رياض الصالحين - الدرس : 006 - باب التوبة - الحب في الله

1988-03-06

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم شرح المقصد الثالث من هذا الحديث :

 أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع من دروس الحديث الشريف، ومن كتاب رياض الصالحين، ومن باب التوبة .
 عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ:

((أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ أَسْأَلُهُ: عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ, فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ, فَقَالَ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ, كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا -أَوْ مُسَافِرِينَ- أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ, كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ, إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ صَوْتِهِ: هَاؤُمُ, فَقُلْنَا لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا، فَقَالَ : وَاللَّهِ لا أَغْضُضُ, قَالَ الأَعْرَابِيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا عَرْضُهُ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَامًا، قَالَ سُفْيَانُ: قِبَلَ الشَّامِ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مَفْتُوحًا -يَعْنِي لِلتَّوْبَةِ- لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 في درسين سابقين, تم شرح الفقرتين الأولى والثانية من الحديث الشريف، الفقرة الأولى عن فضل طالب العلم، وكيف أن الملائكة تضع أجنحتها له؟ والفقرة الثانية عن المسح على الخفين، وفي هذا الدرس نكمل شرح الفقرة الثالثة من هذا الحديث بتوفيق الله وعونه .
 فقال هذا التابعي زر بن حبيش:

((هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا؟ -الهوى مصدر هوي، ومعنى هوي أي أحب، هوي يهوى هوى، أي أحب يحب حباً

 - قال: نعم .
 -قبل كل شيء, الإنسان له عدة جوانب، له جانب عقلي؛ به يفكر، وبه يحاكم, وبه يقنع، وبه يرفض، وبه يؤمن، وبه لا يؤمن, وله جانب نفسي، بهذا الجانب يحب ويكره، ويعذب ويحتقر، ويميل، ويشمئز، ويرفض، ويخاف، هذا الجانب الآخر هو الجانب العاطفي.
 لا تنسوا أيها الأخوة الأكارم, أن المؤمن لا يطير إلى الله إلا بجناحين، جناح العقل وجناح القلب، جناح العلم وجناح الحب، فالإسلام من دون حب جسد بلا روح، والحب من دون عقل خبط عشواء، كمن يخبط خبط عشواء، فلذلك لماذا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا في القمة، بينما المسلمون في آخر الزمان في الحضيض؟ ربما كانت ثقافة المسلمين اليوم ثقافة واسعة، فلماذا تخلفوا؟ ولماذا انحطوا؟ ولماذا تباعدوا؟ ولماذا تباغضوا؟ ولماذا تنافروا؟ ولماذا تحاسدوا؟ لأنهم قصروا في الجانب الآخر من الإسلام إنه الحب .
 ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:

((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ عِنْدَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ, قَالَ عُمَرُ: فَلأَنْتَ الآنَ, وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 فلذلك الإسلام من دون حب؛ ثقافة، معلومات، حقائق، تقرأ, تدرس, تحفظ، يؤدى بها امتحان, ينال به الشهادات، يحتل الإنسان مركز مرموق في حقل الدين، أما إذا كان قلبه فارغاً من الحب فهو بعيد عن الرب، فلذلك ما الذي يؤجج الحب؟ الاستقامة على أمر الله، ما الذي يؤججه أيضاً؟ العمل الصالح، ما الذي يؤججه أيضاً؟ خدمة المؤمنين الصادقين، ما الذي يؤججه؟ المؤاثرة، التضحية، الانضباط, البذل, العطاء، فلذلك قال الله عز وجل:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[سورة الكهف الآية: 110]

 أتحب أن تلقى الله عز وجل؟ أتحب أن يكون قلبك مهبطاً لتجليات الله عز وجل؟ أتحب أن تشغل به عمن سواه؟ أتحب أن تردد مع من قال:

وليتك تحلو والحياة مريرة  وليتك ترضى والأنام غضابُ

 أتحب أن تكون محبوباً من قبل الله عز وجل؟ أتحب أن يحبك الله ورسوله؟ ألا تغار من سيدنا معاذ, حيث قال له رسول الله:

((والله يا معاذ إني لأحبك؟))

 هذه مرتبة تتقطع دون بلوغها أعناق الطامحين .
 باب اكتساب محبة الله ورسوله مفتوحة على مصراعيها، وطبيعة الإنسان هي هي، وأبواب الخير هي هي، وربنا هو هو، بإمكان كل واحد منا أن يبالغ في تطبيق أوامر الشرع، وأن يبذل شيئاً من وقته، ومن ماله، ومن راحته في سبيل الله، إذا فعل ذلك، وقام ليصلي, شعر أنه محبوب من قبل الله عز وجل, ولعمري ما بعد محبة الله مرتبة, يطمح إليها طامح، أن يكون الله يحبك .
 لذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه, حينما قال له النبي عليه الصلاة والسلام:

((يا أبا بكر، جاءني جبريل, فقال لي: قل لصاحبك: إن الله يقرئه السلام, ويقول له: إن الله راضٍ عنه, فهل هو راضٍ عن الله؟))

 هذا هو المقام، ما في الدنيا كله يمضي، أي شيء تأكله، وأي بيت تسكنه، وأي مكان تصله، إنه إلى زوال، ولكن حل الله عز وجل هو الباقي- فلذلك قال زر بن حبيش: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ, كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر، فَبَيْنَا - يصح أن تقول: فبينا أو فبينما, وكلاهما صحيح، أساسها بين، وهي ظرف، وكل ظرف يحتاج إلى مضافٍ إليه، بين الوقتين، بين الجدارين، بين الرجلين، فإذا قطع هذا الظرف عن الإضافة، أي لم يأت بعده مضاف, أضيفت له أَلِف، تقول: بينما أنا في بيتي، ولك أن تقول: بينا، لكن بينما لا بد من أن يأتي بعدها اسم مرفوع، بينما أنا، بينما محمدٌ يصلي، أما إذا قلت: بينا فيجوز أن يأتي بعدها اسم مرفوع، ويجوز أن يأتي بعدها مصدر مضاف إليه، لك الخيار- فيقول هذا التابعي: -هذا الصحابي صفوان بن عسال-: فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ - ربنا عز وجل يقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

[سورة الحجرات الآية: 4]

 فربنا عز وجل تلطف بهم، لم يقل: إنهم لا يعقلون، بل قال: أكثرهم لا يعقلون، تأدب بأدب القرآن، لا تقل: كل أولئك كانوا جاهلين، قل: بعضهم، دائماً استثنِ، إياك أن تصدر أحكام مطلقة، هذا عيب في الإنسان، أن يصدر حكماً مطلقاً، قال سبحانه وتعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 224-227]

 استثنى الله عز وجل .
 يروى أن شاعراً, دخل على ملك، فلما دخل عليه, قال هذا الشاعر للملك:

((إن، فما كان من هذا الملك, إلا أن قال له: و، فالحاضرون لم يفهموا شيئاً، بعد حين من الزمن قالوا: يا سيدي: ماذا قال هذا الشاعر؟ وماذا قلت له؟ قال الملك: قال لي:

﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾

 فقلت له :

﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾

 كان القرآن محفوظاً عندهم، فيكفي أن تذكر آيةً حتى يتضح المراد، فربنا سبحانه وتعالى تلطف بالأعرابي فقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

[سورة الحجرات الآية: 4]

 تلطف بهم، لعل كلاً منهم, يظن نفسه من هذه القلة المستثناة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾

[سورة الحجرات الآية: 2]

 هاتان الآيتان كتبتا على الحجرة النبوية الشريفة، والأعرابي اسم منسوب، معنى منسوب, كأن تقول: فلان دمشقي، أي منسوب إلى دمشق، وفلان عربي، وفلان حلبي، فالأعرابي اسم منسوب إلى الأعراب، والأعراب: اسم جمع لا مفرد له، هناك أسماء جمع كثيرة، لِم لَم نقل: عربي؟ لأن عربي قصدنا بذلك, كل من نطق بالضاد، وكل من كان من ولد إسماعيل، ولكن كلمة أعرابي نسبنا إلى سكان البادية، إلى سكان الصحراء، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((من بدا فقد جفا))

 حضور مجالس العلم يهذب الطباع، بينما البعد عن المدن, وعن مجالس العلم, قد يجعل الطبع جافياً، فلذلك هذا الذي يأتي من أطراف المدينة لحضور مجلس العلم، والله الذي لا إله إلا هو أجره أضعاف مضاعفة، من هذا الذي بيته إلى جوار المسجد، فلذلك حضور مجالس العلم يوسع الأفق، ويهذب الطباع، ويعرف الإنسان بكتاب الله، ويعرفه بسنة رسوله، ويعرفه بأولئك الأعلام الأبطال، الذين كانوا مشاعل لأمتهم .
 بالمناسبة بعض الأخوة الأكارم, شجعني على أن أُكْثِرَ من بعض الفوائد اللغوية، فها أنا ذا أفعل ذلك، لا يجوز في اللغة العربية أن تنسب إلى الجمع، إذا قلت: هذه مباراة دُولية فهذا خطأ، لأنك نسبت إلى الجمع، يجب أن تقول: هذه مباراة دَولية، وإذا قلت: هذا هو الشاعر القروي، خطأ، لأنك نسبت إلى جمع، يجب أن تقول: الشاعر القروي، هذه قاعدة لا يستثنى منها إلا النسب إلى جمعٍ أصبح علماً، كأن تقول: مدائن، جمع مدينة، فلان مدائني، الأعراب اسم جمع, فلان أعرابي، فالأعرابي هو الذي يسكن البادية- إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ -والصوت الجهوري ضروري إلا عند النبي عليه الصلاة والسلام .
 السيدة عائشة كانت تقول:

((رحم الله عمر، ما رأيت أزهد منه، كان إذا قال أسمع، وإذا أطعم أشبع، وإذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع))

 أي أن الصوت الجهوري مطلوب إلا في مجالس النبي عليه الصلاة والسلام، والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم المؤمنون، يغضون أصواتهم، أما الذين ينادونه من وراء الحجرات، يا محمد، يا محمد اخرجْ إلينا، قال تعالى عنهم:

﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾

 لذلك قال أحد العلماء لتلميذ له:

((يا بني, نحن إلى أدبك أحوج منك إلى علمك))

 علامة الصدق في طلب العلم؛ التأدب في مجالس العلم، فلمجالس العلم حرمة، فالصياح فيها، والضجيج، والجلبة, لا تجوز، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ يُحَدِّثُ:

((أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ, وَالنَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ نَعْلِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ يَحْضُرُ, يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الرَّكْعَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنِ السَّاعِي؟ قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا، قَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 لا تعد إلى إحداث الضجيج، فلذلك كلما كان الأخوة الأكارم الذين يحضرون مجالس العلم، كلما كانوا في مستوًى أرقى, كان صمتهم وهدوءهم وإنصاتهم أكثر، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن نتواضع لمن نعلمهم، وجه الخطاب إلى الذين يعلمون قال:

((تواضعوا لمن تعلمون))

 ووجه الخطاب إلى الذين يتعلمون فقال:

((تواضعوا للذين تتعلمون منهم))

 قال الأعرابي: يَا مُحَمَّدُ! فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ صَوْتِهِ: هاؤم .
 -سأله مرة أحد الأصحاب:

((هل من أمبر أمصيام في أمسفر؟ فقال عليه الصلاة والسلام مخاطباً هذا السائل بلغته قال: ليس من أمبر أمصيام في أمسفر))

 أي هل من البر الصيام في السفر؟ بلهجة من لهجات العرب .
 فكان النبي عليه الصلاة والسلام ذكي الفؤاد- فأجابه نحواً من صوته: هاؤم, -كلمة هاؤم اسم فعل، في اللغة: لدينا أسماء, وأفعال, وأسماء أفعال, قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾

[سورة الحاقة الآية: 19]

 خذوا هذا كتابي، اسم فعل أمر بمعنى خذ، نستعمل نحن أسماء أفعال كثيرة, تقول مثلاً: هيهات، اسم فعل ماض بمعنى بَعُدَ، تقول مثلاً: شتان بين الثَرى والثُريا، أي ما أبعد الثَرى عن الثُريا، اسم فعل ماض، هناك أسماء أفعال مضارعة، تقول مثلاً: آه، أتوجع، كلمة آه: اسم فعل بمعنى أتوجع، كلمة أف اسم فعل بمعنى أتضجر, قال تعالى:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾

[سورة الإسراء الآية: 23]

 لو أن في اللغة كلمة أقل من أف, لقالها الله عز وجل, كلمة واهاً: بمعنى أتعجب، كلمة آمين في الصلاة: اسم فعل أمر، بمعنى استجب يا رب، كلمة صه: أي اسكت، إذا قلت له: صه, بمعنى اسكت عن هذا الموضوع، كلام في غيبة، قل له: صه، فإذا قلت له: صهٍ, أي اسكت عن أيّ موضوع، اسكت عن كل الموضوعات، اسكت عن الحديث كله، إيهِ: اسم فعل أمر, بمعنى تكلم، أما إيهٍ تكلم في كل موضوع، ونحن جميعاً نستعمل كلمة بس، أي حاجة، هذه لغة فصحة، كلمة بس: اسم فعل أمر بمعنى اكتفي، وكلمة حي على الصلاة: نستخدمها في الصلاة، أي أقبل أيها المسلم على الصلاة، وكلمة هيت: أي أسرع، وكلمة هلمّ: بمعنى تعال، وكلمة أمامك أي تقدم، وكلمة ورائك أي تأخر، وهذه كلها أسماء أفعال .
 فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أفصح العرب، قال:

((أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش))

 هذا الأسلوب, أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم، تقول: فلان كريم، لكنه شجاع, حينما قلت: لكنه توهمنا أنك سوف تذمه، فهذا أسلوب في تأكيد المدح بما يشبه الذم, كان عليه الصلاة والسلام كان أفصح العرب، قال:

((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش))

 فهي أفصح قبيلة في العرب، فقد أكد النبي عليه الصلاة والسلام فصاحته بطريقة طريفة- فقلت له: ويحك، -كلمة فيها لوم وتعنيف، وفيها ترحم وتوجع .
 رجل سأله النبي عليه الصلاة والسلام:

((متى تتوب؟ قال له: غداً، فقال: ويحك! أو ليس الدهر كله غداً؟))

 لذلك هلك المسوفون، قال تعالى:

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾

[سورة لقمان الآية: 19]

 المسلم لكثرة قراءة القرآن, تصبح لغته قرآنية, إذا تكلم تكلمَ بالقرآن- قال له: ويحك! اغضض من صوتك، فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهيت عن هذا, -قال تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾

[سورة الحجرات الآية: 2]

 قال الأعرابي: يا رسول الله, المرء يحب القوم، ولما يلحق بهم، -ما حالته؟ رجل يحب المؤمنين، يحب العلماء الصادقين، يحب أهل الحق، يحب من يحب الله ورسوله، قلبه معلق بهؤلاء، فما مكانته عندك يا رب؟ ما حاله؟ كلمة لما: تفيد نفي الماضي حتى الحاضر، لدينا في اللغة لمْ، ولمّا، ولن، لن مختصة بنفي المستقبل, قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾

[سورة البقرة الآية: 24]

 لمْ مختصة بنفي الماضي، لكن لمّا مختصة بنفي الماضي حتى الزمن الحاضر، تقول: فلان لما يحضر حتى الآن، أي حتى الآن لم يحضر، وهناك احتمال لحضوره- فقال الأَعْرَابِيُّ : الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

 هذه نقطة مهمة، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاةِ, فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلاةٍ, وَلا صَوْمٍ، إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ, فَمَا رَأَيْتُ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 لأن فرح الصحابة بهذا الكلام, جعلهم يطمعون أن يكونوا مع سيد الأنام، لأن كل الأعمال الصالحة الأخرى, لا ترقى بصاحبها إلا أن يكون مع من أحب، إلا أن تحب الله ورسوله، وأن تحب أصحابه الكرام، وأن تحب الصالحين في المجتمع أحياءً وأمواتاً .
 من هنا استنبط بعض العلماء, وقالوا في مقولتهم المشهورة:

((لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله))

 إنك إذا جلست مع المؤمنين, شربت من نفوسهم الطاهرة مشاعر الحب، وإن جلست مع أهل الدنيا, شربت منهم حب الدنيا, فهناك مجالسة في القال، وهناك مجالسة في الحال .
 عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ التَّمِيمِيِّ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ:

((كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَذَكَرْنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ الْعَيْنِ, فَقُمْتُ إِلَى أَهْلِي, وَوَلَدِي, فَضَحِكْتُ, وَلَعِبْتُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ الَّذِي كُنَّا فِيهِ, فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: نَافَقْتُ, فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لَنَفْعَلُهُ, فَذَهَبَ حَنْظَلَةُ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا حَنْظَلَةُ, لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ، يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً))

[أخرجه ابن ماجة في سننه]

 لذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه, كان يمشي في الطريق, فرأى بعض أصحاب النبي, واسمه حنظلة يبكي, قال:

((ما لك يا حنظلة تبكي؟ قال حنظلة: نافقت، قال: ولما يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله, ونحن والجنة كهاتين, -هذا الارتباط برسول الله، المرء مع من أحب، كان أصحاب النبي إذا جلسوا معه, فكأنهم في جنة لا يفارقونه، ما الذي يحصل؟ أن كل التجليات التي يتلقاها قلب النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه الذين أحبوه منها نصيب، فإذا عافسنا الأهل ننسى، وإذا ذهبنا إلى بيوتنا, وتعاملنا مع أهلنا, ومع الناس، إذا ذهبنا إلى أماكن العمل, هذا الحال العالي يذهب عنا- فقال الصديق رضي الله عنه: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله، فحدثوه بما جرى، فقال لهم: نحن معاشر الأنبياء, تنام أعيننا ولا تنام عقولنا))

 إذا أحببت إنساناً غافلاً، عدتك الغفلة، مشاعر الكافر إذا أحببته, تنتقل إليك، لذلك دعا النبي عليه الصلاة والسلام فقال: اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق، ما هذا التوجيه؟ إذا جعلت لي يا رب خيراً على يد كافر أو منافق، فإني سأحبه، وإذا أحببته, انتقلت إلي مشاعره، مشاعر البعد والجفاء، مشاعر الأنانية، مشاعر الكبر، هذه العدوة النفسية لا يعرفها إلا القليل، لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ، وَقَالَ: مُؤَمَّلٌ مَنْ يُخَالِلُ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 شيء خطير جداً؛ أن تعطي قلبك لبعض الناس، إن أعطيتهم قلبك أفسدوه، أما إذا منحت حبك للمؤمنين؛ أكرموه، وسموا به، فالمرء مع من يحب .
 الإمام الشافعي كان متواضعاً جداً، من باب التواضع قال:

أحب الصالحين ولست منهم  لعلي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره مَن بَضَاعته المعاصي  ولو كنا سواءً في البضاعة

 قالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

 من أجل التأكيد على قيمة القلب، وقيمة أن يكون هذا القلب مفعماً بحب الله، لا بد من أن يكون لك جلسة صباحية، لا بد من ساعة تخلو فيها بربك، قال الله عز وجل في الحديث القدسي:

((أنا جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني))

 لا بد من جلسة صباحية, تذكر الله فيها، حيناً من الوقت، وحيناً آخر تفكر في آياته، وحيناً ثالث تتلو كتابه، وتصلي، فإذا كان لك مع الله جلسة, فيها الصلاة الخاشعة، وفيها الذكر الخفي، وفيها التفكر في ملكوت السموات والأرض, وفيها تلاوة القرآن، خرجت إلى عملك، وأنت محصن من ضياع القلب، ومن تبعثر الفؤاد، ومن تشتت الضمير، هذا الذي أنصح به الأخوة المؤمنين, من أجل أن يرعوا قلوبهم، اجلس صبحا، الموارد من الأوراد .

 

أصغ السمع إلى هذه القصة التي يلقيها أحد تلامذة سعيد بن المسيب, وما قيل عنه :

 الآن ننتقل إلى قصة تابعي جليل: هو سعيد بن المسيب, أحد تلامذة التابعي الجليل سعيد بن المسيب, قال:

((كنت أداوم على حلقة سعيد بن المسيب، وأزاحم الناس عليها بالمناكب ، -هنا التزاحم، قال الله عز وجل:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[سورة المطففين الآية: 26]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[سورة الصافات الآية: 61]

 فتغيبت عن حلقة الشيخ أياما فتفقدني, -وتفقد الشيخ لتلامذته من واجبات الشيخ، لعل هذا التلميذ مريض، لعله واقع في مشكلة، فإذا تفقد الشيخ تلامذته جبر خاطرهم- وظن أن بي مرضاً، أو عرض لي عارض، فسأل عني من حوله, فلم يجد عند أحد منهم خبراً، فلما عدت إليه بعد أيام حياني ورحب بي, وقال: أين كنت يا أبا وداعة؟ .
 فقلت: توفيت زوجتي، فاشتغلت بأمرها .
 فقال: هلا أخبرتنا يا أبا وداعة, فنواسيك, ونشهد جنازتها معك, ونعينك على ما أنت فيه؟ .
 فقلت: جزاك الله خيرا، وهممت أن أقوم فاستبقاني, حتى انصرف جميع من كان في المجلس، ثم قال لي: أما فكرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة؟ .
 فقلت: يرحمك الله! ومن يزوجني ابنته, وأنا شاب نشأ يتيماً، وعاش فقيراً؟ فأنا لا أملك غير درهمين أو ثلاثة .
 فقال سعيد بن المسيب: أنا أزوجك ابنتي, فانعقد لساني، وقلت: أنت؟ .
 قال: نعم .
 قلت: أتزوجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت؟ .
 فقال : نعم، ثم التفت إلي، والتفت إلى من كان قريب منا وناداهم، فلما أقبلوا عليه، وصاروا عنده, حمد الله عز وجل، وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد صلوات الله عليه، وعقد لي على ابنته, وجعل مهرها درهمين اثنين، -حسب ما تكلم، وفي الحديث: عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً، أَيْسَرُهُنَّ مؤنَةً))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 وفي رواية أخرى:

((أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَقلهن مهراً))

 فقمت، وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح، ثم قصدت بيتي, وكنت يومئذ صائماً، من شدة الفرح, نسيت صومي، وجعلت أقول: ويحك يا أبا وداعة، ما الذي صنعت بنفسك؟ ممن تستدين؟ ممن تطلب المال؟ وظللت على حالي هذه, حتى أذّن المغرب، فأديت المكتوبة، وجلست إلى فطوري، وكان خبزاً وزيتاً، فما أن تناولت منه لقمة أو لقمتين, حتى سمعت الباب يقرع, فقلت: من الطارق؟ .
 قال: سعيد .
 قال: فو الله, لقد مرّ بخاطري كل إنسان اسمه سعيد أعرفه, إلا سعيد بن المسيب ما خطر في بالي, ذلك لأنه لم يُر منذ أربعين سنة, إلا بين بيته والمسجد, ففتحت الباب, فإذا بي أمام سعيد بن المسيب فدهشت! فظننت أنه قد بدا له أمر في شأن زواجي، وقلت له : يا أبا محمد, هلا أرسلت إلي فآتيك أنا .
 فقال: بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم .
 فقلت: تفضل .
 فقال: كلا، إنما جئت لأمر .
 فقلت: ما هو يرحمك الله؟ .
 قال: إن ابنتي أصبحت زوجة لك، بشرع الله منذ الغداة، وأنا أعلم أنه ليس معك أحد يؤنس وحشتك، فكرهت أن تبيت أنت في مكان, وزوجتك في مكان آخر، فجئتك بها، -هؤلاء أولياء الأمور, الذين يفسدون العلاقة بين الأزواج، يأخذون ابنتهم ليغيظوا زوجها, هؤلاء يجب أن يعرفوا أنه هذه هي السنّة- .
 فقلت: ويحي! جئتني بها؟ .
 فقال: نعم، فنظرت فإذا هي قائمة بطولي .
 فالتفت إليها, وقال: ادخلي إلى بيت زوجك يا ابنتي، على اسم الله وبركته، فلما أرادت أن تخطو, تعثرت بملاءتها من الحياء، -وأجمل ما في المرأة حياؤها، فإذا ذهب حياؤها, ذهبت أنوثتها، من علامات قيام الساعة: أن يرفع الحياء من وجوه النساء، وترفع النخوة من رؤوس الرجال، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء- .
 قال: أما أنا, فقد وقفت أمامها مشدوهاً, لا أدري ما أقول، ثم أني بادرت, فسبقتها إلى القصعة, التي فيها الخبز والزيت، فنحيتها من ضوء السراج, حتى لا تراها، ثم صعدت إلى السطح، وناديت الجيران, فأقبلوا علي، وقالوا: ما شأنك؟ .
 فقلت: عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد، وقد جاءني الآن بها على غفلة, فتعالوا آنسوها، حتى أدعو أمي, فهي بعيدة عني .
 فقالت عجوز منهن: ويحك! أتدري ما تقول؟ أزوجك سعيد بن المسيب ابنته، وحملها لك إلى البيت بنفسه, وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك؟ .
 فقلت: نعم، وها هي ذي عندي في بيتي، فهلموا إليها، وانظروها، فتوجه الجيران إلى البيت، وهم لا يكادون يصدقون، ورحبوا بها، وآنسوا وحشتها، وما هو إلا قليل, حتى جاءت أمي, فلما رأتها, التفت إلي, وقالت: وجهي من وجهك حرام, إن لن تتركها لي, حتى أصلح لها شأنها, ثم أزفها إليك, كما تزف كرائم النساء .
 فقلت: أنت وما تريدين، فضمتها إليها ثلاثة أيام, ثم زفتها إلي, فإذا هي من أبهى نساء المدينة، وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل، وأرواهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرف النساء بحقوق الزوج، فمكثت معها أياماً, لا يزورني أبوها, أو أحد من أهلها، ثم إني أتيت حلقة الشيخ في المسجد, فسلمت عليه, فرد علي السلام، ولم يكلمني، فلما انفض المجلس ، ولم يبق غيري, قال: ما حال زوجتك يا أبا وداعة؟ .
 فقلت: هي على ما يحب الصديق، ويكره العدو .
 فقال: الحمد لله، فلما عدت إلى بيتي, وجدته قد وجه إلينا مبلغاً وفيراً من المال, لنستعين به على حياتنا))

 

طبعاً هذا يحدث هذه القصة لعبد الملك بن مروان، وقد أتى المدينة، فقال بن عبد الملك:

((عجيب أمر هذا الرجل!‍ .
فقال له رجل من أهل المدينة: وما وجه العجب فيه أيها الأمير؟ .
فقال: إنه امرؤ جعل دنياه مطية لأخراه، واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية، فو الله إنه ما ضن على ابن أمير المؤمنين بابنته، ولا رآه غير كفء لها، وإنما خاف عليها فتنة الدنيا .‍
ولقد سأله بعض أصحابه فقال: أترد خطبة أمير المؤمنين؟ أترفض أن تزوجه ابنتك, وتزوج ابنتك من رجل من عامة المسلمين؟ .
فقال: إن ابنتي أمانة في عنقي، وقد تحريت فيما صنعت صلاح أمرها .
قيل: كيف؟ .
قال: ما ظنكم بها, إذا انتقلت إلى قصور بني أمية، وتقلبت بين رياشها, وأثاثها، وقام الخدم, والحشم, والجواري بين يديها، وعن يمينها, وعن شمالها، ثم وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة، أين يصبح دينها يومئذ؟ .
فقال رجل من أهل الشام: يبدو أن صاحبكم طراز فريد من الناس .
فقال رجل آخر: والله ما عدوت الحق أبداً، فسعيد بن المسيب صوام في النهار، قوام في الليل، حج نحو أربعين حجة، وما فاتته التكبيرة الأولى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعين عاماً, ولا عرف عنه أنه نظر إلى قفا رجل في الصلاة، أي كان يصلي في الصف الأول دائماً، وقد كان في وسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قريش، فآثر بنت أبي هريرة رضي الله عنه على سائر النساء، وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وسعة روايته في حديثه، وشدة رغبته في الأخذ عنه، ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره، فأخذ عن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير, قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 53]

وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وسمع من عثمان, وعليٍّ, وصهيب، وغيرهم من صحابة النبي الكريم، وتخلق بأخلاقهم، وتحلى بشمائلهم ، ولقد كانت له كلمة, يرددها على الدوام, حتى غدت وكأنها شعار له، وهي قوله: ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أذلت نفسها بمثل معصيته))

 أيها الأخوة الأكارم, هذا نموذج من السلف الصالح، من التابعين الأجلاء، الذين عرفوا قيمة أنفسهم، وعرفوا ربهم، وعرفوا كيف يحيون سعداء، ويموتون شهداء، وعرفوا أن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وأن الدنيا هي ساعة جعلوها طاعة، والنفس طماعة عودوها القناعة .

 

من آفات اللسان كما وردت في كتاب اﻹحياء :

 أيها الأخوة, بقي علينا شيء من إحياء علوم الدين, وهو الحديث عن الآفة العاشرة من آفات اللسان، وهي المزاح، والمزاح المنهي عنه، والمذموم منه, هو المداومة عليه .
 فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يمزح، ولكن النهي عن المزاح, هو النهي عن المداومة عليه, والاستمرار فيه، والإفراط فيه، فأما المداومة, فلأنه اشتغال باللعب والهزل، وأما الإفراط فيه, فإنه يورث كثرة الضحك والضغينة في بعض الأحوال، ويسقط المهابة والوقار، وأما ما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم, لما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام, أنه قال:

((إني لأمزح, ولا أقول إلا حقاً))

 فالمزاح مقبول .
 والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته, دخله بساماً ضحاكاً، كان يداعب أطفاله، كان الحسن والحسين يركبان على ظهره, ويقول لهما:

((نعم الجمل جملكما، ونعم الحملان أنتما))

 إلا أن مثل النبي الصلاة والسلام, يقدر على أن يمزح، وألاّ يقول إلا حقاً، وأما غيره إذا فتح باب المزاح, كان غرضه أن يضحك الناس كيف ما كان؟ لذلك قال عمر:

((من مزح استُخِفَ به))

 ومن الشيء العظيم, أن يتخذ المزاح حرفة, يواظب عليها المرء، ويفرط فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يمزح لكن قليلاً، من حين لآخر .
 فقد جاءته امرأة فقالت:

((يا رسول الله, احملني على بعير، فقال: بل على ابن البعير, قالت: ما أصنع به, إنه لا يحملني، فقال عليه الصلاة والسلام: ما من بعير إلا وهو ابن بعير))

 وعن أنس قال:

((كان لأبي طلحة ابن, يقال له: أبو عمير، وكان النبي يأتيهم, ويقول: يا أبا عمير, ما فعل النغير؟))

 وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا, أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، قَالَتْ:

((فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

((قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ, وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 إذاً: من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يمزح، لكن كان مقِلاًّ في المزاح، وكان مزاحه حقاً, لا يؤذي, ولا يجرح، ولا يخجل, ولا يربك، ولا يحمر الوجوه، وكان بهذا المزاح يتألف قلوب أصحابه، ويتودد إليهم، ويخفف عنهم وطأة الدرس أحياناً، إلا أن يكون المزاح كثيراً, فهذا قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه، ومن كثر مزاحه استخف به .