أحاديث متفرقة - الدرس : 031 - أحاديث شريفة تبدأ بـ إن الله تعالى ....

1991-06-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الحديث النبوي الشريف، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود، أحمد ]

  هذا الحديث من أدق الأحاديث التي يتعين على كل مؤمن أن يستوعبه، لأنه ذو مساس وشيج بكل نشاط حياته، أنت في طريق الحياة، أنت في حركة الحياة، واجهت حركة، ما موقفك كونك مؤمنًا ؟ هناك من ينهزمون، هناك من يهربون منها، هناك من يستسلمون لبأسها، هناك من يخضعون، هناك من يخنعون، وهناك من ينتحرون، ما موقف المؤمن إذا واجهته مشكلة ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 ما العجز ؟ أن تستسلم للمشكلة، أن تخضع لها، أن تعطل فكرك، أن تعطل حركتك، أن ترضى بها، هذا موقف ليس إسلامياً، وليس صحيحاً، بل إن الله سبحانه وتعالى كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام يلوم على العجز، حينما تعجز، حينما تخضع للمشكلة، حينما تستسلم، حينما لا تعمل فكرك، حينما لا تأخذ بالأسباب، حينما ترضى بالهوان، حينما ترضى أن تكون دون الآخرين، ليس هذا هو المسلم، و ليس هذا هو المؤمن، أين الله عز وجل ؟ الأمر كله بيد الله، ما عليك إلا أن تدعوه، وما عليك إلا أن تأخذ بالأسباب، وما عليك إلا أن تسعى، فكر، هيئ خطة، اسأل فلانًا، خذ رأي فلان، وسط فلانًا، إذا واجهتك مشكلة المؤمن هكذا يستسلم ! حتى يقال عنه ضعيف، خوار، منسحب، متقوقع، انعزالي، منهزم ؟ لا والله، حديث دقيق جداً:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 العجز أن ترى نفسك أقل من حل هذه المشكلة:

 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

 

[ سورة آل عمران: 146]

  تريد الزواج، أخي لا يوجد أمل ؟ لماذا لا يوجد أمل ؟ تحرك، الفعل فعل الله، والقدر قدر الله، ادع الله عز وجل، وخذ بالأسباب، وابحث عن بيت، وابحث عن فتاة مناسبة، وابحث عن عمل إضافي، وادخر جزءاً من دخلك، لماذا هذا الاستسلام لا يوجد أمل، هذا الموقف موقف انهزامي، موقف ليس إسلامياً، موقف يلام عليه المؤمن،

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 في دراستك هذه المادة صعبة، لماذا صعبة ؟ لا يوجد شيء صعب، ادرسها، اسأل عنها المتفوقين، لخص الكتاب، اقرأ الكتاب ثلاث مرات، حاول أن تتعلم من الأستاذ، حاول أن ترافق طالباً متفوقاً في هذه المادة، في التجارة لا يوجد أمل، المحل سنسلمه، فكر، لعل البضاعة غير مناسبة، لعل موقع المحل غير مناسب، لعل تعاملك مع الناس غير صحيح، لعل سعرك مرتفع، لعل البضاعة ليست ذات قيمة عند الناس، ابحث عن بضاعة ذات قيمة، لا حظ لي في التجارة، اصبر، أنت مؤمن،

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 يلومك، أخي زوجتي ليس فيها أمل، لماذا لا أمل فيها ؟ حاول أن تصلحها، أقنعها، تلطف بها، عاملها بالإحسان، نبهها، ذكرها، أعرض عنها، أكثر اللوم عليها أحياناً، وسط أهلها أحياناً، اجمعها مع نساء طيبات، لعلها تغار منهم، زوجتي لا أمل فيها، رأساً، هذا موقف غير إسلامي،

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 شريكي لا أتحمله، صارحه يا أخي، أنت لا تداوم، ونحن شركاء، ألا تحب أن يدوم بيننا هذا العقد ؟ أنت تلومني، ولا تعمل شيئاً، هذا الموقف أزعجني، ترى بعد فترة تحسن، قبل أن يقول شيئاً يسكت، راجع نفسه، أنت منزعج، وساكت، يداك مغلولتان ؟! يا أخي ليست قادرًا على أن أتخلص من هذا الشريك، عاتبه، صارحه، بين له، اجعل حكمًا بينك وبينه، هذا شريك ليس فيه أمل، والزوجة ليس فيها أمل، والزواج ليس فيه أمل، والتجارة ليس فيها أمل، معنى هذا أنك إنسان انهزامي.
 قرأت كلمة أعجبتني، قال صاحبها: الذي يتأفف من عمله لا يصلح لأي عمل آخر ، ولعلة هذه الكلمة مشابهة لقول مأثور: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكثر

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

  هذا الحديث أثر في نفسي تأثيراً كبيراً بسبب حالات كثيرة جداً من إخوتنا الكرام، حالات كثيرة جداً، بعد أن كان الطريق مسدوداً، بعد أن كان الأمل مقطوعاً، بعد أن كانت المصيبة محكمة.

نزلت فلما استحكمت حلقاتها     فرجت وكان يظن أنها لا تفرج

***

ن عن همومك معرضا      و كِلِ الأمور إلى القضا

وابشر بخيـــر عاجل            تنس به ما قد مضــى

فلرب أمر مـــسخط      لـك في عواقبه رضـا
ولربما ضاق المضـيق      ولـربما اتسع الفضــا
الله يفعل ما يشـــاء       فلا تكـــن معترضـا
الله عودك الـــجميل       فقس على ما قد مضـى

 أخي أنا دائماً أشعر أنني أقل من الآخرين، ما السبب ؟ ليس معي شهادة عليا، ادرسها، وخذها الآن بعد الكبر، نعم بعد الكبر، ذكر لي أحدهم أن والده لا يقتنع بالعلم إطلاقاً، أخرجه من المدرسة الابتدائية، قال لي: درس الابتدائية الحرة، والإعدادي مساء، والثانوي مساء، ودخلت كلية الحقوق، وأخذت دكتوراه في الحقوق، كل هذا تهريب عن والده.

وما نيل المطالب بالتمني        ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

 أنا أشعر أن هذا البيت لا يحتمل، ابحث عن غيره، ليس مشكلة، أنا أقول لكم: هذا كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، وبعض علماء الحديث يقول: الحديث النبوي الشريف وحي غير متلو، القرآن وحي متلو، الحديث وحي غير متلو، والنبي e لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
أنت مريض، اسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام، عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[مسلم]

  واللهِ أعرف رجلا في قلبه علة كبيرة، نُشر صدره، وأُخرج قلبه، وخدر قلبُه إلى أن وقف، ووصلت شرايينه بقلب اصطناعي، ووضعت أحشاؤه على المشرحة، ومضى على هذه العملية عشرون عاماً، وهو في أتم صحته، لماذا ؟ لكل داء دواء، تجري عملية، وتنجح.

إن الطبيــب له علم يدل به          إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته          حــار الطبيب وخانته العقاقير


 يا أخي أنا قضيت كل عمري في المعصية، الآن الله يقبلني ؟! يقبلك وزيادة، إذا قال العبد: يا رب، وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، إذا قال العبد: يا رب وهو، ساجد قال: لبيك يا عبدي، وإذا قال العبد: يا رب، وهو عاص قال الله عز وجل: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الزمر: 53]

  لو يعلم المعرضون شوقي إليهم وانتظاري إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطتهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، ربنا عز وجل حبيب، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها، وأزيد، والسيئة بمثلها، وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.
 يا أخي أنا كبرت، مادام القلب ينبض فالباب مفتوح، سيدنا زيد الخيل اسمه زيد الخيل، جاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو من أجمل العرب، رآه النبي وهو يخطب، ما عرفه، ويسمع به كثيراً، فلما انتهت الخطبة والصلاة قال: من الرجل ؟ قال: أنا زيد الخيل، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، قال: بل زيد الخير، رأساً أعطاه اسماً جديداً، قال: يا زيد، لله درك، ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت، رحب به، وأخذه إلى بيته مبالغةً في تكريمه، وأعطاه وسادةً كي يتكئ عليها، فقال زيد الخير: واللهِ يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك، لله درك ! من أين هذا الأدب ؟ ولم يمضِ على إسلامك ساعة، وعاهده عهداً قاطعاً على العمل لنصرة الدين، وغادر النبي e، وبعد ساعات توفي في الطريق، ومات مسلماً، مادام القلب ينبض فالباب مفتوح على مصراعيه، لأن الله عز وجل يقول في الحديث القدسي:

((لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

[الفردوس بمأثور الخطاب عن أبي هريرة، وانظر فيض القدير]

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 ليس في الدراسة عجزٌ، ادرس، الله يعين.
 هناك نقطة مهمة جداً، ألست مؤمناً بأن الأمر كله بيد الله، وأن الله هو الفعال ؟ يا أخي لا يستقبلني، يا أخي حاول، من أدراك أن الله سبحانه وتعالى يلين قلبه لك، معاملة عند موظف، يا أخي صعب، صعب على بعض الناس، جرب أنت، أناس كثيرون دخلوا على بعض الموظفين، قدموا لهم المعروض، ماذا أودع الله في قلب هذا الموظف ؟ في اللحظة المناسبة يودع في قلب هذا الإنسان العطف والتساهل مع الموافقة، تخرج أنت لست مصدقاً بما جرى، عرضناها عليه مئة مرة وما وافق.
 تُروى قصة مشهورة ؛ أن رجلاً فقيرا جدا من بلاد من الشام له قريب يعمل في الباب العالي، في أعلى المناصب في أثناء الحكم العثماني، يعني في اللغة التركية ياور، ياور مدير مكتب السلطان، وهو أعلى من رئيس وزارة، فهذا القريب افتقر، خطر في باله أن يذهب إلى استنبول، لعل قريبه يهيئ له وظيفة في الدولة العثمانية، طبعاً يطمع أن قريبه في مستوى رفيع جداً، فهذا تجشم مشاق السفر، وركب القطار من الشام إلى استنبول، وكان القطار يسير أيامًا عديدة، وصل، ورحب به أجمل ترحيب، استقبله في بيته، وأفرد له جناحًا، كما أفرد له من يخدمه في طعامه صباحاً، في الظهيرة قصّر، فطبعاً عرف هذا المضيف لماذا جاء هذا الضيف، هيأ معروضاً، ووضعه فوق عشرات بل مئات الطلبات على مكتب السلطان مساءً، أخذ الإضبارة كلها موقعة إلا هذا الطلب، مع الرفض، ثاني يوم قدم الطلبات مع الرفض، ثالث يوم، رابع يوم، خامس يوم، أول أسبوع، لا مجال، أدرك هذا المضيف أن هذا الضيف متكل عليه، وهذا شرك، هيأ خطة لطيفة، أوعز للخادم أنه غداً قل له: أكثرتَ علينا، الضيف ثلاثة أيام، أنت منذ أسبوعين، حاول أن تقسو عليه بالكلام، هذا لما سمع الكلام القاسي بكى، وفتح الباب، وخرج هائماً على وجهه، آخر سهم، آخر ورقة رابحة، كما يقولون عند هذا القريب، ذي الجاه العريض، فقال للخادم: إذا خرج من القصر اتبعه، وانظر أين ينام، طبعاً ذهب إلى بعض الخانات، والخان كان فندق نجمة واحدة، فتبعه، وحينما عاد قال: سيدي نزل في المحل الفلاني، هذا المضيف هيأ طلباً جديداً، ورفعه للسلطان فوافق السلطان مباشرةً، استدعاه، قال له: بقيت أسبوعين، وأنت متكل علي، وأنا عبد مثلك فقير، فلما أخرجتك من البيت بقسوة عندئذ اتكلت على الله عز وجل، فلما اتكلت على الله عز وجل ألقى الله في قلب هذا الإنسان أن يوافق على هذا الطلب.
 هناك حديث دقيق جداً، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))

[مسلم]

  أنت مع أي إنسان، الله عز وجل قادر أن يعطفه عليك، قادر أن يكشف لك أغلاطك، قادر أن يقسو عليك، قادر أن يفند لك أدق الأغلاط، قادر أن يحقد عليك، أنت عبد، لذلك إذا دخل الإنسان، قام بعمل، عنده لقاء، لا يدخل أنه ابن فلان، أنا أحمل دكتوراه، أنا لي منصب رفيع، أنا لي حجم مالي بالبلد كبير، أنا لي شأن، أنا وظيفتي كذا، ادخل من باب الافتقار:

و مالي سوى فقري إليك وسيلة       فبالافتقار إليك فقري أدفع
و مالي سوى قرعي لبابك حيلة       فإذا رددت فأي باب أقرع

 إذاً:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))

 حديث آخر يدعم هذا المعنى:

((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

  أنا ذكرت لكم قصة لا أنساها، كنا مرة مع العلماء الأفاضل، فذكر لي أحدهم هذه القصة، لشدة غرابتها كأني ما صدقتها، فلما سمعتها من إنسان آخر صدقتها، وهي عن رجل في الخامسة و الخمسين من عمره، يظهر أنه حضر خطبة في مسجد، وجد شاباً عالماً طليق اللسان، الناس تحلقوا حوله، تمنى أن يكون مثله، ولكنه أصبح في الخامسة والخمسين، قال لي شخص معبِّرًا لي عن كبر سنه: الدولاب ماسح، والعداد قالب، فهذا الرجل اشتهى أن يكون في هذا المكان، في مكان الدعوة إلى الله، وهو من الصعيد من ريف مصر، ركب دابته، واتجه نحو مصر، أي نحو القاهرة، فلما وصل إلى أطرافها سأل: أين الأزعر ؟ أي الأزهر، شاهده شخصًا صالحًا قال له: أخي هذا اسمه الأزهر الشريف، وليس الأزعر، دله عليه القصة، سمعتها من رجل، ومن رجل آخر، ثم تحققت منها، فإذا هي واقعية مئة بالمئة، هذا الرجل الذي بلغ الخامسة والخمسين من عمره تعلم في هذا السن القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم الشريف، وعاش إلى السنة السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، واسمه زكريا الأنصاري، اطلب وتمنَّ:

ملك الملوك إذا وهب           قم فاسألن عن السبب
الله يعطي من يشـاء           فـقف على حد الأدب

 تعلم، واللهِ التقيت مع أخ من إخواننا الكرام عمره اثنتان وخمسون سنة، قال لي: أنا العام الماضي حفظت القرآن الكريم كله، طبعاً العلم في الصغر كالنقش بالحجر، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء، ومع ذلك إذا صدقت الله سبحانه وتعالى يعينك فلا تعجز

((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ.))

  أخي كيف أمشي في هذا الطريق الذي لكم ؟ تريد أن أغض بصري الآن ؟ نعم، صعب، قال له شخص: والله أنا لا أستطيع أن أدير لي وجهي عن النساء، كيف سأغض بصري ؟

((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ.))

 انظر إلى موقف سيدنا يوسف الذي به تواضع، قال:

 

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

 

[ سورة يوسف: 33]

((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ))

 غض بصرك، وقل: يا رب أعني على غض البصر، كيف أضبط لساني ؟ أنا أتسلى بقصص الناس، شيء ممتع جداً، عندي خمسون قصة،

((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[ مسلم]

 لا في الدراسة، ولا في الزواج، ولا في التجارة، يا أخي كيف أحج ؟ حج مثلما يحج الناس، حر، الله يعينك.
 حدثني طبيب قلب، وأنا أثق بكلامه، قال: والله ما من مريض من أمراض قلب كلها إلا استنصحني قبل أن أذهب إلى الحج، فنصحته أن يحج، وكأن مرضهم جمد في الحج، أنت ضيف الله، كل شيء عندك مجمد،

((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ))

 و

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ))


 الكيس من دان نفسه، ضبط نفسه، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، يعيش سبهللا هكذا، وكان أمره فرطا.

 

((أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا))

 

 

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]


 استرخاء، يطلق بصره، يطلق لسانه، يطلق يده، ينام حتى يشبع النوم، يأكل ليشبع، يتكلم عن الناس ليشبع، كله ليشبع، أما المؤمن فهو وقاف عند كتاب الله، هذا يرضي الله، هذا لا يرضي الله،

 

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْز))

 والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
 عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود، أحمد ]

  الكيّس، الكيس هو العاقل، والكيس هو العقل، ومعناه هنا التدبير، ولكن عليك بالكيس، فكر، دبر، خطط، هيئ ما تقوله لفلان، عنده لقاء مع شخص مهم، بعد ما خرج من عنده قال: واللهِ هذه النقطة ما قلتها، لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذه القصة ما قلتها، والكتاب لم أره إياه، لمَ لمْ تخطط، لمَ لمْ تكتب البنود، هكذا الإنسان

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ))

 استخدم عقلك، إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم أدبر فأدبر، قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي منك، بك أعطي، وبك آخذ، العقل مناط التكليف.
 أنا أضرب مثلاً واضحاً، واحد معه جهاز حديث جداً إلكتروني، إذا وضع عليه العملة الأجنبية يعطيه إشارة مزورة، أو صحيحة، باع بيته بأعلى سعر، وقبض الثمن بعملة أجنبية، والجهاز في جيبه، وما استخدمه، وإذا بالمبلغ كله عملة مزورة، نقول له: لمَ لمْ تستخدم هذا الجهاز طالما الجهاز معك ؟ هذا المثل البسيط، دائماً وأبداً أين عقلك ؟ العقل مناط التكليف، ولكن عليك بالكيس، ليس هناك بيع لعل صانعًا عندك أنت تأتي الساعة الحادية عشرة، وهو يهرّب الزبائن، ينتقم منك، لعل هناك تجاوز حدود من موظفيك مع الزبائن، لعل البضاعة غير مناسبة، لعل سعرها غال، أو ليس فيها ذوق، يقول: لا نعمل، أنا أقول لكم: والله الذي لا إله إلا هو أصحاب الحرف ممن يتقن عمله لا يقف عن العمل، لأنه لما يكون هناك مئة صاحب مصلحة، منهم خمسة متفوقون، مهما بردت الأسواق يستوعب الخمسة، إذا لم يعمل الناس يكون عملهم من الدرجة الثانية.
 أنا أسمع عن بلاّط ينتظره الناس ستة أشهر، بالدور، هناك إتقان، إتقان بالغ، لذلك الإتقان جزء من الدين، بل هو جزء كبير من الدين،

((وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ))

 أي عليك بالتعقل، عليك بالتدبير، عليك بالتفكير، أخي هذا الاستسلام الساذج، التوكل مكانه القلب، والسعي مكانه الجوارح، المسلمون في عصور تخلفهم عكسوا الآية، صار توكلهم في الجوارح، هو جالس مرتاح، لا يسعى، إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا.
 عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا))

[الترمذي]

  تحرك، قال تعالى:

 

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾

 

[ سورة مريم: 25]

  النخل لا يهز، هذه إشارة من الله إلى أن هذا التمر الذي تساقط عليها رطباً جنيا جعل له سبباً، هزي، الإنسان أحيانا يخرج من بيته الله يرزقه، قال لي أحدهم: يريد أن يضع أسطوانة غاز في سيارته، شخص واقف قال له: أرني، ما هذا القماش ؟ كان سبب رزق كبير، الله سبحانه وتعالى يرزق على أتفه الأسباب كلمة، عنوان شخص، تلتقي معه، تسافر إلى محافظة، يأتيك رزق، الحركة فيها بركة، كما يقول العوام.
 أنا كل الدرس على أن الإنسان لا يعجز، لا يتواكل.

 

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ))

  شخص عمل مشروعاً سياحياً، كان في جاهلية جهلاء، النوادي الليلية، وشاليهات، ومسابح، وتكلف عليها مبالغ طائلة، الله عز وجل يبدو أنه هو طلب الهدى، لو قلنا: الله هداه، أي طلب الهدى، طلب الهدى، فهداه الله، وجد نفسه أمام مشكلة كبيرة جداً، طريق عريض إلى جهنم، أوتوستراد ست حارات، جلس معي أقنعته أن هذا المشروع لا يمكن أن يستمر، لابد من تحويله إلى مشروع آخر، قال لي: مستحيل، قلت له: حاول، سبحان الله ! وتم الأمر، صار مشروعًا سكنيًا بعد أن كان مشروعاً آخر.
 استعن بالله، أنت اطلب رضاء الله عز وجل، اطلب التوفيق، اطلب العمل الطيب، اطلب الجنة، اطلب أن يرضى الله عنك، والله يا إخوان لا أملك شعوراً يفوق هذا الشعور، ما من شعور أسعد للإنسان من أن يشعر أن الله يحبه، خالق الكون، أو أن الله راض عنه، وهذا في القرآن وارد:

 

 

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾

 

[ سورة آل عمران: 15]

  أكبر من الجنة، أكبر من الحور العين، أكبر من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، أكبر من الفواكه، وهم مكرمون، أكبر من كل شيء:

 

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾

 

[ سورة آل عمران: 15]

  فذلك لما تحصل للإنسان هذه الصلة بالله عز وجل وهذا الشعور، أنه في خدمة الخلق، وأنه جندي من جنود الحق، هناك أشخاص إذا اتصلوا بالله عز وجل تصبح سعادتهم في الإعطاء لا في الأخذ، قال بعض العلماء: إذا أردت أن تعرف نفسك أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ماذا يسعدك، أن تأخذ أم أن تعطي ؟ إن كنت من أهل الدنيا يسعدك أن تأخذ، ما لنا لحسة ؟ ما لنا نصيب ؟ وإذا كان يسعدك أن تعطي، ترجو الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

 

[ سورة الكهف: 110]

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ))

 الآن:

((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ))

 الحديث دقيق جداً، أنت أمام مشكلة، هناك ثلاثة مواقف، الموقف الأول: أن تنهزم، الموقف الثاني: أن تسعى، الموقف الثاني يتولد عنه موقف ثالث: تسعى، فإما أن تنجح، وإما أن لا تنجح، إن نجحت فالله سبحانه وتعالى أراد لك هذا النجاح، وأعانك عليه، والصعاب ذللها، والقلوب لينها، والأفكار سهلها، فإذا لم تنجح فهذه هي الحكمة، وهذا هو الخير، وهذه هي النعمة الباطنة، قال تعالى:

 

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

 

[ سورة لقمان: 20]

  فإذا لم تنجح:

((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل))

 واللهِ شيء جميل، أمام مشكلة الاستسلام عليه لوم، السعي ينشق إلى شقين، إما أن ننجح، وإما ألا ننجح، إن نجحنا فهذه نعمة الله عز وجل الظاهرة، وإن لم ننجح فهذه نعمة الله الباطنة، لا نعرف أين الخير، أخي بعد أن اتفقنا غيّر رأيه، يكون هذا الخير، يوجد قصص كثيرة بهذه الحالة.
 سمعت أن طائرة من مدينة إلى مدينة قادم عليها شخص مهم جداً، لا مكان له، فأخذوا اللائحة، استعرضوها، بحثوا عن شخص مكانته في السلم الاجتماعي متدنية، وجدوا هناك سائقًا أوصل شخصاً، ويريد أن يرجع بالطائرة، فشطبوا اسمه، صرخ، لا يوجد مكان، هذه نقودك، الطائرة أقلعت، ثم احترقت في الجو، اللائحة وصلت على أساس أن هذا الشخص ميت، فبلغوا أهله، طبعوا النعوات، وصار هناك تعازٍ، بينما هو وجد مكاناً وصل بعد عشر ساعات، وصل فوجد اسمه بالنعوة على الجدار، والناس يعزون به، دخل فلما وجدوا اسمك، وأنت لا مكان لك، هذا الخير، أنت لا تعرف أين الخير ؟ قال لي شخص: كنت ذاهبًا لأركب سيارة لأصل إلى بلدي، قال لي: في الخلف ثلاثة ركاب، وفي الأمام يوجد مكانان فارغان، جلست بأول مكان، هو طبيب، طالب طب، جاء شخص طويل القامة، عريض المنكبين، شرير، فتح الباب أمسكني، ووضعني في الخارج، لو قال لي: ممكن أن تسمح لنا بالمحل، ولا سألني، يظهر أنه هو قطعته صغيرة، أمسكه، ووضعه في الخارج، قال لي: شعرت بشعور لا يوصف، تمنيت أن أقتله، هو ضعيف، وحجمه صغير، وهذا شخص كبير، قطعته كبيرة، قال لي: امتلأت حقداً، امتلأت غيظاً، كدت أنفجر، منتهى الإهانة، أنا جالس بمكان، قل لي: أتسمح لنا بمكانك أقل له: تفضل، لكن لا يكلمني ولا كلمة، يخرجني، ويضعني في الخارج، قال لي: انتظرت ساعتين حتى جاءت سيارة أجرة أخرى، وركبنا، وجدنا السيارة مقلوبة، ثلاثة قتلى، واثنان جرحى، عندها شكرت الله عز وجل لهذا العمل الطيب الذي أكرمني به.

 

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ))

 غُلبت، قال لك: لا يوجد موافقة، مع السلامة، معنى هذا أن هذا هو الخير، هذه نعمة باطنة، أول نعمة ظاهرة، إذا وافق فهي نعمة ظاهرة، لم يوافق نعمة باطنة، سمح لك أن تسافر نعمة ظاهرة، ما سمح لك نعمة باطنة، الصفقة تمت نعمة ظاهرة، لم تتم نعمة باطنة، نجحت نعمة ظاهرة، لم تنجح نعمة باطنة، ولكن طبعاً تكون مجتهداً، الكسلان هذا عقاب، لذلك:

 

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل))

  هذا حديث دقيق جداً، يوجد توجيه حكيم، ويوجد منهج، ويوجد توحيد، يوجد عبودية لله عز وجل، ويوجد معرفة بالله، منهج، وموقف كامل للمؤمن، عبودية لله، توحيد، راحة نفسية، شيء ما كان لك، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه،

((وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

[الترمذي عن ابن عباس]

  هذا هو التوحيد، والله أنا أعتقد من يوحد يكون قد أنجى نفسه من آلاف الأمراض، الآن أحدث دراسة ما من مرض إلا وله أسباب نفسية عميقة، القرحة نفسية، الكوليسترول له أسباب نفسية، أمراض القلب لها أسباب نفسية، الضغط العالي ضغط الهم، هذا يسبب ضغط دم، أسباب نفسية، وكل هذه الضغوط، وهذه الآلام أسبابها شرك بالله، رأيت فلانًا أقوى منك، ولا يحبك، يريد أن يضايقك، أما إذا وحدت فقد ارتحت، أريد دليلاً من القرآن الكريم أنك إذا وحدت ترتاح، قال تعالى:

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

 

[ سورة الشعراء: 213]

  عذاب الشرك، عذاب التمزق، عذاب أن ترضي الناس جميعاً، المؤمن مشكلته سهلة له، علاقة مع جهة واحدة، تصور عبدًا له خمسة أسياد، هذا قال له: اترك، وتعال إليّ، جاء سيده الثاني: أين أنت ؟ تعال إلى هنا، اصنع الشاي، صنع الشاي، فقال له الثالث: لماذا لم تأت إلي، سبّه، إذا كان له خمسة أسياد، كل واحد أعطى أمرًا، شيء صعب، أما إذا كان عبد لسيد واحد فليس عنده إلا أمر واحد، المؤمن من عظمة الإيمان له علاقة مع جهة واحدة فقط، والباقون جميعاً لا قيمة لهم، لأنهم لا يقدمون، ولا يؤخرون، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد، وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإذا إن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
 أحاديث رائعة جداً، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضى بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، ولا أبالي وكنت عندي مذموماً.
 لذلك الحديث هذا يجب أن تحفظوه، ويجب أن تعملوا به، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود، أحمد ]

  ما كسبت هذا الشيء بعد ما وافقوا، رفضوا، كثيراً من الأمور، شراء البيوت، شراء المحلات التجارية، البعثات الدراسية مثلاً، الزواج، الطلاق، عقد الصفقات أحياناً شيء يقترب أن يتم، يقول لك: فقست، دخل فلان، الله يصلحه، فلان قدَمُه سوء، هذا كلام الشرك، هذا شيء لم يكن من نصيبك، واللهُ ما سمح به، هنا جاء كلام ابن عطاء الله السكندري في الحكم العطائية، تكاد أن تكون هذه الحكم من أروع ما كتب من قبل العلماء، المؤمن يرى المنع عطاءً، قد يكون المنع عين العطاء، إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة، لذلك أنت استسلم، أنت عبد لله، لا دور لك أبداً، الله هو كل شيء، فإذا وحدت ارتحت، وأرحت.
 هذا الحديث إن شاء الله إذا اتضح في أذهان الإخوان الكرام عليهم أن يذكروه كلما أقدموا على عمل، لا تعجز، إياك أن تستسلم، إياك أن تنهزم، إياك أن تخنع، إياك أن تقول: لا حول لي ولا قوة، الله هو صاحب الحول والقوة، اطلب منه، عليك بالكيس، فكر، دبر، هيئ أمورك، نظم، تكلم مع فلان، أقنع فلاناً، اكتب كتاباً، اكتب رسالة، تحرك، اسعَ، فإذا غلبك أمر، سعيت، وما نجحت فهذا الخير.
 هنا نقطة مهمة جداً، حينما تستنفذ كل جهدك الذي يقع فهو الخير، أما إذا لم تستنفذ جهدك الذي يقع فقد يكون عقاباً، الابن مريض، حرارته أربعون، ما أخذناه إلى الطبيب، يعيننا الله، الله يسلم، هذا ليس كلامًا إسلاميًا، الله أمرك أن تسعى، تضاعف الأمر، التهاب سحايا، بعد هذا مات، لا إله إلا الله، هكذا الله كتب له، لا، هذا كلام مرفوض، أنت تأخذه إلى أول طبيب، تأخذ الدواء، تنفذ التعليمات بدقة بالغة، بعد هذا تستسلم لله، ثم الذي يحدث هو الخير، تتصدق، تعالجه عند طبيب، وتهتم أن يكون طبيباً جيداً مخلصاً ماهراً في علمه، تستعمل الدواء بشكل جيد، تدفع صدقة، وبعد ذلك تستسلم للذي يحدث، وهو الخير، أما قبل أن تستنفذ الجهد فالاستسلام مرفوض، وكل نتيجة تأتي بعد الاستسلام ليست قضاءً وقدراً كما يزعم بعض الناس، إنما هي جزاء التقصير والإهمال، يقول لك: هذا الدواء لا تضعه بين أيدي الأطفال، أنت لم تعر لذلك اهتماما، أخذ ابنك حبتين، يحتاج إلى غسيل معدة، صار معه قرحة الأمعاء، ثقبت، يحتاج إلى عملية جراحية، هكذا ترتيب الله، لا، ليس ترتيب الله، هذا تقصيرك، مكتوب على الدواء: لا تضعه بين أيدي الأطفال، ضعه في مكان عال، هناك أشياء كثيرة تحدث، أسطوانة الغاز مثلاً، الأنبوب افحصه من حين إلى آخر، قد يكون جافاً، يحدث انفجاراً، هكذا الله أراد، لا تقل: الله أراد، إلا إذا استنفذت الأسباب، حينما تستنفذها فالله أراد، أما قبل أن تستنفذها فهذا عقاب، وهذا جزاء التقصير، هذا كله من قول النبي الكريم:

((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

  حديث آخر نتابع به هذا الدرس، عن أبي موسى قال: قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((إن الله تعالى يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته مادام في وثاقه وللمسافر أفضل ما كان يعمل في حضره))

[الطبراني في المعجم الصغير]

  يعني الله عز وجل إذا سلب من إنسان الصحة لفترة محدودة فلا يتألم، ولا يتشاءم، ولا يشعر أنه في هوان، ولا أنه رخيص على الله عز وجل، لا، أعمالك الصالحة من دعوة، إلى، إنفاق، إلى أمر بالمعروف، إلى نهي عن منكر، إلى إصلاح ذات البين، مطالعتك، قراءتك، تعليمك، تجارتك، تلاوتك، هذه الأعمال الطيبة التي تعملها وأنت في أوج صحتك إذا سلب الله منك هذه الصحة يكتبها لك كما لو أنك تفعلها، وهذه بشارة، أنت حبسك المرض، ليس عليك حرج، قرأت حديثاً، قرأته مرات كثيرة، وأذكر أنه تلوته على الإخوة الأكارم عشرات، بل مئات المرات، في المرة الأخيرة لفت نظري هذه الكلمة، ففي الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

((يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ ))

[مسلم]

  لفت نظري كلمة:

((لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ))

 معناها لما ربنا عز وجل يسلم من مؤمن صحته يتجلى عليه ليكون معه، قال: يا موسى أتحب أن أكون جليسك ؟ فقال: كيف ذاك يا رب، وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسنيِ عبدي وجدني.

 

((إن الله تعالى يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته مادام في وثاقه))

 معنى هذا أن المرض ضابط، المرض هو الوثاق، المرض قيد الإنسان عن العمل الصالح، عن الصيام، قيده عن الحج، قيده عن الصلاة، قيده أحياناً عن الصلاة بوضعها الطبيعي، أما الصلاة كما تعلمون، هي الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال، مادام في وثاقه، أي ما دام مقيدًا في مرضه،

 

((وللمسافر أفضل ما كان يعمل في حضره))

 طبعاً السفر المشروع، سفر في طلب العلم، سفر للفرار بالدين، إذا كنت في أرض منعت فيها من أن تمارس شعائر دينك إذا سافرت عن هذه الأرض فهذا السفر في طاعة، أو لطلب الرزق،

((إن الله تعالى يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته مادام في وثاقه، وللمسافر أفضل ما كان يعمل في حضره))

[الطبراني في المعجم الصغير]

  آخر حديث، عَنِ الْمُهَاصِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

((إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ))

[الدارمي]

  المهم ليس الكلام، المهم الهم والهوى، ما الذي يهمك ؟ أو ما الذي يشغل بالك ؟ ما الذي تقلق له ؟ ما الخواطر التي تأتي ؟ ما الطموحات التي تسعى إليها ؟ ما المشاعر التي تنتابك ؟ هذا المهم لأن هذا يعبر عن حقيقتك، أما اللسان فقد لا يعبر عن حقيقتك، لك أن تقول أجمل كلام، وأحلى كلام، وأنت بعيد عن فحوى هذا الكلام، لذلك جاء في الحديث القدسي عَنِ الْمُهَاصِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

((إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ))

[الدارمي]

  البطولة في الهم والهوى، إلامَ تميل نفسك ؟ ماذا تشتهي ؟ ماذا تحب ؟ إلى ماذا تطمح ؟ ما الشيء الذي تستشرفه ؟ ما الخواطر التي ترد إليك ؟ ما الذي يقلقك ؟ ما الذي تحبه ؟ هويتك تعرف بهمك وهواك، وأما اللسان فكثيراً ما لا يعبر عن حقيقة الإنسان.
 قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

((إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ))

[الدارمي]

  هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ولا أنسى قول سيدنا سعد حين قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: " ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى.