الندوة : 4 - برنامج الحرية طريق الريادة ـ حوار مفتوح

2008-12-15

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

الكون جماد ونبات وحيوان وإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ، الكون جماد ونبات وحيوان وإنسان ، الجماد يشغل حيزاً وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن .
 النبات كالجماد يشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، لكنه ينمو .
 الحيوان كالنبات شيء يشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وينمو ويتحرك .
 الإنسان شيء يشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة ، وله وزن ، وينمو ، ويتحرك ، ويفكر .
 أودع الله في الإنسان قوة إدراكية ، وما لم تلبَ هذه القوة الإدراكية هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به .
 لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل .
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، بل إن أزمة أهل النار في النار العلم ، والدليل :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )

الإنسان هو المخلوق الأول المكرم و المكلف :

 أيها الأخوة الكرام ، الإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 والإنسان هو المخلوق المكرم ، لقوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 والإنسان هو المخلوق المكلف ، هنا موطن الشاهد ، مكلف أن يعبد الله ، والعبادة علة وجوده ، لأوضح هذا بالتفصيل :
 لو أن والدك أيها الشاب الكريم أرسلك إلى بلد أجنبي من أجل الدكتوراه ، وعدك أن يعطيك عطاء لا حدود له إن نلت هذه الشهادة ، هذه المدينة الكبيرة فيها دور لهو ، فيها مسارح ، فيها حدائق ، فيها معامل ، فيها دوائر حكومية ، علة وجودك في هذه المدينة شيء واحد أن تنال هذه الشهادة .
 البطولة أن يكشف الشاب علة وجوده في الدنيا ، إما أن يكشفها بالتفكر ، أو أن يأخذها من كتاب الله ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

الله عز وجل أراد أن تكون علاقته بعباده علاقة حب لا علاقة قسر :

 لكن المشكلة أن الناس يفهمون العبادة على أنها عبادات شعائرية ، العبادة أوسع من هذا بكثير ، العبادة طاعة طوعية ، طاعة لمن ؟ للصانع ، الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، وهذه الآلة بالغة التعقيد ، عظيمة النفع ، لها صانع حكيم ، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة ، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة الخبيرة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها ، هي طاعة لكنها طوعية ، لماذا ؟ لأن الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين الخلق علاقة حب .

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية : 54 )

 هذا الأصل ، لذلك :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 256 )

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

( سورة السجدة الآية : 13 )

 كان من الممكن أن يكون الهدى قسرياً ، لكن الهدى القسري لا تنتج عنه سعادة إطلاقاً ، لذلك الأصل أن الله أراد أن تكون علاقته بعباده علاقة حب ، أحبنا أولاً

﴿ يُحِبُّهُمْ ﴾

 وينبغي أن نحبه ثانياً .

 

من لم يستقم على أمر الله عز وجل لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

 قال بعض العلماء وهو ابن القيم رحمه الله تعالى : من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه ، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه .
 فهي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، ما عبد الله من أطاعه قسراً ، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، وما عبد الله من أحبه ولم يطيعه ، هي طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، هذا التعريف فيه جانب معرفي ، وجانب سلوكي ، وجانب جمالي .
 بكلمة دقيقة ، عميقة ، موجزة ، حاسمة : نحن بالتجارة وأخوانا كُثر في هذا البلد الطيب يعملون في التجارة ، لها نشاطات لا تعد ولا تحصى ، شراء محلات ، مستودعات ، مكاتب تصدير ، تعيين موظفين ، سفر ، حضور معارض ، شراء بضاعة ، استلام بضاعة ، عرض البضاعة ، إعلان ، جمع الثمن ، كل هذه النشاطات التجارية يمكن أن تضغط بكلمة واحدة : إنها الربح ، فإن لم تربح فلست تاجراً .
 أقول لكم بإخلاص : الدين نشاطات ، حضور الجمع والجماعات ، أداء الصلوات ، تأليف الكتب ، عقد المؤتمرات ، نشاطات الدين لا تعد ولا تحصى ، ولكن هذه النشاطات كلها تضغط بكلمة واحدة هي الاستقامة ، فما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً .

العبادة طاعة طوعية تفضي إلى

 سعادة أبدية :

 إذاً هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، المعرفة سبب ، والسلوك أصل ، والسعادة نتيجة ، المعرفة سبب ، والسلوك أصل ، والسعادة ثمرة ، إن لم تقل أيها الشاب المؤمن ولا أبالغ أنا أسعد الناس لأني عرفت الله ، الله غني ، أنت غني بغنى الله ، أنت قوي ، الله قوي ، أنت قوي بقوة الله ، الله رحيم أنت مرحوم برحمة الله . فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لــــغيرنا

ولــو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولــو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولــو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
ولـــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنات لأجلنــا
فــما حبنا سهل وكل من ادعى  سهولته قلنا له قد جهلتنـــا
* * *

 فيا أيها الأخوة الكرام ، العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

 

أمر الله أو نهيه ليس حدّاً لحرية الإنسان بل ضماناً لسلامته :

 مع الأسف الشديد في بعض البلاد أجري استبيان ، حول الهدف من الحياة ، ثلاثة بالمئة من الذي أجري حولهم الاستبيان يعرفون أهدافهم ، قال تعالى :

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك )

 لذلك العبادة تحقق الهدف من وجود الإنسان .
 بالمناسبة حينما تفهم أن أمر الله أو نهيه ليس حدّاً لحريتك ، بل هو ضماناً لسلامتك تكون فقيهاً .
 بالضبط كما لو رأيت لوحة كتب عليها حقل ألغام ممنوع التجاوز ، هل تعتقد أن واضع هذه اللوحة أراد حدّ حريتك ؟ لا ، أراد ضمان سلامتك .
 الفقه في الدين يعني أن تفهم الأمر والنهي فهماً علمياً ، بمعنى أن هناك علاقة بين الأمر ونتائجه ، وأن هناك علاقة بين النهي ونتائجه ، علاقة علمية كيف ؟ أريد أن أبين ذلك بمثل بسيط ، هناك علاقة وضعية وهناك علاقة علمية :
لو فرضنا بيت ، له بابان ، الأب أمر أن يستخدم هذا الباب ، والثاني يغلق ، ومن يخالف يعاقب ، فجاء أحد الأبناء وفتح الباب الآخر وخرج منه ، فعاقبه ، لا يوجد علاقة علمية بين العقاب وبين الفعل ، الأب قرر ذلك ، الأب وضع هذه العلاقة ، الأب اخترع هذه العلاقة ، نقول العلاقة بين خروج هذا الابن من هذا الباب الثاني وتلقيه العقاب علاقة وضعية ، لكن لو أن إنساناً وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق ، العلاقة بين وضع اليد على المدفأة واحتراق اليد علاقة علمية .

 

الدين موضوعي كلّ من طبقه قطف ثماره :

 حينما تفهم أوامر الدين وعلاقتها بنتائجها فهماً علمياً ، أي أن هذا الدين موضوعي في الأصل ، كل من طبقه يقطف ثماره ، بل لو طبقته جهة ملحدة لأخذت كل ثماره ليس لها :

﴿ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾

( سورة البقرة )

 لذلك أحياناً قوة الغرب تعود إلى أسباب إسلامية ، ليس عبادة لله عز وجل ، ولكن اكتشفوا بذكائهم أن هذا السلوك يجعل الإنسان ينشد إليهم ، فأنت حينما تفهم الدين أوامر ونواه ، والأمر والنهي لصالحك ، عندئذٍ تكون فقيهاً .
 لذلك الستة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض ما منهم واحد إلا ويتمنى السلامة والسعادة ، بل إن حبّ الإنسان لوجوده ، ولسلامة وجوده ، ولكمال وجوده ، ولاستمرار وجوده هذا شيء متأصل في كل إنسان ، الإنسان مفطور على حبّ وجوده ، وحبّ سلامة وجوده ، وحبّ كمال وجوده ، وحبّ استمرار وجوده .

 

الإنسان بالاستقامة يسلم وبالعمل الصالح يسعد و بتربية أولاده يستمر وجوده :

 بالمناسبة بالإسلام نواهٍ ، فإذا شخص ترك المنهيات ضمن سلامة وجوده ، الطريق إلى الله كأنه طريق مادي فيه عقبات كؤود تمنع وصول الإنسان إلى الله ، فكلما تاب من ذنب أزال عقبة كؤوداً ، فالإنسان إذا قال أنا لا أكذب ، لا أغش ، لا أحتال ، لا أكل حق أحد ، كله لاءات ، والاستقامة سلبية تحقق السلامة ، أما كمال الوجود يحتاج إلى بذل ، يحتاج إلى عطاء ، إلى تضحية ، إلى إيثار ، قال تعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

( سورة الكهف الآية : 110 )

 فأنت بالاستقامة تسلم ، وبالعمل الصالح تسعد ، أما استمرار الوجود يحتاج إلى تربية الأولاد ، الإنسان كُتب عليه الموت ، لكن إذا ربى ابنه تربية صالحة كان ابنه استمراراً له .

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور )

عدم قبول العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 إذاً العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، العبادة لها مستويات ، هناك عبادة شعائرية ، وعبادة تعاملية ، الشعائرية كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، والتعاملية ، كالاستقامة ، والصدق ، والأمانة ، والعفة ، عبادة شعائرية ، عبادة تعاملية .
 الحقيقة الأولى : لا يمكن أن تقبل العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية .

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

[ورد في الأثر]

 هذه مقدمة عن العبادة .

 

الأسئلة :

 أنا الآن بانتظار أسئلتكم ، وليكن ما تبقى من هذا الوقت الطيب في هذا المكان المبارك إن شاء الله حواراً بيننا وبينكم ، وأنا بانتظار الأسئلة .

1 ـ كيفية التعامل مع الآخرين :

 هناك مشكلة تواجهني ، وأعتقد أنها تواجه الناس كثيراً ، نحن مثلاً نحضر جلسة جميلة كهذه ، ونقرأ كتاباً أي نشحن شحنة روحانية ، ونشعر أننا قادرون على أن نسيطر على مواقف كثيرة ، وعلى علاقات كثيرة ، وعندما نخرج للمجتمع ، أو التعامل مع أنواع الناس المختلفة ، نجد الموضوع مختلف كلياً ، عملية التطبيق ليست سهلة وليست بسيطة ، نحن نعرف أننا نحتسب كل معاملتنا مع كل الناس لوجه الله ، وطبعاً قدوتنا الأنبياء والصحابة ، ويجب أن نأخذهم قدوة لنا ، وعندنا قرآن ، والأنبياء نموذج لكل موقف نستطيع أن نعمل به ، فأحياناً الواحد يضعف ، أحياناً يشعر أنه في ضغط عليه ، لأنني أنا لا أستطيع أن أتحكم في كل الناس الذين حولي ، لا أستطيع دائماً أن أكون صبوراً مع كل الناس ، الناس أهواؤها كبيرة جداً ، وطباعها صعبة ، فأنت تتعامل في الشارع ، وفي البيت ، مع الجيران والصديقات ، والأهل ، فأحياناً الواحد يضعف ، يكون تعبان من داخله ، لا أعرف ما هو الحل أنا عمري ليس صغيراً ، والحمد لله ، ولي عمر أحب أن أقرأ طبعاً في الدين ، وأحضر وأسمع ، أرتفع وأرتفع و أشعر أنه لا يوجد مشكلة لأن عندي مفتاح أتعامل فيه مع كل الناس ، أنا مع ربنا ، وهو معي وهو الذي يقويني ، وبعدها في مرات لا أستطيع ، لا أستطيع أن أتحمل ، لا يصح أن أنعزل عن الناس ، فهذه مشكلة تواجهني .

 

العلاقات مع الآخر نوعان ؛ علاقات عمل وعلاقات حميمة :

الدكتور راتب :
 أولاً العلاقات مع الآخر نوعان ، علاقات عمل ، وعلاقات حميمة ، علاقات العمل لا تؤذي المؤمن إطلاقاً ، مدرس بمدرسة ، يأتي على الوقت ، يحضر درسه جيداً ، يلقي الدرس بإتقان ، يقوم بواجباته تماماً ، له مكانة عند مدير المدرسة ، علاقات العمل ليس فيها إشكال إطلاقاً ، الحديث كما فهمت منك العلاقات الحميمة ، السهرة ، النزهة ، أولاً :

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 لماذا ؟ لأنه يصبح بالعلاقات الحميمة تداخل أفكار ، تداخل مشاعر ، الآن شخص يجلس مع تجار ، يشتهي التجارة ، يقول لك هذه الصفقة بمليون ، هذه مليونان ، يجلس مع أناس متفلتين لا سمح الله ولا قدر ، يشتهي تفلتهم ، يجلس مع أناس منحرفين يشتهي انحرافهم ، فلذلك لابدّ من حمية .

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

( سورة الكهف )

لابدّ من حمية اجتماعية يتبعها كل إنسان في علاقاته مع الآخرين :

 أنا أتمنى أن نشكل مجتمعاً إيمانياً ، مجتمعاً منضبطاً ، مجتمعاً طاهراً ، مجتمعاً فيه تنافس شريف ، مجتمعاً يؤكد الطاعة ، مجتمعاً يحبب بالآخرة ، مجتمعاً يدعو إلى الطاعة ، لأن الآية الدقيقة في هذا الموضوع ، كأن بين هذا الكلام وما سيأتي ما تفضلت به :

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

 أنا أتمنى أن نهيئ جواً إيمانياً ، مثلاً يكون لنا سهرة مع أصدقاء مؤمنين ، أما كل ما هبّ ودب أجلس معه ، أسهر معه ، أذهب معه نزهة ، أتنزه معه ، أفتح معه حديثاً مفتوحاً من دون ضوابط ، مشكلة .
 فعندنا لعبة بالشام اسمها شدّ الحبل ، مشهورة جداً ، أنا أعتبر اللعبة ميزان دقيق إذا أنت تستطيع أن تشد من حولك ، فإذا شدوك إلى منهجهم دعهم ، إن كنت قوياً وشددتهم إلى الدين اجلس معهم ، أنت معناها قوي ، أما إذا جلست معهم ، واشتهيت سلوكهم ومعاصيهم دعهم ، لابدّ من حمية اجتماعية ، أنا لا أدعو للقوقعة أبداً ، لكن حينما يكون المجتمع صالحاً الانعزال خطأ كبير ، وحينما يكون المجتمع فاسداً البعد عنه صواب كبير .

﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

( سورة مريم الآية : 48 )

أعظم سعادة للإنسان أن يكون من حوله على شاكلته :

 في كتاب إحياء علوم الدين فصل رائع جداً في فضائل العزلة وفضائل الاختلاط ، فأنا أقول : يجب أن ننتقي أصحاباً مؤمنين ، يجب أن أنضم إلى مجموعة مؤمنة ، النبي ماذا قال :

(( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً ))

[أخرجه الطبراني عن عويم بن ساعدة ]

 أنا أقول : إن أعظم سعادة للإنسان أن يكون من حوله على شاكلته ، أنت مؤمن ، عندك حياء ، عنده حياء ، عندك أدب عنده أدب ، تخاف من الله ، يخاف من الله ، تصلي يصلي معك ، إذا أردت أن تصلي لوحدك مع مجتمع لم يصلِ تؤخر الصلاة ، بعدها تستحي من الصلاة ، بعدها تجد نفسك فاتك فرض ، فرضان ، ثلاثة ، لذلك :

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 أنا لا أدعو للتقوقع ، أنا مدرس ، أنا طبيب بمستشفى ، أستاذ في جامعة ، تاجر في سوق ، أنا أكتفي بعلاقات العمل ، علاقات العمل باختياري ، أما العلاقات الحميمة ليست باختياري ، أنا لست على صواب لو صاحبت إنساناً متفلتاً ، سيحكي لي قصة مغرية ، يشهيني بمعصية ، يُري لي أن الدنيا فيها بسط ، وسرور ، وتفلت ، فكلما استطاع الإنسان أن يؤثر بمن حوله ليكن مع من حوله ، في اللحظة التي يؤثرون فيه نقول : ابتعد ، وانجُ بنفسك .

2 ـ الفضول و الطباع السيئة عن الناس :

 أنا أحدد نوع المشكلة التي أواجهها لأن حضرتك تقول إننا نصاحب مؤمنين ، أنا للأسف كل الذين حولي إيمانهم عالٍ جداً ، جداً ، جداً ، هم دارسون للدين ، ما شاء الله ، قيام الليل ، ونوافل ، وصيام نوافل ، على صيام عالٍ جداً ، ويفعلون أشياء أنا يمكن لا أستطيع أن أفعلها ، وهذا هو الذي يتعبني ، أنا أفترض حسن الصحبة هنا ، وطبعاً هناك أناس منهم من الأهل ، فمشكلتي الحقيقية أني أنا دائماً آخذ كلام الناس بسلامة نية ، بعد انتهاء المكالمة ، أو انتهاء الجلسة أجد نفسي فهمت الكلام بشكل مختلف أنا ما فهمته بساعتها ، أشعر أنه في لؤم في الطباع ، أنا أتكلم على طباع الناس ، وهذه مشكلة حقيقية ، نحن للأسف نرى أناساً على مستوى عالٍ جداً في معرفة الدين ، لكن الطباع مثلما هي ، حكاية تنقية القلب غير واردة ، هناك حقد ، هناك حسد ، هناك نوع من السخرية تحصل ، أما لا أتخيل أن أقول للواحدة كلمة أنا أعرف أنها ستجرحها ، لا أستطيع أن أتخيل مثل هذا ، ولو غلط وعملتها لا أستطيع أن أنام ، هناك أناس يفعلونها بشكل عادي جداً ، جداً ، وضميرهم مستريح وما عندهم مشكلة ، ويكونون قاصدين .
 الشيء الثاني : الفضول ، الناس عندها فضول غير عادي ، يعرفون تفاصيل حياتي ، تفاصيل علاقاتي ، هم يريدون أن يفتحوا دماغي ويعرفون أنا أفكر في أي شيء للعشر سنين التي ستأتي ، هذه عملية متعبة جداً ، ومرهقة ، لأنني لا أستطيع أن أحمي نفسي منهم ، هذه مشكلة شخصية عندي غير موجودة عند أناس كثر ، لا أستطيع أن أحمي نفسي من الناس ، لأنني أفترض حسن الظن دائماً أن السؤال عادي وبريء ، وأتفاجأ بعدها أن السؤال له أطماع أخرى ، هناك فضول ، وهناك طباع هم لم يفهموا أن القلب هذا :

﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )

 أنا أشعر أن هذا هو الأساس .

 

الدين استقامة و طهر :

الدكتور راتب :
 أنا لي اعتراض على كلامك اعتراض واحد ، أنت تقول إن مستواهم عالٍ جداً بالدين ، ثم هم يحسدون ، هناك تناقض بكلامك ، مستحل وألف ألف ألف مستحيل إنسان مستواه عالٍ في الدين يحسد ، أو يغش ، أو يحتال ، مستحيل :

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

[ورد في الأثر]

 النمام مصيره خطير جداً .

(( لا يدخل الجنة قَتَّات ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة بن اليمان ]

 نحن نفهم أن الدين واحد معه دكتوراه في الشريعة فرضاً ، أو معه شهادة عليا ، أو له مؤلفات ، الدين استقامة والدين طهر .

 

الدين المعاملة :

 

 لذلك أنا الآن قلت كلمة : عندنا عبادة شعائرية ، وعندنا عبادة تعاملية ، لما سيدنا جعفر قابل النجاشي قال له :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لتوحيده ، ولنعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 عظمة المؤمن أنه إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، لا يخدع ، ولا يغش ، ولا يستهزئ ، ولا يحابي ، ولا يقلد ، ولا يغتاب ، ولا ينم ، وإلا ما لها قيمة معلوماته إطلاقاً ، هذا اسمه إيمان إبليسي ، إبليس قال :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية : 81 )

 قال :

﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

( سورة ص )

 آمن به خالقاً ، آمن به رباً ، آمن به عزيزاً ، ومع ذلك هو إبليس اللعين ، نحن عندنا خطأ بالتقويم ، إذا إنسان يغش ، يحسد ، يخادع ، يلف ويدور ، يغتاب ، يشمت ، يسخر ، يستهزئ ، أنا أقول كلمة لا قيمة لعباداته كلها لأنها فقدت قيمتها .
 أخوانا الكرام ، أقسم لكم بالله ، الدين ليس في المسجد ، بالمسجد تتلقى التعليمات ، بالمسجد تقبض الثمن ، مثل شركة يأتي موظف الساعة الثامنة يتلقى التعليمات ، يبيع مساء ، يأخذ عمولته ، أنت بالمسجد في تلقي بدرس العلم والخطبة ، وفي قبض ثمن بالصلاة ، الدين بالعيادة ، الدين بالمكتب ، الدين بالدكان ، الدين بالطريق ، الدين بالتعامل ، الدين معاملة .

3 ـ علاقة الحياء بالحرية :

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، قال صلى الله عليه وسلم :

(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحياء ، كما قال صلى الله عليه وسلم إن الحياء خُلق أمته ، فحبذا يا دكتور لو تشرح لنا ما علاقة الحياء بالحرية كون مؤتمرنا عن الحرية ، وهل فعلاً كما يقولون إن الحياء هو قيد للحرية ، أو هو أعلى ذورة من ذرر الحرية ، وشكراً.

 

من غشّ المسلمين و بنى مجده على ضعفهم ألغى عبادته كلها :

الدكتور راتب :
 سأشرح هذا إن شاء الله ، لكن جاءني خاطر ، لو فرضنا طبيب قلب ، جاءه مريض معه شريان مسدود ، يحتاج إلى راصور استناد ، تابعوا معي ، هناك راصور نكسته تقدر بعشرين بالمئة عمولته مبلغ كبير ، وهناك راصور نكسته ثلاثة بالمئة لكن ليس له عمولة ، إذا طبيب مسلم صائم ، مصلٍّ ، حاجج ، مزكٍ ، قام بثلاث و عشرين عمرة و اثنتي عشرة حجة ، واختار الراصور الذي تقدر عمولته بعشرين ألفاً ، له عمولة عشرة آلاف ، ونكسته تكون عشرين بالمئة ، ماذا فعل هذا الإنسان ؟ ألغى صلاته ، وصيامه ، وحجه ، وزكاته ، أنا هذا إيماني .
 عندما تغش المسلمين ، تؤذي المسلمين ، تغتاب ، تفرق بين الزوجة وزوجها ، تعمل مشكلة ، تخلق عداوة ، عندما تحقق ربحاً على حساب الآخرين ، تبني مجدك على أنقاض الآخرين ، تبني عزك على إذلالهم ، الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة أُلغيت ، من أين جئتم بهذا ؟.
 السيدة عائشة قالت عن إنسان وقع بخطأ كبير ، قالت : قولوا له أنه أبطل جهاده مع رسول الله .
 والله أيها الأخوة ، أنواع الغش ، أنواع الانحراف .

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 كلمة ، إنسان قال : قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ، قالت : له قصيرة قال : يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت في مياه البحر لأفسدته .
 نحن ديننا دين فلكلور ، دين أطر ، دين عبادات شعائرية ، دين أداء صلوات دين حج وعمرة ، لكن ليس دين استقامة ، ولو كنا مستقيمين .

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 نحن الآن مليار وخمسمئة مليون ، أنا أريد أن أؤكد من هذه النقطة الدقيقة الإسلام منهج ، والله أكاد أقول الإسلام خمسمئة ألف بند ، يبدأ من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية ، أما إذا فهمنا الإسلام صوم ، وصلاة ، وحج ، وزكاة ، نحن في غيبة ، ونميمة ، وتجاوز ، وغش ، وبيع ، وتحايل ، واستهزاء ، واحتقار ، وتكبر ، ونصلي ، لا وزن لهذه الصلاة إطلاقاً ، وهناك أدلة ، إن شاء الله بوقت آخر أؤكد لكم أن العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية .

 

الحياء و الخجل :

 أما الحياء : نحن عندنا مرض اسمه الخجل ، وعندنا فضيلة اسمها الحياء ، الخجل مرض والحياء فضيلة ، الخجل أن تستحي أن تأخذ حقك ، الخجل أن تستحي أن تنصح أخاك ، إنسان تأتي ابنة أخيه لعنده ، تلبس ثياباً فاضحة ، يرحب بها وأهلاً وسهلاً يا فلانة ، لا يخطر في باله أن ينبهها إلى ثيابها إطلاقاً ، فالإنسان إذا خجل أن ينصح أو أن يأمر بالمعروف أو أن ينهي عن المنكر ، هذا رذيلة ، هذا مذموم ، ماذا قال النبي ؟.

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم ، وأشدُ ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ، ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم ، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]

تبدل القيم أخطر شيء تعاني منه الأمة الآن :

 أخطر شيء تعانيه الأمة الآن تبدل القيم ، شاعر بعهد سيدنا عمر قال هذا البيت ، عدّ العرب هذا البيت أهجى بيت قالته العرب :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

 هذا أهجى بيت قالته العرب ، هذا البيت شعار كل إنسان اليوم ، أليس كذلك ؟ فالخجل أن تستحي أن تأخذ حقك ، الخجل أن تستحي أن تأمر بالمعروف ، الخجل أن تستحي أن تنهى عن المنكر .
 عندنا بالشام سائق بين دمشق وبيروت ، واقف ببيروت يريد زبائن إلى الشام ، جاء شاب وشابة ، ركبوا معه ، قال له : هناك حقيبة ستأتي بعد خمس دقائق ، يبدو أنها تأخرت قليلاً ، بعد ربع ساعة جاء رجل ، عمره سبعون سنة ، يحمل حقيبة على رأسه ، هذا ببيروت ، هذا الشاب ضرب هذا الشيخ على رأسه لماذا تأخرت ؟ لم ينتبه السائق ، أعطاه الحقيبة ومشوا ، عند عاليه تقول المرأة لزوجها : كيف ضربت أباك ؟ قال له : انزل وهذه نقودك ، نظرت إلى السائق ؟ بعمل بسيط جداً ما تحمل أن يركب شخصاً ضرب أباه .
 نحن نرى أشياء تخرج من جلدك منها ، ولا أحد يحكي ، نحن بعصر هناك عشرون ألف أسير فلسطيني بإسرائيل ما في كلمة من دولة أجنبية ، ترتكب الجرائم ليلاً نهاراً ، أما إذا الغرب انخمش تقوم الدنيا ولا تقعد .

 

ارتباط الخجل بالمصالح :

 الخجل مربوط بالمصالح ، بالمصالح الاقتصادية ، الخجل مربوط، مالي مصلحة أعمل مشكلة ، أما المؤمن يجهر بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم .
 أما الحياء ، الحياء أن تستحي أن تعصي الله .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإننا منحنا بالرضا من أحبنــــا
ولــذ بحمانا واحتمِ بجنابنا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــا
* * *
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن  فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـــا
فيا خجلي منه إذ هو قال لـي  يا عبدنا أما قرأت كتابنــــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
* * *
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظر ما به جاء وعدنـــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
* * *

الحياء فضيلة كبيرة جداً :

 الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ، في عين غض بصر ، في أذن عدم سماع المنكرات ، في لسان ، لقد قلت كلمة يا عائشة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ، الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، أن تطعم أولادك الطعام الحلال لأنك اشتريته بمال حلال .
 الحياء هو الإيمان ، الحياء من الإيمان ، الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا ذهب أحدهما ذهب الآخر ، فالحياء فضيلة كبيرة جداً ، وكل إنسان يستحي من الله ، لذلك :

(( إن الله حيي كريم يستحي من عبده أن يبسط إليه يديه ثم يردهما خائبتين ))

[ أخرجه ابن حبان ، والحاكم عن سلمان الفارسي ]

 الله يستحي ، والمؤمن يستحي ، والنبي كان أشد حياء من العذارء في خدرها .
 مرة سألته امرأة سؤالاً نسائياً خصوصياً ، فاحمر وجهه ، قال : يا سبحان الله فالسيدة عائشة أخذتها جانباً وأعلمتها الجواب .
 فالحياء فضيلة ، الحياء أن تستحي أن تعصي الله ، الحياء أن تستحي من الله أن يراك في معصية ، أن يراك حيث نهاك ، وأن يفتقدك حيث أمرك ، فالحياء كله فضائل .
 هناك سؤال آخر ؟ تفضل .

4 ـ العلاقات الموضوعية واختلافها عن العلاقات العلمية :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، أستاذنا الفاضل تفضلت بالحديث عن العلاقات الموضوعية واختلافها عن العلاقات العلمية ، المجتمع أحياناً يفرض قوانين هي ليست ضمن الشرع نعتبرها ضمن الأعراف ، تكون هي من المباحات ، فهنا هل نعتبر هذا من الحرية أم من مقيدات الحرية ؟.

 

كل شيء سكت الشرع عنه ليس له علاقة لا إيجابية ولا سلبية بالعلاقة بالله عز وجل :

الدكتور راتب :
 عفواً ، الذي أمر الله به فيه حكمة ما بعدها حكمة ، والذي نهى الله عنه في النهي حكمة ما بعده حكمة ، والذي سكت عنه فلم يأمر ولم ينهَ فيه حكمة ما بعدها حكمة ، الآن أنت تستطيع أن تلبس لا بأس فاقع ، أو داكن ، أو سادة ، أو مقلم ، أو كارو ، أو تجلس على كنبة ، أو على الأرض ، أو على طراحة ، أو تأكل على الأرض ، أو على طاولة ، تأكل أكلاً معيناً نوعه يغلب عليه كذا وكذا ، كل شيء سكت الشرع عنه ليس له علاقة لا إيجابية ولا سلبية بالعلاقة بالله عز وجل ، فالمباحات شيء آخر ، عندي شيء الله أمر فيه ، وشيء الله نهى عنه .
 أشاروا إليّ أن الوقت انتهى من أجل صلاة المغرب ، والحمد لله رب العالمين ، وبارك الله بكم ونفع بكم ، وشكراً لحضوركم وإصغائكم .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .