رياض الصالحين - الدرس : 005 - المسح على الخفين - سيرة التابعي سلمة بن دينار

1988-02-28

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

حكم المسح على الخفين في الفقه الإسلامي :

 أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس من دروس الحديث الشريف، ومن كتاب رياض الصالحين، ومن باب التوبة، فالحديث الذي تم شرح بعضه في الدرس الماضي، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ:

((أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ, أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ, فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ, فَقَالَ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ))

 شرحنا في الدرس الماضي:

((إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ))

 نتابع اليوم شرح الحديث .
 فَقُلْتُ:

((إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ, وَكُنْتَ -أي يا صفوان- امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ, كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا -أَوْ مُسَافِرِينَ- أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ, لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ, وَبَوْلٍ, وَنَوْمٍ))

 العلماء قالوا: المسح على الخفين جائز بالسنة لا بالقرآن، لأن قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾

 

[سورة المائدة الآية: 6]

 فأرجلكم منصوبة، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله، هي معطوفة على :

﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 6]

 فالمسح على الخفين جائز لا بالقرآن، ولكن بالسنّة، فالأخبار فيه مستفيضة، أي كثيرة ، حتى إنه قد قيل: إنه من أنكره كان مبتدعاً، من أنكر المسح على الخفين كان مبتدعاً، ومن رآه ثم لم يمسح آخذاً بالعزيمة كان مأجوراً، ومن أيقن به ورآه صواباً، ولم يمسح ابتغاء الأجر، واتباعاً للعزيمة كان مأجوراً، فالمسح على الخفين جائز بالسنّة من كل حدث موجب للوضوء، لا يجوز المسح على الخفين من الحدث الأكبر، بل من الحدث الأصغر، والحدث الأصغر هو الحدث الموجب للوضوء، والحدث الأكبر هو الحدث الموجب للغسل، احترازاً عما هو موجب للغسل، لأن الرخصة للحرج فيما يتكرر .
 فالإنسان يتوضأ كل يوم خمس مرات، فموجبات الوضوء متتالية متكررة، فإذا كان هناك سفر, أو برد قاس، هناك صعوبات، هناك عمل شاق، فالنبي عليه الصلاة والسلام يسّر علينا أمر الدين، فإذا كان مقيماً في بلده في وطنه مسح يوماً وليلة، مدة المسح على الخفين يومٌ وليلة، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيام ولياليها .
 متى تبدأ؟ قد يظن بعضهم: أنها تبدأ إذا توضأ، وغسل رجليه، ولبس الخفين، بدأت مدة المسح، لا من أول حدث أصغر، إن الرجلين وهي في الخفين طاهرة، ما دام لم ينقض وضوءه، تبدأ مدة المسح ليوم وليلة للمقيم ابتداءً من أول حدث أصغر، والمسح على الخفين محله على ظاهرهما لا على باطن الرجل، فلا يجوز على باطن الخف وعقبه وساقه، بل على ظاهر القدم، هكذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنّة أن يكون المسح خطوطاً بالأصابع، لو مسح براحته جاز، ويبدأ بالمسح من رؤوس أصابع الرجل إلى مد الساق، أي من أسفل إلى أعلى، ولو عكس جاز، لو فعل من الأعلى إلى الأسفل أيضاً جاز، ولكنه أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح بأصابعه على ظاهر الخف, ابتداءً من أصابع القدمين وحتى أول الساق .
 وقال علماء الحديث:

((هناك أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها تجيز المسح على الخفين))

 بل إن بعض علماء الحديث قال:

((حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مسح على الخفين))

 إذاً: الأحاديث كثيرة، والأخبار كثيرة، وهو جائز بالسنة، تيسيراً على الأمة ‍‍‍.
 فرض المسح على الخفين مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد، فأربعة جاز، أما أقل شيء ثلاثة أصابع، ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير، أن تمسح على خف فيه خرق كبير, لا يجوز، مقدار هذا الخرق ثلاثة أصابع من أصغر أصابع الرجل، أصغر أصبُع من أصابع الرجل، ثلاثة أصابع منها إذا اجتمعت، هذا هو حجم الخرق الذي يبطل المسح على الخفين، وإن كان الخرق أقل من ذلك، أقل من ثلاثة أصابع من أصابع الرجل الصغيرة, جاز المسح عليها، لأن الخفاف لا تخلو عن قليل الخرق عادة، ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل، هذا كلام قطعي، وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء، لأنه بعضه، إذا مسح على خفيه، ثم انتقض وضوءه, فعليه أن يتوضأ ثانية، وأن يعيد المسح على الخفين، ينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء، لأنه بعضه، وينقضه أيضاً نزع الخف.
 لو أن إنسانًا نزع خف, انتقض مسح الخفين، لكن إذا نزع الخف يجزئه، أي يكفيه أن يغسل قدميه فقط، إذا كان متوضئاً وماسحاً على خفيه، ونزع الخف يجزئه أن يغسل القدمين فقط, إذا مضت مدة المسح على الخفين انتقض المسح .
 إذاً: ينتقض المسح بانتقاض الوضوء، وينتقض المسح بنزع الخفين، وينتقض المسح بانتهاء مدة المسح، للمسافر له مدة، وللمقيم له مدة، وإذا نزع خفاً واحدة انتقض المسح، لأنه ليس في الفقه جمع بين المسح والغسل، يغسل واحدة، ويمسح الثانية, هذا غير وارد .
 من ابتدأ المسح, وهو مقيم, فسافر قبل إتمام يوم وليلة, تابع المسح ثلاثة أيام ولياليها، كنت مقيماً، وتوضأت، ومسحت على الخف، ثم سافرت قبل انقضاء يوم وليلة, تستطيع أن تتابع المسح ثلاثة أيام بلياليها، ومن كان مسافراً، وعاد إلى بلده قبل انقضاء ثلاثة أيام ولياليها, لزمه أن ينزع الخف، وأن يغسل قدميه، ومن كان مسافراً, فعاد إلى بلد إقامته قبل انقضاء يوم وليلة، يتابع المسح على الخفين يوم وليلة، هذه أحكام فرعية .
 ومن لبس الجرموق، هذا مصّب، لدينا خفين من جلد, يُلبسان بحذاء غليظ, اسمه في الفقه: الجرموق، فيجوز المسح على الجرموق، والجمع جراميق، كعصفور وعصافير، إذا لبست الخف في الجرموق على طهارة، يجوز أن تمسح على الجرموق أيضاً إذا كنت مسافراً ، وأردت أن تصلي فيه، والجرموق الذي يجوز المسح عليه, هو الذي إذا انفردت به, جاز المسح عليه، لو لم تلبسه مع الخفين إذا جاز أن تنفرد به، جاز المسح عليه .

 

 الآن موضوع الجوربين، هذا موضوع مهم جداً، قال العلماء: لا يجوز المسح على الجوربين الرقيقين، رقيقين كانا أو ثخينين عند أبي حنيفة، عند هذا الإمام الكبير لا يجوز المسح على الجوربين, إلا أن يكونا مجلدين, فيهما جلد، أي جعل الجلد على ما يستر القدم منهما إلى الكعب، أو منعّلين من أسفل، مجلدين من أعلى، أو منعّلين من أسفل, أما أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة رضي الله عنه ومحمد, هذان التلميذان الكبيران أجازا المسح على الجوربين سواء أكانا مجلدين أو منعلين أم لا، إذا كانا جوربين ثخينين لا رقيقين, حيث يستمسكان على الرجل من غير شد، ولا يجفان الماء، لو مسحت على الجوربين, لن ينتقل الماء إلى ظاهر القدم .
 الإمام أبو حنيفة قيل: إنه في آخر حياته, رجع إلى قول تلميذيه محمد وأبو يوسف، المحصلة: لو مسح على الجوربين, فإن كانا ثخينين منعلين, جاز هذا باتفاق العلماء، وإن لم يكونا مثخنين منعلين, بل كانا رقيقين, لم يجز هذا باتفاق، فالجوربان الرقيقان, لم يجز المسح عليهما باتفاق، والجوربان المنعلان المجلدان, يجوز المسح عليهما باتفاق، أما إذا كانا ثخينين غير منعلين, لا يجوز المسح عليهما عند أبي حنيفة خلافاً لتلميذيه، وروي أن الإمام رجع إلى قولهما في المرض الذي مات فيه .
 هذه أحكام الفقه المتعلقة بالمسح على الخفين، وهذا الشرح متعلق بالضرورة بالفقرة الثانية من الحديث, الذي نحن بصدد شرحه في هذا الدرس .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ, وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 إذا كان هناك مشقة، إذا كان هناك صعوبة، كان هناك عمل شاق، كان هناك سفر، كان هناك إرهاق في خلع النعلين، إنسان كان في الخدمة الإلزامية والحذاء ثخين، والوقت قليل جداً، والاجتماع بعد خمس دقائق، وعليه أن يصلي الظهر مثلاً، في مثل هذه الظروف, يأتي الدين اليسير, فيدور مع هذه الظروف الصعبة, كيفما دارت .
 هذا الكلام مجمل لرأي الإمام أبي حنيفة وتلميذيه حول المسح على الخفين، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه))

 الآن إلى الموضوع الثاني: وهو متابعة الحديث عن تابعي جليل أبي حازم، وكيف كان يلتقي بطلاب العلم، وكيف يغنيهم بحكمه التي تأخذ بالألباب؟ .
 قالوا:

((وقد كان منزل سلمة بن دينار مورداً عذباً لطلاب العلم، ورغّاب الصلاح، لا فرق في ذلك بين أخوانه وطلابه، فقد دخل عليه ذات مرة عبد الرحمن بن جرير، ومعه ابنه، وأخذا مجلسيهما عنده، وسلما عليه، ودعََا له بخيري الدنيا والآخرة، فردّ التحية بأحسن منها، ورحب بهما، ثم دار بينهم الحديث .
فقال له عبد الرحمن بن جرير: كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم؟

 -كيف يفتح الله على قلب المؤمنين؟ كيف يقذف الله نوره في قلب المؤمن؟ كيف يصلي المؤمن فتفيض دموعه؟ كيف يصلي فيحس بالقرب من الله عز وجل؟ كيف يتجلى الله على قلبه؟ كيف تنفتح بصيرته؟ كيف يرى مالا يراه الآخرون؟ كيف يسمع مالا يسمع الآخرون؟ كيف تسمو نفسه؟ كل هذه المرادفات هي تعبير بشكل أو بآخر عن الفتوح، والعوام يقولون: الله يفتح عليك فتوح العارفين ، هذا الفتح، هذه الصلة التي تنعقد مع الله عز وجل، هذا السمو الأخلاقي، هذه النفس الوديعة التي رأت الحق، وعرفت أهل الحق، فلزمت الحق، وكانت على الحق، وابتغيت الحق .
 سؤال دقيق جداً: كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم؟ كل منا يصلي، كل منا يصوم، وقد نحج مرات عديدة، وقد نفعل كل شيء، ولكن الذي نطلبه أن يكون هذا القلب مهبط لتجليات الله، كيف الفتوح يا أبا حازم؟- .
 فقال: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر, -قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

 

[سورة الشعراء الآية: 88-89]

 إذا كانت النفس طاهرة من الداخل، تجلى الله على هذا القلب الطاهر، فإن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، تستطيع أن تخدع الناس جميعاً، ولكنك لن تستطيع أن تخدع نفسك لحظة، إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي، هكذا قال الله تعالى في الحديث القدسي، ولا يصلحه إلا السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه، عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام, أنعم الله عليه بالفتوح، اتقِ المحارم تكن أعبد الناس، اتقي الذي تعلمه أنه محارم، وانظر كيف أن قلبك يشرق بالمعرفة .
 جاء في بعض الآثار:

((من أخلص لله أربعين صباحاً, تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه، وأجراها الله على لسانه))

 ولا تنس يا عبد الرحمن أن يسير الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة، -هذه الآخرة التي لا تنقضي، هذه الحياة الأبدية، تخيل كيس من الطحين، كل ذرة من هذا الكيس تعدل مليون سنة، فهذا الكيس كم سنة؟ إذا وضعت أصبعك على طرف الطحين, كم ذرة تعلق على إصبعك؟ إن كانت كل ذرة تعدل مليون مَليون ملْيون مَليون سنة, فما هو الأبد؟ ما معنى:

 

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾

 

[سورة النساء الآية: 57]

 أكبر رقم إذا وضع صورة على مخرج لا نهاية, فهذا الرقم يساوي صفرًا، لو عاش الإنسان مئة ألف عام، مليون مَليون مليون عام، إذا قيست هذا الأعوام الطويلة إلى الآخرة الأبدية فيه, فلا شيء, لذلك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة الآية: 38]

 قال: كل نعمة لا تقربك من الله عز وجل فهي نقمة، -الزوجة نعمة كبرى، الدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، فإذا ساهمت الزوجة في إبعادك عن الله عز وجل, فهي نقمة، إما أن تكون الزوجة نعمة، وإما أن تكون نقمة، كل شيء قربك إلى الله نعمة، المصيبة إذا قربتك إلى الله فهي نعمة، والنعم الظاهرة إذا حجبتك عن المنعم, فهي نقمة، المال إذا قربك إلى الله, فهو نعمة، وإذا أبعدك عنه, فهو نقمة، الفقر إذا قربك إلى الله, فهو نعمة، فإذا أبعدك عنه, فهو نقمة، التجارة, الأعمال, الأهل, الأولاد، أي نشاط تقوم به، أي عمل تعمله، إذا ساهم هذا العمل في تقريبك من الله, فهو نعمة، وإذا ساهم في إبعادك عنه, فهو نقمة- .
 فقال ابن عبد الرحمن: يا أبا حازم, إن أشياخنا كثيرون, فبمن نقتدي منهم؟ .
 قال: يا بني, اقتدِ بمن يخاف الله في ظهر الغيب، ويعف عن التلبس بالعيب، -من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط- ويصلح نفسه في أوانِ الصبا، ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب، يا بني, ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه, فيتغالبان في صدره، تغالب المتخاصمين، فإذا غلب علمه هواه, كان يومه يوم غلبته، وإذا غلب هواه علمه, كان يومه يوم خسرانه، -تصارعت نفسه، هل أحضر هذا المجلس أم لا أحضره؟ فإذا غلب هواه, وآثر أن يمضي هذه السهرة مع رفاقه, فقد غلب، وكان هذا اليوم خسارة له، فإذا غلبه علمه, وآثر حضوراً في مجالس العلم على متع الحياة المباحة، غلب نفسه, فكان هذا اليوم يوم غلبة له، لا زلنا مع أقوال أبي حازم لعبد الرحمن بن جرير، ومع ابنه فقال له عبد الرحمن بن جرير: كثيراً ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم، فما حقيقة الشكر؟ .
 فقال: لكل عضو من أعضائنا حق من الشكر .
 فقال عبد الرحمن: ما شكر العينين؟ .
 قال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شرا كتمته، -صفات المؤمن أنه ستار العيوب، من تتبع عورة المسلمين, فضحه الله في عقل داره .
 قالت له:

((يا أبا أمية, إني امرأة غريبة، ولا أعرف ما تحب وما تكره، فقل لي: ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، فقال: أما بعد, فقد قلتِ كلاماً: إن تصدقي فيه, وتثبتي عليه, يكن لك ذخراً وأجراً، وإن تدعيه, يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما وجدت من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها))

 لذلك من صفات المرأة الصالحة أنها سِتِيِرة، والمرأة السيئة تفضح زوجها، تتحدث عن دقائق العلاقة بينه وبينها، تتحدث عن شؤون تخص هذا البيت وحده .
 قال عليه الصلاة والسلام:

((إني لأكره المرأة, تخرج من بيتها, تشتكي على زوجها))

 عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ))

 وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((أَيُّمَا امْرَأَةٍ, اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، لَمْ تَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 فقال عبد الرحمن: فما شكر الأذنين؟ .
 قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً دفنته، -لذلك النمام لا يدخل الجنة، المغتاب لا يدخل الجنة، المفتري لا يدخل الجنة، هؤلاء جميعاً يفرقون بين الأحبة .
 قال عليه الصلاة والسلام:

((ليس منا من فرق))

 قامة ممدودة، بصراً حاد، أذنان مرهفتان، أسنانه كلها في فمه، جسده ذو عزيمة، قيل له: يا سيدي, ما هذه الصحة التي متعك الله بها؟ قال يا بني: حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً .
 ألا تحبون جميعاً أن تتمتعوا بصحتكم، وسمعتكم، ومكانتكم؟ احفظوا الله يحفظكم، ثمن الحفظ معروف، حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر، احفظ الله يحفظك، ومن أراد أن يتمتع بعقله ولا يخرف, فليتعلم القرآن .
 عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ وَحَفِظَهُ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، كُلُّهُمْ قَدْ وَجَبَتْ لَهُمُ النَّارُ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 ولا يفوتك يا عبد الرحمن -القول لأبي حازم-: أن من يقصر شكره على لسانه، ولا يشرك معه جميع أعضائه وجنانه, فمثله كمثل رجل له كساء، لولا أنه أخذ بطرفه ولم يلبسه، -كساء فاره, غالي الثمن، ضخم ممتاز، أمسك الرجل بطرف الكساء، ولم يرتد هذا الكساء- هذا الكساء لا يقيه الحر، ولا يقيه القر، فمن اكتفى بشكر اللسان، ولم ينتقل هذا الشكر إلى الأعضاء والجوارح والجَنان, لم يستفد من هذا الشكر))

 يروى أنه في ذات سنة, نفر سلمة بن دينار مع جيوش المسلمين المتجهة إلى بلاد الروم, يبتغون الجهاد في سبيل الله مع المجاهدين، فلما بلغ الجيش آخر مرحلة من مراحل السفر, آثر الراحة والاستجمام قبل لقاء العدو في خوض المعارك، وقد كان في الجيش أمير من أمراء بني أمية، فأرسل رسولاً إلى أبي حازم يقول له:

((إن الأمير يدعوك إليه لتحدثه وتفقهه .
فكتب إلى الأمير يقول: أيها الأمير, لقد أدركت أهل العلم، وهم لا يحملون الدين إلى أهل الدنيا، العلم يؤتى ولا يأتي .

 -والقصة الشهيرة لهارون الرشيد حينما قدم المدينة، وسأل عن بعض علمائها، وهو الإمام مالك، فقال الإمام مالك:

((أبلغ الأمير, أن العلم يؤتى ولا يأتي، فقال هارون الرشيد: صدق, نحن نأتيه .
فلما أتاه, قال الإمام مالك: قولوا للأمير: أن لا يتخطى الرقاب, فقال: صدق، فجلس حيث انتهى به المجلس، لكن حاشيته وضعوا له كرسياً، فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه ، ومن تكبر وضعه، فقال الخليفة: خذوا عني هذا الكرسي, فجلس حيث انتهى به المجلس مع عامة المستمعين))

 فقال: أيها الأمير, لقد أدركت أهل العلم, وهم لا يحملون الدين إلى أهل الدنيا، ولا أحسبك تريدني أن أكون أول من يفعل ذلك، فإن كانت لك بنا حاجة فأتنا، والسلام عليك، وعلى من معك، فلما قرأ الأمير الرسالة, مضى إليه وحياه وبياه، معنى بياه؛ دعا له بالرفعة، وقال: يا أبا حازم، لقد وقفنا على ما كتبته لنا، فازددت به كرامةً عندنا، وعزةً لدينا، فذكرنا وعظنا, جزيت عنا خير الجزاء .
 فقال أبو حازم: انظر ما تحب أن يكون معك في الآخرة, فاحرص عليه في الدنيا، وما تكره أن يكون معك في الآخرة, تزهد فيه في الدنيا، واعلم أيها الأمير, أنه إن نفق الباطل عندك، أقبل عليك المبطلون المنافقون، والتفوا حولك، وإن نفق عندك الحق, التف حولك أهل الخير، وأعانوك عليه, واختر أيها الأمير باسمك ما يحلو .
 -لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز، اختار أحد كبار العلماء مستشاراً له، وقال له:

((كن معي دائماً، وانظر في أحكامي، فإن رأيتني ضللت, فأمسكني من ثيابي، وهزني هزاً عنيفاً، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت))

 ولما أقبل الموت على أبي حازم قال له أصحابه: كيف أنت يا أبا حازم؟ قال: لأن نجونا من شر ما أصبناه من الدنيا فما يضرنا ما زوي عنا منها))

 

الإنسان في الدنيا يحصّل ما يحصّل، ويزوى عنه ما يزوى، فإن نجا منها ما ضره ما زوي عنه، لذلك الدعاء الشريف:

((اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويتَ عني ما أحب، فاجعله فراغاً لي فيما تحب))

 كنت قد وعدتكم في درس سابق, أن نتابع الحديث من إحياء علوم الدين حول آفات اللسان، ووصلنا إلى الشعر والغناء، وقد أرجئت الغناء إلى درس قادم، وها أنا ذا أفي بوعدي.
 وصل الإمام ابن الجوزي آراء أئمة المذاهب رحمهم الله تعالى، فجميعاً قالوا: بتحريم الغناء المقرون بالمعازف، والخالي منه إذا وصف النساء والخمور .
 بادئ ذي بدء, لو أن المرأة أذنت لكان أذانها حرامًا، لأن صوتها عورة، فكيف إذا غنت؟ أما إذا غنى الرجل، ووصف النساء والخمور, فغناؤه حرام، بمعازف أم بغير معازف، لم يبق من المباح إلا أن ينفذ الرجل في مديح النبي عليه الصلاة والسلام، وفي ذكر الله عز وجل، وفي التشوق إلى الأماكن المقدسة، وفي حداء القوافل، ورد بعض الآفات في هذا .
 ففي الحديث عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ:

((كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الآخرة  فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 عَنِ الْبَرَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ, يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ, وَهُو يَقُولُ:
لَوْلا أَنْـتَ مَا اهْتَدَيْنَا  وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سـَكِينَةً علَيْنَا  وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَي ْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَـا

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 في أعمال شاقة، في غزوات مع الكفار، في رحلة طويلة، فإذا كان هناك صوت حسن, يصف عظمة الخالق، أو يصف الشوق إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فكل ما كان تعريفاً بالله، وذكراً له، ومديحاً للنبي الكريم، كل إنشاد لم يُخرِج عن حدّ الاعتدال، وإذا كان النغم راقصاً، وتناوم المستمعون وطربوا، ففيه شبهة، وفيه انحراف عن الطريق المعتدل الذي سمح الشرع به .
 ذات مرة دميت إصبع النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الغزوات، فعَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ, فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ  وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 ما أجمل الأدب إذا احتوى الحق، إذا عبر عن الحق، صدق القائل:

لَوْلا أَنـْتَ مَا اهْتَدَيْنَا  وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَـكِينَةً عَلَيْنَا  وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَي ْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَـا

 فنحن حديثنا في موضوع, أن المرأة إذا غنت فصوتها عورة، وأن الرجل إذا غنى, فوصف النساء والخمور، فالمضمون عورة، وأي غناء اقترن بالمعازف, فهذا أيضاً بنص الشرع محرم، لم يبق إلا الذي سمح لنا به الشرع، وهو الذي لا يخرج عن حد الاعتدال .
 يروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قيل له:

((يا أبا عبد الله, هذه القصائد الرقاق التي فيها ذكر الجنة والنار، ما تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ فقال: يقولون:
إذا ما قال لي ربــي  أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي  وبالعصيان تأتينــي
فقال أحمد بن حنبل: أعِد أعِدْ علي, فأعدت عليه، فقام ودخل بيته، وردّ الباب، فسمعت نحيبه من داخل البيت، وهو يقول:
إذا ما قال لي ربـــي  أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي  وبالعصيان تأتينــي
ربما كان الكلام موزونًا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 ربما كان الكلام الموزون، والصوت الحسن، يفعل في النفس فعل السحر، إذا كان المضمون مضموناً, يدل على الله عز وجل، أو يؤدي إلى الله عز وجل، فجمهور أئمة المذاهب رحمهم الله تعالى، كما قال الإمام بن الجوزي: كلهم قاموا بتحريم الغناء المقرون بالمعازف، أو الخالي عنه، ولكنه يصف النساء والخمور، هذا إذا كان المغني رجلاً، أما إذا كانت امرأة, لتقل ما شاءت، ولو أنها أذّنت, فصوتها عورة, هذا حكم الأئمة الأربعة .

 أما الأدلة: فقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنّة، فأما في استدلال القرآن فبثلاث آيات، الآية الأولى: قول الله عز وجل:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾

[سورة لقمان الآية: 6]

 قال ابن مسعود:

((هو الغناء))

 وعن إسماعيل بن سعيد بن يسار قال: سألت عكرمة عن لهو الحديث, فقال:

((هو الغناء))

 وقال الحسن, وسعيد بن جبير, وقتادة, وإبراهيم النخعي: مثل قول هؤلاء, قال تعالى:

 

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾

 

[سورة لقمان الآية: 6]

 فلهو الحديث هو الغناء .
 والآية الثانية:

 

﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾

 

[سورة النجم الآية: 61]

 عن عكرمة، عن ابن عباس, أنه قال:

((وأنتم سامدون: وأنتم تغنون))

 قال تعالى:

 

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾

 

[سورة النجم الآية: 59-61]

 سامدون أي تغنون، وقال مجاهد عن هذه الآية:

((هو الغناء بلغة أهل اليمن))

 وأما الآية الثالثة، فقول الله:

 

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾

 

[سورة الإسراء الآية: 64]

 عن سفيان الثوري، عن ليث, عن مجاهد، قالوا:

((هو الغناء والمزامير))

 هذه الآيات الثلاثة التي تحرم الغناء .
 وأما السنّة: فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((أَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيم، فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى, فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَتَبْكِ؟ أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ قَالَ: لا, وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ, خَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ، وَفِي الْحَدِيثِ كَلامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 نهيت عن صوتين: أي عن الغناء، وعن النحيب بصوت مرتفع، هذان من الشيطان، هذا حديث صحيح .
 كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا سافروا, قرؤوا سورة يس، وجعلوها تحديداً لمراحل السفر .
 وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء, فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك، فقال: أحرام هو؟ قال: انظر يا بن أخي, إذا ميّز الله الحق من الباطل, ففي أيهما يجعل الغناء: مع الحق أم مع الباطل؟ قبل أن تغني أنت قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يا رب أعني على هذا الغناء .
 عمر بن عبد العزيز قال لمؤدب ولده:

((ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدأها الشيطان، وعاقب عليها الرحمن، فقد بلغني من الثقاة من حملة العلم, أن حضور المعازف, واستماع الأغاني, واللهَجَ بها, ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب))

 وقال الفضيل بن عياض:

((الغناء رقية الزنا))

 وقال الضحّاك:

((الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب))

 وقال يزيد بن الوليد:

((يا بني أمية, إياكم والغناء، فإنه يزيد الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لا يذوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السُكُر، وقد ذكرت الأصوات بالغناء من عامل وزاهد))

 أيها الأخوة, هذه الأدلة من القرآن, والسنّة، وقول السلف الصالح, يكفي للتأكيد على أن أئمة المذاهب الأربعة رحمهم الله تعالى، وقد قالوا: إن اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، اتفقوا جميعاً على أن الغناء المقرون بالمعازف حرام، وأن الغناء الخالي من المعازف, إذا وصف النساء والخمور حرام أيضاً، أما صوت المرأة فعورة ولو أذّنت، ولو قالت: لا إله إلا الله, فهذا حكم الأئمة الأربعة في الغناء .
أما الأشعار التي لا تُخِرج عن حد الاعتدال في وصف النبي وصحابته، في وصف الكعبة وشرفها، في وصف المقام التي تحض على الجهاد في سبيل الله، هذه الأشعار إن لم تخرج عن حد الاعتدال, فلا بأس بها، كما سمعتم من خبر الإمام أحمد بن حنبل حينما سمِعَ:

إذا ما قال لي ربــي  أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي  وبالعصيان تأتينــي

آخر كلمة: إن الذي يقرأ القرآن, يلقي الله في قلبه من الطرب، ومن السرور، ومن الوجد، ومن الغبطة، ومن الفرح, ما لو اجتمع ذواقو الغناء في العالم, لا يستمتعون بما يحبون من غناء, كما يستمتع قارئ القرآن في القرآن, لذلك قالوا: القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى قبله، فعليكم بتلاوة القرآن، وليس منا من لم يتغن بالقرآن .
 سمع النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً يتغنى, فقال:

((ويحك! أبغير كتاب الله تتغنى؟))

 هذا الذي يستعذب الغناء، ويستعذب القرآن في أحدهما, هو منافق، وأغلب الظن أنه منافق في استعذاب القرآن، لأن الغناء ينبت النفاق، ولا يجتمع في جوف المؤمن غناء, ولا قرآن، هذا طاهر, هذا كلام رب العالمين، وهذا فيه مفاسد، هذا بعض ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى .