الإيمان هو الخلق - الندوة : 07 - العبادة - الفرق بين العالم والعابد ـ التدبر في الإنفاق

2005-11-07

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة ، وفي هذا اللقاء الجديد المعنون له : الإيمان هو الخلق ، في برنامجنا الذي نرتحل وإياكم مع الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً وسهلاً دكتور ـ بكم أستاذ علاء ـ .
كنا قد شرحنا كثيراً هذا العنوان : الإيمان هو الخلق ، الذي هذا العنوان أُخذ من العالم الجليل المفكر ابن القيم الجوزية الفقيه ، وتحدثنا في رحلة البرنامج عن معنى الخلق والأخلاق ، ولماذا كان هذا الشيء ملازماً ، ويجب أن يكون مصاحباً للإنسان في حركاته ، وسكناته ، وفي عيشه على هذه البسيطة ، وفي علاقته بأخيه الإنسان ، وفي علاقته بربه وفي علاقته بالكون ، تحدثنا عن الإنسان المخلوق الأول رتبة ، ثم تحدثنا الإنسان المخلوق المكرم ، ووقفنا في الحلقة الماضية عند الإنسان المكلف ، لماذا كلف ؟ وكلف بشيء هو علة خلقه كما تفضلت في الحلقة الماضية :

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

(سورة الذاريات )

علة الخلق العبادة ، وعرفت لنا العبادة ، والآن دكتور نريد أن نتبين الفرق بين العالم وبين العابد ، وأن تعطينا هل العبادة مقصورة على الصلوات الخمس ؟ مقصورة على الحج والزكاة ؟ مقصورة على الفرائض ؟ أم العبادة هي أوسع من ذلك ؟ نعم .

المفهوم الواسع للعبادة :

الدكتور:
أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً ، أنا حينما أفهم العبادة عبادة شعائرية عندئذ يصبح الإنسان العابد هش المقاومة ، لا يصمد أمام ضغط أو إغراء ، أما حينما افهم العبادة مفهوما شموليا تدور مع الإنسان حيثما تحرك ، وتغطي كل نشاطاته ، أكون قد اقتربت من مفهوم العبادة الصحيح الذي أراده الله .
أستاذ علاء ، بادئ ذي بدء :

(( لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ))

[ رواه البيهقي عن أبي هريرة ]

(( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر سائر الكواكب ))

[ أخرجه أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ))

[ أخرجه الترمذي عن ابي أمامة ]

كم هي المسافة كبيرة جداً بين مقام سيد الأنبياء والمرسلين ومقام أدنى مؤمن ؟ فالعابد مقاومته هشة لا يصمد أمام ضغط ، ولا أمام إغراء ، بل هو :

 

﴿ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾

( سورة الحج الآية : 11 )

.
أما العبادة بالمفهوم الشمولي فتنطوي على العلم أيضاً ، أنا حينما أعبد الله هناك عدة أنواع للعبادة ، هناك عبادة الهوية ، أنا من ؟ إن كنت غنياً فعبادتي الأولى إنفاق المال ، لأن الله حينما جعلني غنياً أراد أن أرقى إليه بإنفاق مالي ، وهذا المال حيادي ، إما أن يكون سلما نرقى به ، أو دركات نهوي بها ، إما أن ينفق في طاعة الله فيكون درجات إلى الجنة ، أو أن ينفق في معصية الله فيكون دركات إلى النار ، إذاً هو حيادي .

لذلك لو سألتني هل المال نعمة ؟ أقول لك : لا ‍، هل هو نقمة ؟ أقول لك : لا ، المال موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه ، فأنا حينما امتحن بالمال ، إذاً أنا امتحاني الأولى هو المال ، فإذا أنفقت منه على حاجاتي إنفاقاً معقولاً ، ثم تقربت إلى الله بإنفاق المال على المساكين والمحتاجين ، ورد في ببعض الآثار القدسية :

(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله له : ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ـ يسأل عبد آخر ـ أعطيتك مالاً فماذا صنعت في ؟ يقول : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي بأنك خير حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله له : أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))

[ ورد في الأثر ]

إذاً : هذا المال في الحقيقة هو قوام الحياة ، وقوة كبيرة جداً ، كما قال النبي الكريم :

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف ))

[ رواه مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه ]

المال قوة ، فإذا كان كسبه حلال ومشروعاً ، وإنفاقه في وجوه الخير ، وصل صاحبه إلى أعلى المراتب ، بل إن صاحب المال الذي ينفقه في وجوه الخير ينافس كبار العلماء ، يؤكد هذا قول النبي الكريم :

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَارِ ))

[ متفق عليه ]

أنا أعجب من هؤلاء الذين وهبهم المال الكثير ، كان بإمكانهم أن يَصِلوا إلى أعلى درجات الآخرة .
المذيع :
أود أن أتوقف دكتور حتى لا يلتبس الأمر على بعض المشاهدين ، بالطبع المال يستوجب الإنفاق لكل محتاج ، وهي العبادة الأولى :

 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

( سورة الذاريات )

وبالتالي الغني عبادته الأولى إنفاق المال ، لكن مر في الحديث القدسي معنى قد يتراءى للمشاهد أنه ينفق كل ماله ، وأن لا يدع لورثته من بعده ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصى في التركة بالثلث ، وقال : الثلث والثلث كثير ، وأن يبقي من بعده أقرباءه وورثته وعلى حالة من اليسر ، هذا أفضل من أن يبقيهم ، كيف نوفق بين المعنيين ؟ .

كيف التوفيق بين إنفاق المال وترك الورثة أغنياء ؟

الدكتور : قال تعالى :

 

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 195 )

إن أنفقتم كل مالكم ، والمعنى الآخر ،

﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

إن لم تنفقوا أصلاً ، فالإنسان هالك إذا أنفق ماله كله ، وهالك إن لم ينفق ، فالفضيلة بين طرفين .

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾

( سورة الإسراء )

وهذا الفرق بين التبذير ، والاعتدال في الإنفاق والإسراف ، الإسراف في المباحات ، والتبذير في المعاصي والآثام ، والإنفاق المعتدل هو صفة المؤمنين .

عبادة الهوية : يجب أن تعبد الله فيما أقامك :

من أنت ؟ أنت غني ، فالعبادة الأولى إنفاق المال ، يصلي ، ويصوم ، ويحج ، ويزكي ، لكن لأنه غني امتنع عن إنفاق المال ، وجلس ليصلي قيام الليل ، نقول : لا ، إنفاق المال قبل قيام الليل ، لأن الله أقامك غنياً ، وينبغي أن تعبده وفق هويتك .
إذا كنت قوياً بكلمة واحدة تحق حقاً ، وتبطل باطلاً ، تقر معروفاً ، وتزيل منكراً ، أنت قوي بجرة قلم ، فعبادتك الأولى إحقاق الحق ، ونصرة المظلوم ، وإنصاف الضعيف ، ما أقامك الله قوياً إلا كي تعبده وفق ما أقامك ، فبإمكانك أن تزيل منكراً بتوقيع ، أو بأمر شفهي ، ما دمت قوياً فالعبادة الأولى إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، ونصرة الضعيف ، وإنصاف المظلوم ، هذه مهمة .

سأل سيدنا عمر أحد الولاة : " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ فبحسب الشرع الإسلامي قال له : أقطع يده ، قال للوالي : إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عنهم خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر له حرفتهم ، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية " ، فهم عميق جداً .
وإذا كنت عالماً فعبادتك الأولى تعليم العلم ، قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 39 )

.
أستاذ علاء الداعية ، والعالم له مئات الصفات ، يصلي ، ويصوم ، ويزكي ، ويحج ، وينفق ماله ابتغاء وجه الله ، وهو صادق ، وأمين وعفيف ، لكن الله استغنى عن كل هذه الصفات ، وأبقى له صفة واحدة ،

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

لو أن هذا الذي يبلغ رسالات الله خشي غير الله ، فسكت عن الحق خوفاً من هذا القوي ، أو نطق بالباطل إرضاءاً له ، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته ، علماء البلاغة يصفون هذه الصفة بأنها صفة مترابطة مع الموصوف ترابطا وجوديا ، فإذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف ،

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

هذه العبادة الثانية للعالم ، والقوي إحقاق الحق ، والغني إنفاق المال .
الآن أقامكِ امرأة ، العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد .

(( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ]


المرأة حينما ترعى زوجها وأولادها ، وحينما تربي أولادها ، تطرح في المجتمع عناصر نظيفة ، متماسكة ، أخلاقية ، معطاءة ، لقد عبدت ربها فيما أقامها ، لذلك يمكن للمرأة أن تصل إلى الجنة وهي في بيتها ، حينما ترعى زوجها وأولادها ، هذه عبادة الهوية .
مَن أنت ؟ قوي ، لك عبادة ، غني لك عبادة ، عالم لك عبادة ، امرأة لك عبادة .
المذيع :
وحتى نقف عند هذا المعنى رعاية الزوج والأولاد ليس المقصود أن تقدم لهم الطعام ، وأن تكنس البيت ، هذا جانب بسيط ، أن تربي ، وعندما تربي الأولاد هي تربي جيلاً ، وهي تربي أمة ، وهي تربي هوية ، وترسم هوية للمجتمع بكل معنى الكلمة .
الدكتور :
لذلك قالوا : من علم شاباً علم شاباً ، ومن علم فتاة علم أسرة .
المذيع :
الآن دكتور عندنا عبادة الظرف ، الهوية ، ثم عبادة الظرف التي هي مقدمة على غيرها من العبادات .

عبادة الظرف :

الدكتور :
عندك ابن مريض ـ لا سمح الله ـ أو أب مريض ، العبادة الأولى رعاية هذا المريض ، عندك ضيف العبادة الأولى إكرام هذا الضيف ، عندك ابن في الامتحان العبادة الأولى تهيئة جو مناسب للدراسة ، ألغِ الولائم ، ألغِ السهرات ، ألغِ اللقاءات الاجتماعية ، هيئ البيت بجو دراسي حتى يأخذ الشهادة ، حتى يحقق وجوده في المجتمع .
فأنا حينما أكون في ظرف معين تتوجه العبادة إلى هذا الظرف ـ إذا جاءني ضيف دكتور ؟ ـ العبادة الأولى إكرام الضيف ، إذا كان عندي مريض رعاية فالمريض العبادة الأولى ، عندي مشكلة حل المشكلة قبل كل شيء .
فلذلك العبادات متنوعة هنا ، أنت حينما تقوم بواجبك خير قيام فأنت في عبادة الله .
هناك كلمة دقيقة جداً : ليست العبرة ألا تصاب بمصيبة ، لكن البطولة أنها إذا أصابتك أن تقف منها الموقف الكامل ، فترتاح عندئذٍ .
الجامعة لا تقاس بمَن نجح ، تقاس أن تأتي النتائج وفق المقدمات ، الذي لا يدرس لا ينجح ، مقياس الجامعة هكذا ، والله قال :

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

.
كل إنسان عنده مشكلات ، أما حينما يدرسها ، أو يحدد أبعادها ، ويفكر في حل لها ، ويسعى باتجاه الحل يكون أيضاً في عبادة .
بقيت عبادة الوقت .
المذيع :
إذا تكرمت دكتور قبل أن ننتقل إلى عبادة الوقت وهذه محطة جميلة ، هل نعتبر أن العبادة هي مرتبطة بالحكمة ، وفعل ما ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، على الشكل الذي ينبغي ، هنا العبادة المقدمة عن بقية الأشياء كما تفضلت أن يكون في الظرف ، فأن يعالج هذا الظرف ، وأن يحل هذا الظرف ، وهذه المشكلة بكل مقدرة واقتدار دون أن تقتلعه هذه المشكلة ، أو تجرفه .

علاقة الحكمة بالعبادة :

الدكتور :
لكن هذه الحكمة كما تفضلت أستاذ علاء هي تكريم للمؤمن ، لقوله تعالى :

 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة الآية : 269 )

.
الحكمة توهب ولا تؤخذ ، هي مكافئة للمؤمن ، وغير المؤمن يرتكب حماقة ما بعدها حماقة ، ولو كان ذكياً ، ما كل ذكي بعاقل أساساً ، يرتكب حماقة ما بعدها حماقة ، لذلك أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة ، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى ، بالحكمة تسعد بمال قليل تحسن إنفاقه ، من دون حكمة تبدد المال الكثير ، بالحكمة يكون أولادك أحب الناس إليك ، من دون حكمة يكونوا أعداء لك ، فأنا لا أجد في الدنيا عطاء يفوق من أن يكون حكيماً ، وهذه الحكمة من صفات المؤمن ، وهي مكافئة للمؤمن ، أما غير المؤمن فالله عز وجل قال :

 

﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

( سورة محمد )

.
وهو في أعلى درجات الذكاء ، وهو بأعلى درجات اليقظة والحذر ، يرتكب حماقة لا يرتكبها طفل .

(( إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))

[ رواه الخطيب في التاريخ عن ابن عباس]

يعاقبه بأن يأخذ لبه ، فيرتكب حماقة ما بعدها حماقة ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

المذيع :
ننتقل دكتور إلى العبادة العصرية المرتبطة بالوقت .

عبادة العصر :

الدكتور :
عبادة العصر ، إذا أراد الطرف الآخر إفقارنا ، فالعبادة الأولى استخراج الثروات ، وتطوير الصناعات ، وحفر الآبار ، واستصلاح الأراضي ، وإقامة السدود ، وتهيئة فرص عمل ، وحل مشكلات المجتمع ، هذه العبادة الأولى إذا أراد الطرف الآخر إفقارنا .
وإذا أراد الطرف الآخر إفسادنا ، أو إضلالنا فالعبادة الأولى ترسخ معالم الدين ، وتعزيز قيم الإسلام ، والدعوة إلى الله ، بعلم وبصيرة .

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية : 108 )

.
أما من دعا إلى الله بأسلوب ومضمون سطحي غير متماسك ، فيه الخرافات ، وفيه المنامات ، والشطحات ، والكرامات ، من دعا إلى الله بمضمون هش ، غير متماسك غير منطقي ، غير علمي ، أو بأسلوب غير علمي ، وغير تربوي ، أو لم يجد المدعو في الداعية المصداقية ، فهذا المدعو بهذه الطريقة ، وبهذا الأسلوب ، وبعدم المصداقية لا يكون عند الله مبلغاً ، ويقع إثم تفلته من منهج الله على من دعاه بهذه الطريقة .
إذاً هذه العبادة عبادة مهمة جداً ، إذا أراد الطرف الآخر إفسادنا ينبغي أن نحصن شبابنا ، وشاباتنا ، أن نهيئ لهم مناشط تتوافق مع مبادئنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ، إذا أراد إفقارنا فكسب المال الحلال ، وحل مشكلات المسلمين أول عبادة ، وإذا أراد إضلالنا تعزيز قيم الإسلام ترسيخ مبادئ هذا الدين هو أول عبادة .
وإذا أراد إفسادنا تحصين شبابنا وشاباتنا أول عبادة ، وإذا أراد إذلالنا يجب أن نبذل الغالي والرخص ، والنفس والنفيس .
المذيع :
دكتور إذا أراد أن يكون سوقاً استهلاكية ؟.
الدكتور :
ينبغي أن نصنع ، لأن سيدنا عمر أستاذ علاء لقطت لقطة من كلامه لا ينسى ، مشى ببلدة فرأى كل الفعاليات ليست من المسلمين ، فعنفهم تعنيفاً شديداً ، فقال أحدهم كما يقول بعض من أتاهم الله المال : إن الله سخرهم لنا ، فقال سيدنا عمر : فكيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ، أدرك هذا الخليفة الراشد قبل 1400 عام أن المنتج قوي ، وأن المستهلك ضعيف .
الآن أستاذ علاء عندنا حرب قطع الغيار ، يمكن أن يعطَّل أسطول طيران بكامله حينما أمنع عن هذا البلد قطع الغيار ، المنتج قوي جداً .
أنا مرة قلت : تعمير محرك طائرة خمسة ملايين دولار ، أربعة محركات بعشرين مليون ، مليار ليرة ، كم طنًّا من القمح ، هم يبيعوننا خبرتهم ، وتقنيتهم بأغلى الأسعار ، ويأخذون المواد الأولية بأرخص الأسعار ، كيلو الصوف يبيعه بسعر ، يعود إلينا مصنعاً بـ1750 ، ضعف ، لذلك نحن الحل الوحيد أن نصنع ، أن نصنع ثرواتنا ، أن نقيم معامل صناعات غذائية ، ويلٌ لأمة تأكل ما لا تزرع ، وويلٌ لأمة تنسج ما لا تنسج ، أنا أضيف قاعدة ثالثة : وويلٌ لأمة تستخدم آلة لا تصنعها .
الآن عندنا عقود إذعان ، أنت عندك مركبة ، تعطلت بها قطعة ، يمكن أن يبيعوك الأتعاب بمئة ضعف ، وأنت تذعن ، لأنك مضطر ، كذلك السلاح ، أكثر عقود قطع الغيار والسلاح عقود إذعان ، لا عقود تراضٍ إطلاقاً ، فما لم نصنع ثرواتنا ، ما لم نستخرج ثرواتنا ، نطور صناعاتنا ، ما لم نكتفِ بصناعاتنا فأمرنا ليس بيدنا ، وأنا أرى أن هذه عبادة أولى .

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف ))

المذيع :
دكتور الآن بين يدينا موارد في وطننا ، هذه الموارد توزع ، سواء كانت موارد مياه ، موارد كهرباء ، الهاتف ، الأشياء المبسوطة بين يدينا ، عودة إلى ما تفضلت في قصة الإسراف والتبذير ، وما إلى ذلك ، أنا كمواطن في منزلي ، وعندي أسرة أمام الموارد الموجودة بين أيدينا ما هي العبادة المقدمة ؟

استعمال الموارد برشد وعدم إسراف :

الدكتور :
النبي الكريم توضأ من قعب ، إناء ماء توضأ منه فضلت فيه فضلة قال : ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين ، هذا توجيه النبي ، فلا تسرف في استخدام الماء ، الماء حياة ، فنحن حينما تكون صنابيرنا معطلة ، أو فيها خلل ، وتسرب الماء ، هذا يجمع كميات فلكية ، الماء قوام الحياة ، فكل الإسراف مرفوض .

 

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

( سورة الأعراف الآية : 31 )

في الآية ملمح ، ما قال : لا تسرفوا في الطعام والشراب ، قال :

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

في كل شيء ، فأنا حينما أوجه الإنسان المؤمن إلى أن يقتصد في استعمال المياه ، وإلى أن يعيش مشكلات الآخرين ، هذا الذي لا يعيش مشكلات الآخرين إنسان بعيد عن أن يكون في المستوى المقبول عند الله ، وعند الناس ، ينفع الله بها قوماً آخرين ، فضلت فضلة في القعب قال : ردوها في النهر .
أحياناً ورقة ، كلفت مبلغا ضخما استخدمها الموظف لينشف يديه ، ورقة مطبوعة عليها ترويسة ، ومكلِفة ، وورق جيد ومستورد ، هذا الورقة تستخدمها لتنشيف يديك ؟! يمكن أن أكتب بورقة كلمتين فقط ، ثم أمزقها ، أستخدم أوراقا صغيرة .

الاقتصاد أستاذ علاء كمال ، الله عز وجل غني ، كن فيكون ، ومع ذلك يموت في الثانية الواحدة 2،5 مليون كرية حمراء ، لا تطرح ، بل يعاد تصنيعها ، تفكك في الطحال إلى هيموكلوبين وحديد ، يذهب الحديد إلى معامل الدم في نقي العظام ، والهيموكلوبين يذهب ليكون الصفراء في الكبد ، وهذا نظام اقتصادي ، هذا الدرس لنا ، أنا أعد الاقتصاد فهما عميقا جداً للدين .
المذيع :
الذي يترك أنوار بيته مضيئة ، والذي يترك المدفأة مضيئة في مكان ، لو كان غنياً ؟ .
الدكتور :
يسهم في إضعاف الطاقة وقت الذروة ، نحن بحاجة إلى وعي باستهلاك الكهرباء ، وباستهلاك الماء ، باستهلاك الموارد البشرية ، بالقرطاسية ، وقد نستخدم من المبيدات الزراعية 8 أمثال حاجتنا بعدم الوعي ، وأكثرها مسرطن .
المذيع :
هذا ينعكس على البيئة والتربة ، ولا تستطيع تفكيكه التربة حتى في سنوات طويلة .
الدكتور :
أنا أقول : الإسلام هو الحياة ، الإسلام ينبغي أن تعيش حياة متوازنة ، حياة تنتظمها قيم ، مبادئ ، وأهداف .
المذيع :
سنعود إلى هذه المسائل إن شاء الله من خلال برنامجنا القادمة ، ونقف عندها وقفات ملية .
الآن دكتور تحدثت عن أنواع العبادات ، هنالك أنواع ، وهنالك أشكال ، وكما تعلمنا من أشكال العبادات هناك شعائرية ، وهنالك تعاملية ، نتحدث عن أشكال العبادة ونتحدث عن شقيها الشعائرية ، والتعاملية .

العبادات الشعائرية والعبادات التعاملية :

الدكتور :
العبادات الشعائرية كالصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، نقف ، نقرأ الفاتحة ، نقرأ سورة ، نركع ، نسجد ، ثم نقف ثانية ، هذا أحكام الصلاة ، والحج نذهب إلى بيت الله الحرام ، ونطوف ، ونسعى ... إلخ ، والصيام دع الطعام والشراب .
لكن هناك عبادة تعاملية ، أن نكون صادقين ، أن نكون أمناء ، أن نكون أعفى ، أن نكون منصفين ، أن نكون محسنين ، أن نكون رحماء ، أن نكون ، أن نكون ، هذه العبادات التعاملية هي الأصل في الدين ، وهي موضوع هذا البرنامج ، الإيمان هو الخلق ، وما لم تصح العبادة التعاملية لا تقبل العبادة الشعائرية ، أربع أدلة .

(( أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ قالُوا : المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

[ البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ]

انتهت الصلاة ، الآن الصيام :

(( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))

[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

انتهى الصيام ، الآن الزكاة :

 

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

انتهت الزكاة ، الآن الحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ؛ قال الله عز وجل : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

[ رواه الشيرازي وأبو مطيع عن عمر ]

لا تصح العبادات الشعائرية إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

إذاً العبادات الشعائرية ومنها الصلاة والصيام والحج والزكاة لا تقبل ، ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، وهذا أخطر شيء يغيب عن المسلمين ، مشكلة المسلمين الأولى أنهم توهموا أن الدين هو العبادة الشعائرية .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
هنا نتوقف دكتور لأن الوقت أدركنا ، سوف نبدأ الحلقة القادمة في أشكال العبادة الشعائرية والتعاملية ، والارتباط الوثيق بين العبادة الشعائرية ، والعبادة التعاملية ، شكراً لك دكتور على كل هذا الإيضاح ، وعلى كل ما بسطت من هذه المعلومات ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .