الرد الجميل - الندوة : 4 - مقومات التكليف

2000-01-04

مقدمة :

الأستاذ راضي :
بسم الله الرحمن الرحيم، أخوتي أخواتي في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم معنا في حلقة جديدة من برنامج:"الرد الجميل" .
أيها الأخوة والأخوات، ما كلفنا الله عز وجل أن نعبده إلا وأعطانا مقومات التكليف والعبادة، وكون ينطق بكل جزئياته بوجود الله تبارك وتعالى، ووحدانيته، وكماله، وعقل تتوافق مبادئه مع قوانين الكون، وفطرة سليمة تكشف للإنسان عن خطئه، وشهوة تعد قوة دافعة ورافعة على السواء في نفس الوقت، إذ لولا الشهوات لما ارتقى الإنسان إلى رب الأرض والسماوات، واختيار يثمن هذا العمل، وشرع يعد مرجعاً للعقل إذا ضلّ، وللفطرة إذا انطمست، ووقت هو حقيقة الإنسان، وهو وعاء عمله، العبادة ومقومات التكليف هذا هو موضوعنا وتلك حلقتنا من برنامج الرد الجميل يسعدنا أن نستضيف فيها العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، العالم الإسلامي المعروف في سوريا والوطن العربي، مرحباً بكم دكتور.
الدكتور راتب :
بكم أستاذ راضي جزاكم الله خيراً .
الأستاذ راضي :
والله تسعدنا بتواجدكم معنا، أستاذنا بداية نود أن نتعرف عن الكون كيف يكون الكون أحد مقومات التكليف التي كلفنا بها الخالق تبارك وتعالى؟

وصول الدعوة الإسلامي إلى كل بقاع الأرض بفضل القنوات الإسلامية :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
أستاذ راضي قبل أن أجيب على سؤالك الكريم أود أن أقول: إنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار"، وكأن النبي يريد أن يبلغنا أن هذه الدعوة الإسلامية سوف تصل إلى كل بقاع الأرض، يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار وأسأل الله عز وجل أن تكون القنوات الإسلامية بعامة، وقناة اقرأ بخاصة، أحد هذه الوسائل التي تنقل هذه الدعوة الإسلامية إلى كل أرجاء الأرض، وقد علمت أن هذه القناة وصل بثها إلى القارات الخمسة، لذلك لا يسعني إلا أن أهنئها على هذا الإنجاز أو القفزة النوعية، في اتساع رقعة البث، وهذا مما يؤكد قول النبي عليه الصلاة والسلام:" يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار".

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لأنه قَبِل حمل الأمانة :


شيء آخر وسامحني قبل أن أجيب عن سؤالك الكريم لا بد من أن أقول: إن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، يقول سيدنا علي رضي الله عنه: رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان". يؤكد هذا القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾

[ سورة الكهف الآية : 107 ]

الآية الثانية تؤكد أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة الآية : 7 ]

  إطلاقاً:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة الآية : 7 ]

 الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لأنه قَبِل حمل الأمانة:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 72 ]

 هو المخلوق الأول رتبة وقد يصل مقامه إلى ما فوق الملائكة إذا عرف الله، لكن الحالة الثانية صعبة:

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين الآية : 5]

 فإذا ضيع الأمانة، ولم يتعرف إلى ربه، وانغمس في شهواته، كان أسوأ مخلوق على وجه الأرض، هذه واحدة.

الإنسان هو المخلوق المكرم والمكلف :

 
أما الثانية؛ الإنسان هو المخلوق المكرم، لقوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 70 ]

 والإنسان هو المخلوق المكلف، كلفه الله عبادته، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات ]

الله عز وجل أراد أن تكون علاقة عباده به علاقة حبّ لا إكراه :

 
من أدق تعريفات العبادة أنها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. هي طاعة، الأقوياء يطاعون قسراً، لكن الله عز وجل ما أراد أن تكون علاقته بخلقه علاقة إكراه :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 256 ]

 أراد أن تكون علاقة عباده به علاقة حب:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 54 ]

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 165 ]

 هي طاعة طوعية، لكن ممزوجة بمحبة قلبية، العلماء قالوا: ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، إذاً طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

أصل الدين معرفة الله :

 
هناك جانب أصل في هذا التعريف هو السلوك، فما لم نلتزم، ما لم نستقم، لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، إن لم نستقم على أمر الله أصبح الدين ثقافة، أصبح خلفية، أرضية، نزعة، اهتماماً، أما الدين حتى نقطف ثماره كلها ينبغي أن نستقيم على أمر الله، فالأصل في هذا التعريف الالتزام، يسبق هذا الالتزام أن نعرف الله، يقول سيدنا علي:" أصل الدين معرفة الله"، نتائج هذا الالتزام السعادة الأبدية.

