الإيمان هو الخلق - الندوة : 02 - التمهيد لموضوع الإيمان هو الخلق 2

2005-09-26

تقديم وترحيب :

السلام عليكم ورحمة الله ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة التي تأخذ ترتيباً ثانياً ، حيث مهدنا لبرنامجنا الجديد " الإيمان هو الخلق " ، والذي يبث عبر الفضائية السورية .
كنا قد بدأنا معكم رحلتنا :" الإيمان هو الخلق " في الأسبوع الماضي ، واليوم نكمل التمهيد لهذا البرنامج .

إعادة وتذكير :

قلنا : إن العنوان أخذ من قول العالم الجليل ابن القيم الجوزية الذي قال : " الإيمان هو الخلق " ، و مقياس الاستزادة في الإيمان هو مقياس التفاضل في الإيمان بين الناس ، ومن زادك خلقاً ، ومن زادك سلوكاً قويماً زادك إيمانا ، وتبينا ذلك مع أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً وسهلاً دكتور ، تبينا من خلال تعريفك للأخلاق ، تعريفك للخلق في التمهيد الأول في الحلقة الماضية تبينا مسألتين ، الخلق انضباط ، و عطاء ، و تبينا بأن الإنسان على هذه الأرض وجوده و خلقه مرتبط بأخلاقه ، ومرتبط بأهدافه ، وأن الإنسان يسعد إذا توافقت حركته مع هدفه ، ويشقى إذا تباينت ، ولم تتسق حركة سيره مع حركة هدفه ، وعدنا إلى هذا التعريف في القرآن الكريم والسنة ، وعند العلماء ، وتبينا في الحلقة الماضية بأن الكثير من الناس يعتقد بأن الإيمان هو العبادات ، و أن الميزان التفاضلي الكثرة في العادات ، فقلت : إن العبادة هذه الشعائرية إن لم ترتبط بغاياتها لماذا وجدت ؟ و لماذا فرضها الله ؟ ولماذا كان التكليف بها جعل الله منها هباء منثوراً ؟ ونستذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام :

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))

الآن دكتور راتب نريد أن نتابع ما بدأناه ، ونريد أن نتلمس مسألة الأخلاق والخلق من خلال الكتاب والسنة ، ومن خلال سير الصحابة الكرام ، الرعيل الأول في هذا الموضوع ؟

الإنسان في حقيقته زمنٌ :

الدكتور راتب :
أستاذ علاء ، النقطة إذا تحركت رسمت خطاً ، والخط إذا تحرك رسم سطحاً ، والسطح إذا تحرك شكل حجماً ، والحجم إذا تحرك شكل زمناً ، فمن أدق تعريفات الزمن أنه البعد الرابع للأشياء ، و قد نستغرب أن من أدق تعريفات الإنسان المخلوق الأول أنه زمن ، هو بضعة أيام ، هذا التعريف للإمام الجليل الحسن البصري ، الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، لأنه كائن متحرك نحو هدف ثابت ، الآن اركب قطاراً إلى الزبداني ، وانظر إلى ساعتك ، كل ثانية تمضي تقترب من الهدف ، إذاً : هذه الرحلة زمن ، والإنسان زمن ، الإنسان في أدق أدق تعريفاته أنه زمن ، أو أن أثمن شيء يملكه هو الزمن ، أو أن رأسماله هو الزمن ، بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .

فكيف يقول الله عز وجل في سورة يقول عنها الإمام الشافعي : " لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم " ، هي سورة العصر ، خالق السماوات و الأرض يقسم لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن ، يقسم له إنك خاسر :

وَالْعَصْرِ

[ سورة العصر : 1]

جواب القسم :

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ

[ سورة العصر : 2]

وأقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن ، قال له : إنك خاسر ، إله يقسم ، فما معنى الخسارة ؟ معنى الخسارة أن مضي الزمن يستهلكه ، لذلك الإنسان العاقل يعد عمره عداً تنازلياً لا عداً تصاعدياً ، فلا يقول : أنا بلغت من العمر خمسين ، يقول : كم بقي لي ؟
لو ذهبنا إلى حمص مثلاً اللوحات تنازلية مئة وستون ، مئة وأربعون ، مئة وعشرون ، مئة ، ثمانون ، ستون ، أربعون ، عشرون ، عشرة ، خمسة ، واحد ، حمص ترحب بكم ، فالإنسان البطل يعد عمره عداً تنازلياً ، وفي أكثر دورات البرمجة اللغوية العصبية ، وهي شائعة الآن شيوعاً كبيراً ، وهي عبارة عن قواعد مستنبطة من الناجحين في الحياة ، هذه الدورات اسمها الدورة العصبية اللغوية ، أحد قواعد هذه البرمجة : " ابدأ من النهاية " ، إذا بدأت من النهاية يأتي عملك منسجماًُ مع هذه النهاية ، يقول الله عز وجل :

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ

[ سورة العصر ]

لأن كل الذي يحصله الإنسان في الدنيا يخسره في ثانية واحدة ، كل عظمة الإنسان ، وهيمنته ، وقوته ، وحجمه المالي ، والذين حوله متوقف على ميلي وربع قطر شريانه التاجي ، فإذا ضاقت هذه اللمعة دخل في متاعب لا تنتهي ، وكل عظمة الإنسان ، وإمكاناته ، وهيمنته ، ومن حوله ، وماله متوقف على سيولة دمه ، فإذا تجمدت نقطة دم كرأس الدبوس في مكان ما من دماغه ، ففي مكان يصاب بالشلل ، وفي مكان يصاب بالعمى ، وفي مكان يفقد ذاكرته ، فكل عظمة الإنسان مبنية على سيولة دمه ، وكل عظمة الإنسان المتأله ، هذا مصطلح استوردناه من الأجانب ، وفي الحدث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]

فكل عظمة الإنسان متوقفة على نمو خلاياه ، فإذا نمت نمواً عشوائياً دخل في الورم الخبيث ، وانتهت حياته .
إذاً : الإنسان خاسر لا محالة ، لأنه لو مات موتاً طبيعياً كل شيء جمعه في حياته يخسره في ثانية واحدة :

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ

[ سورة العصر ]

أين رحمة الله ؟ رحمة الله في قوله :

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

[ سورة العصر : 3]

رحمة الله لا في أن تنفق الوقت الذي هو أثمن شيء تملكه ، لا في أن تنفق الوقت الذي هو أنت ، لا في أن تنفق الوقت الذي هو رأسمالك الوحيد إنفاقاً استهلاكياً ، بل ينبغي أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً ، هذا هو الفرق بين الأخلاقي وغير الأخلاقي .
غير الأخلاقي ينفق وقته إنفاقاً استهلاكياً ، يأكل ، ويشرب ، ويستمتع ، وعمله متكرر ، يستمتع ، يتابع الأخبار ، له تعليقات معينة ، يسهر ، يسافر ، يتنزه ، ثم يفاجأ بالموت الذي ينهي كل شيء .
الأستاذ علاء :
يأتيه بغتة ، وكأنه لم يحسب لذلك الموقف .

ثم يأتي الموت بغتة !!!

الدكتور راتب :
كل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت :

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمول
***

حينما نبدأ من النهاية في البرمجة اللغوية العصبية الآن تنسجم مع هذه النهاية .
الأستاذ علاء :
يتسق عمل الإنسان والحركة مع النهاية .

عملُ الإنسان وحركته تتسق مع النهاية :

الدكتور راتب :
مرة كنت في مطار شيكاغو ، أعجبني شريط متحرك ، إذا وقفت عليه يمشي بك ، إذا مشيت عليه سرعتك تتضاعف ، وإن بقيت واقفاً عليه تمشي مع المشاة ، لكن التفكر في الموت ، وأن تبدأ من النهاية هذا يصونك عن أن تخرج عن منهج الله ، وهذا يسرع خطاك إلى الله .
الموت له وظيفة إيجابية كبيرة جداً ، لك أن تؤسس شركة ، ولك أن تنال دكتوراه ، ولك أن تتزوج ، ولك أن تسهم في بناء الأمة ، ولك أن تكون إيجابياً معطاء ، ومع ذلك تفكر في الموت ، لأن الموت فيه حساب ، إذا فكرت في الموت ، وأن فيه ينتهي كل شيء تنضبط وفق منهج الله ، لأن الشهوات محرك ، و العقل مقود ، و المنهج طريق ، فمهمة العقل الحفاظ على البقاء في الطريق عن طريق المقود ، الحركة شهوة ، والعقل مقود ، والطريق هو الشرع ، فلذلك حينما يعرف هذا الإنسان ماذا بعد الموت ينجح .

الركنان المتلازمان في القرآن : الإيمان بالله واليوم الآخر :


بالمناسبة ، أستاذ علاء ، ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن كركن الإيمان بالله واليوم الآخر ، و أنا أقول لك بصدق : حينما تؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً كما أراد الله فلابد من أن تنعكس موازينك مئة وثمانين درجة ، يصبح العطاء هو الهدف عندك ، ترقى بالعطاء لا بالأخذ ، ترقى بخدمة الخلق لا باستخدام إمكاناتهم لصالحك ، ترقى بأن تكون نموذجاً تبحث عن هدف ، وقيمة لا عن مصلحة وحاجة ، فحينما يستهلك هذا الإنسان وقته استهلاكاً دون جدوى يصاب بصعقة عند الموت ، فيتمنى فيها لو كان تراباً :

وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً

[ سورة النبأ : 40]

أما حينما ينفق وقته إنفاقاً استثمارياً أي يفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعه بعد مضي الوقت ، الآن :

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا

[ سورة العصر : 3]

ما لم تبحث عن الحقيقة ، ما لم تبحث عن سر وجودك ، ما لم تبحث عن غاية وجودك ، ما لم تبحث عن منهج ينتظم حركتك في الحياة ، ما لم يكن لك هدف واضح فإنك في خسارة :

 

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا

[ سورة العصر : 3]

وهذا البحث يحقق الحاجة العليا في الإنسان ، والإنسان لا ينتمي إلى إنسانيته إلا إذا بحث عن الحقيقة ، من خلقني ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟ أين كنت ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما الشيء الذي إذا فعلته سلمت وسعت ؟ هذه الحقائق خطيرة جداً ليس البحث عنها استهلاكاً للوقت ، بل هو استثمار للوقت ، قال تعالى :

 

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا

[ سورة العصر : 3]

الحقيقة وحدها لا قيمة لها إطلاقاً ، إنسان معه مرض جلدي ، ونصحه الطبيب أن يعرض نفسه للشمس ، وجلس في غرفة قميئة مظلمة فيها رطوبة ، وقال : يا لها من شمس ساطعة ، إنها شمس تشفيني ، إنها شمس تأخذ بالألباب ، لو بقي إلى يوم القيامة يثني على الشمس ، وهو قابع في غرفة مظلمة لا ينتفع منها ، لأنك ماذا فعلت ؟ أنت حينما تؤمن بالله ما زدت على أن أقررت بحقيقة صارخة وناصعة :

 

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

[ سورة العصر : 3]

هل تصدق أستاذ علاء أن الله عز وجل لخص القرآن كله بآية واحدة :

 

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً

[ سورة الكهف : 110]

أي ما لم تتحرك ، ما لم تلتزم ، ما لم تستقم ، أتمنى أن أوضح الفكرة بمثل من التجارة :
التجارة كم نشاط لها ؟ مئات الألوف ، شراء مستودعات ، شراء مكاتب ، تعيين مندوبي مبيعات ، استيراد بضاعة ، مراسلة شركات ، بيع البضاعة ، الإعلان عن البضاعة ، عشرة آلاف نشاط ، هل تستطيع أن تضغط التجارة كلها بكلمة واحدة ، أنا أضغطها في الربح ، فإن لم تربح فلست تاجراً .
إذاً الآن : الدِّين مؤتمرات ، ومساجد ، وكتب ، ومؤلفات ، وندوات ، وفضائيات ، ونشاط إسلامي ، إن لم يضغط بكلمة استقامة فلا قيمة له ، بل يصبح ثقافة ، الآن هناك من يقول : أنا عندي خلفية إسلامية ، وأرضية إسلامية ، ونزعة إسلامية ، وتفكير إسلامي ، واهتمام إسلامي ، لكنه ليس مسلماً .
هناك شاب درس في أمريكا ، وأعجبته فتاة إعجاباً لا حدود له ، فاستأذن والده أن يتزوج منها ، أقام عليه الدنيا ، وهدده أن يتبرأ منه لو تزوجها ، لأنها ليست مسلمة ، فخطرت في بال هذا الشاب أن يستأذن والده لو أنها أسلمت ، أتسمح لي بالزواج منها ، فقال له : أسمح لك ، فاختل توازنه من الفرح ، اشترى لها عشرين كتاباً باللغة الإنكليزية ، وهي ذكية جداً ، قالت له : أنا لا أقرأ هذه الكتب وأنت معي لئلا تضغط علي ، طلبت إجازة أربعة أشهر كي تقرأ هذه الكتب ، إما أن تسلم ، وإما ألا تسلم ، وعدّ هذا الوقت لا بالأشهر ، ولا بالأسابيع ، ولا بالأيام ، ولا بالساعات ، بل بالثواني ، وكادت روحه تخرج من جسمه ، فلما التقى بها بعد أربعة أشهر نطقت بالكلمة التي اختل توازنه لها ، قالت : لقد أسلمت ، ولكني لن أتزوجك ، لأنك لست مسلماً بحسب ما قرأت .
الأستاذ علاء :
عندما عرفت ، وتبينت ، لأنها قارنت به وقالت له : لست مسلماً ، أي ما قرأته أردت أن ينطبق عليك فلم ينطبق عليك ، فأنت خرجت من هذه الدائرة ، فسلوكه ، وأخلاقه لم تنطبق مع معطيات الإسلام .

تفادي الخسارة بالعمل الصالح في كل الأوقات :


الدكتور راتب :
فلا يمكن أستاذ علاء أن تتلافى الخسارة إلا بحالة واحدة ، أن نعمل في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعنا بعد انقضاء الزمن :

 

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا

[ سورة العصر : 3]

رحمة الله في ( إلاّ ) ، وما لم ترفق عملك بسلوك ، وما لم ترفق إيمانك بسلوك فلا قيمة لهذا الإيمان إطلاقاً ، الدليل إبليس مؤمن ، والدليل قال له :

 

فَبِعِزَّتِكَ

[ سورة ص : 82]

آمن به رباً ، و آمن به عزيزاً ، وآمن به خالقاً ، قال له :

 

خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ

[ سورة الأعراف : 12]

وآمن باليوم الآخر فقال :

 

أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[ سورة الأعراف : 14]

ومع ذلك فهو إبليس ، فأن تعتقد في شيء صحيح دون أن ينعكس على سلوكك لا قيمه له ، لذلك ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام :

 

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

[ سورة العصر : 3]

لابد من أن ينعكس إيمانك سلوكاً وانضباطاً وعطاء ، والدليل :

 

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا

[ سورة الأنفال : 72]

بين الإيمان الحقيقي وإيمان الشكليات :

ما لم تأخذ موقفاً ، ما لم تعطِ لله ، ما لم تمنع لله ، ما لم تصل لله ، ما لم تقطع لله ، ما لم ترض لله ، ما لم تغضب لله فلست ملتزماً .
نحن الآن عندنا مشكلة ، عندنا إيمان اسمه إيمان صالونات ، إيمان يتكلم به فقط ، إيمان مؤلفات ، أحياناً نتزين به ، لأن ثمة لآن توجها نحو الدين عاليا جداً ، هناك من يركب هذه الموجة ، أنا عندي أرضية إسلامية ، و خلفية إسلامية ، و نزعة إسلامية ، لكن هو ليس مسلماً ، قالت له : لن أتزوجك ، لأنك لست مسلماً بحسب ما قرأت :

 

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

[ سورة العصر : 3]

إذاً يمكن أن نضغط الدين كله بكلمة واحدة ( الاستقامة ) .

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ

[ سورة فصلت : 30]

الآن :

وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ

[ سورة العصر : 3]

الحركة نحو الخَلق بعد معرفة الحق :


أنت بعد أن عرفت الله أحببت من حولك ، هؤلاء من بني البشر ، إخوانك في الإنسانية :

إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

[ سورة العصر : 3]

أي ما لم تبحث عن الحقيقة ، وما لم تعمل بها ، وما لم تدعُ إليها ، وما لم تصبر على البحث عنها ، والعمل بها ، والدعوة إليها فأنت خاسر :

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

[ سورة العصر ]

إذاً : أنا متى أستقيم على أمر الله ؟ و متى أبني حياتي على العطاء ؟ حينما أعرف سر وجودي ، و غاية وجودي ، و إلا أكون خاسراً بنص القرآن الكريم ، و كان الصحابة الكرام لا يتفرقون إلا على هذه السورة :

 

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

[ سورة العصر ]

لو كنت بائعاً ، و الغلة اليومية مليون ليرة ، ولم تبحث عن الحقيقة ، و لم تعمل بها ، و لم تدعُ إليها ، و لم تصبر على البحث عنها و العمل بها ، و الدعوة إليها بنص هذه الآية فأنت خاسر ، والإنسان يحب الربح ، لذلك قال تعالى :

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ

[ سورة الصف ]

الأخلاق لها أصل عَقديّ :

إذاً : قضية الأخلاق لها أصل عقدي ، لها أصل إيديولوجي بالتعبير الحديث ، ما لم يكن فهمي لسر وجودي ، وغاية وجودي ، ما لم فهمي للكون ، ولحقيقة الحياة الدنيا ، ولحقيقة الإنسان وأنت مخلوق أول ، أنت مخلوق مكرم ، أنت مخلوق مكلف ، ما لم أعرف من أنا فلن أستطيع أن أكون أخلاقياً ، بذكاء مني أفعل شيئاً أنتزع إعجاب الآخرين ، فإذا أتيحت لي فرصة أعتدي على أموالهم وأعراضهم أخرج عن أخلاقي ، ليس هذا هو الخلق ، لأن سيدنا عمر رأى راعيا قال له : << بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال له : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، قال له : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله >> ؟
أستاذ علاء ، هذا الأعرابي لا عنده مكتبة ، ولا عنده مكتبة أشرطة ، ولا درس في الجامعات ، ولا معه ( ا ف ا ر س ) ، ولا ( بورد ) ، ولا معه دكتوراه ، وليس معه ماجستير ، بثقافة محدودة جداً وضع يده على الدين .
أنا أقول كلمة : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، و كفى به جهلاً أن يعصيه ، هذا الأعرابي وضع يده على جوهر الدين ، ولكن أين الله ؟

أنا أقول لك كلمة : لا يمكن أن تستقيم حياتنا من دون إيمان بالله ، إنسان لو دخل إلى دورة مياه ، ولم ينظف أصابعه تماماً ، وكان معه مرض كبد وبائي يمكن أن يعدي ثلاثمئة إنسان يأكل في هذا المطعم بمرض قاتل ، فما لم يكن هناك انضباط ذاتي فلا تستقيم الحياة .
مرة كنت في أمريكا ، فسمعت صوتاً غريباً يصدر من المركبة ، سألته : ما هذا ؟ قال : هذا الصوت ينبهني أنه بعد حين هناك جهاز يكشف السرعات الزائدة ، واضع القانون ذكي ، والمواطن أذكى ، فصنع جهازاً لكشف هذا الجهاز الذي ينبئ بالسرعة الزائدة .
الآن الدولة هناك في طور أن تصنع جهازاً يكشف ما في السيارات من أجهزة تناقض هذا الجهاز ، هذه معركة بين عقلين ، أما حينما نؤمر بالصيام فهل يستطيع إنسان أن يدخل إلى بيته ، و يغلق الأبواب ، ويضع في فمه قطرة ماء واحدة ؟ أبداً ، الحياة لا تنضبط إلا بالخوف من الله ، ولا تنضبط إلا بمراقبة الله ، ولا تنضبط إلا إذا شعرت أن الله معك ، واعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، من خلال ما قدمت أعود إلى هذا العنوان مرة ثانية ، ونعود إلى أصوله في الكتاب و السنة ، ونعود إلى ما جرى مع النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته في بداية الدعوة ، ونعود إلى قضية كيف النبي عليه الصلاة والسلام ملك قلوب الناس ، وقلوب البشر من غير جاهٍ ، ومن غير سلطان مادي عليهم ، وكيف صبغ أتباعه وصحبته بالأخلاق ، وحملهم بالأخلاق إلى الاستقامة التي هي عين الكرامة ، كما قالوا ، ودافعوا عن ذلك المنهج ، ودافعوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وعن إيمانهم حتى الموت ؟ يمكن أن نرسم اللوحة إن سمحت ؟

الصورة الأخلاقية في النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه :

الدكتور راتب :
النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول : إنما ، وقبل أن أتابع إنما أداة قصر وحصر ، إذا قلت : إنما شوقي شاعر ، هو شاعر فقط ، ليس كاتباً ، و ليس تاجراً ، وليس قاضياً ، إنما شوقي شاعر ، أما إذا قلت : إنما الشاعر شوقي فها له معنى آخر ، لا شاعر إلا شوقي ، إنما تفيد الحصر والقصر ، فإذا قال سيد الخلق وحبيب الحق :

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[ أحمد ]


معنى ذلك أن فحوى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام مكارم الأخلاق ، وهذا عنوان هذا البرنامج الطيب إن شاء الله .
بالمناسبة ، الناس لا ينجذبون إلى الشخص بعباداته ، بل بأخلاقه ، لا يتحلقون حول إنسان لأنه يصلي مئة ركعة في الليل ، يتحلقون حوله لأنه متسامح معهم ، لأنه يحب الخير ، لأنه كريم ، لأنه بنى حياته على العطاء ، فالذي يجذب الناس إلى هذا الدين ، ويجعلهم يدخلون في دين الله أفواجاً هو الخلق ، والذي يجعل الناس ينصرفون عن الدين ، ويخرجون منه أفواجاً هو التطبيق السيئ لهذا الدين ، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً في هذا اليوم .
الأستاذ علاء :
تماماً ، لذلك الله عز وجل خاطبه وقال :

 

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ

[ سورة القلم : 4]

هذه لها بحث طويل ، دكتور هل في الحلقة القادمة إن شاء الله نستمر في موضوع التمهيد ، وربما يأخذ معنا حلقتين حتى نستكمل التمهيد لهذا العنوان .
الدكتور راتب :
هذه تسمى الآن المنطلقات النظرية .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
وبعد ذلك نبدأ بمباحث " الإيمان هو الخلق " ، لا يسعني إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين ، وإلى اللقاء إن شاء تعالى في الأسبوع القادم لنكمل ما بدأناه في هذه الحلقة ، و الحلقة التي سبقت عبر الفضائية السورية ، شكراً لكم ، وشكراً للأعزاء المشاهدين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .