكويني، لا تكليفي .
 لذالك لا يمكن أن تجد في هذا المجتمع خللاً، ولا فساداً، كمالٌ مطلق، لأن أمره هنا تكويني، لا تكليفي، هذا ما نجده في مجتمع النحل .

إليكم هذه الأسرة العجيبة والمتماسكة في خلية النحل :

 أيها الأخوة, فخلية النحل مجتمعٌ، موحدٌ، متكامل، على رأسه ملكة واحدة، لا تنازعها أخرى، تشعر كلُّ نحلة في الخلية بوجود الملكة، عن طريق مادة تفرزها الملكة، وتنقلها العاملات إلى كل أفراد الخلية، فإذا ماتت الملكة، اضطرب النظام في الخلية، وعمت الفوضى، وشلت الأعمال .
 والملكة تضع كلَّ يومٍ في فصل الربيع قريباً من ألفي بيضة، ما بين ذكورٍ، وإناثٍ، وملكات، وتضع الملكة كل جنس في مكان مخصص، ليتلقّى غذاءً خاصاً، وعنايةً خاصة، بحسب جنسه, ولإناث النحل أعمالٌ متنوعةٌ كثيرة، توزع فيما بينها بحسب أعمارها، واستعدادها الجسماني، وعند الضرورة، وعند الخطر، وفي المواسم الجيدة، تعمل كلُّ نحلةٍ أي عملٍ يفرض عليها .
 هناك وصيفاتٌ للملكة، يقمن على خدمتها، وجلب الطعام الملكي لها، وهناك حاضناتٌ مربيات، يقمن برعاية الصغار، وجلب الغذاء المناسب، وهناك شغالاتٌ يحضرن الماء إلى الخلية، وهناك شغالاتٌ يقمن بتهوية الخلية صيفاً، وتدفئتها شتاءً، وترطيبها في وقت الجفاف، وهناك شغالاتٌ يقمن بتنظيف الخلية، وجعل جدرانها ملساء، ناعمةً، لامعة، عن طريق مواد خاصة، وهناك حارساتٌ يقمن بحراسة الخلية من الأعداء، ولا يسمحن لنحلةٍ أن تدخل الخلية ، ما لم تذكر كلمة السر، وإلا تقتل، وكلمة السر تبدل عند الضرورة، وهناك شغالاتٌ يقمن بصنع أقراص الشمع ذات الشكل السداسي، الذي تنعدم فيه الفراغات البينية بتصميمٍ معجز، وبأسلوب يعجز عن تقليده كبار المهندسين، وهناك رائداتٌ يقمن بمهمة استكشاف مواقع الأزهار، فإذا عثرن عليه عدن إلى الخلية، ورقصن رقصةً خاصة تحدد هذه الرقصة لبقية النحلات العاملات الموقع، من حيث المسافة، ومن حيث الاتجاه، ودرجة النشاط في الرقص تدل على وفرة الغذاء أو تناقصه، والجمهرة الكبيرة من الشغالات تنطلق إلى مواقع الأزهار، لجني رحيقها، لأنه المادة الأولية للعسل، وقد تبتعد هذه المواقع عن الخلية أكثر من عشرة كيلو مترات، وتعود النحلات إلى الخلية بعد أخذ الرحيق بطريقةٍ لا تزال مجهولةً حتى اليوم .
 والنحل أكفأُ الحشرات في جمع، ونقل، وتخزين، أكبر قدرٍ من رحيق الأزهار، في أقصر وقتٍ، وفي أقل مجهودٍ، وهي أكفأُ الحشرات على تلقيح النباتات، لتساعدها على إنتاج البذور والثمار.
 يتمتع النحل بقدرةٍ يصعب تفسيرها على الإحساس بالزمن، فيعرف متى تفرز أزهار كل نوعٍ من النباتات رحيقها، ومتى تنثر حبوب لقاحها، ثم يداوم على زيارة كلٍ منها في الموعد المناسب فقط .
 وجني الرحيق الذي يكفي لصنع كيلو واحد من العسل يحتاج إلى طيران أربعمئة ألف كيلو متر، أي حول الأرض بعشر مرات، أي ما يعادل عشرة أضعاف محيط الأرض .

في درس قادم إن شاء الله :

 أيها الأخوة, قيمة العسل العلاجية أضعاف قيمته الغذائية، ففوائده العلاجية في مختلف أجهزة الجسم، وأعضائه، ونسجه ثابتة، بل تفوق الحد المعقول، كيف لا؟ وقد قال الله عز وجل:

﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[سورة النحل الآية: 69]

 هذا ما سأبينه إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم، بقي أن نسأل أخوتنا المستمعين والمستمعات هذا السؤال: لماذا خوطب النحل في القرآن الكريم بضمير المؤنَّث, حيث قال تعالى:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾

[سورة النحل الآية: 68-69]

 بينما خوطب النمل في القرآن الكريم بضمير المذكَّر، حيث قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

[سورة النمل الآية: 18]

 الإجابة عن هذا السؤال تدخل في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .