رياض الصالحين - الدرس : 101 - باب أحاديث الدجال وأشراط الساعة - ماذا عن العولمة؟ وما ينبغي على المسلم أن يفعل حتى لا يكون ضحية هذه الإعلانات الغربية؟ وما محور هذا الحديث: أحب البلاد إلى الله مساجدها.....؟

2001-03-25

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ماذا يعني مصطلح العولمة؟ :

 أيها الأخوة الكرام, حديث شريف صحيح, رواه الإمام مسلم, أذكره كثيراً, ولكن أردت في هذا الدرس, أن أجعله محور هذا الدرس .
 الحديث الشريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]

 ذلك أن هناك مصطلحاً يكثر ترداده في هذه الحقبة: ألا وهي العولمة، والعولمة أمة قوية جداً, تريد أن تعمم قيمها وأساليبها، وأنماط حياتها على العالم كله، من أجل أن تكون غنية جداً, لا بد من أن تجعل العالم كله سوقاً لها، لا عن طريق القهر، بل عن طريق الإغراء.
 طبعاً: العولمة بحث طويل, يحتاج إلى جلسات كثيرة، ولكن سآخذ جانباً واحداً من العولمة، وهو مجتمع الاستهلاك، أي أناس يصنعون صناعة ما كلمة واسعة، متقنة جداً, ويعممونها على كل القارات، فيجنون أرباحاً خيالية، والعالم كله يصبح سوقاً استهلاكية لبضائعهم، هذه الشركات العملاقة في العالم الغربي, هذه لها فوائد نقدية, تفوق ميزانيات دول ، شركة واحدة أربعمائة مليار دولار فائضها النقدي، اللعبة أن يروج لمجتمع الاستهلاك، أنت لك حاجات لا بد منها .
 الآن: المشكلة ليست الحاجات أساسية، ثانوية، وثانوية جداً, جعلوها أساسية .

لا تستغرب في هذا الجواب :

 أنا أذكر قبل خمس سنوات أو أكثر, أن رئيس جمهورية فرنسا (جيسكار ديستان), أسس لجنة من ثلاثين عالماً من علماء الاجتماع، دعاهم إلى الإجابة عن سؤال واحد، وضعهم في منتجع مريح، أعطاهم مهلة ثلاثين يوماً, ليجيبوا عن سؤال واحد، لماذا العنف في العالم؟.
 الشيء الظاهر: مذبحة برواندا خمسمئة ألف في يومين، كل يوم في الأخبار يوجد مذابح؛ ثلاثمئة، مئتان، خمسمئة، كل يوم يوجد في العالم ظاهرة جديدة: هي ظاهرة العنف، القتل، الذبح، التعذيب، القهر، هذا العنف ما أسبابه؟ قد لا تصدقون أن إجابة هؤلاء العلماء الكبار, علماء الاجتماع, الذين أمضوا ثلاثين يوماً في منتجع, هيأ لهم فيه هدوءاً وصفاء, أجابوه بكلمة واحدة: سبب العنف مجتمع الاستهلاك .

هذا هو المجتمع الغربي :

 أيها الأخوة, هذا المجتمع, مجتمع الغربي, مبني على الدعايات، في الصحف، في المجلات، على الشاشة في الطرقات، أينما ذهبت, فهناك دعاية لسلعة معروضة بأجمل شكل، بشكل مغرٍ، بشكل رائع، ما الذي يحصل
 أنا أردت من هذا الدرس: ألا يكون أحدنا لعبة بيد مخطط كبير، الذي يحصل: أنك ترى هذه السلعة؛ غسالة، براد، سيارة، آلة معينة، مكيف، معروض عرض, شيق, مغر، فأنت دون أن تشعر, متابعة هذا النظر في الإعلانات, قد يكون في الطريق، في الجريدة، هذا الإعلان, يخلق عندك حاجة إلى هذا الشيء، من أنت؟ أنت مواطن لك دخل، هذا الدخل قد لا يكفي لشراء هذه الحاجات .

لماذا قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (أحب البلاد إلى الله مساجدها)؟ :

 أيها الأخوة, لماذا قال عليه الصلاة والسلام:

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا))

 لأنك وأنت في المسجد تتعرف إلى الله، تتعرف إلى سر وجودك، تتعرف إلى غاية وجودك، تتعرف إلى منهج ربك، نحن في دار ابتلاء، نحن في دار عمل، نحن في دار مؤقتة, نحن في حياة دنيا، من أجل أن نعد لحياة عليا، نحن في دار عمل، وسوف تأتي بعدها دار الجزاء، نحن في دار تكليف، وبعدها دار تشريف، نحن في دار زائلة، وبعدها دار باقية، نحن في دار متعبة بعدها نعيم مقيم، هذا هو الإيمان، هذه أساسيات الإيمان: أن تؤمن بالله واليوم الآخر .
 أي: أنت لو ذهبت إلى بلد لتحصل دكتوراه, هذا البلد فيه إغراءات لا يعلمه إلا الله، يوجد مسارح، وسينما، وملاهٍ، وحدائق، ومتاحف، يوجد علاقات سيئة جداً، أنت حينما تعرف هدفك, تذهب إلى الجامعة، وتسكن في بيت قريب من الجامعة، فإذا دخلت إلى مكتبة, لا يلفت نظرك إلا كتاب يعينك على النجاح في الامتحان، إن كان هدفك واضح جداً, أي شيء تقييمه بالنسبة إلى هدفك، لماذا:

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا))

 في المسجد تتعرف إلى أنك المخلوق الأول، وإلى أنك مخلوق, خلقت لجنة عرضها السموات والأرض، أنت مخلوق خلقت لطاعة الله، لعبادة الله، ومعك منهج قويم، وصراط مستقيم، هذا تأخذه في المسجد، ولكن ماذا تأخذ في الأسواق؟ سوف ترى مئات ألوف الحاجات التي لا تحتاجها .

 

لعبة دخلناها من حيث لا نشعر :

 مرة حدثني أخ, قال لي: في كل مرة أسافر فيها أحضر حاجة، قال لي: والله كل هذه الآلات موضوعة في مكان قصي في البيت، ولا أستعملها, نزوة عابرة، هذه الآلة تفيدنا في كذا، استعمالها معقد وصعب، وغير عملي، نستهلك دخلنا، نستهلك طاقتنا، نستهلك جهدنا، كي نجعل هؤلاء الذين يصنعون هذه الآلات, يربحون ملايين مملينة .
 معي أرقام لبعض الشركات دخلها فلكي، شركة أمريكية فائضها النقدي أربعمئة مليار دولار، حاملة طائرات تكلف ملياري دولار، فنحن نجهد، نبيع قطننا، نبيع قمحنا، نبيع حاجاتنا، من أجل أن نستورد هذه السلع، دخلنا في اللعبة دون أن نشعر، هذه لعبة، أناس يغتنون لدرجة لا تعقل، وأناس ليلاً ونهاراً ليؤمّنوا حاجتهم الأساسية .

ما سبب هذه الحروب الأهلية في بعض البلاد؟ :

 فيا أيها الأخوة, فكان الجواب: أن مجتمع الاستهلاك وراء العنف في العالم، والآن: لو دققت ما يجري في بعض البلاد, من حروب أهلية، من مذابح، اجتياحات، لو تعمقت وتعمقت وتعَمقت, لا تجد إلا الفرق الطبقي الشاسع بين الغني والفقير وراء كل هذه الأحداث العنيفة، إنسان محروم، وإنسان يكاد يتمزق من الغنى .

ما هي الحلول التي يقف عندها الإنسان حينما يعجز عن شراء تلك السعلة التي تروج لها

1-العمل الإضافي :

 قالوا: أنت في الطريق, تشاهد هذه السلعة، وهذه الآلة، وهذه المركبة، وهذا البراد، وهذا المكيف، من خلال الإعلانات, أشعرونا أن كل شيء أنت بحاجة إليه، ولكن نحن عندنا مشكلة، الدخل محدود، أنا أتحدث عن عامة الناس، الأغنياء قلة في أي مجتمع، الحكم للأكثرية ، الأكثرية بشكل أو بآخر من أصحاب الدخل المحدود، حتى في البلاد الغنية, الأكثرية من أصحاب الدخل المحدود، هذه السلعة جميلة جداً، مريحة جداً، فحينما ترى هذا الإعلان, تنشأ عندك رغبة في اقتناء هذه الآلة، لا تملك ثمنها، فكم حل عندك؟ ثلاثة حلول:
 الحالة الأولى: إما أن تعمل عملاً إضافياً, فتلغي وقت فراغك .
 والآن اسمعوا ما سأقول: أي إنسان ليس عنده وقت فراغ, ألغى إنسانيته، ضيع أولاده، ضيع زوجته، نسي آخرته، نسي ربه، نسي واجباته، الإنسان الذي ليس عنده وقت فراغ, يحقق فيه ذاته, يحضر مجلس علم، يجلس مع أصدقاء يحبهم، يجلس مع زوجته وأولاده، يعتني بأولاده، يقرأ كتاباً، يطالع قصة، يستمع إلى شريط، إذا لم يكن عندك وقت فراغ تحقق ذاتك واختيارك, أنت ألغيت إنسانيتك، وقت العمل وقت غير مريح .

ما الفرق بين العمل المجزئ لغيره وبين العمل المجزئ لذاته؟ :

 أيها الأخوة, هناك عمل مجزئ لغيره، وهناك عمل مجزئ لذاته، ما الفرق
 لو فرضنا رجل يعمل في بناء البيوت، والشتاء قارص، والبرد لا يحتمل، والهواء يلسع، وأنت مكلف أن تبني هذا الجدار في العراء، الأجر كبير جداً، فأنت تتحمل هذا العمل الشاق لأن دخله كبير، تقول: هذا العمل مجزِّئ لغيره، وإنسان يحب المطالعة بشكل مخيف، وعين أمين مكتبة، هذا العمل مجزِّئ لذاته, أي يسعد بهذا العمل أيما سعادة، حتى دخل هذا العمل لا قيمة له، أي قليل أو كثير هو حقق ذاته .

هذا من أسعد الناس :

 أنا أقول لكم: أن أسعد الناس من كان عمله متوافق مع طموحه، فرضاً: إنسان يحب الدعوة إلى الله, عمل مدرساً –فرضاً-، التدريس جزء من هدفه الأساسي، إنسان يحب المطالعة, عمل في مكتبة فرضاً، إنسان يحب التأليف, فأسس دار نشر، فإن كان عملك المهني منطبق مع حاجاتك الأساسية, منطبق مع ميولك، فهذه من نعم الله الكبرى .
 لذلك: أيها الأخوة, العمل والزوجة أوثق شيء في حياة الإنسان، أي شيء آخر يبدل، البيت يبدل، المركبة تبدل، أما الحرفة: حرفتك وخبرتك هنا .

هنا تكمن المشكلة :

 فأنا حينما ألتقي مع بعض الأخوة, وقد اختاروا قبل أن يعرفوا الله, عملاً لا يرضي الله، وبنوا عليه خبراتهم, وهو سبيل رزقهم الوحيد، عنده مشكلة كبيرة .
 يوجد أخ التزم بالمسجد شهر أو اثنين, ثم افتقدته، ثم زرته في محله, يبيع أشرطة غناء، قال لي: أنا كل حياتي أبيع أشرطة, لم يستطع أن ينسجم مع ذاته في المجيء إلى المسجد .
 أخ آخر داوم, ثم غاب بعدها، عنده محل يبيع فيه تحف كلها محرمة، كؤوس شراب, وتماثيل، وفضيات، ومذهبات .
 أي: لو كان عملك المهني, يتناقض مع اتجاهك الديني, فعندك مشكلة كبيرة جداً، لا يوجد راحة .

هذا هو وضع العالم الغربي اليوم :

 أيها الأخوة, الإنسان الذي يعمل عملاً إضافياً, فقد ألغى وقت فراغه، ضيع أولاده، ضيع زوجته، لم يطلب العلم، لم يعرف منهج الله، لم يتعرف إلى الله، لم يحقق ذاته، الله وصفهم في القرآن قال:

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾

[سورة المدثر الآية: 50-51]

 وهذا وضع العالم الغربي تماماً، بالتعبير العامي: حمير شغل، ثماني ساعات عمل مضني، يأتي كالدابة، ينام نوماً عميقاً, لأنه بذل جهداً كبيراً جداً، من الذي يربح؟ هذه الشركات الكبرى التي تجعل من العالم كله أسواقاً لمنتجاتها، ففي هذه الحالة قبل هذه السلعة وعمل عملاً إضافياً, فألغى وقت فراغه، وألغى أبوته، وألغى تربية أولاده، وألغى الاهتمام بزوجته، ألغى طلب العلم، ألغى حضور مجالس العلم، من أجل أن يأتي بهذه السلع والحاجات.

2-قبوله للدخل الحرام :

 الحالة الثانية: مد يده إلى الحرام، قبل دخلاً محرماً، حتى يؤمن الحاجات، فسقط من عين الله، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله، الأول ليس محجوباً عن الله, لكن متعب، إعياء، لكن الثاني محجوب عن الله، لأنه مد يده إلى الحرام .

3-أن يشعر بالحرمان المستمر :

 الحالة الثالثة: أن يشعر بالحرمان المستمر، هذه هي حالة الناس، إما أنه قبل دخلاً حراماً, أو أنه ألغى وقت فراغه، أو أنه شعر بالحرمان الدائم، هذا مجتمع الاستهلاك، هذه اللعبة التي يراد لنا أن نكون أحد لاعبيها، كي تربح هذه الشركات الكبرى، فالعولمة نموذج غربي معمم في العالم كله، مبني على الدعاية .
 نحن -والحمد لله, بفضل الله-, هذه الشركات العملاقة غير موجودة، أما العالم كله أينما ذهبت, يجب أن تأكل دجاج (كنتاكي)، وبيتزا (هوت)، وبيبسي كولا، وكوكا كولا، وشاي ليبتون، شركات عملاقة, إنتاجها معمم في العالم كله، ويوجد دعاية غسلت الأدمغة غسيلاً كاملاً .

هذا ما انقدح في ذهني :

 قال لي أخ: لا نستطيع أن نعيش من دون بيبسي، ائت لي بالبديل، ما هذا المسلم الذي لا يستطيع أن يعيش من دون بيبسي؟ ائت له بالبديل، لا يستطيع أن يقاطعها .
 فلذلك: أيها الأخوة, أنا من كلمة الأخ: أنا لا أستطيع أن أعيش من دون بيبسي, انقدح في ذهني هذا الدرس، لا تبرمجوا أولادكم على أشياء, لا بد ألاّ نشتريها .
 النبي قال في الأثر:

((تَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَامْشُوا حُفَاةً))

[أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده]

 الإمام الغزالي يقول:

((إن لم تخشوشن، ولم تتقشف, فأنت في مزلقين خطيرين؛ إما مداهنة السلطان، أو أكل المال الحرام))

 مزلقان خطيران لكل من عاش حياتاً وادعةً جداً، عَوِّد نفسك ولو كان دخلك كبيراً, ليس من الضرورة أن يكون لديك في كل يوم الفاكهة، ممكن يوم بفاكهة، ويوم دون فاكهة، يوم كأس من الشاي، يوم تمضية، الإنسان يتألق بالتقشف أحياناً، الحزن خلاق يا أخوان، وهؤلاء الذين ربوا في النعيم، وغرقوا في النعيم لا يحتملون، عندهم كبر لا يعلمه إلا الله.

 

لو .....:

 فأنا أقول هذا الحديث:

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))

 كنت أضرب مثلاً, أعدته كثيراً، حتى لا تقولون: إن الأستاذ يعيد كلامه كثيراً، يأتي الرجل مع زوجته إلى الدرس, فيسمع حقوق الزوجة، وتسمع حقوق الزوج، فإن طبقوا واحد بالمئة مما سمعوا, تزداد علاقتهم قرباً، تتمكن علاقتهم بالمسجد .
 لو أن كل واحد جاء إلى المسجد, وسمع كل طرف حق الزوج على الزوجة، وحق الزوجة على الزوج، وكيف أن الزواج مقدس, وأن الزواج أقدس عقد, وكيف عامل النبي زوجاته
 أي: الزوج يحاول أن يطبق شيئًا من السنة، فتحبه زوجته زيادة، وهي تطبق شيئًا من السنة، فيحبها زوجها زيادة، أما لو ذهبا إلى السوق, تريد أن تشتري فستاناً، وهو لا يملك ثمنه، حصلت بينهما مشكلة، هذا يقع دائماً، لأن المرأة والطفل الصغير يحسبان الرجل على كل شيء قدير، هي تريد بدلة أعجبتها، ولكن ثمنها يساوي نصف معاشه، هل يبقى دون طعام من أجل أن تلبس بدلة؟ لا يستطيع، والنساء عندهن رغبة بالكيد، تأتي أختها وتقول لها: زوجي اشترى لي فستاناً بثلاثة آلاف ومئة، أخت زوجها غني، وأخت زوجها فقير، تنشأ مشكلات، زوجة الغني تتباهى، وامرأة الفقير تنكسر، وينشأ خصام في البيت .

 

لا تكن طرفاً في هذه اللعبة :

 أيها الأخوة, نحن أريد لنا أن نكون أبطالاً في لعبة .
 سيدنا عمر رضي الله عنه, مر في قرية, فوجد معظم الفعاليات بيد غير المسلمين، فاعتذروا اعتذارا شديداً, أن الله سخرهم لنا، كما يفعل أهل النفط، فقال:

((كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟))

 لأن المنتج قوي وغني، والمستهلك ضعيف وفقير، هل تصدقون أن تعمير محرك طائرة, يكلف خمسة ملايين من الدولارات؟ ما معنى خمسة ملايين دولار
 أي: خمسة ضرب خمسين, يساوي مئتين وخمسين مليون ليرة، فكم طنًا من القمح تساوي؟ كم طنًا من القطن؟ هذا تعمير محرك، وليس شراؤه .
 أقرأ أحياناً ما يجري في بلاد الغرب، لوحة بحجم متر بمتر ونصف، ثمنها مئة وستة وخمسون مليون دولار، لوحة زيتية، يوجد أموال لا تأكلها النيران، نحن مجتمع آخر، نحن يهمنا أن نزوج أولادنا، أن نشتري لأولادنا بيوتًا، كل أب هذا طموحه .
 فأنا أتمنى من هذا اللقاء, ألاّ نكون طرف في هذه اللعبة، أنا معك أن الأساسيات مهمة جداً، لكن لا ندخل في متاهة, أن كل شيء يجب علي شراءه، يجب أن أعمل بيتاً فخماً، مرتب كل شيء فيه، هذه لعبة، نجهد ليلاً نهاراً, ليغتني أناس فوق الحد المعقول .

 

هذه مشكلة العالم اليوم :

 أيها الأخوة, وما وجدت مشكلة في العالم, إلا وراءها الفرق الكبير جداً بين الأغنياء والفقراء، ولو أن الأغنياء أدوا زكاة أموالهم، ولو أن الفقراء عملوا وتعففوا, لكنا في حال غير هذا الحال .

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))

 يوجد حالة أصعب، هو يعيش في بلده، أتيح له العمل في بلد بعيد، والعمل ممنوع فيه أن يحضر زوجته، فتصور أسرة الأب مسافر سفراً طويلاً, سنة، والأم عندها أولاد، لا أب يرعاهم، لا أب يضبط سلوكهم، لا يوجد أب يحاسبهم .
 أيها الأخوة، والله لا أبالغ، مئات الأسر وقعت الزوجة في غياب زوجها المديد بالفاحشة، والأولاد تشردوا، من أجل أن يأتي بالمال، أنا لا أوافق مهما كان دخلك لا يفي بحاجتك, أن تضحي بزوجتك وأولادك سنة، من أجل أن تأخذ مالاً، أنت ضيعت أسرتك، انتهى إلى سمعي: أن أطفالاً كثيرين انزلقوا في الرذيلة، والسرقة في غيبة آبائهم المديدة .
 سمعت عن بعض البلدان التي أكثر أهلها, يسافرون سفراً طويلاً, أكثر الزوجات وقعوا في الخيانة الزوجية، لأن السفر شهر، ويأتي ثلاثة أيام، ويغيب شهراً، والزوجة غير متعلمة، إيمانها ضعيف، ويوجد أناس طمعوا بها، فلما أريد أن أطلب الرزق على حساب سلامة أسرتي, وسلامة تربية أولادي, فأنا وقعت في خطر كبير، فهذا مجتمع الاستهلاك هو مجتمع العنف، والعنف لا يلد إلا العنف، طبعاً: المال قوام الحياة .

 

انظر إلى هذا التخطيط الكيدي للمسلمين من قبل أعدائهم :

 أنا ذكرت لكم من قبل: أن أعداء المسلمين يخططون لإفقار المسلمين، ولإضلالهم، ولإسقاطهم في الشهوات، أو باحتلال أراضيهم، أربعة تحديات:
 أول تحدٍ: هناك تخطيط لإفقار المسلمين، أي أن الكتل النقدية الكبيرة, تنتقل من بلادنا إلى بلاد الغرب، أقصد بلاد الشرق الأوسط .
 في حرب الخليج, ذهب سبعمئة وخمسون مليار إلى بلاد الغرب، أي إن باعونا شيئاً ينهبونا، وإذا اشتروا منا ينهبون، يشترون موادنا الأولية بأبخس الأثمان، ويبيعون سلاحهم بأغلى الأثمان، يبيعونك آلة أحياناً: تحتوي على كمبيوتر صناعي، ومع الكمبيوتر لوحات معقدة جداً، بقدرة قادر تتعطل هذه الآلة، وكلفة تصليحها بالملايين، مصممة ألاّ تصلحها أنت، بل أن تحضر خبيرًا من عندهم، فهذه أساليب متنوعة، حتى في السيارات، أكثر القطع متكاملة لا يمكن أن تصلح، يجب أن تغير الجهاز كله, لعطب طفيف أصاب بعض أجزائه، أحياناً: توجد خطة لا تصدق، يقدمون لك هدية, سيارة دون مقابل، لكن يجب أن تدفع ثمنها خمس مرات قطَعًا بعد ذلك، فيوجد أساليب كثيرة جداً لإفقار المسلمين، وإفقار العالم الثالث .

هذا ما أقوله :

 فأنا أقول: نحتاج إلى خطة، الأساسيات ضرورية، لكن أنا لا أكون عبداً للثانويات، لا أكون عبداً للكماليات .
 أحياناً: أرى بيتًا متواضعًا، أرى فيه سعادة لا تجدها في بيت فخم جداً، طالما يوجد طاعة في هذا البيت .
 مرة دخلت إلى بيت, يمكن في الجادة الأولى, لكن من الأعلى بالعكس، أرضه عدسة ، أي ليس فيها بلاط، بساط كان الناس يصنعونه منذ خمسين عاماً، لكنه كان نظيفاً، أثاث متواضع جداً، لكن يوجد بالبيت سعادة، فيه دين، فيه قرآن، فيه وفاق زوجي، فيه ابن مربًّى تربية عالية، فليس كل شيء مادي يسعد .

هذا ما أردته من هذا الدرس :

 أنا أردت من هذا الدرس: ألاّ نكون نحن طرفاً في هذه اللعبة القذرة، نحن يجب أن نشتري كل شيء .
 امرأة دخلت إلى سوق مركزي ضخم كبير، قال: يا إلهي كم هي الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان؟ أنت لا تستطيع أن تحرك يدك بفرشاة الأسنان، لكن يوجد فرشاة لها محرك، ألا تستطيع الحياة دونها
 ترى أشياء, أنواع من الآلات الكبيرة والصغيرة, تفوق حد الخيال، من أجل أن تشتري، ليس عندنا هذا الشيء، لكن في بلاد أخرى, أصول البيع أتقنوها إتقانًا كبيرًا جداً، تمسك السلة، بضائع مغرية وجميلة، وأسعارها عليها، تشتري، أنت دخلت وفي نيتك الشراء بعشر ليرات، فتخرج وقد اشتريت بخمسمئة ليرة، دائماً: لما يدخل الإنسان هذا السوق, يشتري عشرة أضعاف, ما كان يتمنى أن يشتريه منها، شيء مغرٍ، وسلع جميلة جداً .
 فالهدف: أن نكون نحن سوقاً لبضاعتهم، ثم يوجد يغير الموديلات، وهذه خدعة أخرى، فيجب أن يكون للنساء موديلاً جديداً من الثياب كل عام، تقول لك: هذا رأوه علي، لا يوجد امرأة إلا وعندها خمسون فستاناً، لبست الواحد منهم مرة أو مرتين، هذه كلها جهود, وطاقات, وأموال .
 يوجد مادة ببعض الجامعات اسمها: التربية والمستقبل، نحن ماذا فعلنا؟ نحن استهلكنا خيرات الأرض, استهلاك غير مرشد، تجد حاجات كثيرة, لا نستعملها, موجودة عندنا, اشتريناها, لها ثمن، والثمن يعني الجهد، تعرف ما معنى مئة ليرة؟ يلزمك ترميم بيتك, أحضرت سيارة رمل، وبيتك في الطابق الرابع، تريد إنسانًا يحمل الرمل إلى بيتك، عن طريق أكياس، كيس وراء كيس، طلب منك ألف ليرة، نقل السيارة للطابق الرابع، وعمل على يومين تقريباً، ما معنى ألف ليرة بالنسبة له؟ عمل يومين .
 هذا المال أساسه عمل مضنٍ شاق، فإذا لم يكن ثمة ترشيد باستهلاكه, نكون وقعنا في شر أعمالنا، أحياناً: ألاحظ أناسًا يعمل ليلاً نهاراً, ليحقق حاجات لأهله, أكثرها ثانوية، وهم يجلسون مرتاحون, يطلبون طلبات، وهو يعمل ليلاً نهاراً، أحياناً: يأتي منتصف الليل، لأنه يجب أن يكون متر القماش لفستان العرس, أربعين ألفًا للمتر الواحد، وإلا عيب .

هذا ما نعبده :

 أيها الأخوة, نحن نعبد المظاهر، عندنا مظاهر كبيرة جداً تسحقنا, هذه تدمرنا، كم من زواج انتهى إلى الطلاق من أجل المظاهر؟ كم من أسرة تشتت من أجل المظاهر؟ الأساسيات لا خلاف عليها، أغلب الظن: الأساسيات ليست مشكلة أبداً، أن تأكل أكلاً معقولاً، أن تسكن بمأوى، ترتدي ثيابًا تستر عورتك, لا مشكلة، هذه مؤمنة في أدنى المستويات، نحن بخير يا أخوان .

هذا هو نبيكم :

 فبالحديث, انقدح في ذهني:

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا))

 في المسجد تتعرف إلى الله, إلى منهج الله، إلى أنبياء الله العظام .
 كان عليه الصلاة والسلام يأكل جالساً كما يأكل العبد .
 عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:

((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ, فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ, فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ, فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ, إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ, تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))

 دخل مرة بيته, فلم يجد شيئاً, قال:

((عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا))

 سيد الخلق, دخل عليه عمر, فرآه مضطجعاً على حصير, قد أدخل في صدره الشريف، فبكى عمر قال:

((يا عمر لمَ تبك؟ قال: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير!؟ قال: يا عمر, أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟))

 هذه رواية .
رواية ثانية:

((إنما هي نبوة وليست ملكاً))

 الرواية الثالثة:

((أفي شك أنت يا عمر؟))

هذه هي الحقيقة :

 أيها الأخوة, عندما تكون معنويات المؤمن عالية جداً، أكل الحمد لله، أي نوع من الأكل, إذا كنت مع الله مسرورًا, لو تناولت ظهراً طعامًا خشنًا بسيطًا, فأنت أسعد الناس، إذا كنت في طاعة, ولك مع الله صلة، وتحس أنك تؤدي الغاية التي من أجلها خلقت، لك عند الله صلة كبيرة، أما إذا كان هناك بعدٌ عن الله, أي شيء لا يرضيك، أي طعام لا يشبعك، أي بيت لا ترضى به, فأنت لا ترضى إلا إذا نقلت اهتمامك للآخرة .

هذا ما يقدمه المسجد :

 فالمسجد فيه ضيافة إلهية, الله ماذا يقدم لك في المسجد؟ يقدم لك الشعور بالأمن, هذا أغلى شعور، يقدم لك الشعور بالرضا, ترضى عن الله، يقدم لك الحكمة:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة الآية: 269]

 تجد إنسانًا من الطبقة الوسطى أو من الطبقة الدنيا من أسعد الناس، وتجد إنسان يملك ملايين مملينة من أشقى الناس، هذا شيء ثابت .
 وفي حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ, أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا, كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ))

هذا شعوري :

 الحقيقة: أن قضية الآخرة، هذا شعوري الشخصي, مع أنه يوجد آيات كثيرة جداً, وهي من أركان الإيمان, لكن لا تلاحظ أن الناس لم يدخلوها في حساباتهم اليومية، ليس أمامهم إلا الدنيا؟ فقد تجد أن الدنيا هي جنة، جنة أهل الدنيا، لكنها سجن المؤمن, هكذا ورد.

((الدنيا جنة الكافر, وسجن المؤمن))

((الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له))

((الدنيا جيفة, طلابها كلابها, فلينظر ناظر بعقله, أن الله أكرم محمداً أم أهانه, حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه, فلقد أهان غيره, حيث أعطاه الدنيا))

 أنا أتمنى مؤمنًا معنوياته قوية جداً, ولو كان فقيراً .

 

نقطة :

 نقطة أرجو أن تكون واضحة لكم: الفقر مشكلة كبيرة، لكن عندنا فقر, هو وسام شرف, ما هو؟ فقر الإنفاق، أو فقر الطاعة، أنت لا تستطيع أن تقبل دخل حرام, فالاستقامة لا تهيئ دخلاً فلكيًا، بأي حرفة كن صادقاً أميناً، كن محامياً, مثلاً: إذا كانت الدعوة لا يلزمها محام واحد, شمله العفو, يلومه، يقول: إذا لم توكل محاميًا, تخسر العفو، اعمل وكالة، وأعطني عشرة آلاف، هذا كله كلام غير صحيح، كلمة الحق دخلها قليل جداً، فالإنسان أحياناً: يكون فقيرًا, لأنه مستقيم، واستقامته جعلته فقيراً، وليس فقيرًا, بمعنى أنه محتاج .

من مصائب الدنيا :

 النبي الكريم قال:

((اللهم من أحبني, فاجعل رزقه كفافاً))

 ؛ لأن النبي اللهم صل عليه, أعد الغنى المطغي أحد مصائب الدنيا .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا, هَلْ تَنْتَظِرُونَ؛ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا, أَوْ غِنًى مُطْغِيًا, أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا, أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا, أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا, أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ, أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟))

 فالغنى المطغي أحد مصائب الدنيا الكبرى، الغنى الذي يحملك على معصية الله، أحد أكبر المصائب .

 

متى نحقق الهدف من وجودنا, وكم نوعاً للاكتساب, وما هما؟ :

 فأيها الأخوة الكرام, حينما نخشوشن, ونكتفي بالأساسيات, ونسعى لمعرفة الله، وحينما نبحث عن عمل صالح, نرقى عند الله به, نكون قد حققنا الهدف الإلهي من وجودنا، أما حينما نسعى إلى الاستهلاك, نكون قد حققنا الهدف الخسيس الذي رسم لنا، الأساسيات لا خلاف عليها أبداً, أما الخلاف, والتنافس, والتطاحن, والحسد, والغيرة على الثانويات, لذلك: الله عز وجل قال:

﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 157]

 عندنا اكتساب؛ رزق وجمع، الإنسان يكتسب رزقه, وقد عمل مشروعًا، وجزّأ من عبادته، أما حينما ينتقل لمرحلة أخرى, همه الجمع, جمع ثروة طائلة, قال:

﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 157]

 ألم تجرب مرة, أن تكون جالسًا مع أخ محب, في بيت متواضع جداً، قد يكون البيت عربيًا، والغرفة صغيرة, مدفأة قديمة جداً، لكن الغرفة دافئة، وأصبح هناك سرور، وأنسٌ، وتجلٍّ؟
 بالحديث تقول: كنا في جنة، وألم تجرب أن تكون في بيت فخم جداً، حسد، ونميمة، وغيبة، ومظاهر، واستعلاء، خرجت منه منزعجًا؟.

ليس من الضروري أن يكون أصحاب الدخل الكبير سعداء :

 دعيت مرة لعقد قران, في بلدة من قرى الغوطة الشرقية، بلدة فقيرة جداً، أين العقد بأي صالة؟ لا يوجد صالات، هناك بالطريق يضعون كراسي خيزران، وضيافة كأس شاي، وأذكر أنه مرت عربة المازوت, فأصابتنا رائحة روث البغل, هذا عقد القران، وألقيت كلمة يمكن أتى منها ثلاثين واحداً إلى الجامع .
 ذهبت مرة لعقد قران بأرقى أحياء دمشق, بقدر ما وجدت من الماس الكثير, لم أجد وجهًا يفتح قبلة، والله لم أتمكن أن أتكلم كلمة, ليس كل مكان فخم فيه روحانية، أو كل بيت فخم فيه سرور، ليس كل دخل كبير أصحابه سعداء .
 إن الله يعطي الجمال, والقوة, والذكاء, لكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين .
 فهؤلاء أنبياء الله العظام, كانوا فقراء، كانوا يأكلون الطعام, ويمشون في الأسواق، إذا سار الإنسان بالسوق، وكسب رزقه بيده، وحمل حاجته بيده .
 قال عليه الصلاة والسلام:

((برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من البخل من أدى زكاة ماله))

ما المراد من هذه الموازنات؟ :

 مرة اضطررت أن أدخل بيتًا لتعامل تجاري، يبدو البيت فخمًا جداً، فقال لي صاحبه: أستاذ هذا البيت, مساحته أربعمئة متر، قلت: الله يهنئك، شيء جميل، قال: هذا البلاط أحضرناه من إيطاليا بشحن جوي، قلت: الله يهنئك، قال: هذه اللوحة ثمنها كذا، طقم الأرائك استيراد، وبقي يتكلم ويتكلم، وأنا ليس لي مصلحة، وهو يمدح أثاث بيته، والتزيين، والثريات ، والجبس، يوجد لوثة بعقله، فأنا مللت، قلت: ما رأيك ببيت, وذكرت له حيًّا من الأحياء الفقيرة جداً بطرف المدينة، بيتًا تحت الأرض، شمالي، على العظم، سياق مكشوف، فيه ستة أو سبعة أولاد، أشهدته بصورة، لكن نادرة جداً, قال: أعوذ بالله, قلت: أيتوازن هذا البيت مع هذا البيت؟ قال: لا، بيت أربعمئة متر، تكييف، تدفئة، إطلالة جميلة، أثاث كله مستورد، وأشهدت له بحالة ثانية, ببيت لا يُسكن فيه إطلاقاً، قلت له: أستاذ جامعة ذو كرسي, دخله كبير جداً، ومعلم بقرية يحمل طعامه, ويسير سيراً, هو مدير, ومستخدم, ومعلم, يتوازن هذا الأستاذ الجامعي مع الابتدائي؟ قال: لا والله، قلت: حسناً, طبيب جراح قلب, كل عملية خمسمئة ألف، وممرض بمستشفى, عليه أن ينظف المرضى من تحت، شيء فوق الطاقة, هل يستوون؟ قال: لا والله، رئيس غرفة تجارة كل صفقة بالملايين، وبائع على العربة بسوق الحميدية، كلما جاء شرطي يهرب منه, يستوون؟ رئيس أركان, وجندي غر, يجلس بالجبهة, الدنيا شتاء مبلولاً بالماء –مثلاً- هكذا حالات نادرة جداً، لم يفهم ما هذه الموازنات، قلت له:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 21]

 قلت له: درجات الدنيا مؤقتة, ولا تعني شيئاً، وقد تعني العكس, قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 44]

 درجات الدنيا مؤقتة، ولا تعني شيئاً، وقد تعني العكس، لكن درجات الآخرة أبدية، وتعني كل شيء, قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

[سورة القمر الآية: 54-55]

 هذه الآية مؤثرة جداً, قال تعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 21]

 أيها الأخوة, فنحن هدفنا الآن: أن نسعى إلى درجات الآخرة, لذلك ورد: ابتغوا الرفعة عند الله .
 ابتغ درجة عند الله، والثمن بيدك, الثمن طاعة الله, والالتزام, وإنفاق المال, وخدمة الحق, أن تكون جندي بالحق .

خاتمة القول :

 أرجو الله سبحانه وتعالى, أن ينفعنا بهذا الحديث، هذا الحديث احفظوه, سأعيده مرة ثانية:

((أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))

 الأسواق دنيا، كل شيء جميل، ويحتاج إلى دخل فلكي، من أجل أن تشتري هذه الحاجات, وكم من رجل كسب المال الحرام ليرضي أهله؟ أما الصحابية الجليلة كانت تقول لزوجها الصحابي:

((اتقِّ الله بنا, نصبر على الجوع, ولا نصبر على الحرام))

((وأعظم النساء بركة أقلهن مهراً))