الدرس : 21 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 55 - 59 ، الإنسان هو المخلوق الأول رتبة وهو في قبضة الله

2009-12-11

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تكريم الله عزّ وجل للإنسان:

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس سورة الأنفال، ومع الآية الخامسة والخمسين وهي قوله تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

والدواب جمع دابة، والدابة كل مخلوق يدب على وجه الأرض، أي يمشي على وجه الأرض، هو دابة وجمعها دواب.
ولكن بالعرف الدواب هي التي تمشي على أربع، ولقد كرم الله الإنسان.

 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

الإنسان كرمه الله فجعله يمشي على رجليه، وهو منتصب القامة، ويداه طليقتان ، هناك من يقول: إن هذه الحضارة الإنسانية بسبب أن يدي الإنسان طليقتان.
لذلك عندنا معنى لغوي، الدابة، وأي مخلوق يدب على وجه الأرض، وبهذا التعريف الشامل الإنسان يدخل في هذا التعريف، لكن العرف أن الدواب تمشي على أربع، بينما كرم الله الإنسان، فجعله يمشي على رجليه، وجعل يديه طليقتين.

 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة:

الآية تقول:

 

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

هنا الدواب بشر، بشر كفار، وهناك ملمح دقيق جداً بالآية أن هذا الذي كفر ينضم لا إلى بني البشر ينضم إلى الدواب، هذا الذي كفر صُنف هنا مع الدواب، مع أن الإنسان ليس دابة بل هو مخلوق مكرم.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 73 )

الإنسان ركب من العقل والشهوة

لذلك إن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ ﴾

( سورة البينة )

لذلك كما قال سيدنا علي:ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ".

 

إذاً الدابة: أي مخلوق يدب أي يمشي على وجه الأرض، لكن العُرف أن الدواب هي المخلوقات التي تمشي على أربع، ولقد كرم لله بني آدم فجعل الإنسان يمشي على قدمين، وجعل يديه طليقتين.

 

الإنسان عندما لا يعرف الله عز وجل يهبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به:

إلا أن الكافر أُلحق مع الدواب، قال الله عنهم:

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

( سورة النحل الآية: 21 )

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

 

( سورة الجمعة الآية: 5 )

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنافقون الآية: 4 )

﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 176 )

إذاً الإنسان حينما لا يلبي حاجته العليا وهي معرفة الله عز وجل هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوىً لا يليق به.
إذاً:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

والله أنا أحياناً لا أرى من وصف لهذا الكافر الشارد، التائه، المنحرف، الذي يعتدي على أموال الناس، وعلى أعراضهم، والله لا أرى من وصفٍ يليق به كأن أقول دابة، حينما لم يلبِ حاجة عقله، لم يتعرف إلى الله، لم يعرف سرّ وجوده، لم يعرف غاية وجوده، هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوىً لا يليق به.

 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة المكرم و المكلف:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

ما لم تؤمن التصنيف يختلف، أنت مصنف مع البشر، ولأنك من بني البشر أنت المخلوق الأول رتبة، لأنك من بني البشر أنت المخلوق المكرم، لأنك من بني البشر أنت المخلوق المكلف، لأنك من بني البشر أنت تفوق الملائكة، هكذا الآيات، والأحاديث، والنصوص.

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

الإنسان مخلوق مكرم وغارق بنعم لا تعد ولا تحصى

كل هذا الكون يدل على الله، فالإنسان غارق بنعم لا تعد ولا تحصى.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

( سورة البلد )

ترى الأشياء بأحجامها الحقيقية، وبألوانها الدقيقة، أنت صور مجموعة من الأشخاص بآلة، تجد بعد طبع الصورة أن الألوان كلها متقاربة، لكن العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، بالعين ترى كل إنسان له لون، بالآلة الألوان متقاربة، بالعين يوجد بالميليمتر مربع مئة مليون مستقبل ضوئي، بأعلى آلة تصوير رقمية احترافية هناك عشرة آلاف مستقبل ضوئي، فأنت مكرم بالعينين.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً ﴾

( سورة البلد )

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

جعل له عينين، أذنين، يسمع، ويبصر، ويتألم، ويفرح، ويسعد، ويدرك، ويغضب، مركز الذاكرة في الإنسان لا يزيد عن حبة عدس، هناك سبعون مليار صورة، فالإنسان إذا عاش ستين سنة تقريباً يوجد بذاكرته ما يساوي 70 مليار صورة.

 

أوامر الله عز وجل التكليفية و التكوينية:

لذلك أيها الأخوة،

 

 

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

لكن هناك شيء دقيق، أن الله عز وجل له أمر تكليفي، وله أمر تكويني، الأمر التكليفي افعل، ولا تفعل، والأمر التكليفي يشبه طريق سالك ممتد، لكن عند أول تقاطع وضعت لوحة ممنوع المرور هذا أمر تكليفي، لكن الإنسان بإمكانه أن يمشي، وأن يخالف هذه اللوحة، الأمر التكليفي قد لا يطبق، كلفك أن تكون صادقاً، الإنسان مخير، قد يكذب، كلفك أن تكون أميناً، قد تخون، كلفك أن تصلي، الإنسان مخير قد لا يصلي، كلفك أن تكون منصفاً.
فالأوامر الإلهية التي كلف الله بها الإنسان هي أوامر تكليفية، يمكن للإنسان أن يعصيها، أما الأمر التكويني شيء آخر، هذا الطريق السالك المفتوح الذي بإمكان السائق أن يعبره، وهناك لوحة ممنوع المرور، بالأمر التكويني يوجد أربع قطع إسمنت مسلح على عرض الطريق، ارتفاعها متران، هذا أمر تكويني، الأمر التكليفي أمر الله، أما التكويني فعل الله ، الأمر التكويني لا يعصى، الله خلقك أبيض البشرة، أو أسمر، لون بشرتك أمر تكويني، كونك من فلان أو فلانة أمر تكويني، كونك ولدت بدمشق أمر تكويني، ولدت في السبعينات أمر تكويني

 

الأمر التكويني هو فعل الله ولا يعصى كلون بشرتك ونسبك

الله له أمر تكليفي، وله أمر تكويني واضح ؟ فالإنسان مكلف بأمر تكليفي أن يكون مؤمناً، أن يكون صادقاً، أن يكون أميناً، أن يكون منصفاً، أن يطلب العلم، أن يتعرف إلى الله، أن يتعرف إلى منهجه، أن يطيعه بأمر تكليفي، كل إنسان قد يعصي، وقد لا يصلي، وقد يأكل المال الحرام، إلا أن بقية المخلوقات مسيرة، الإنس والجن مخيران.

﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ﴾

( سورة الرحمن )

الإنس والجن أعطيا الأمانة، والتكليف، وكلفا بعبادة الله عز وجل، ما سوى الإنس والجن مخلوقات مسيرة بالغرائز.

 

الإنس والجن أعطيا الأمانة والتكليف و ما سوى الإنس والجن مخلوقات مسيرة بالغرائز:

اطلعت على نظام النحل، نظام ما بعده نظام، دقة ما بعدها دقة، قيام بالواجب ما بعده قيام بالواجب، اختصاص دقيق، هذا النظام المذهل في النحل ليس بأمر تكليفي، بل بأمر تكويني، هناك أنظمة في عالم النحل، أو في عالم النمل يكاد الشيء لا يصدق، كل نحلة تقوم بمهمتها، نحل لجني الرحيق، نحل لصنع العسل، نحل لصنع بيت الشمع، نحل للحراسة، نحل للتعليم، نحل للتنظيف، نحل للتميع، نحل للتهوية، عالم النحل عالم قائم بذاته، أروع نظام اجتماعي في الكون عالم النحل، لماذا لا يوجد معصية ؟ لأنه بأمر تكويني، بغريزة.

مثلاً: دابة أطعمها تشبع تقف عن الطعام، أي محاولة لتجبرها على الطعام لا تنجح، أما الإنسان يأكل فوق حاجته، الدابة بغريزتها لا تأكل إلا حاجتها.
حتى إن هناك شيء مشاهد، لو فرضنا هناك معبر مائي، فالدابة هل تستطيع أن تعبر هذا المعبر ؟ إن كان هذا المعبر أوسع من طاقتها لا تعبر، مهما ضربتها، مهما دفعتها.
الإنسان أحياناً يخاطر ويغرق أحياناً، الدواب تتحرك بغرائز، والغرائز لا تخطئ أبداً، الكون كله مسير عدا الإنس والجن، لأنك من بني البشر أنت مخير، مخير ومكلف بمعرفة الله، ومعرفة منهجه، لا تأكل الدابة فوق حاجتها، ولا تتخطى معبراً مائياً لا تستطيع أن تقفز منه، أما الإنسان قد ينضبط، وقد لا ينضبط.
من طرائف المعلومات أن الإنسان الذي وصل إلى القمر، والذي أرسل المركبات إلى المشتري، والذي حصّل علوم الثقلين، والذي نقل الصورة عبر الأمواج الكهرطيسية والذي نقل الإنسان بالطائرة، أربعمئة و ثمانين راكباً يركبون بالطائرة كأنهم في مدينة تطير في الأجواء، الإنسان الذي نقل الصورة، نقل الصوت، صنع هذا المحمول

الإنس والجن أعطيا الأمانة والتكليف و ما سواهما مخلوقات مسيرة بالغرائز

وأنت بأي مكان بالعالم تخاطب أي إنسان في العالم بثانية، هذا الإنسان لا يستطيع أن يتنبأ بالزلزال ولا قبل ثانية، بينما الدواب تتنبأ به قبل عشرين دقيقة، لحكمة أرادها الله.

 

الإنسان مخير ومكلف بأمر تكليفي أما المخلوقات الأخرى فمسيرة بالغرائز:


إذاً: الإنسان مخير ومكلف بأمر تكليفي، يطيع أو لا يطيع، أما المخلوقات الأخرى مسيرة بالغرائز، تجد الحيوان يقوم بأعمال يعجز عنها العقلاء، بالغريزة.
البطريك طائر، يعيش في القطبين، حينما تلد أنثاه بيضة يضعها على قدميه، ويغطيها بالفرو الذي على جسمه، ويبقى أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب، حفاظاً على هذه البيضة، لو سقطت من على قدميه إلى الثلج لمات الصغير، بعد أربعة شهر تفقس البيضة، الأب معه كمية طعام في حوصلته معدة لهذا الصغير، يعطي هذا البطريك الصغير وجبة طعام دسمة، وتأتي الأنثى فتأخذه عندئذٍ يذهب إلى البحر، ما هذا النظام ! هناك رحمة بأمر تكويني، وهناك عدل بأمر تكويني، وهناك نظام بأمر تكويني، و هناك توزيع اختصاصات بأمر تكويني، فما سوى الإنسان مسير بالغرائز.
مثل بسيط: الطفل الآن ولد، إذا وصلت إصبع الطبيبة إلى شفتيه يمصها فوراً والمص عملية معقدة جداً، عملية معقدة، إحكام الشفتين على هذه الأصبع ثم سحب الهواء ، منعكس المص غريزة أودعها الله في الطفل كي يعيش، الإنسان يتحرك إما بعقله مع معلومات أو بغريزته.

 

الإنسان كائن بالغ التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز:

الآن الإنسان، يا ترى الجوع ما حقيقته ؟ الآن أنت بالسيارة عندك مؤشرات، هناك مؤشر صوتي، و مؤشر ضوئي، و مؤشر رقمي، الحرارة مؤشر رقمي، فالإنسان إذا لم ينتبه للمؤشر يحترق المحرك، وهناك مؤشر صوتي، و هناك سرعة معينة إذا تجاوزتها هناك صوت يصدر من السيارة، وهناك مؤشر حراري، الجوع ما نوعه ؟ صوتي أم حراري ؟ لا نعرف، الجوع، تحس بالجوع بغريزتك فتأكل، والعطش، تحس بالعطش بغريزتك، طبعاً لضمان سلامتك جعل الله الإحساس بالجوع والإحساس بالعطش غريزي، تأكل، الهضم عملية معقدة جداً جداً جداً، هناك عصارات، وهناك حركة المعدة، وحركة الأمعاء، وهناك البنكرياس، والصفراء، آلية معقدة جداً، لو ترك الله الهضم للإنسان، تتناول وجبة طعام تحتاج إلى أربع أو خمس ساعات هضم، والله أنا مشغول أهضم الطعام.

الإنسان كائن بالغ التعقيد والمقصود تعقيد إعجاز لا عجز

لو ترك لك دقات القلب تنام فتموت، القلب يعمل آلياً، والهضم يتم آلياً، وأحياناً أعمالك اليومية تنقلب للحركة الآلية، تخرج من مكتبك إلى بيتك تقود السيارة وأنت غارق بحديث مع صديقك، ولا تفكر بالقيادة إطلاقاً، الأعمال اليومية المتكررة سبحانك يا رب ! تنتقل إلى جهاز آلي.
مثلاً: إنسان غيّر بيته، خلال شهرين أربع أو خمس مرات يسوق مركبته إلى البيت القديم دون أن يشعر، مركبة على النظام الآلي القديم، الإنسان كائن بالغ التعقيد، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز.

 

الله عز وجل وفر للإنسان وقته و كلفه بعبادته و طاعته:

الله عز وجل جعل لك غرائز لكن أراحك بها، أنت ضع هذه اللقيمات بفمك والأمر اتركه إلى الله، حركة الأمعاء، إفراز العصارات، إفراز الأنسولين في البنكرياس، إفراز الصفراء، الطعام انتقل من المعدة إلى الأمعاء الدقيقة، ثم الغليظة، وتمت التصفية، ذهب قسم من السكريات إلى مركز الشبع فشبعت، لو درست الإنسان مخلوق عجيب، هناك غرائز لا تعد ولا تحصى، الغرائز من أجل أن تتفرغ لعبادة الله.

الله وفر للإنسان وقته و كلفه بعبادته و طاعته

والله أعرف إنساناً طبيباً توفي ـ رحمه الله ـ عنده مركز التنبيه النوبي قد تعطل، فإذا نام يموت.
بعد مئة عام صنعوا دواء، شيء لا يصدق، هذا الدواء تحتاج أن تأخذه كل ساعة بالليل، هذا الأخ الطبيب رحمه الله يربط أربعة منبهات، نام الساعة الحادية عشرة، يربطهم الساعة الثانية عشرة ليأخذ حبة، يأخذها، يربطهم على الساعة الواحدة، يأخذها، وهكذا، أنت تنام من الساعة العاشرة إلى الساعة الرابعة نوماً عميقاً، والرئتان تعملان، والقلب يعمل، والهضم يعمل، يوجد بالإنسان أجهزة رائعة جداً تعمل لوحدها، لكن أعطاك حرية الاختيار، قال لك: فكر بالكون، هذا عمل إرادي، قال لك: اعبدني، هذا عمل إرادي، اعمل عملاً صالحاً، هذا عمل إرادي.
فالله عز وجل وفر لك وقتك، الأعمال المعقدة جداً التي أنت بأمس الحاجة إلها أمنها لك بغرائز، وكلفك بعبادته.
إذاً

 

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

لكن النقطة الدقيقة الحيوان غير مكلف، والحيوان يتحرك بالغرائز لا بالاختيار، الإنسان عنده غرائز تعفيه من جهد كبير، والله عز وجل فرغه لعبادته، وطاعته، والدعوة إليه.

 

الإنسان حينما يخون مرة وثانية وثالثة هذا لا عهد له وينبغي أن يؤدب:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾


لكن الله سبحانه وتعالى أشار إلى اليهود حينما قال:

﴿ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

اليهود عاهدوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يكفوا شرهم عنه، ثم نقضوا العهد في بدر، ثم عاهدوه ثانية، ثم نقضوا العهد في الخندق.

﴿ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴾

الإنسان حينما ينقض العهد يقال: خان العهد، والخائن كما قال الله عنه:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

( سورة يوسف )

خانوه مرتين، مرة في بدر، أعانوا قريش عليه، ومرة في الخندق سمحوا لقريش أن تحاربه من جهتهم، الآية تقول:

﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

فالإنسان حينما يخون مرة وثانية وثالثة هذا لا عهد له، ينبغي أن يؤدب، أي أدبهم حتى ابتعد أنصارهم عنهم.

 

الخائن مع الباطل فعلى الإنسان أن يشرد به حتى يبتعد أنصاره عنه:

﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ﴾

تثقفنهم ؛ أي تجدهم، إن وجدتهم في ساحة المعركة أدبهم شر تأديب كي يبتعد أنصارهم عنهم.
إنسان وقع أسيراً وقد نكل بالصحابة الكرام، فأمر النبي بقتله، فتوسل إليه أن عنده بنات صغيرات، وليس لهم غيره، فالنبي رق له، عاد إلى قتل الصحابة والتنكيل بهم، وقع أسيراً مرة ثانية، فلما حاول أن يستعطفهم مرة ثانية، قال: لا، تقول العرب خدع محمداً مرتين.
إذاً

﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

أي من خلفهم لئلا يتورطوا بمعونتهم، شرد بهم بقوة حتى يبتعد عنهم أنصارهم لأنهم مع الباطل.

﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

الخائن مع الباطل فعلى الإنسان أن نشرد به حتى يبتعد أنصاره عنه

لو أن بينك وبينهم معاهدة، وأنت شعرت أن هؤلاء قد يقعون بالخيانة، أو على وشك الخيانة، أو تحركوا نحو الخيانة، عندنا خيانة وقعت، و خيانة ستقع، فرق كبير لو أن بينك وبين قوم عهد وخانوك ابدأ بحربهم، الخيانة نقض للعهد، لكن لم ينقضوا العهد بعد، لكن هناك بوادر، و اتصالات، و حركة مشبوهة.

﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾

أو عمل، لا يجوز لك أن تحاربهم مباشرة، لابد من أن تبلغهم أن العهد الذي بينك وبينهم قد انتهى.

﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾

أبغلهم أن المعاهدة قد انتهت وأنا في حل منها، وأنا سوف أتحرك، كما أريد.

﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾

عهدهم أي أبطل عهدهم،

﴿ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾

وأنا أتمنى عليكم إما بالمعجم المفهرس، أو بالكمبيوتر اكتب إن الله لا يحب، اجمع الآيات، وإن الله يحب، وبالأحاديث الشريفة إن الله لا يحب، وإن الله يحب، اجمع قائمتين ما الذي يحبه الله ؟ وما الذي لا يحبه ؟.

 

الله تعالى يحب الصادقين والتوابين والمتطهرين ولا يحب كل متكبر أو خائن:

 

هناك نقطة دقيقة جداً أن الله يتعامل معنا وفق قوانين، شيء مريح جداً، أحياناً مثلاً مدير مؤسسة يغضب بلا سبب، يرضى بلا سبب، لا تعرف ما السبب، يقولون: كالاسمنت ينهار من دون إنذار، هناك إنسان مزاجي، لكن خالق السموات والأرض جعل لك قوانين معه، فالأمر عنده واضح.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13 )

فأنت ابحث عن الآيات التي تؤكد:
أن الله يحب الصادقين، يحب التوابين، يحب المتطهرين.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

إن الله يحب المؤمن التواب ولا يحب الإنسان المتكبر

إن الله لا يحب كل متكبر، لا يحب الخائنين، ابحث عن الذي يحبه الله والذي لا يحبه.

﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾

عهدهم، أي أنهِ العهد الذي بينك وبينه

﴿ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِين ﴾

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

أحياناً تأتي مصيبة، يكون إنساناً قوياً، وغنياً، وبذكاء معين، ينجو منها، يظن نفسه متفوقاً ونجا من هذا المصاب الذي عمّ معظم الناس، لكن أنت في قبضته، بأي لحظة أنت في قبضته، فالآية دقيقة جداً، أن الإنسان الكافر في قبضة الله.

الإنسان في قبضة الله:

لذلك الإنسان في قبضة الله، بأي لحظة الله يدمره، أي مع الله لا يوجد ذكي، ولا يوجد قوي، فالإنسان بلحظة يفقد حركته، بقطرة دم لا تزيد عن رأس الدبوس تتجمد في بعض فروع الدماغ أو في بعض أوعية الدماغ يصبح مشلولاً، ساعة فشل كلوي، ساعة تشمع كبد، ساعة احتشاء بالقلب، ساعة شلل، ساعة مرض معين، الأمراض العضالة لا تعد ولا تحصى، والله عز وجل بأي لحظة يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.

فهذا الذي يتحرك بلا منهج، يعتدي على الناس، يأكل المال الحرام، على ماذا يعتمد ؟ أنت في قبضة الله، أحياناً الإنسان ينجو من مصيبة عامة، ليس معنى هذا إذا نجا ألا يقع في مصيبة أخرى، أنت في قبضة الله، لذلك:

 

(( عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وأنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

(( إني والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض علي منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زياتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

المؤمن يرى أنه في قبضة الله دائماً فهو متأدب معه ويشكره على ما أعطاه:

الله عز وجل قال:

 

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )

المؤمن يرى أنه في قبضة الله دائماً لذلك هو متأدب مع الله

الكيد هو التدبير، المتانة في الفيزياء مقاومة قوى الشد، أمتن شيء بالأرض الفولاذ المضفور، وأقسى شيء في الأرض الألماس، الألماس يتحمل قوى الضغط، والفولاذ المضفور يتحمل قوى الشد.
مثلاً: الاسمنت يجب أن يكون مسلحاً، لأن السنتيمتر المكعب من الاسمنت يتحمل خمسمئة و خمسين كيلو ضغط، لا يتحمل خمسة كيلو شد، أما الشد لو وضعته بآلة فيها شد على خمسة كيلو ينكسر، إذاً يحتاج إلى تسليح بالحديد، أي ما يسمى بالاسمنت المسلح.
فالله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

أي أنت مربوط بحبل، مهما كنت قوياً لا ينقطع،

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

أنت في قبضة الله، بلحظة الإنسان يفقد بصره، يفقد سمعه، يفقد حياته بالنمو العشوائي، أي الورم الخبيث، يفقد حياته بتجمد خثرة بالدماغ، يفقد حياته باحتشاء القلب، يفقد حياته بالفشل الكلوي، يفقد حياته بتشمع الكبد، الإنسان بقبضة الله.
فالمؤمن يرى أنه في قبضة الله دائماً، متأدب معه، ويشكر الله على ما أعطاه.

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

معنى سبقوا إما أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله، مستحيل، لا يقع في ملك الله إلا ما يريد، أو أنهم تفلتوا من عقاب الله.
هذا الذي هدم سبعين ألف بيت بغزة، هذه السنة الثالثة أعتقد أنه لم يمت إلى الآن ، صار وزنه ثلاثين كيلو، كان مثل الدب، وزنه ثلاثين كيلو، انتقام من الله.
لذلك:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