رياض الصالحين - الدرس : 020 - باب المجاهدة -6- تتمة الحديث القدسي- يا عبادي, إنكم لن تبلغوا ضري......إلا نفسه, سيرة عمر بن الخطاب

1988-11-20

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

إليكم شرح الجزء المعني من هذا الحديث: ((يا عبادي, إنكم لن تبلغوا....... فتنفعوني)):

 أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في الحديث القدسي، عَنْ أَبِي ذَرٍّ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, أَنَّهُ قَالَ:

((يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ, فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ, فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ, فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ))

 إلى هنا تم شرحه في دروس سابقة.
نتابع الحديث:

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ, يَا عِبَادِي, إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ, ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا, فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ, فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

أيها الأخوة الأكارم,

((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي))

 ، هكذا يقول الله تبارك وتعالى، الإنسان أعلى درجة يمكن أن يصلها هي مرتبة العبودية لله عز وجل، وإذا وصلت هذه المرتبة, فيجب أن تعلم علم اليقين: أنك لا تملك شيئاً، رحم الله عبداً عرف قدره فوقف عنده، كل إنسان فيه ضعف من إيمان, ربما تجاوز قدره، وقدره عبوديته لله عز وجل، لذلك لو فكر الإنسان في نفسه، فكر في جسمه، لرأى أن حياته متوقفةٌ على آلافِ آلاف الأجهزة, والأعضاء، والخلايا، والأنسجة، والغدد، فلو أن شيئاً من هذا تعطل, لانقلبت حياته إلى جحيم، فمجرد أنك إذا استيقظت, ترى أنك في صحة طيبة، هذه نعمة، ولكن ليست بذكائك، وليست بجهدك، وليست من فرط عنايتك بنفسك، إنما هي من رحمة الله عز وجل, ولطفه بك، نعمة الصحة, فهناك مَن هم أذكى منك، ظهر في بعض أنحاء أجسادهم ورم خبيث، انتهى الأمر، هناك أشخاص أكثر حيطة منك، تعطلت بعض أجهزتهم، أحياناً تتعطل الكلية فجأة، هبوط مفاجئ في وظائف الكليتين، انتهت، أصبحت الحياة قطعةً من الجحيم، فإذا دقق الإنسان في خلقه, يرى أنه لا يملك شيئاً، يؤكد هذا قول الله عز وجل:

 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾

 

[سورة آل عمران الآية: 26]

 من الذي يملك هذه العين؟ القرنية, الملتحمة, القزحية, الجسم البللوري, الخلط الزجاجي, الشبكية, عشر طبقات للشبكية، مئة وثلاثون مليون عصيّة، سبعة ملايين مخروط, أربعمائة ألف عصب، مركز الرؤية بالدماغ؟ هذه العين مَن يملكها؟ تسمع أحيَاناً سقوط الشبكية، أحياناً تتعطل بعض العضلات في العين, قال تعالى:

 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾

 

[سورة آل عمران الآية: 26]

 العين، والأذن، واللسان، والدماغ، والذاكرة، والأعصاب, والعضلات، فهناك أمراض لا تعد ولا تحصى، أمراض العظام، أمراض العضلات، أمراض الجلد، أمراض العين، أمراض الأذن، أمراض اللسان، أمراض الدماغ، أمراضٌ لا تعد ولا تحصى، فلما يكون الإنسان بحالة طيبة, فهذه نعمة لا يعرفها إلا مَن فقدها، لذلك:

 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾

 

[سورة آل عمران الآية: 26]

 فأنت مفتقر إلى الله عز وجل, صدق القائل:

 

وما لي إلى فقري إليك وسـيلة  فبالافـتقـار إليك فقـري أدفـع
ومـا لي ســوى قرعي لبابك حـيلةً  فإذا ردت فـأي باب أقرع

 مقام العبودية, يجب أن تعرف, أن الذي أعطاك, هو الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الذي أعطاك محض فضلٍ منه، ولا حيلة لك بشيء، لكن إذا كنت مطيعاً لله عز وجل، فربنا سبحانه وتعالى, يحفظك في الدنيا والآخرة,

 

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي))

 لما قال ربنا عز وجل:

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

 

[سورة محمد الآية: 7]

 كيف نوفق بين هذه الآية:

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

 

[سورة محمد الآية: 7]

 وبين قول الله عز وجل في هذا الحديث القدسي:

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي؟))

 التوفيق: أن الله سبحانه وتعالى غنيٌ عن أن تنصره، غني عن نصرك، ولكنك إذا وقفت موقفاً تثبت فيه الحق، وضحيت بجزء من طمأنينتك، إذا وقفت موقفاً فيه دعمٌ للحق، ورد على الباطل، هذا الموقف ربما ثبَّت الحق بين الناس، عندئذٍ ربنا سبحانه وتعالى, يرفع من شأنك، وينصرك على مَن تخاف منه، فلذلك إذا نصرت الله عز وجل، فهذا النصر لا يعني أن الله مفتقر إلى هذا النصر، يعني أنك قطعت امتحاناً صعباً, تستحق من أجله العطاء من الله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

 

[سورة محمد الآية: 7]

﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

[سورة الحج الآية: 74]

هو قويٌ, وليس مفتقراً إلى أن تنصروه، ولكنك إذا نصرتموه، نلتم منه المرتبة العليا، والسعادة الأبدية.
 (يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي): الصلاة لك، وأقم الصلاة لذكري، الصلاة من أجل أن تتصل به، من أجل أن تستنير بنوره، فالصلاة والصوم, والحج, والزكاة, كلها تعود عليك في النهاية، فهذه العبادات أوامر الدين، وهي ليست موانع تحد من حريتك، إنما هي ضماناتٌ لسلامتك، فإذا أطعته، ما زدت أن فعلت الخير لنفسك، وإذا عصيته، ما زدت إلى أن سببت التعاسة لنفسك، لن تفيده بطاعتك، ولن تضره بمعصيتك، طاعتك لك، ومعصيتك عليك, قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

[سورة البقرة الآية: 286]

﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

[سورة الروم الآية: 44]

 طاعتك لله، عبوديتك له، انصياعك لأمره، ابتعادك عن نهيه، هذا عائدٌ عليك في النهاية، والله غنيٌ عن طاعتك, ولا تضره معصيتك.

 

إليكم شرح الجزء الأخر من الحديث: ((يا عبادي, لو أن أولكم.........ملكي شيئاً)):

 

 الآن:

((يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا))

 لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن نؤمن, فقال:

 

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

 

[سورة الزمر الآية: 7]

 فالرحيم يفرح إذا رحم الآخرين، لكنه قد يكون في غنىً عن مدحهم، أو لا يؤذيه ذمهم، لكنه إذا رحمهم يسعد، هذا الإنسان الطيب الكريم، ربنا عز وجل يرضى إذا آمن العباد، ويمقتهم إذا كفروا به, قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

 

[سورة غافر الآية: 10]

 مقت الله عز وجل لهذا الإنسان المعرض في الدنيا، أشد من مقته لنفسه يوم القيامة، الإنسان يوم القيامة حينما يرى مكانه في النار، وحينما يرى خسارته الأبدية، وحينما يرى كيف ضيَّع الدنيا في سفاسف الأمور؟ تأتيه حسرة لا توصف، هذه الحسرة يسميها مقتهم لأنفسهم، فربنا عز وجل يقول:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

 

[سورة غافر الآية: 10]

 من باب التقريب: أحياناً الابن يصر على ترك الدراسة، والأب بعد محاولات يائسة يدعه واختياره، لكن الأب متألم جداً لهذا الموقف من ابنه، لكن حينما يكبر ابنه، ويرى مقدار ما ضَّيع من ترك الدراسة, يتألم من نفسه، يقول له أبوه: أنا متألم ليس الآن، ولكن منذ أن رفضت الدراسة حينما كنت صغيراً, قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

 

[سورة غافر الآية: 10]

 فمعناها: أن ربنا عز وجل الآن يدعونا إلى الإيمان، يدعونا إلى التوبة، يدعونا إلى الصلح معه، فالذي يستجيب يسعد في الدنيا والآخرة، والذي لا يستجيب لا بد من أن يعتصر قلبه ندماً وأسىً, حينما تنكشف الحقائق.

 

((يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا))

 لن ننفعه إذا آمنا، ولن نضره إذا عصينا، طاعتنا لنا، ومعصيتنا علينا.

 

 

إليكم هذا البيان من معنى هذا الحديث: ((يا عبادي, لو أن أولكم.......البحر)):

 

((يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ))

 مثل رائع جداً: إذا ركبت قاربًا، وأمسكت بإبرة، وغمستها في مياه البحر، ثم رجعت فاسترجعتها، ماذا حملت من ماء البحر؟ هذا الذي حملته ما نسبته إلى ماء البحر، البحر المحيط الهادي أكبر المحيطات العالم، هناك واد اسمه؛ وادي مريانة، هذا الوادي أعمق نقطة في البحار، أعتقد اثني عشر ألف متر وزيادة، فإذا كانت أربعة أخماس الأرض بحارًا، وأعمق نقطة اثنا عشر ألفًا، فكم هي مياه البحار؟ كم حجمها؟ كم متر مكعب؟ إذا كان البحر المتوسط هذا بحرًا محاطُا، هو محاط بأوروبا، وآسيا، وإفريقيا، لكن البحار الكبرى اسمها المحيطات، البحر محيط بإفريقيا، محيط بآسيا، محيط بأمريكا، فالبحر المحيط كبير جداً، أربعة أخماس الأرض بحار، إذا غمست إبرة في مياه البحر، ثم سحبتها، فانظر بما ترجع من مياه البحر، وهذا الذي رجعت به, كم يساوي من مياه البحر؟

((يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ))

 إذاً: تقنين الله عز وجل تقنين تأديب، لا تقنين عجز، الإنسان إذا قنن, كان تقنينه عجزًا، يكون دخله محدودا، ينفق بشكل مدروس، أحياناً يكون عجز في بعض المواد الأولية, فيصير فيها تقنين، أحياناً عجز بالمولدات الكهربائية, يصير فيها تقنينًا، فالتقنين البشري تقنين عجز، ولكن التقنين الإلهي تقنين تأديب، تقنين معالجة، وربنا عز وجل من حين إلى آخر يرسل شيئاً من فضله، نسمع أننا نستهلك بالعام حوالي مليون طن قمح، ولكن العام الماضي أنتجت أراضينا ثلاثة وربع، هذا الذي وصل إلى المستودعات الرسمية، أنتجنا ثلاثة أطنان، ثلاثة أمثال حاجتنا، فربنا عز وجل:

 

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾

 

[سورة الحجر الآية: 21]

 كن فيكون، لذلك الأمطار، ممكن أن تُحبس، ممكن أن تأتي بكميات كبيرة جداً، تفيض الينابيع، تفيض الأنهار، الخيرات تمتلئ، وربنا عز وجل قال:

 

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

 

[سورة الجن الآية: 16-17]

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 66]

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الأعراف الآية: 96]

 فالموضوع موضوع الرزق بيد الله عز وجل، ما له حدود، لذلك:

((يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ))

ماذا نستفيد من معنى هذا الحديث ؟

 

((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ))

 أنت لك عمل، النقطة المهمة: إذا الإنسان استمع وما فعل شيئاً، إذا آمن إنسان بشيء بديهي وما فعل شيئاً، إلى أن يبذل، إلى أن يعطي، أنت لك عند الله عز وجل لك إضبارة، فلان الفلاني ما أعماله؟ أما مستمع ممتاز، مستمع ممتاز لا يكفي، يجب أن يكون له عمل صالح، فحجمك عند الله بحجم عملك, قال تعالى:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

[سورة الأنعام الآية: 132]

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[سورة المجادلة الآية: 11]

 وفي آية ثانية:

 

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

 

[سورة فاطر الآية: 10]

 هذا سؤال مهم، الإنسان يحاسب نفسه: أنا ماذا قدمت؟ ماذا قدمت لآخرتي؟ قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

 

[سورة الحشر الآية: 18]

 ساعة الوفاة، ما العمل الصالح الذي يمكن أن أعرضه على الله عز وجل؟ يا ربي فعلت هذا من أجلك، يا رب أنفقت هذا المال من أجلك، يا ربي قدمت خدمات لفلان ولفلان من أجلك، يا رب وجهت زوجتي حتى أصبحت مؤمنة، هذا من أجلك يا رب، فعلت كذا وكذا مع أولادي، فعلت كذا وكذا مع أخواني.
 هذا سؤال دقيق جداً، من أنت؟ ما عملك؟ قل لي ما عملك؟ أقل لك مَن أنت؟ ومع ذلك العمل صورة، روح العمل الإخلاص، فإذا كان العمل خاليًا من الإخلاص فلا قيمة له، الأعمال صور روحها الإخلاص، فإذا أكرم ربنا عز وجل أحدَنا بعمل صالح، وكان بهذا العمل مخلصاً، فقد فعل شيئاً ثميناً.
 قال لي اليوم واحد: توفيت امرأة في هذه الأيام، هكذا قال لي، وتركت مئتي مليار دولار, عمرها ثمانية وثلاثون سنة، فما قيمة هذه المبالغ الطائلة؟ هي بنت أكبر غني في العالم سابقاً، وماتت، ولم تزد على ثمانية وثلاثين عاماً, هذا ليس عطاء، العطاء ما كان بعد الموت، لذلك الغنى والفقر بعد العرض على الله،

((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ))

 مرة حضرت تأبين متوفى، وكان شخصًا صالحًا، ولكن الذي أبّنه, لم يتمكن أن يتكلم عنه بشيء، هذا الإنسان فرضاً سافر، اعتنى في بيته، كان له ذوق رفيع بالطعام والشراب، كان عنده ميول للأشياء المباحة، لكن لما وضع في النعش، وجاء إنسان ليؤبّنه، ماذا يقول؟ كان أكله طيبًا، لا تتكلم على التأبين، بيته فخم، لا يحكى في هذا الموقف إلا العمل الصالح.
 فالواحد منا يقول: إذا كان أنا وضعت في النعش، ووقف واحد لكي يؤبنني, ماذا سيقول؟ يكون عنده شيء يتكلم عنه، فعل كذا، وكذا، وكذا، فالقبر صندوق العمل، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة، ومن عدَّ غداً من أجله, فقد أساء صحبة الموت، إذا كان متيقن أن غداً سوف يعيش، أحياناً ينسى أن يقول: إن شاء الله.
 قال لي شخص من يومين: رجل من الأثرياء بالأربعينات، تمكن أن يشتري أراضي مئات الدنمات، بل بالآلاف، وعمر بيتًا فخم جداً بمصيف أحاطه بغابة من الصنوبر، وجعل في هذا البيت كل ما فيه راحة وطرب، وبيت بالشام، وسيارة، فعندما كان بالشام عدد سبع سيارات، عنده أفخر سيارة، جلس مع زوجته في البيت الجديد في الشام، قال لها: الآن أمّنا مستقبلنا، في تلك العشية كان ميتًا، بعدما سكن البيت أول يوم.
ربنا عز وجل يقول في الحديث القدسي:

((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ))

أنا أتمنى على كل أخ, أن يكون موضوع الآخرة موضوعًا أساسيًا في حياته، إذا كان لك ساحة بالنفس، يكون هذا الموضوع محتلا أكبر مساحة من هذه الساحة، يمكن لإنسان أن يكون موضوع الآخرة محتلا جزءًا يسيرًا جداً.

((من أصبح وأكبر همه الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا, جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له))

, فهذا تفكير سديد.
 لما ربنا عز وجل خلق العقل قال:

((أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر، قال عزتي وجلالي, ما خلقت خلقاً أحب إلي منك، بك أعطي، وبك آخذ))

إذا أعمل الإنسان عقله إعمالاً صحيحاً, يهتدي قطعاً إلى أن طريق الاستقامة, والعمل الصالح, ومعرفة الله عز وجل, هو أسلم طريق، وأقرب طريقٍ إلى سعادته.
 كما ذكرت في الخطبة السابقة: الإنسان أحياناً ينطلق من علاقة غير صحيحة، وضربت مثلا قريبًا من الذين عندهم سيارات، في السيارة مصباح لونه أحمر، هذا مصباح الزيت، إذا تألق فجأة، معنى ذلك: أن الوضع خطر جداً، زيت المحرك نفذ، فلو مشي خمسة أمتار أو عشرة, يحترق المحرك، يلزمه لإصلاحه ثلاثون أو أربعون ألف ليرة.
 لو فرضنا شخصًا, تصور أن هذا المصباح, تألق في أثناء السفر، يتألق من حين لآخر، وظنه عاديا، فلما تألق, بدأ ينظر إليه, إلى أن احترق المحرك، بين هذا التصور الخاطئ، وبين ذاك التصور الصحيح, مسافة كبيرة جداً، الإنسان أحياناً في الدنيا, ينطلق من تصور خاطئ، إذا ظن أن الدنيا هي كل شيء، فهذه أكبر مقولة خاطئة، الدنيا ساعة, قال تعالى:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 112-113]

 هذه الدنيا مهما طالت, تمر يوم القيامة كلمح البصر، إذاً: الإنسان ينطلق أحياناً من تصورات صحيحة أساسها العلم، العلم: علاقة ثابتة بين شيئين, مقطوع بصحتها, مطابقة للواقع, عليها دليل، هذا العلم، بعدم الدليل هو تقليد، من غير الواقع هو جهل، من غير قطع هو شك، ووهم، وظن، فلما يتحرر الإنسان من الشك, والوهم, والظن, والجهل, والتقليد، لم يبق في تصوراته إلا علاقة علمية واحدة، هي العلاقة الحتمية الصحيحة الواقعية, التي عليها دليل، عندئذٍ ينطلق إلى هدفه بشكل واضح تماماً، فأنت لك هدف، ولك حركة يومية، ما لم تنطبق هذه الحركة على الهدف، أو ما لم تتجه نحو هذا الهدف, فأنت في شقاء.
 تعريف الشقاء: عدم تطابق الحركة اليومية مع الهدف، إن كان هناك تطابق, فأنت في سعادة، ليس هناك تطابق, فأنت في شقاء، الحركة اليومية؛ استيقظت صباحاً، واحد يستيقظ على الأخبار رأساً يفتح، وإنسان على الصلاة، على القرآن، شتان بين هذا وهذا، انطلقت بالطريق، في الطريق نساء، هذه حركة يومية، المؤمن يغض بصره، إذا غض بصره, فهو يوفق حركته اليومية مع الهدف, مع طاعة الله، غير المؤمن يطلق بصره، معناها انحرفت حركته اليومية عن الهدف
 دخل دكانه, عنده بضاعة كاسدة، جاءه زبون, وقال له: أنا لي ثقة فيك، يريد أن ينصحه، فيقول له: هذه أفضل شيء، ما بقى يأتي منها إطلاقاً، ما عاد يأتي منها، على قدر سوءها, لن يأتي منها، حركته اليومية بهذا المحل خلاف النصيحة، خالف النصيحة بالبيع، وخالف غض البصر في الطريق، وخالف في بيته العبادة.
هذه الحركة اليومية منذ أن تستيقظ, هل بدأت بالصلاة؟ هل بدأت بالقرآن؟ هل بدأت بذكر الله؟ هل بدأت بمعرفة الله؟ هل بدأت بالتكبير، والتحميد، والتسبيح؟.
النبي عليه الصلاة والسلام, لما دخل على السيدة عائشة في ليلتها, قال:

((ذريني أتعبد لربي، فقام توضأ, وصلى، فبلَّ لحيته، وركع, وسجد, فبلّ الأرض، ثم اضطجع إلى أن جاء بلال, يؤذنه بصلاة الصبح))

 تطلب كأس ماء، تشاهد وردًا، تشاهد الجبل، ربنا عز وجل قال:

 

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

 

[سورة النمل الآية: 88]

 هذه الحركة اليومية، النبي الكريم قال:

((أمرت أن يكون صمتي فكري، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة))

 فحركتك اليومية بين استيقاظ، بين تناول طعام الفطور، ماذا كان قبل الفطور, ماذا كان الحديث في أثناء الفطور, كان في غيبة, ونميمة، فهل هناك علاقات لا ترضي الله عز وجل؟ هل هناك مخالفات؟ هل هناك معاص في الطريق؟ في البيت؟ في العمل التجاري؟ في العمل الوظيفي؟ في علاقتك مع النساء؟ علاقتك مع الرجال؟ مع الجيران؟ مع الأصحاب؟ في علاقتك مع الله عز وجل؟ إن جاءت الحركة اليومية مطابقة للهدف, فأنت في سعادة، فإن لم تأت مطابقة, فالإنسان في شقاء.
 الأجانب عبروا عنها بتعبير آخر، يسمونها شعور الإنجاز، إذا كان عند الإنسان قضية وأنجزها، يشعر براحة كبيرة جداً، إذا اشترى صفقة، وباعها، وربح فيها, يشعر براحة، يفرح، يرتاح، لأن حركته تطابقت مع هدفه، فتح محل وربح، دخل جامعة ونجح، قدم طلبًا وتعين موظفًا سابقاً يفرح، لأنه يكون طموحه قد تحقق، فلما تكون حركةُ الإنسان متوافقة مع هدفه يشعر بالسعادة، فإذا كانت حركته الأساسية متوافقة مع هدفه الكبير, وهو: أن تعرف الله عز وجل, وأن تعبده، وأن تسعد بهذه العبادة، فعندئذٍ الإنسان يشعر بسعادة لا توصف، لذلك السلامة والسعادة, مطلب كل إنسان في أي زمان ومكان، وهذان مطلبان ثابتان.
 الإنسان يحتاج غير السماع، تكون له جلسة تأمل، يراجع حساباته، أين أنت من الإيمان؟ يا ترى أنت بأوله؟ بمنتصفه؟ بآخره؟ أين أنت من أمر الله؟ هل أنت مطبق له أم غير مطبق؟ أين موقعك؟ الإنسان أحياناً أين موجود الآن؟ أنا ببيتي، أنا بعملي، أنا بحانوتي، أنا بدائرتي، لو سافر لمدينة لا يعرفها، وركب مع صديق: أين الآن نحن؟ بالقسم الجنوبي، الشمالي، بالقسم العتيق، الجديد، بأولها, بآخرها, لا يعلم أين هو؟.
 الإنسان يجب أن يعرف بالإيمان أين هو؟ أين موقعك؟ موقع متقدم، متأخر، متخلف، ضعيف، قوي، موضع فيه نفاق، فيه رياء، فيه إخلاص، الموقع مهم جداً، فلما يستهلك الإنسان وقته بسعي غير هادف، وبأعمال يومية روتينية رتيبة، ليس لها أي معنى، كل يوم مثل أمسِه، استيقظ باكرًا، أكل، ذهب إلى العمل، جاء بالعشاء، نام، سهر، تابع بعض المسلسلات، نام، استيقظ ثاني يوم بلا هدف، ولا حركة، ولا تقدم، فهذا الإنسان يكون في خسارة كبيرة جداً، والإنسان في الدنيا إذا خسر, تعوض الخسارة، ولكنها في الآخرة لا تعوض، لذلك الحسرة التي يشعر بها الإنسان, حينما يضيع الآخرة، تكاد تكون صاعقة.

 

إليكم شرح ما تبقى من الحديث:

 

((فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

 يجب أن تعرف ثمة نظامًا دقيقًا, يحكم كل شيء, هذا غني، هذا فقير, هذا صحيح، هذا مريض، أنت لا تعلم ولكن الله يعلم، لا يوجد عمل عبث من الله، لا يوجد عمل بلا حكمة، هذا توفق بعمله، هذا لم يوفق، هذا نجح في زواجه، هذا لم ينجح، هذا بصحته شيء، وآخر لا شيء، فكلما اقترب الإنسان من الله عز وجل, يكشف الله له الحكمة التي تنطوي وراء هذا التصرف، لكن يوم القيامة لا بد من أن نعرف جميعاً: أن هذا الذي ساقه الله لنا محض حكمة، ومحض عدل، ومحض رحمة، لكن البطولة في الدنيا أن تعرف ذلك.

 

((فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

 فأحياناً الإنسان يتلقى ضربة بعصا غليظة من إنسان آخر، فيا ترى ألمه ينصب على العصا أم على الضارب؟ على مَن؟ على الضارب، فمن الغباء, ومن قصور العقل, تصب نقمتك على العصا، وإذا كان الضارب عادل، ورحيم، ولا يظلم إطلاقاً، يجب أن تصب نقمتك على نفسك، فكل إنسان هذا عصاه بيد الله عز وجل، أداة، الله عز وجل أراد أن يؤدبك عن طريق هذا الإنسان، فكل إنسان يسب الآخرين، ويظن الأفعال المؤذية منهم، إنسان ضعيف في توحيده، التوحيد عنده ضعيف، فكلما ارتقى في توحيده, لم يأبه بأفعال الآخرين، ويعلم علم اليقين: أن الله عادل، وهو رحيم، عندئذٍ يعود باللوم على نفسه، فالمؤمن العاقل الموحد لا يلوم إلا نفسه، لذلك النبي الكريم قال:

 

((لا يخافن العبد إلا ذنبه, ولا يرجون إلا ربه)).

((فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

الحديث انتهى.
قال سعيد:

((كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث, جثا على ركبتيه)).

 وقال أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث، في موضوع الظلم، موضوع الهداية، موضوع الرزق، موضوع التوبة، موضوع العبودية، موضوع أن الإنسان قيمته في عمله.

 

رسالة من عمر بن الخطاب إلى سعد:

والآن إلى شيء عن سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه.
الرسالة الثانية التي أرسلها سيدنا عمر رضي الله عنه لسيدنا سعد رضي الله عنه, أيضاً فيها بعض التوجيهات العسكرية، كأن هذا الإنسان خرِّيج في أكبر جامعة من جامعات فنون القتال، والجامعات العسكرية، يقول سيدنا عمر مخاطباً سيدنا سعد:
 ((ترفق بالمسلمين في مسيرهم، -فالجندي حينما يلتقي مع العدو, يجب أن يكون مرتاحاً، فهذا الذي يتعب جنوده تعباً شديداً قبل مواجهة العدو, ربما يخفقون في النصر، فالجندي إذا كان مرتاحًا؛ طعامه، وراحة جسمه، وثيابه موفرة، في أموره كلها مرتاح، فإذا جاءت ساعة اللقاء, وساعة المواجهة، كل طاقاته تبذل في هذه المعركة، أما إذا وصل إلى المعركة, وهو منهك، منهك القوى، في حالة تعب, وجوع, وعطش, وضيق، عندئذٍ كأن هذا الجهد الذي بذله سابقاً, قد جعله نصف إنسان، أو ربع إنسان-.
 ترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشمنهم مسيراً يتعبهم، -طبعاً التدريب في أثناء الحياة المدنية, ممكن أن يكون تدريبًا قاسيًا، لكن إذا كان موعد اللقاء مع العدو, فيجب أن يكون المسير مريحاً، لا أن يستهلك الإنسان في المسير- ولا تجشمنهم مسيراً يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزلٍ فيه رفق لهم -ثمة استراحة في أثناء الطريق يرتاحون، يأكلون، يستعيدون شيئًا من نشاطهم, هذا ضروري جداً، القصد أن هذا الجندي يكون كل طاقاته في المعركة، في أثناء المواجهة، فإذا كان بالطريق نريحه، يستعيد شيء من نشاطه، نؤمن له حاجاته، يكون في حالة طيبة جداً، هذا لمصلحة المعركة-.
قال: حتى يبلغوا عدوهم، -والسفر لم ينقص من قوتهم، يجب أن يصلوا إلى عدوهم, والسفر لم يستهلك طاقاتهم، فإذا استهلك السفر طاقاتهم, كان هناك لقاء غير ناجح في المعركة-
 يقول سيدنا عمر لسيدنا سعد: وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة، -هذه العطلة الأسبوعية، حتى تكون لهم راحة، يجمعون فيها أنفسهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، أحياناً يكون عند الإنسان ستة أيام عمل شاق، يوم الجمعة بدل أن يكون هذا اليوم عيداً له، هناك أسر تنهي كل أعمالها الخميس، وأشخاص الغسيل يكون الجمعة، والكي، والتنظيف، والحمام يوم الجمعة، فهذا اليوم يوم شاق، والطبخ يوم الجمعة، هناك أشخاص ينهي كل أموره يوم الخميس، هذا يوم عيد للمسلمين، يكون في لقاء بالأهل، في حضور خطبة جمعة، بعد الخطبة الأكل جاهز، الإنسان يجلس مع أهله، مع أولاده، فكأن هذا العيد ضيّعه المسلمون، فصار الجمعة للتنظيف، وخدمة البيت, تحتاج إلى جهد يوم الجمعة، فلم يعد اليوم عيدًا-.
 وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة, حتى تكون لهم راحة، يجمعون فيها أنفسهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، -الاستجمام من ضروريات الحياة، الاستجمام يستعيد الإنسان فيه نشاطه، إذا اشتغل الإنسان في عمل شاق شهر، وارتاح يومين، أو تفسح كما يقولون, أو ذهب في نزهة، هذه جزء من العمل، لأن الإنسان بهذه النزهة, يستعيد أكثر نشاطه، هذه حقيقة الجسم، إن القلوب إذا كلَّت عميت، الإنسان من حين لآخر إذا قام باستجمام، هذا من طبيعة العمل، ومن طبيعة النجاح في العمل-.
 فإذا وطئت أدنى أرض العدو، -لم تصل إلى أرض العدو، أي قربت من أرض العدو- فإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذكِ العيون، -أي أرسل أنساً ينقلون لك الأخبار، لأن قرارك بالقتال أساسه المعلومات، إذا لم يكن عندك معلومات صحيحة عن العدو يمكن تتورط، لذلك الحرب كما قال النبي خدعة، ممكن أن يوهمك العدو أنه بهذه الجهة، تركز كل قواتك بهذه الجهة, يكون بجهة أخرى، التف عليك، روح المعركة، فمعرفة مواقع العدو، مراكز قوته، نوع أسلحته، عدد جنوده، هذا شيء ورد في سير الصحابة الكرام، فكان بكل لقاء مع العدو له عيون, يبثها القائد ليأخذ الأخبار الصحيحة، وفي ضوء هذه الأخبار الصحيحة, يستطيعون أن يتخذوا قراراً صحيحاً.
سمعت في التاريخ العسكري, معارك كبيرة في العالم فشلت, بسبب أن كان في تمويه من العدو، تمكن عن طريق مثلاً مدرعات كرتونية يحشدها بمكان، يعمل تفجيرات أصوات، فيظن العدو أن عدوه موجه كل طاقاته بهذا المكان، فإذا توجه إلى هذه الجهة، كان الالتفاف-.
 فإذا وطئت أدنى أرض العدو, فأذكِ العيون بينك وبينهم، حتى لا يخفى عليك أمرهم -معلوماتك أساسية في القتال- واختر لهذا من تطمئن إلى نصحه وصدقه -هذا الذي يخبرك, يجب أن تكون واثقاً من صدقه، ومن إخلاصه لك، إخلاص وصدق- فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في بعضه، والغاش عين عليك، وليس عيناً لك -هذا الذي يغشك في أقسى الساعات، وفي أحرج الساعات، ربما ينقل للعدو عنك بدل أن ينقل لك عن العدو، إذاً: لا بد من إنسان ناصح لك, وإنسان صادق-.
وإذا دنوت من أرض العدو فأكثر الطلائع, -الطلائع أي الجنود المتقدمين جداً- وبث السرايا، أما السرايا فتقطع أمدادهم ومرافقهم، -الجيش يريد إمدادًا وتموينًا باستمرار, فإذا تمكن الخصم أن يقطع على عدوه طريق الإمداد, انتهت المعركة، لذلك أي حركة يجب أن تكون وفق خط مستمر من الإمداد والتموين، فإذا قطع الإمداد عن هذا الجيش فقد قضي عليه، فهذه السرايا مهمتها: أن تقطع عن الجيش الإمداد، وأن تقطع عنه المرافق، فالسرايا مهمتها قطع الإمداد عن جيش العدو، والطلائع هدفها أن تبلو أخبارهم-.
 وانتقِ للطلائع أهل الرأي والبأس، -باعتبار متقدم جداً، قد يفاجأ بكمين، فهذا الجندي المتقدم جداً, يجب أن يكون من صفوة الجنود؛ جرأة, وشجاعة, وقوةً, وذكاء- وانتقِ للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخيَّر لهم سوابق الخيل، -يحتاجون لمناورة سريعة جداً، لو كان معه بغلة مشكلة، يحتاج لخيل أصيلة، وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدواً, كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك، أول شيء يلقى العدو هذا الإنسان القوي الذكي- واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر الجلاد، -قواد السرايا- ولا تخص أحداً بهَوى, فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما تحابي به أهل خاصتك.
-لو فرضنا واحد رجاك أن تعينه على هذه السرية، مستواه القتالي منخفض، غير متمكن، ضعيف الشخصية، فأنت بهذا أرضيته، ولكن خسرت معركة، أرضيت واحداً وخسرت معركة-.
 شيء آخر: ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجهٍ تتخوف فيه ضيعة ونكاية، -فهذا الجندي غال جداً، فإذا قدمته إلى مكان متقدم، يجب أن يكون هناك ضمان للرجوع، فإذا كان في خطر، يكون في التفات من وراء ظهره، يقطع عليه طريق العودة، معنى هذا أنك ضحيت به، فإذا شعر الجندي أنه هين على قائده، ربما لا يقاتل، إذا شعر الجندي, أن حياته غالية جداً على قواده, عندئذٍ يندفع، فأي مهمة متقدمة, يجب أن يكون هناك دراسة واثقة لها، لا يكون في احتمال أن ينقطع طريق العودة عليهم، احتمال أن يقطع عنهم التموين والإمداد-.
 ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه ضيعة ونكاية، فإذا عاينت العدو, فاضمم إليك أقاصيك, وطلائعك, وسراياك, -إذا بعثت طليعة، وهناك سرية، حينما تواجه العدو, يجب أن تجمع كل أولئك السرايا، مع الطلائع، مع الأجنحة، مع المقدمة، مع المؤخرة، مع الميمنة، مع الميسرة، مع القلب، كل هذه الفرق، وهذه السرايا تجتمع في مكان واحد- لتضع كل ثقلها في هذه المعركة))
لو درس هذه الوصية إنسان خبير بهذه الشؤون، ربما كان أقدر على تفسيرها, وعلى بيان عظمتها مني، هذا اختصاص.
 سيدنا عمر كان في حالةٍ من الفهم والفطانة لدرجة عالية جداً، توجيهات دقيقة جداً, من هذه التوجيهات: إذا شعر الجندي, أن حياته غالية على من يبعثه لهذه المهمة, كان شجاعاً، إذا كان مرتاح, وضع كل طاقاته في المعركة، وإذا أرسلنا السرايا, المهم أن تقطع على العدو إمداداته، والطلائع للأخبار والعيون, لا بد من توافر الصدق والإخلاص فيهم.
فهذه الرسالة الأولى بالقضاء، فإن القضاء فريضة محكمة، والرسالة الثانية في تخطيط المدن، وهذه الرسالة في الشؤون العسكرية.
رسالة من عمر إلى بعض ولاته:

 

 

رسالة من عمر إلى بعض ولاته:

 

 هناك رسالة إدارية: سيدنا عمر كتب لبعض ولاته, قال له:

((بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك, هيئة في لباسك, ومطعمك, ومركبك ليست للمسلمين، -عيّن واليًا، فهذا الوالي في مستوى حياته اليومية, هو وأهل بيته, له هيئة حسنة في لباسه, ومطعمه, ومركبه، ليست لعامة المسلمين- يقول سيدنا عمر: فإياك يا عبد الله, أن تكون بمنزلة البهيمة التي مرَّت بوادٍ خصيب, فلم يكن لها هم إلا السِمَن، وإنما حتفها في السمن))

 يعني إذا اتجهت إلى أن تعيش حياة فوق الناس, فكأنك جعلت همك في السمن، والدابة كلما سمنت, كلما آن أوان إنهاء حياتها، وإنما حتفها في السمن, وفي السمن حتفها.

 

اعتبر يا عبد الله:

 

مر يوماً بدار جديدة في أطراف المدينة فسأل: ((دار من هذه؟.
فقالوا: هذه دار فلان -وفلان واحد من ولاة عمر-.
 فقال عمر رضي الله عنه: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها)), أي أن هذه الدراهم التي أخذها, لا بد من أن يستخدمها في إنشاء هذه الدار، فكشفته هذه الدار.

حوار جرى:

 مرة سأل سيدنا عمر أحد أولاد هرم بن سنان, الذي خلده بشعره زهير بن أبي سلمى، هذا هرم بن أبي سنان, عملَ عملاً عظيماً, حينما أنهى حرب البسوس، حرب بقيت عشرات السنوات، أنهاها بأن دفع من ماله الخاص ديات القتلى، فالشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، نظم في هذا الإنسان العظيم قصائد خالدة.
فمرة سيدنا عمر, سأل أحد أولاد هرم بن سنان, الذي خلده بشعره زهير بن أبي سلمة، يقول له:

((أنشدني بعض مدح زهير في أبيك، فينشده, فيقول عمر: إنه كان ليحسن فيكم القول.فأجابه الرجل: ونحن والله كنا نحسن له العطاء، هو أحسن القول فينا، ونحن أحسنا العطاء له فيقول عمر: لقد ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما أعطاكم -هذا الذي أعطيتموه ذهب، صرفهم، انتهى, ومات الرجل- أما هذه القصائد التي قالها في مدح والدك فبقيت خالدة، فالذي أخذتموه منه أضعاف ما أعطيتموه))

من فضائل عمر بن الخطاب:

 آخر قصة من قصص هذه الخليفة العظيم: أنه رأى عجوزاً تحمل مكتلاً يؤودها حمله، -مكتل شعير أو مكتل قمح- فيتقدم منها ويحمله عنها بعض الطريق، -أما هي ماذا فعلت حينما حمل عنها هذا المكتل؟- قالت له شاكرةً:

((أثابك الله الخير يا بني، والله إنك لأحق من عمر بالخلافة))

، أنت أفضل منه.
 ذات ليلة خرج في جولة من جولاته, التي كان يخرج بها وحيداً، والناس نيام، ليطمئن على قومه، ويبلو أحوالهم، وينفض الليل عن حاجاتهم، وعند مشارف المدينة, رأى كوخاً ينبعث منه أنين امرأة، فاقترب يسعى، ورأى رجلاً يجلس بباب الكوخ، وعلم منه أنه زوج السيدة التي تئن، وعلم أنها تعاني كرب المخاض، وليس معها أحد يعينها، لأن الرجل وزوجته من البادية، وقد حَطَّا رحالهما هنا وحيدين غريبين، رجع عمر إلى بيته مسرعاً، وقال لأم كلثوم بنت الإمام علي: ((هل لك في مثوبة ساقها الله إليك؟.
-إذا طرق باب أحدِنا، ودعي لعمل صالح، ماذا يرى؟ هذا خير ساقه الله إليك، إذا أحب الله عبداً, جعل حوائج الناس عنده- فقال لزوجته: هل لك في خير ساقه الله إليك؟.
قالت: خيراً؟.
قال: امرأة غريبة تمخض، وليس معها أحد.
قالت: نعم إن شئت، -القوامة للرجل، إذا شئت أنا حاضرة-.
 وقام وأعد من الزاد والماعون ما تحتاجه الوالدة من دقيق وسمن، ومزق ثيابًا يلف بها الوليد، وحمل أمير المؤمنين القدر على كتف، والدقيق على كتف، وقال لزوجته: اتبعيني، ويأتيان الكوخ، وتدخله أم كلثوم زوج أمير المؤمنين، لتساعد المرأة في مخاضها، أما أمير المؤمنين, فيجلس خارج الكوخ، وينصب الأثافي -ثلاثة أحجار لوضع القدر- ويضع فوقها القدر، ويوقد تحتها النار، وينضج للوالدة طعاماً، والزوج يرمقه شاكراً -ولعله كان يحدث نفسه هو الآخر: بأن هذا العربي الطيب, والله أولى بالخلافة من عمر- وفجأة صدح في الكوخ صراخ الوليد، لقد وضعته أمه بسلام، وإذا بصوت أم كلثوم, ينطلق من داخل الكوخ عالياً: يا أمير المؤمنين, بشِّر صاحبك بغلام.
 -انظر هذا الاحترام بين الزوجة وزوجها، أحياناً الزوجة لا تقول لزوجها: أبو فلان، تقول باسمه أمام الضيوف، أمام أهله أحياناً- يا أمير المؤمنين, بشر صاحبك بغلام، ويفقه الأعرابي من الدهشة، ويستأخر بعيداً على استحياء، ويحاول أن ينطق بكلمتين: أمير المؤمنين، ولكن شفتيه لا تقويان على الحركة, من فرط ما فاجأته هذه الكلمة، ويلحظ عمر كل هذا، فيقول للرجل: ابق مكانك لا ترع.
 ويحمل أمير المؤمنين القدر، ويقترب من باب الكوخ, وينادي زوجته: خذي القدر يا أم كلثوم، وأطعمي الأم وأشبعيها، وتطعمها أم كلثوم حتى تشبع، وترد القدر إلى عمر بما بقي من طعام، فيضعها عمر بين يدي الأعرابي, قائلاً له: كل واشبع, فإنك قد سهرت طويلاً، وعانيت كثيراً، ثم ينصرف هو وزوجته بعد أن يقول للرجل: إذا كان صباح الغد, فائتن بالمدينة, لآمر لك من بيت المال بما يصلحك، ولنفرض للوليد حقه))