 فـلو شاهدت عيناك من حسننا   الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا   خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة   عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمة   لــمت غريباً واشتياقاً لقربنـا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائح  تــركت جميع الكائنات لأجلنـا
* * *
فما حبنا سهل و كل من ادعـى  سهولته قلنا له قـد جهلتنـــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله   وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***

من استقام على أمر الله ضمن استقامته و سعادته :

 إذاً الإنسان المخلوق الأول لأنه قَبِل حمل الأمانة، فكرمه الله:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية الآية : 13 ]

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء ]

 والإنسان هو المخلوق المكلف:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 
العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
أستاذ راضي، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء الجسم الطعام والشراب، الإنسان إذا لبى حاجات قلبه، وعقله، وجسمه، تفوق، إن لبى واحدة تطرف، فعلى وجه الأرض ستة آلاف مليون ما منهم واحد إلا وهو حريص على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، سلامة وجوده بتطبيق تعليمات الصانع، لأنه أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، وصانعه رب العالمين، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، هي القرآن الكريم والسنة، فإذا طبق هذا الإنسان تعليمات خالقه سلم من كل عطب، اختار امرأة صالحة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "تسره إذا نظر إليها، تحفظه إذا غاب عنها، تطيعه إن أمرها". اختار دخلاً حلالاً، ربى أولاده تربية صحيحة، فحينما يستقيم على أمر الله يضمن سلامته.

العباد على اختلاف مللهم و نحلهم زمرتان لا ثالث لهما :

 بالمناسبة الستة آلاف مليون على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، يحرصون على سلامتهم وسعادتهم، هذه حقيقة دقيقة جداً، الله عز وجل يقول:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل ]

 
كل إنسان في رأسه هدف يسعى إليه، ولكن الله عز وجل أنزل كل هذه الحركات في حقلين فقط، البشر يقسمون في قيمهم التي ابتدعوها هم إلى آلاف التقسيمات، دول الشمال، دول الجنوب، العرق الآري، الأنجلو سكسوني، السامي، المستغِلون، المستغَلون، إلى آخره لكن الله قسم عباده في حقلين فقط قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-6]

 صدَّق أنه مخلوق للجنة، بعد هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، والثاني :

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل ]

 كذب بالحسنى، كذب أنه مخلوق للجنة، آمن بالدنيا، مع هذا الإيمان استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ، لذلك يمكن أنن ترى أنه على رأس الهرم البشري زمرتان هم الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، كل البشر تبع لقوي أو نبي، بطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء.

الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك :

 إذاً الإنسان هو عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، والإنسان جُبل على حبّ سلامة وجوده، سلامة وجوده في تطبيق تعليمات خالقه، أي الإنسان إذا انطلق ـ سامحني بهذه الكلمة ـ من أنانية مفرطة ينبغي أن يطيع الله، لو انطلق من أنانيته، من حبه لذاته، هو آلة معقدة جداً سلامتها بتطبيق تعليمات الصانع، الآن وقد جبل الإنسان على حبّ كمال وجوده، كمال وجوده بالتقرب من ربه، الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى كل من اتصل به جاءته هذه النفحات، قال الله عز وجل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

 قال علماء التفسير: "ذكر الله أكبر ما فيها"، لقوله تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه الآية :14]

 لكن الإمام ابن عباس الصحابي الجليل قال: "ذكر الله لك أيها المصلي وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له"، بمعنى أن الله إذا ذكرك منحك الحكمة، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تتدبر أمرك بالمال القليل، ومن دون حكمة تبدد المال الكثير، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، ومن دون حكمة تجعل الصديق عدواً.

