إتحاف المسلم - الدرس : 18 - صلة الرحم وأهميتها .

1998-09-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أسباب زيادة الرِّزق :

1 ـ الاستقامة :

 نصوص في القرآن تؤكد أسباب زيادة الرِّزق:

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾

[سورة الجن الآية:16]

 فالاستقامة أحد أسباب زيادة الرزق.
 آية ثانية:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الأعراف الآية:96]

 حديث يؤدي المعنى نفسه: قد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية؛ فبالاستقامة يزداد الرزق, وبالمعصية يقل الرزق:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[سورة طه الآية:132]

 بيت تقام فيه الصلاة يزداد رزقه؛ محل تجاري, معمل تؤدَّى فيه الصلاة, أي يسمح رب العمل للموظفين أن يذهبوا للصلاة؛ أنا زرت معملاً الأوقات الخمس يؤذن المؤذن، وفي المعمل مسجد, يتجه كل العمال إلى المسجد ليصلوا:

 

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾

[سورة طه الآية:132]

2 ـ الاستغفار :

 هناك عامل ثان:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً

[سورة نوح الآية:10]

﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾

[سورة نوح الآية:11]

 الاستغفار؛ إنسان أخطأ فاستغفر, الاستغفار أحد أسباب زيادة الرزق.

 

3 ـ صلة الرحم :

 السبب الآخر في زيادة الرزق الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري, ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((مَن أحب أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه ـ أي في أجله ـ فَلْيَصِلْ رحمه))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك]

 
طبعاً صلة الرحم لا تعني أنك أنت زرت أختك, بل أبلغ من ذلك؛ زرتها أولاً, وتفقدت أوضاعها ثانياً, ودللتها على الله ثالثاً؛ زيارة, تفقد ومساعدة, دلالة على الله عز وجل, وهذا أكمل شيء بالصلة.
 إنسان الله عز وجل نوَّر له قلبه؛ له مجلس علم, له أخوات, ولأخواته بنات, فإذا زارهم يحتاجون إلى مساعدة في الشتاء على موسم المدارس, يحتاجون إلى مساعدة اجتماعية, مساعدة في حل مشكلة مثلاً بدوائر الدولة, فقدم خدمة لأخواته البنات, أو لبنات أخواته, أو لعمته, أو خالته, أو لأية جهة لها قرابة منهم؛ أولاً: اتصل؛ هاتف, زيارة, هذا أهون شيء, لا يوجد تكلف, ثم تفقد الأوضاع؛ هناك مشكلة, هناك مرض, تريد معالجة, هناك تصوير لمرض، لا يملكون ثمن هذه الصورة الغالية؛ اسأل, افهم القصة, ابذل, ادفع, ثم دلّ على الله.
 هذا أكمل صلة للرحم, هذا العمل مثلاً يقتضي أن يزداد رزقك, وأن يطول عمرك؛ بمعنى أنه يزداد عملك؛ فهذا سبب من أسباب زيادة الرزق, وهذا الشيء ملاحظ.

 

الإنسان يُكرم بقدر عمله الصالح ويُضيَّق عليه بقدر بخله:

 الملاحظ أن أكثر الأشخاص, الذي له اهتمام بأقربائه, يقول لك: عميد أسرته, هناك كبراء في كل أسرة؛ له هيمنة إحسانية, هيمنة اجتماعية, يتفقد أحوال أسرته؛ أخَوَاته, أخوته, أولاد أخواته؛ يقدم يد المساعدة, ثم يأخذ بيد هؤلاء إلى الله؛ هذا عمل عظيم, هذا يقتضي أن يزداد رزقك, وأن يمد في أجلك.
 فكل إنسان له شرف, أو له عمل, يُعطى القوة والمال الكافيين لتحقيق مراده, والحقيقة:

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

 
أنا أعرف أخَوَين؛ أخ يده طُولى في الخير, له من الأخوة سبع بنات, لا تخلو من مشكلة؛ هناك مشكلة مع زوجها, قضية مالية, معالجة طيبة, مساعدة مالية, فهذا الأخ كأنه أب لهؤلاء الأخوة, له أخ ثان ليس له علاقة؛ لا يقدم أية مساعدة, ولا اهتمام, ولا يزور, الفرق بالرزق واضح جداً؛ الأول رزقه وفير، والثاني الأمور عنده شحيحة جداً.
 فالإنسان يُكرم بقدر عمله الصالح, ويُضيَّق عليه بقدر بخله؛ فكلما كنت كريماً كان عطاء الله لك كثيراً.
 هذه نقطة دقيقة جداً، هذه كلها قوانين, تحب أن يزداد رزقك؟ اهتم بأهلك؛ اهتم بهم صلة, اهتم بهم مساعدة, اهتم بهم دلالة على الله عز وجل.
 هناك قصة نموذجية حدثت مع أحد أخواننا؛ قال لي: زرت أختي, فوجدت أن هناك مشكلة بالبيت بينها وبين زوجها, أساسها ـ القصة قديمة جداً ـ ثلاثمئة ليرة في الشهر, تطالب الزوجة زوجها بمبلغ ثابت من أجل الكسوة, والحاجات, والزوج موظف, ودخله محدود؛ فرفض, وهناك مشاحنة بين الزوجين, فقال لي: تبرعت بهذا المبلغ مني, دخلي ليس كثيراً, و لكني قلت: أحل المشكلة, قال لها: المبلغ عندي, فبقي ستة أشهر؛ كل شهر يطرق الباب, ويدفع هذا المبلغ, ثم بادرت أختي وقالت لي: أعطنا درساً يا أخي؛ وأنا لست طالب علم, لكن سررت بهذه المبادرة, و أصبحت أحضر نفسي؛ آية, حديث, قصة؛ أخته وبناتها, ثم أخته الثانية وبناتها, عنده ثلاث أخوات بنات, أصبح يعمل لقاء أسبوعياً؛ يعطي دروساً مبسطة، شرح آية, شرح حديث, سيرة, قصة, قال لي: أعانني الله وبعد فترة أكثر بنات أخواتي تحجبن, وأعانني الله عز وجل فزوجت ثلاثاً منهن لشباب مؤمنين, قال لي: لم أكن أتصور أن كل الخير جاء من هذه المساعدة الشهرية لإحدى أخواتي!

قل لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو
***

 بدأت بمساعدة, انتهت بهداية؛ إنسان يجد بنات أخواته كلهن محجبات, وينصعن له, والله عز وجل أكرمه, فزوجهن من شباب مؤمنين.

 

كل إنسان له شرف أو عمل يُعطى القوة والمال الكافيين لتحقيق مراده :

 يجب على كل إنسان أن يهتم بأهله, المشكلة أن هؤلاء الأهل, هؤلاء الناس العاديون؛ أنت لهم, وغيرك لهم, أما أهلك فمن لهم غيرك؟
 إذا كل إنسان اهتم بأسرته؛ ليست الضيقة, ليس أولاده فقط, الموسعة, أي أخواته البنات, أولاد أخواته، الذكور والإناث, أخواته الذكور, أولاد أخواته الذكور والإناث, اهتم بأخواله, بعماته، بأعمامه, هذه الأسرة, الذي يهتم بأقربائه في الدرجة الأوسع اهتماماً اجتماعياً, اقتصادياً, دينياً, الله عز وجل أولاً: يغنيه؛ لأن الله سوف يمده بمقومات عمله الصالح, والأمر بيد الله عز وجل.
 
مرة أخ من أخواننا توفي ابن عمه وهو أستاذ جامعة, توفي بمرض في الكبد, فقال لي: أول زيارة أثناء تغسيله, سأل ابنه: عليكم ديون؟ قال: والله علينا ديون, قال لي: استحيت أن أقول: كم المبلغ؟ قال لهم: دينكم عليّ, وانطلق ذهنه إلى ثلاثين, أو أربعين ألفاً، وهو يستطيع أن يدفعهم, في اليوم الثاني تفاجأ أن قيمة الديون تقدر بمئة وثلاثين ألفاً, قال لي: دفعتهم, ولهذا الشخص معمل، قال لي: على غير المألوف؛ بعنا في اليوم الثاني بيعاً غير معقول, أقسم لي بالله: أن نصيبه من الربح في يوم السبت وحده كان مئة وثلاثين ألفاً, بقدر ما دفع لأولاد ابن عمه اليتامى:

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 إذا كان لك اهتمام بأقاربك؛ تحب أن يكون لك فضل علمي, وديني, واقتصادي, الله عز وجل يمدك بالمال الكافي لتحقيق هدفك, فالإنسان لا يبخل, ولا يغير عوائد عوَّد الناس عليها.
 وهناك حديث دقيق:

((مَن أحب أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه؛ فَلْيَصِلْ رحمه))

[رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك]

 وله رواية ثانية:

((من سرَّه أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه؛ فَلْيَصِلْ رحمه))

[رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك]

لا يدخل الجنة قاطع رحم :

 وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً قال :

((يا رسولَ الله! إِن لي قرابة أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ، وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟))

