أحاديث متفرقة - الدرس : 049 - لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به .

1992-03-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 وبعد يا أيها الإخوة، عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))

[ حديث حسن صحيح في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وفي الجامع الصغير]

  أيها الإخوة الأكارم، كما أتمنى على الله عز وجل أن تكون الأحاديث الشريفة في درس الأحد أحاديث من أركان الدين، الآن نحن أمام تعريف للإيمان من نوع جديد، الشيء إما أن تعرفه بحقيقته، وإما أن تعرفه بآثاره، نقول: يوجد في الأسلاك كهرباء إذا تألقت المصابيح، إيمانك بوجود الكهرباء جاء من آثار الكهرباء، آثارها تألق المصابيح، دوران المحرك، صدح الصوت، فصوت المسجلة دليل وجود طاقة كهربائية، وتألق المصابيح دليل وجود طاقة كهربائية في الأسلاك، إنك إما أن تعرف الكهرباء بحقيقتها، أو بآثارها، النبي عليه الصلاة والسلام عرف الإيمان بآثاره، بطريقة جديدة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمن أحدكم))، أي: لا يكون مؤمناً، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام نفى عن هذا الرجل الإيمان، هو مؤمن إذا كان كذا، ولا يؤمن إذا كان كذا، معنى هذا حديث خطير، فإذا لم أكن كما قال النبي e فلست مؤمناً، أخطر شيء في الطريق إلى الله أن تتوهم أنك وصلت، وأنت لم تصل، أن تتوهم أنك على شيء، وأنت لست على شيء، أن تتوهم أنك تنطوي على إيمان عميق، وأنت في الحقيقة لا تنطوي إلا على إيمان سطحي، فإذا أردت أن تعرف حقيقتك، إذا أردت أن تعرف حقيقة إيمانك هذا الشيء مهم جداً، أنت دائماً إذا شعرت بظاهرة في جسدك ليست طبيعية تحب أن تعرف حقيقة ما في جسدك، يا ترى مرض ؟ يا ترى شيء عارض طارئ ؟ يا ترى مرض عضال ؟ مرض خطير ؟ مرض يشفى أو لا يشفى ؟ لابد من معرفة حقيقة الشيء ؟ أليس الإيمان من أخطر الأشياء في الحياة ؟ يا ترى هذا السؤال الآن: هل أنا مؤمن أم لا ؟ النبي عليه الصلاة والسلام أجابك، الإنسان من حين إلى آخر يجب أن يتفحص ذاته ؟ أن يتفحص إيمانه ؟ أن يقف على حقيقة إيمانه ؟ لعله واهم ؟ أخطر ما في طريق الإيمان أن تتوهم أنك على شيء ؟ وقد تكون لست على شيء ؟ توهمك أنك وصلت ؟ وأن لم تصل بعد ؟ النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف الموجز يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))، ميل قلبك، هل تميل إلى شرع الله ؟ هل تميل إلى الاستقامة ؟ هل تكتفي بما في السنة، وتكره ما في البدعة ؟ هل وسعتك السنة، ولم تستهوك البدعة ؟ هل تحب العفة أم لا تحبها ؟ هل تحب أن تأخذ مالك، وأن تدع ما ليس لك ؟ هل تحب غض البصر كما أمرك الله عز وجل، أم تحب إطلاق البصر ؟ هل تحب التعفف أم تحب إطلاق البصر ؟ هل تحب التعفف أم تحب التطلع ؟ قلبك إلى ماذا يميل ؟ هل يتوافق ليلك مع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ؟ هل هناك انسجام بين ميولك وشريعة ربك ؟

((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))

 أنا الآن سأسألكم: هل لهذا الحديث آية قرآنية تؤكده ؟

((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ))

  هل في القرآن الكريم ما يؤيد هذا الحديث ؟ قال تعالى:

 

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

 

[ سورة الفرقان: 43]

  هذه الآية جميلة جداً، ]اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ[، أنا أقول: لا بد من تطابق الهوى مع شرع الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

[ سورة الأحزاب: 36]

  الله حكم على هذا الشيء أنه حرام، فأنت راضٍ مرتاح، حكم على هذا الشيء أنه حرام، أدعه، وأنا راضٍ، ما دام ميل النفس يتجه إلى موافقة ما أمر الله، وإلى مخالفة ما نهى الله عنه فهذه حالة طيبة، والحقيقة أيها الإخوة الأكارم، الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره، فالآية الأولى:

 

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾

 

[ سورة النساء: 65]

  الإنسان يقول لك: رسول الله انتقل إلى الرفيق الأعلى، فما علاقتي بهذه الآية ؟ الجواب سهل: سنته بيننا، إذا اختلفت مع صديق، أو مع جار، أو مع شريك، أو مع إنسان، أو مع زوجة،، واحتكمتما إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا قبلت سنة النبي e، ورضيت بها، وأذعنت لها فأنت مؤمن، وإذا رفضتها فلست مؤمناً، النبي في حياته حكمه بين أصحابه، وبعد مماته سنته التي تحكم علاقاتنا فيما بيننا، الآية الأولى التي تؤكد هذا الحديث قوله تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

[ سورة النساء: 65]

  إذا كنت مرتاحاً لحكم رسول الله فيما أمر، فيما نهى، فيما حرم، فيما أحل، فيما كره، في الذي غضب من أجله، فهذه علامة إيمانك، ويعرف الإيمان اليوم بنتائجه لا بحقيقته.
 ربنا عز وجل بماذا وصف الكفار ؟ قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾

 

[ سورة محمد: 9]

  ترى شخصاً تقول له: هذه حرام، يقول: معك حق، بارك الله بك، والحق معك، ترى شخصاً آخراً تقول له: الاختلاط حرام، يقول لك: يا أخي من أين خرجت لنا بهذا الدين، ستفرق الأسرة ؟ لما ترفض حكم الله عز وجل، لما ترفض توجيه الله عز وجل، لما ترفض توجيه الله عز وجل، لما ترفض سنة النبي عليه الصلاة والسلام فهذه بادرة خطيرة، يا أخي هذا ربا، يا أخي لا تدقق، الدين مرن، والعصر تغير، والأمور معقدة، نحن مضطرون، مثل هذه الكلمات دليل رفض ما جاء بهذا الشرع، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾

 

[ سورة محمد: 9]

  آية ثانية تبين حقيقة الكفر، قال تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾

 

[ سورة محمد: 28]

  المؤمن يحب رضوان الله، ويكره سخطه، والكافر يكره رضوانه، ويحب سخطه، إذاً هذا الحديث على إيجازه حديث كاشف، يكشف لك عن حقيقة إيمانك، ما دامت ميولك ورغائبك تميل مع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وتنفر من المعصية والانحراف و الكفر فهذه علامة الإيمان، فإذا بلغك أن حكم الله كذا وكذا هل ترتاح نفسك، أم ترى أن هذا فيه خسارة كبيرة لك ؟
 حديث آخر من روح هذا الحديث الذي هو محور الدرس، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))

[ متفق عليه ]

  يمكن أن تتفحص إيمانك بتفحص ميولك، هل تتطابق ميولك مع شرع ربك، أم تتنافر معه ؟ والآية الكريمة التي هي في هذا المجال دقيقة جداً، هي قوله تعالى:

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

[ سورة التوبة: 24]

  فسروا لي كيف يكون البيت أحب إلينا من الله ورسوله ؟ وكيف تكون التجارة أحب إلينا من الله ورسوله ؟ وكيف تكون الزوجة أحب إلينا من الله ورسوله ؟ وكيف يكون الأب أحب إلينا من الله ورسوله ؟ وكيف تكون العشيرة من الله ورسوله ؟ من يجيبني ؟ قال تعالى:

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

 

[ سورة التوبة: 24]

  فإذا اختار زوجة فيها رقة من الدين، على جانب من الجمال كبير، اختار جمالها على حساب دينها، وإنسان آخر اختار زوجةً دينها أعظم من جمالها، ففي الحالة الأولى كانت هذه المرأة أحب إليه من الله ورسوله وفي الحالة الثانية كان الله ورسوله أحب إليه من الزوجة التي تروق له ولكن دينها لا يروق له، هذا جواب لطيف أيضاً حينما تحملك محبتك لهؤلاء جميعاً الأب، والابن، والزوجة، والعشيرة، والأموال، والتجارات، والمساكن الجميلة، إذا قدمت هؤلاء جمعياً، أو إذا حملك هؤلاء جميعاً على معصية الله فأنت تحب هؤلاء جميعاً أكثر من الله، وإذا ضحيت ببعض هؤلاء، أو ضحيت برضاء بعض هؤلاء، وآثرت طاعة الله عز وجل فأنت تحب الله ورسوله أكثر.
 الصيام دليل على أنك تحب الله ورسوله أكثر من الطعام والشراب، والحج تحب طاعة الله عز وجل أكثر من البقاء في بيتك، ومع أهلك، في متجرك، وفي مكانتك، وفي مجتمعك، الزكاة دليل قطعي على أن الله ورسوله أحب إليك من هذا المال الذي بين يديك، تنفقه رخيصاً، في الآية دقة بالغة:

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

 

[ سورة التوبة: 24]

  حينما تدفعكم محبتكم لهؤلاء على أن تفسقوا فأنتم إذاً تحبون هؤلاء أكثر من الله ورسوله، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: يا رسول الله إنا نحب ربنا حباً شديداً، فأحب الله أن يجعل لحبه دليلاً، فنزلت هذه الآية دليلاً على حبه الحقيقي.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

[ متفق عليه]

  عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))

[ حديث حسن صحيح في كتاب الحجة بإسناد صحيح ]

  هذا الحديث الآخر علامة أيضاً على حقيقة الإيمان، بعضهم قال: كل من ادعى محبة الله تعالى، ولم يوافق الله عز وجل في أمره فدعواه باطلة، كلام باطل، العمل هو المحك، وقال بعضهم الآخر: كل محب ليس يخاف الله فهو مغرور، وقال يحيى بن معاذ: " ليس بصادق من ادعى محبة الله، ولم يحفظ حدوده "، وقال أحدهم: المحبة هي الموافقة في جميع الأحوال.

لو قال تيهاً قف على جمر الغضا             لوقف

ت ممتثلاً ولم أتوقف

كان من يرضى بخدي موطئاً              لوضعته أرضاً ولم أستنكف

 

 الآن هذا شطر الدرس الأول، علامة إيمانك الحقيقي المنجي لك من مهالك الدنيا، وعذاب الآخرة، علامة إيمانك الحقيقي أن يكون هواك، يعني ميولك، رغباتك، حظوظ نفسك موافقةً لشريعة ربك.
 الآن سؤال: المعاصي من أين تنشأ ؟ لماذا يعصي الإنسان ربه ؟ إذا أردناه أن يكون الجواب منسجماً مع هذا الدرس، درس الهوى، أنا حينما يكون هواي متوافقاً مع الشرع، فأنا مؤمن، ومتى أعصي الله عز وجل ؟ حينما أنطلق من الهوى، حينما أؤثر الهوى، الهوى، إذا أطلقناه انصرف إلى ماذا ؟ إلى الميل نحو الباطل، فلان أخلاقي، الأخلاق إذا أطلقت انصرفت إلى الأخلاق الرضية، فإذا وصفت بقولك: أخلاقه سيئة، فهي سيئة، أما إذا قلنا: فلان أخلاقي، وأطلقنا كلمة الأخلاق فتعني الأخلاق الرضية، الهوى إذا أطلق انصرف إلى الميل نحو الباطل، ونحو الشهوات، ونحو الموبقات، ونحو المخالفات، جميع المعاصي أيها الإخوة أساسها أنك آثرت هواك على رضاء الله عز وجل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بماذا وصفه الوحي الذي نزل عليه ؟ لا ينطق عن الهوى، لاحظ نفسك في البيع والشراء، في علاقتك، مع أهلك، مع أولادك، في كل نشاطك اليومي، إما أن تنطق عن الهوى، وإما أن تنطق عن الحق، جاءك مريض، وهذا المريض بإمكانك أن تشير عليه بشيء يكسبك أموالاً طائلة، وهو مستسلم، وواثق من علمك، أنت أيها الطبيب إما أن تنطق عن الهوى، أن ترشده إلى شيء يجلب لك مالاً كثيراً، وإما أن تنطق في الحق بما هو في مصلحته، لاحظ نفسك، لابد من أن تنطق، فإما أن تنطق عن الحق، وإما أن تنطق عن الهوى في كل كلمة تقولها، حتى مع أقرب الناس إليك، حتى في البيع والشراء، حتى في تقييم الأشياء، أحياناً يشتري إنسان حاجة يطلعك عليها، أنت عندك حاجة من نوع آخر، هواك يأمرك أن تبخس هذه الحاجة، وأن تمدح التي عندك حتى تستقر، وترتاح، لكنك تكتشف أن هذه الحاجة جيدة جداً، لماذا تبخسها في عينه، والله جيدة، وأنا أخطأت حينما اخترت هذا النوع، حتى في الأمور العادية جداً، حتى في الأمور التي لا مسؤولية عليها، هناك من ينطق عن الهوى، هناك من يمدح نفسه، يمدح أولاده، يمدح مهنته، يمدح حرفته، ويغفل كل ما عند الآخرين، ينطق عن الهوى، وما أكثر الأمهات اللاتي يقعن في هذا المأزق، ابنتها تتحدث عنها، وعن شطارتها، وعن نظافتها، وعن دقتها، وعن جمالها، وعن... وتغفل كل الأخريات، إنها تنطق عن الهوى.
 فالمؤمن من علامة إيمانه أنه ينطق عن الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، يقول الحق ولو كان على نفسه، ولو كان إلى أقرب الناس إليه، ولو كان على ولده، ولو كان على جاره، قل الحق ولو كان مراً، علامة الإيمان أنك لا تنطق إلا عن الحق، علامة الميل والانحراف والكفر أنك تنطق عن الهوى، دائماً أهل الدنيا يتحدثون بما يوافق مصالحهم، حتى إذا اشترى حاجة، حتى إذا اقتنى شيئاً، دائماً يثني عليه، حتى يريح نفسه أنه اختار أحسن شيء، المؤمن ينطق عن الحق، لا يغش، لا يدلس، لا يبالغ، لا يصغر، التصغير كذب، والمبالغة كذب، المدح الزائد كذب، والذم بلا مبرر كذب، المعاصي جميعها إنما أساسها تفضيل الهوى على طاعة الله عز وجل.
 عندنا آية بهذا المعنى ؟ قال تعالى:

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

 

[ سورة الكهف: 28]

  آية أخرى قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة ص: 25]

  لو كنت جائعاً، وأكلت طعاماً حلالاً طيباً وفق السنة فأنت اتبعت الهوى، لكن اتباع هذا الهوى بالحق، لو تشوقت نفسك إلى زوجة صالحة تحصنك فهذا اتباع للهوى، لكنه بالحق، أنت ما طلبت شيئاً غير صحيح، أحياناً الإنسان يميل على الدفء، هو يتبع راحة نفسه، الدفء مباح، يميل إلى البرودة في أيام الحر الشديدة، يميل إلى ثياب تقيه البرد، يميل إلى طعام، وهو جائع، يميل إلى ما أحل الله عز وجل، فاتباع الهوى وفق منهج الله عز وجل لا يسمى اتباعاً للهوى، يسمى تطبيقاً لمنهج الله عز وجل، لكن حينما تنحرف باختيارك إلى شيء لا يرضي الله عز وجل فعندئذ يقال: فلان اتبع هواه، هناك آية دقيقة جداً:

 

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

 

[ سورة القصص: 50]

  لذلك هذا العقل الذي كرمنا الله به إما أن تعمله كما أراده الله، وإما أن تعمله بما لا يرضي الله، إذا سخرته لتبرير أعمالك، انظر، الإنسان تناقشه فيدافع عن وضعه، عن واقعه، إذا كان ماله حراماً يعطيك مبررات أن الشيء صحيح، يستخدم ذكاءه وعقله في سبيل تبرير أعماله، مثل هذا الإنسان ساقط، أما المؤمن فيتبع الحق، ولو كان فيه إضرار لمصالحه.
 هؤلاء الذين يبتدعون في الدين ما ليس منه ما الذي حملهم على ذلك ؟ اتباع الهوى، الهوى أساس البدع، وأساس المعاصي، الأصح من ذلك أنت بين شيئين لا ثالث لهما، إما أن تتبع العقل، أو شرع الله عز وجل، وكلاهما واحد، العقل المطلق يتطابق تماماً مع شرع الله عز وجل، إما أن تتبع عقلك الراجح، أو شرع ربك الحكيم، وكلاهما واحد، أو فطرتك السليمة، أو معطيات الواقع النزيه الواقع، والفطرة، والعقل، والنقل واحد، وإما أن تتبع الشهوة، أنت بين أن تتبع الهوى، وبين أن تتبع الحق، حق وباطل، خير وشر، صالح وطالح، يجوز ولا يجوز، يرضي الله ولا يرضي الله، يقرب من الله، ويبعد من الله عز وجل.
 قال بعض العلماء: يجب أن تحب ما أحب الله، ويجب أن تكره ما كره الله ن الحب والكراهية عمل إرادي ؟ أعطني هذا القلم، خذ هذا الدفتر، اذهب من هذا المكان، اجلس على هذا المقعد، كله ممكن، أعمال إرادية، تعال إلى هنا، أحب فلاناً، كيف يأمر الإنسان بالحب والبغض ؟ إذا أمرت أن تحب كيف تحب بالأمر ؟ باتباع الأمر، يطبقه، وهو لا يحب هذا الأمر، الأمر أن تحب ما نزل الله، أن تحب أمر الله، أن تحب الحق، إذا طبقت منهج الله عز وجل بعد حين تتوافق رغباتك مع الشرع.
 في الدراسة قل لطالب: أحب الفيزياء، يقول لك: لا أحبها، أنت افهمها بعمق، ودرسها بتؤدة، وتعلمها على يد عالم، وانظر إلى كل هذه الحقائق بالمخبر، وطبقت كل التجارب بالمخبر تحبها، عندئذ أنت إذا طبقت التعليمات، فتصبح محباً لشرع الله عز وجل، أنت حينما تغض بصرك عن محارم الله، وحينما تحرر دخلك من الشبهات، وحينما تؤدي الصلوات، وحينما تتلو القرآن الكريم عندئذ ترتاح نفسك، فإذا ارتاحت نفسك أصبحت مطمئنة لأمر الله، منتهية عن نهيه.
 لذلك عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ:

((قَالَ مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ))

[أبو داود]

  حينما تكون أهواؤك متوافقة مع شرع الله عز وجل فقد استكملت الإيمان،

((قَالَ مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ))

  الآية الكريمة:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

 

[ سورة النازعات: 40-41]

  عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))

[ متفق عليه ]

  هذه بشارة، يعني إذا كنت محباً لأهل الحق، إذا كنت محباً للمؤمنين الصادقين فأنت مؤمن، لا يحب المؤمن إلا مؤمن،

((كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))

  الآن عندنا نقطة، وهي أن الهوى إذا أطلقناه كما قلت قبل قليل ينصرف إلى الانحراف عن الحق، لكن هناك معنىً آخر من معاني الهوى، وهو أن تحب الله عز وجل، هذا الهوى الشريف، هذا الهوى المقدس، مثل هذا الهوى وسام شرف تعلقه على صدرك، إذا كان قلبك ممتلئًا بحب الله عز وجل، فهذا الهوى المحمود الذي أمرنا به، وجاء به القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
 عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

((كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ]تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ [ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ))

[ متفق عليه ]

  أي هوى هذا، هواه كان مقدساً، هواه كان نقياً، كان علوياً، لما ربنا عز وجل قال:

 

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾

 

[ سورة النجم: 7]

  آفاق المؤمن عالية جداً، لما ربنا عز وجل أنزل:

((فَلَمَّا نَزَلَتْ: ]تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ [ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ))

  عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ))

[ حديث حسن صحيح في كتاب الحجة بإسناد صحيح ]

  هنا كيف عرّف النبي الإيمان ؟ بآثاره، من آثار الإيمان أن يكون هواك تبعاً لما جاء به النبي، المعاصي كلها تنطلق من إيثار الهوى، البدع كلها تنطلق من إيثار الهوى، المراتب الإيمانية العليا تنطلق من إيثار طاعة الله على الهوى، قال تعالى:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

 

[ سورة النازعات: 40-41]

  الآن قد يسأل سائل: ما هذه الحياة ؟ يا رب كلها مدافعة وصراع، لماذا لم يجعل هوانا وفق الشرع ؟ لو أنه جبلنا على أن نكره كل معصية ؟ الجواب: لا نرقى عند الله، ولا نستحق الجنة إلى الأبد إلا إذا جاء التكليف مخالفًا لهوى النفس، فحينما تؤثر مرضاة الله عز وجل على هوى نفسك فقد ارتقيت، ولكن بعد حين يصبح هوى نفسك مطابقاً للشرع، المجاهدة في الأول، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾

 

[ سورة البقرة: 45]

  الصبر مرحلة أولى، ولكن بعدما ترتقي نفسك يصبح الهوى موافقاً للشرع، لذلك ترى المؤمنين الصادقين المتفوقين الذي لهم قدم سابقة بالإيمان لا يشعرون بحرج في استقامتهم، استقامتهم مريحة، هم مع الحق، جبلتهم أصبحت عالية، مشاعرهم نبيلة، مواقفهم أخلاقية، من دون مجاهدة، من دون معاكسة، من دون صراع، هذه المرحلة المريحة دفع ثمنها باهظاً، دفع ثمنها من قبل صراعاً مع النفس، ومؤاثرةً لمرضاة الله عز وجل، وبعداً عن الهوى، واتباعاً للحق، الإنسان مع تقدمه في طريق الإيمان تصبح أهواؤه موافقة لشرع ربه، هذا الدرس مقياس مشعر، أحيانا ترى مع إنسان ميزان حرارة، هذا يعرف بالضبط متى ترتفع حرارته، والآن أصبح معه تحليل، معه أوراق للتحليل لا يحتاج إلى محلّل، هذا الحديث أصبح مقياساً، علامة إيمانك أن تتوافق أهواؤك مع شرع ربك.
 بالمناسبة، كلمة حق في أول طريق الإيمان، لو فرضنا أنك كنت مدمناً على سماع الغناء، وسمعت أن الغناء حرام فتركته، لو أنك ركبت مركبة، وفيها غناء كالذي تحبه من قبل، ونفسك مالت إلى هذا الغناء فأنت لا تؤاخذ، لأنك ما استمعت إليه، السماع شيء، والاستماع شيء آخر، وإذا كان لك أصدقاء، ولهم رحلات، وأمسيات فيها مزاح رخيص، وأنت حديث عهد بالإيمان، وتاقت نفسك إلى هذه المجالس فهذا شيء طبيعي جداً في أول الإيمان، لكن بعد أن ترسخ قدمك في الإيمان، بعد حين لا تستطيع أن تفعل ما كنت تصبو إليه، لذلك المؤمن الصادق يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار، في البدايات يمكن أن تطرب لأغنية تسمعها قبل التوبة، لكن بعد أن تتفوق في الإيمان تصبح هذه الأغنية التي كانت محببة إليك مصدر إزعاج لك، أصبحت تتغنى بكتاب الله، فهذه ملاحظة، الواحد منا من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، يلاحظ نفسه، يتطور، تسمو مشاعره، هل يشعر أنه من حين إلى آخر ارتقت أحاسيسه، ارتقت رغباته، ميوله مقدسة أم يحن لزمن الجاهلية ؟ يرغب أن يعود كما كان من دون مبالغة، في البدايات يمكن أن تتأثر بالماضي، لكن بعد أن ترسخ القدم في الإيمان ينبغي أن ينطبق عليك قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

  هذا الحديث إذا كتبتموه، وحفظتموه، وكان مقياساً لكم في تعاملكم مع ربكم، وفي كشف حقيقة إيمانكم، وفي حفزكم إلى مستويات أعلى من الإيمان، هذا الحديث يمكن أن يكون مشعراً، وكاشفاً لإيمان المؤمنين.
 والآن إلى شيء من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يا ترى النبي عليه الصلاة والسلام ما دام كان مربياً، كان سيد المربين، وكان إمام المعلمين، والتربية تقتضي المعاتبة، تقتضي التأديب، تقتضي المخاصمة، تقتضي النصح والتوجيه والإرشاد والعتاب، فكيف كانت سنة النبي عليه الصلاة والسلام في تأديب أصحابه ومعاتبتهم ؟
 أولاً النبي عليه الصلاة والسلام استعمل أشياء كثيرة، استخدم الإشارة والعبارة والمخاصمة والإعراض والهجر والترك، واستخدم معالم وجهه الشريف، التي كانت معبرةً عن رضاه أو عن غضبه، وكان أصحابه في أعلى مستوى من الذكاء والفهم، فكانوا إذا رأوا وجه النبي عليه الصلاة والسلام تغير تركوا ما هم فيه إرضاء للنبي، من ذلك ما ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

((رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا ؟ قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا، قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا ))

[ مسلم، النسائي، أحمد ]

  كلكم يعلم أن السنة المطهرة تنهى عن لبستين، لبسة مشهورة، ولبسة مهجورة، المبالغة بالتزين، متابعة أحدث أنواع الأزياء هذه نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام، لأنها ضعف في عقل الإنسان، وأن تلبس ثياباً مهجورة هذا أيضاً نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام

((رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ ))

 يعني مزركشين مزينين، وكان هذا منهيًا، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

((رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا ؟ قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا، قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا ))

[ مسلم، النسائي، أحمد ]

  اكتفى هذا الصحابي الجليل بهذا العتاب الرقيق، ولما رجع إلى بيته ما كان إلا أن أحرق هاذين الثوبين إرضاءً للنبي، وتطبيقاً للسنة، فالمبالغة في ارتداء الثياب الغالية جداً، والمباهاة أمام الآخرين هذا ليس من السنة، النظافة مطلوبة، والأناقة مطلوبة، والثياب الجميلة مطلوبة، لكن كل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده.
 النبي عليه الصلاة والسلام في بعض المرات كان عتابه شديداً، فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ جَاءَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ نَعْلِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ يَحْضُرُ، يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الرَّكْعَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ السَّاعِي ؟ قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا، قَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ))

[ البخاري ]

  عندنا قاعدة، إذا أردت أن تعاتب إنساناً فذكره بخصاله الحميدة، ثم بين له بعض خصاله التي أنت بصدد معالجتها.
 سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه صلى يوماً في مسجد قومه إماماً، فأطال الصلاة جداً، وكان في المصلين ذو حاجة، هذا المصلي في حاجة ماسة جداً، قطع صلاته، وانصرف، فلما علم معاذ رضي الله عنه قال عن هذا الذي قطع الصلاة وانصرف: إنه منافق، كلمة منافق كبيرة جداً، أكبر تهمة، كيف نحن في المجتمع المدني نقول: خيانة عظمى، شيء كبير جداً، فسيدنا معاذ وصف هذا الذي قطع الصلاة، وخرج منها قال: إنه منافق، ما كان من هذا الرجل إلا أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في قلق وانزعاج واضطراب يشكو معاذاً في تطويل الصلاة، وفي اتهامه له بالنفاق، فعاتب النبي معاذاً عتاباً شديداً ماذا قال له ؟ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ، فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ، وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ:

((يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ اقْرَأْ بِكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا... اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى))

[متفق عليه]

  النبي عليه الصلاة والسلام كان من سنته المطهرة أنه يصلي الفجر بالسور الطويلة صفحتين، ثلاثًا، أربعًا، مرةً في صلاة الفجر سمع بكاء طفل صغير، وكأن هذا الطفل الصغير ينادي أمه ببكائه، فتروي السيرة أنه قرأ أقصر آية، وأنهى صلاته على عجل رحمةً بهذه الأم التي كانت تصلي خلفه.
أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ عادها ثلاثاً، قال العلماء عن هذا العتاب الشديد: كان جبراً لخاطر هذا الذي اتهم بالنفاق، أخذ موقف صلى الله عليه.
 أحد أصحابه أيضاً نشأت خصومة مع صاحب آخر، فالصاحب التي نشأت معه الخصومة عبد أسود، فما كان من هذا الصحابي إلا أن عيره بلونه في ساعة غضب، فشكاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، النبي ماذا قال له ؟ قال: إنك امرؤ فيك جاهلية، وغضب النبي غضباً شديداً ما كان من هذا الصحابي إلا أن وضع رأسه على الأرض، وأمر بلالاً أن يدوس على رأسه، لعل الله يغفر له.
 إذا وجهت لإنسان تهمةً خطيرة، وهو منها بريء، النبي عليه الصلاة والسلام كان يعاتب من أجل هذا عتاباً شديداً.
 والهجر استخدمه النبي كأسلوب تربوي لمعالجة أصحابه، كان عليه الصلاة والسلام إذا تألم من رجل أعرض عنه، وإذا زاد تألمه منه هجره، فلعل في هذا الهجران تأديباً له، الثلاثة الذين خلفوا تعلمون قصتهم، قال تعالى:

 

﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾

 

[ سورة التوبة: 118]

  نحن في درس الأحد نتتبع أساليب النبي عليه الصلاة والسلام في معاملة أصحابه، وفي معاملة أزواجه، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة جيرانه، بأنه أخذ الموقف الأكمل والأصح، فإذا اقتدينا به فقد حصلنا على ثواب الدنيا والآخرة.
 كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا اطلع على أحد من أهل بيته يكذب لا يزال معرضاً عنه حتى يحدث توبةً، كان النبي يتألم جداً من الكذب، فكان يعاتب عليه.
 أحيانا الإنسان يقول لك: لا دخل لي، ولكن لما يكون ثمة محبة وعطف واهتمام بالآخرين تعاتب، وتنصح، وتبين، وتذكر، وتلفت النظر، قد يكون أخوك غافلا، فعل شيئاً لا يرضي الله.
 مرة أنا في نزهة، أخ كريم غالٍ علي حدثنا عن زوجته، وعن طبخها، وعن نظافتها، وعن أناقتها، وسماها باسمها، هذا مخالف للسنة، ليس من السنة أن تتحدث عن زوجتك، إن كانت جيدة هي لك، لكن ليس هناك حكمة في أن تلفت نظر الناس إلى أهل بيتك، فإذا سكت معنى هذا أن عمله صحيح، لابد من أن تنصح، يا أخي هذا لا يجوز، حتى الله عز وجل قال:

﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾

[ سورة القصص: 29]

 في القرآن ما ذكر اسم امرأة، أما هذا فيقول: فلانة زوجته، كل كلمتين يقول: فلانة، و الأرقى أم فلان، الأكمل أهلي، ليس من السنة أن تلفت النظر إلى زوجتك، وإلى بناتك، هذا الأكمل.
 في بعض عقود القران بطاقة الدعوة، إلى كريمة فلان، أحيانا الاسم يلفت النظر، لأن الله عز وجل ما ذكر اسم امرأة في القرآن إطلاقاً، إلا امرأة واحدة هي السيدة مريم، لأنهم قالوا: المسيح ابن الله، فقال الله المسيح ابن مريم، فقط، ليس في القرآن كله اسم امرأة، هذا من الأدب، وأنت حينما تكون صادقًا مع الناس مخلصًا لهم الله تطلع إخوانك على بعض السنة المطهرة، وقد يكون أخوك نسيها وانحرف.
 مرة كان عندي أشخاص زاروني، عم، وصهر، الصهر تحدث عن العلاقة مع الزوجة، والقضية الشرعية، أيضاً ليس من السنة أن يتحدث الزوج أمام عمه، أمام والد زوجته، ولا أمام إخوته عن كل ما من شأنه أن يكون بين الزوجين، هكذا الأدب، لأن الأب يتصور ابنته، والأخ يتصور أخته.
 أحيانا نظرة غير مناسبة، مرة قدمت ورقة للتبرع، واحد كتب، والثاني نظر إلى ما كتب، هذه النظرة مزعجة، تنظر إلى دفتر إنسان من غير إذنه، يكتب قضية، تنظر ماذا يكتب، هذا ليس من الأدب، ونحن كلما طبقنا أدب النبي عليه الصلاة والسلام ارتفعنا وتأدبنا، المؤمن كامل، فالحكمة تقتضي أن تنصح أخاك، الذي يعلم عليه أن يُعلّم من لم يعلم، لكن لما تنصحه أمام الناس فهذه فضيحة، أما إذا نصحته فيما بينك وبينه فهذه نصيحة، النصيحة بأدب وباحترام، أنت يا أخي أعلم علم اليقين أنك مؤمن، وأن هذا لو كنت تعلمه لما فعلته، لكنه مخالف للسنة.
 يقول سيدنا علي كرم الله وجهه: " لا أصرم أخاً قبل أعاتبه "، العتاب ولفت النظر والنصح والإرشاد، أحيانا بكلمة، بجملة، بقصة، يمكن أن تلقي عليه قصة، تنصحه من خلالها، وهو لا يدري، هذه حكمة بالغة، ومن ألطف أساليب النصيحة، فلان حدثني عن قصة وقعت معه، هو وقع فيما يشبهها، عندئذ ينتبه، كلكم يعلم لما سيدنا الحسن والحسين تناقشا أمام متوضئ أخطأ في وضوئه، قالوا: يا عم احكم بيننا، فلما توضئا أمامه، قال: أنا أسأت الوضوء.
 مرة حدثني معلم بعث إلى طلابه سؤالًا، الأولياء كل أسبوع كيف صلاته في البيت، الأب لا يصلي، يجب أن يجيب كثيراً من الآباء، فصلوا خجلاً، الأب مكلف أن يجيب معلم الصف عن صلاة ابنه، أتصلي يا بني ؟ والأب لا يصلي، فقال بعضهم: والله صليت خجلاً، حينما أكتب على استمارة ولدي أنه يصلي أم لا يصلي، وأنا لا أصلي، فهناك أساليب في الدعوة لطيفة جداً، ذكية جداً، ليس في الإسلام عنف وإحراج وتحمير وجوه، لا، ممكن أن توجهه له توجيهًا لطيفًا.
 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:

((إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ، مَهْ،، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ، لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ))

[ أحمد ]

  يمكن أن تنصح نصيحة لطيفة، ونحن على كل يجب أن نتعلم من النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يؤدب أصحابه.