 توجد حالات يقال: الأقارب عقارب؛ هو يعمل واجباته؛ في الأعياد, في المناسبات, هم يترفعون، يزورهم يقطعوه، يمدحهم يذموه, يحسن إليهم يسيئون إليه, هناك حسد أحياناً إذا كان إنسان في بحبوحة, أو في مكانة عالية, الطرف الثاني أحياناً يحسد، بدلاً من أن يعتز بك و يعتبر التفوق له, لا؛ يحسدك, يحاول أن ينتقص منك, يطعن, يشوه سمعتك, فالحسد واضح:

 

((يا رسولَ الله! إِن لي قرابة أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ، وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ ـ الملّ: صفوة حارة, أي انطفأ الجمر, بقيت الصفوة الحارة, شيء صعب جداً, إنسان يأكل صفوة حارة!ـ قال: فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ، ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك))

 

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((لا يدخل الجنة قاطع رحم))

[أخرجه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم]

 قاطع الرحم لا يدخل الجنة, ولا تعرف أنت كم هي السعادة التي تغمر المرأة حينما يزورها أخوها؟ هناك أخوات كثر في قطيعة؛ أخوها دعاها, أخوها زارها, تعتز أمام أولادها, وزوجها, أما عندما الأهل يقاطعون ابنتهم؛ تصبح مقطوعة, يضعف مركزها أمام زوجها, فأنت تدعمها عندما تزورها, وتدعوها, أنت تجلبها إليك, وتشعر أولادها وزوجها أنها غالية عليك, هذا الشيء يثبت أنه يوجد من يهتم بها.
 أما عندما تجد الفتاة مقطوعة, لا أحد يهتم بها, أحياناً الزوج يسيء إليها, يقول لك: ليس لها أحد, لا أحد يهتم بها إطلاقاً, أما في المناسبات أخوتها عندها دائماً؛ هناك زيارات, واهتمام, وهذا يقوي مركزها.

 

الإنسان الذي يقطع رحمه محروم من الجنة إلا في حالات نادرة هي :

 لذلك الإنسان الذي يقطع رحمه محروم من الجنة, إلا في حالات نادرة:
 إذا الإنسان زار أقرباءه المتفلتين, والمتفلتات؛ وتشوَّه دينه, واضطربت علاقته مع الله؛ لأنه يوجد تفلت, وبنات خالته, وبنات عمته, يقتحمن عليه، يردن محاكاته, ويضحكن على دينه, إذا كان هذا المستوى, قال: دع خيراً عليه الشر يربو, ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
 والصلة أحياناً تتم بالهاتف, إذا كان الدخول لهذا البيت؛ فيه مشكلة, و تفلت, و استهزاء بالدين, و تطاول, يوجد أقرباء هكذا إذا كان عندهم قريب صاحب دين, أصبح شيخاً؛ جاء الشيخ, وصار الشيخ, وهم يسخرون، إذا كان الوضع هكذا فلست مكلفاً بهذه الصلة؛ ويمكن أن تتم صلة الرحم باتصال بالهاتف لخالتك, أو لعمتك.
 على كلّ: الأصل ألا تجرك هذه الصلة إلى معصية, ألا تبنى على هذه الصلة معصية.

 

من قُطعت رحمه فوصلها دخل الجنة :

 هناك نقطة مهمة يقول عليه الصلاة والسلام:

((ليس الواصلُ بالمكافئ, ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 هذا نظام اجتماعي؛ أختي زارتني أزورها, لم تزرني لا أزورها، هناك دقة بالغة, انتبهت إلي، أنتبه إليها, هذا عند الله ليس له قيمة إطلاقاً, هذا المكافئ، أي دعتني أدعوها, لم تدعني لا أدعوها؛ هذا إنسان غير إسلامي، قال:

((ليس الواصلُ بالمكافئ, ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 لو قاطعت, لو أهملت, إذا قطعت رحمه وصلها, أي أنا دعوة بدعوة, وزيارة بزيارة, هؤلاء النسوة، عندي زيارة لها, لا أزورها ليس لها عندي زيارة؛ ليست قضية إحسان, قضية معاملة بالمثل, ليس لك فضل إطلاقاً.
 قال:

((ليس الواصلُ بالمكافئ, ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

أقرباء الإنسان طريقه إلى الجنة :

 وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((الرَّحِمُ مُعلَّقة بالعرشِ، تقولُ: من وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ ومن قطعني قَطَعَهُ الله))

[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة]

 
وكل شخص يستطيع أن يصل إلى الجنة بأقربائه, إذا كنت لا تريد أن توسع أمورك, ضمن أقربائك أولاً: أولادك وبناتك, ثم أمك وأبوك, ثم أعمامك, وخالاتك, وأخوالك, وعماتك.
 أقرباؤك طريقك إلى الجنة؛ بزيارتهم, بتفقد أحوالهم, بمساعدتهم, بهدايتهم إلى الله عز وجل.