أكبر عطاء إلهي للمصلي الحكمة والأمن والنصر والتأييد :

 لذلك يكاد يكون أكبر عطاء إلهي للمصلي أنه منحه الحكمة، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، لأن الله يذكر هذا المصلي، ذكر الله للمصلي أكبر من ذكر المصلي له، المصلي إذا ذكر الله أدى واجب العبودية، لكن الله إذا ذكرك منحك الحكمة، منحك الأمن:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآيات :81-82]

 إذا ذكرك الله في الصلاة يمنحك التوفيق في أعمالك، والآية الوحيدة:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود الآية : 88 ]

 لا يحقق شيء في الأرض إلا بتوفيق الله، منحك الرضا ترضى عن نفسك، ترضى عن من حولك، حال الرضا حال رائع جداً، الرضا، والتوفيق، والنصر، والتأييد، والحكمة، والأمن، هذه كلها تأتي من أن الله ذكرك في الصلاة.
إذاً الإنسان مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، الإنسان لو بلغ أعلى منصب في الأرض، وجمع أكبر ثروة في الأرض، واعتلى إلى أعلى مقام في الأرض، ولم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس، المؤمن يستمر وجوده بتربية أولاده، لذلك أنا أقول كلمة دقيقة: أولادنا اليوم هم الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا، أولادنا هم المستقبل.
إذاً: الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، وقد جُبل على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، هذه المقدمة لموضوع مقومات التكليف، سألتني عن الكون.
الأستاذ راضي :
لو أذنت لي نعود إلى الكون هذه، بعد هذه المقدمة الجميلة حول العبادة ومقوماتها، أسأل فضيلتك ما دخل الكون؟ كيف يكون الكون أحد مقومات التكليف؟

مقومات التكليف :

1 ـ الكون :

 

 الدكتور راتب :
الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي قرآن يمشي، الكون قرآن صامت لأن أسماء الله الحسنى تجدها في الكون، في الكون حكمة، رحمة، إبداع، جمال، غنى، قوة، الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق الآية : 12]

 والملمح الدقيق في هذه الآية أن الله ذكر من أسمائه اسمين القدرة والعلم، أنت حينما توقن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن تعصيه، مثل من واقع الحياة، أنت مواطن تركب مركبة في النهار؛ الإشارة حمراء والشرطي واقف، و هناك شرطي على دراجة نارية، وهناك ضابط مرور في السيارة، وأنت مواطن عادي، هل يعقل أن تمشي؟ مستحيل، لأن علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك، أنت في قبضته لا يمكن أن تعصيه، هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.

دوران الأرض حول الشمس في مدار إهليلجي من آيات الله :

 مثلاً أستاذ راضي، الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي ـ أي بيضوي ـ، وهذا الشكل له قطر أصغر وقطر أطول، الآن الأرض تتحرك من القطر الطويل إلى القطر الأصغر، حينما تقل المسافة بينها وبين الشمس بحسب قانون الجاذبية تزداد الجاذبية، الذي يحكم الجاذبية الكتلة والمسافة، فإذا قلّت المسافة ازدادت الجاذبية، هناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس، فإذا جُذبت إليها تبخرت في ثانية واحدة، والأرض مادة صلبة غير عاقلة، الله عز وجل يرفع سرعة الأرض، فتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر الآية : 41 ]

 أن تخرج عن مسارها، قدرة قدير، علم عليم، حكمة حكيم، تجعل الأرض ثابتة على مسارها:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر الآية : 41 ]

 هنا الانحراف، فإذا وصلت إلى القطر الأطول، الآن هناك حالة أخرى، المسافة زادت بين الأرض والشمس، وبحسب قانون التجاذب مع ازدياد المسافة تضعف الجاذبية، فلئلا تتفلت من جاذبية الشمس، وتنتهي الحياة كلياً، لأن الحرارة تصبح مئتين وسبعين تحت الصفر، تنخفض سرعتها.

دوران الأرض آية من آيات الله الدالة على عظمته :

 إذاً: الحياة تنتهي مرتين مرة إذا انجذبت إلى الشمس، ومرة إذا بعدت عنها، من الذي أمرها أن ترفع سرعتها حينما تقترب من القطر الأصغر؟ ومن الذي أمرها أن تقلل سرعتها إذا اقتربت من القطر الأطول؟ إنه الله فلذلك :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر الآية : 41 ]

 
قال بعض العلماء: لو أنها تفلتت، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس، لاحتجنا إلى مليون مليون حبل فولاذي من الفولاذ المضفور، وهذا أمتن عنصر في الأرض، الحبل قطره خمسة أمتار، والحبل الذي قطره خمسة أمتار يحمل مليوني طن، أي الأرض مرتبطة بالشمس بقوة جذب تساوي مليون مليون ضرب مليوني طن، من أجل أن تحرفها ثلاثة ميلي كل ثانية، حتى ينشأ مسار مغلق تسير عليه الأرض في دورتها حول الشمس، لولا هذه الجاذبية لكان المسار مستقيماً فالأرض تخرج من جاذبية الشمس، يد من؟ رحمة من؟ قدرة من؟ لذلك قال تعالى :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 101 ]

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآيات : 190-191 ]

 أي الأرض ترفع سرعتها حينما تقترب من القطر الأصغر، و تخفض سرعتها إذا اقتربت من القطر الأطول، يد من؟ حكمة من ؟ إنها قدرة الله عز وجل، الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي قرآن يمشي، والعالم الإسلامي اليوم بحاجة إلى مسلم يمشي، مسلم يرى الناس صدقه، وأمانته، وعفته، المبادئ الأخلاقية لا تعيش بالكتب، تعيش بالمثل الحية، لذلك نبي واحد غيّر مجرى الحياة في ربع قرن، وآلاف الدعاة إن لم يطبقوا ما يقولون لا يؤثرون، حال واحد في ألف أبلغ من قول ألف في واحد.
الأستاذ راضي :
دكتور نأتي إلى نقطة أخرى العقل، ما دخل العقل في العبادة والتكليف؟

2 ـ العقل :

 الدكتور راتب :
الحقيقة العقل جهاز أودعه الله فينا، يمكن للإنسان أن يعرف الله عن طريق الكون، لأن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، فإذا أعملنا عقولنا في خلق السماوات والأرض عرفنا قدرة الله، وعرفنا حكمته، وعرفنا رحمته، هذا الصوص وهو في البيضة ينمو له نتوء مؤنف على منقاره، يكسر بهذا النتوء قشرة البيضة، فإذا خرج هذا النتوء ضمر وعاد إلى ما كان عليه، يد من؟ منقار الصوص وهو في البيضة كيف يخرج؟
الأرض ممتلئة بالآيات الدالة على عظمة الله:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 20]

 
العقل بمبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض يكشف عظمة الله عز وجل، لذلك في حلقة سابقة ذكرت أنا وإياك أن الآيات التي تتحدث عن العقل، وتوابعه، وفروعه، تقترب من ألف آية، فالعقل مهمته أن تتعرف على الله، لأن الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولكن العقول تصل إليه ولا تحيط به، العقول تصل إلى الله من خلال خلقه، المسير نعرفه من التسيير، والحكيم نعرفه من الحكمة، والقوي نعرفه من قوته، كل أسماء الله الحسنى نراها في الكون، إذاً الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، والعقل بمبدأ السببية والغائية وعدم التناقض، يتعرف على الله عز وجل، لذلك قال تعالى:

﴿ أَفَلا تَعْقِلُونََ ﴾

[ سورة يونس ]

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ*وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ*فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾

[ سورة الغاشية الآيات : 17-22]

 فالعقل أداة معرفة الله.

العقل أداة معرفة الله :

 
لكن هذا العقل شيء ثمين في هذا العصر استخدمه الإنسان لرفاهيته فقط، فإذا مات الإنسان ضيّع أثمن جهاز منحه الله إياه، كأن الله أعطانا هذا العقل كي نعرفه:

 (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 للتقريب إنسان معه بجيبه اليمنى جهاز يكشف له العملة المزورة، العملة الأصلية فيها معدن، إذا وضعت هذه الورقة النقدية على هذا الجهاز كان هناك لوناً معيناً، هذا اللون يؤكد أن العملة أصلية، فإذا اختفى هذا اللون أي العملة مزورة، فإنسان معه جهاز في الجيب اليمين، وفي الجيب اليسار العملات المزورة، وباع بيته بمبلغ فلكي، وقبض بعملة أجنبية، فإذا هي مزورة، لم يستخدم هذا الجهاز؛ أي لم يستخدم عقله، ولم يستخدم الشرع؛ أرقام العملات المزورة، فالإنسان عندما لا يُعمل عقله في الكون، ولا يهتدي بمنهج الله عز وجل، يقع في شر عمله، فالعقل أداة معرفة الله لأن مبادئه السببية والغائية وعدم التناقض، متوافقة تماماً مع قوانين الكون.
الأستاذ راضي :
ننتقل إلى الفطرة، فطرة الله التي فطر،

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

 قيمة الفطرة في حياة الإنسان؟

3 ـ الفطرة :

 

 الدكتور راتب :
إذا كان العقل مقياساً علمياً:

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ*أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَان ِ﴾

[ سورة الغاشية الآيات : 17-22]

 إذا كان العقل مقياساً علمياً، فالفطرة مقياس نفسي، إذا كان العقل بخصائصه أحد أكبر الوسائل لمعرفة الله، فالفطرة أحد أكبر الوسائل لمعرفة خطأ الإنسان، في بعض الفنادق بألمانيا كتب على السرير: إذا لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فراشنا إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة.

من اصطلح مع الله واستقام على أمره شعر بسعادة لا تقدر بثمن :

 آيات الفطرة:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس ]

 أي النفس من دون توجيه خارجي، من دون إعلام خارجي، من دون دعوة خارجية، من دون داعية، من دون إلقاء خطبة، من دون قراءة كتاب، النفس تكشف خطأها ذاتياً وهذه نعمة كبيرة، الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، الفطرة شيء رائع جداً:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم الآية : 30]

 الإنسان مبرمج، أو مولف، أو مجبول، أو مفطور، كلها أسماء لمسمى واحد وفق منهج الله، فأي أمر أمرك الله به برمجك عليه، لذلك الإنسان عندما يستقيم على أمر الله يشعر بأن هموم كالجبال أزيحت عنه، هذه السعادة التي تتأتى للمؤمن بعد التوبة ما سببها؟ أنه اصطلح مع فطرته، سيارة من أرقى أنواع السيارات، وأحدث موديل مشينا فيها في طريق وعر، أصوات، وتكسير، وآلام، أما إذا مشينا فيها على طريق معبد، هي مصممة للطريق المعبد، فالإنسان إذا اصطلح مع الله واستقام على أمره، شعر بالسعادة، السعادة التي يحيا بها الإنسان لا تقدر بثمن، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، أنت بالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هؤلاء المؤمنين أكرمهم الله بالسكينة، القلب ممتلئ محبة لله، ممتلئ توازناً، ممتلئ رضا، ممتلئ شعوراً بالأمن، هذه المشاعر لا تقدر بثمن.

الفطرة مقياس نفسي و العقل مقياس علمي :

 
لذلك الفطرة مبرمجة، بشكل أنك لو ـ لا سمح الله ـ عصيت ربك لشعرت بالضيق، أنا أذكر أن هناك إنسان دهس طفلاً في بيروت، أهله من أقربائي، هذا الإنسان دهسه الساعة الثانية ليلاً، أرسله والده ليجلب له حاجة من البقالية في الصيف، فدهسه وتابع سيره، بقي أربعين يوماً لا ينام الليل، التقى بطبيب نفسي قال له: لا بد من أن تؤدي الدية لأهل هذا الطفل كي تنام، أنت مبرمج على أنك لا سمح الله ولا قدر إذا أخطأت تحاسب نفسك، هذه الفطرة السليمة، لكن المعاصي تلو المعاصي، والانحراف تلو الانحراف، يطمس الفطرة، أما بالأساس الإنسان يملك مقياساً نفسياً يكشف به الخطأ من الصواب، هل يستطيع بائع أن يغش البضاعة أمام الشاري؟ بفطرته يكشف حتى الحيوان، لو أن الهرة خطفت قطعة لحم تأكلها بعيداً، أما لو أطعمتها تأكل أمامك، الفطرة مقياس نفسي، هذه الفطرة مقياس نفسي العقل مقياس علمي، الله عز وجل قال :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ*أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَان ِ﴾

[ سورة الغاشية الآيات : 17-22]

 أعطاك كوناً ينطق بكل جزئياته بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، أعطاك عقلاً تتعرف به إلى الله من خلال قوانينه، أعطاك فطرة تكشف لك الخطأ ذاتياً.
الأستاذ راضي :
دكتور نأتي إلى الشهوة كيف تكون الشهوة دافعاً إلى الله؟

4 ـ الشهوة :

 الدكتور راتب :
يتوهم الناس أن هذه الشهوات هي سبب بعدنا عن الله عز وجل، والحقيقة هي العكس، لولا الشهوات التي أودعها الله فينا لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، الشهوة كالوقود السائل في المركبة إن وضع في المستودع المحكم، وسار في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، ولّد حركة نافعة، أقلتك إلى الإسكندرية في الصيف، فما الذي يجري في السيارة؟ انفجارات لكنها منضبطة، أما إذا صبّ هذا الوقود على المركبة، وأصابته شرارة، أحرق المركبة ومن فيها، فالشهوات حيادية يمكن أن تكون سلماً نرقى بها، أو دركات نهوي بها، الشهوة حيادية بحسب استخدامها، ولكن أنا أخاطب الشباب، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل قناة نظيفة تسري خلالها، ليس في الإسلام حرمان، والدليل:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

 
المعنى المخالف، الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، اشتهى المرأة فتزوج، اشتهى المال فعمل عملاً مشروعاً، ليس في الإسلام حرمان في الإسلام تنظيم، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل قناة نظيفة تسري خلالها. فالشهوات قوة دافعة أو قوة مدمرة، هي حيادية بحسب طريقة استخدامها، لو إنسان سأل هل المال نعمة أم نقمة؟ نقول: ليس نعمة وليس نقمة، موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه، لأن الإنسان يميل ميلاً فطرياً للمال، قال تعالى :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 14 ]

 فهذا المال إذا كسبته حلالاً وأنفقته حلالاً، كان نعمة من أكبر النعم، أما إذا كسبه الإنسان حراماً، وأنفقه في الحرام كان نقمة كبيرة، أنا أذكر عالماً جليلاً هو جار لي في دمشق، زرته مرة وصل عمره إلى المئة، قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم من حفاظ القرآن الكريم، وأطباء، أنا خرجت من عنده قلت: هذا الإنسان تزوج امرأة أنجب أولاداً، والأولاد جلبوا له الكنائن، والبنات جلبوا له الأصهار، الأولاد والبنات والأصهار والكنائن أنجبوا ثمانية وثلاثين حفيداً، هذا الكم الكبير ما سبب هذا الجمع الغفير الهرم؟ لكنه أنجب هرماً من المتفوقين في الحياة، فالشهوة حيادية، سلم نرقى بها، أو دركات نهوي بها.
الأستاذ راضي :
دكتور نعود إلى الشرع، الشرع مرجع للعقل إذا ضلّ وللفطرة إذا انطمست كيف يكون ذلك؟

5 ـ الشرع :

 الدكتور راتب :
هناك موازين عند الباعة لو إنسان غيّر في هذا الوزن أشعل ناراً تحته وأخذ شيئاً من الرصاص الذي فيه، فصار الوزن غير صحيح، أين المرجع؟ في البلدية وزن نموذجي، فدائماً العقل قد يضل، والشهوة قد تنحرف، المرجع الثابت الدائم للإنسان عندما يضل عقله، لأن كيف أن هذه العين لا يمكن أن ترى إلا في الضوء، وكذلك العقل لا يمكن أن يصل لهدفه إلا بالوحي، علاقة الضوء بالعين كعلاقة الوحي بالعقل، فالعقل من دون وحي يضل، الآن العقل يتحرك حركة من دون وحي في العالم، حروب، واجتياحات، ونهب ثروات، ونهب، وقتل، هذه كلها من حركة العقل من دون وحي السماء، فالعقل يحتاج إلى وحي، والعين تحتاج إلى ضوء، الذي أتمنى أن يكون واضحاً تماماً أن الشيء الذي ينبغي أن نشرحه هو أن العقل والفطرة قد تضلا، ما المرجع الثابت الذي لا يخطئ؟ هو الشرع، قالوا: الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، كأستاذ رياضيات أعطاك مسألة قال لك : هذا هو الجواب، فإذا حللت وفق هذا الجواب فأنت مصيب وإلا فأنت مخطئ، الشرع هو المقياس الثابت عندما يضل العقل، أو تنحرف الفطرة.
الأستاذ راضي :
حقيقة الوقت في حياة الإنسان.

6 ـ الوقت :

 

 الدكتور راتب :
والله ما سمعت تعريفاً للإنسان أدق من هذا التعريف: بِضْعَةُ أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه. قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر الآية : 1 ]

 أقسم الله بمطلق الزمن، بهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، قال له :

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]

 جواب القسم أيها الإنسان أنت خاسر، لماذا يا رب؟ قال: لأن مضي الزمن يستهلكه، بِضْعَةُ أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه. أو رأسماله هو الزمن، أو أثمن شيء يملكه هو الزمن، الآن هذا الزمن إما أن ينفق إنفاقاً استهلاكياً كحال أهل الأرض؛ يأكلون، ويشربون، ويتمتعون، ثم يفاجؤون بالموت، بينما المؤمن ينفق هذا الوقت إنفاقاً استثمارياً أي يفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعه بعد مضي الوقت، يعمل عملاً ينفعه في الآخرة، فهذا الوقت إما أن يكون إنفاقاً استهلاكياً أو إنفاقاً استثمارياً، الله عز وجل قال:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر الآية : 3]

 أي ما لم تبحث عن الحقيقة، وما لم تعمل وفقها، وما لم تدعُ إليها، وما لم تصبر على البحث عنها، والعمل بها، والدعوة إليها فأنت خاسر، والخسارة محققة لأن الإنسان بِضْعَةُ أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه، فالوقت وعاء العمل، والوقت هو أثمن شيء في المعيار الاقتصادي، إذاً الإنسان بِضْعَةُ أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه، والوقت وعاء عمله، وهو في حقيقته حقيقة الإنسان نفسه.
الأستاذ راضي :
دكتور العالم الإسلامي يحتاج إلى مسلم يمشي ما دلالة هذا الكلام؟

الإنسان حينما يعرف سرّ وجوده وغاية وجوده يسلم ويسعد في الدنيا والآخرة :

 الدكتور راتب :
لأن القيم لا تعيش في الكتب، القيم تعيش في الواقع، أنت حينما ترى إنساناً أمامك، يتعرض للإغراءات كلها، يتعرض للضغوط كلها، يعيش معك في ظروف صعبة، في ضغوط، في مغريات، في صوارف، في عقبات، انتصر على نفسه، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام بشر، ولولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته، لما كان سيد البشر.
فالإنسان الذي تراه بعينك إنسان مستقيم، صادق، أمين، دخله حلال، ربى أولاده، وهناك ضغوط في الحياة، وانحرافات، وضلالات، و طروحات سيئة، نجا منها كلها، الإنسان حينما يعرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، وحينما يعرف ربه، عندئذ يسلم ويسعد في الدنيا والآخرة.
الأستاذ راضي :
دكتور لم يبقَ لنا إلا دقائق معدودة نصيحة توجه إلى السادة المشاهدين، كيف نصل إلى ود الرحمن؟

خيار الناس مع الإيمان خيار وقت فقط :

 الدكتور راتب :
أستاذ راضي أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، والإنسان ما لم يتعرف إلى الله وما لم يتعرف على منهجه، وما لم يحمل نفسه على طاعته، وما لم يتقرب إليه، هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، الإنسان هو المخلوق الأول، فحينما يعرف ربه، ويعرف منهج ربه، ويحمل نفسه على طاعة الله، يسلم ويسعد في الدنيا والآخرة، والحقيقة الإنسان عند الموت تكشف له الحقائق:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق الآية : 22 ]

 وأنا مؤمن وموقن أن كل البشر عند الموت تكشف لهم الحقائق التي عاشها الأنبياء، لذلك الإنسان خياره مع مليون موضوع خيار قبول أو رفض، إلا مع الإيمان خيار وقت، يختار هذا البيت يشتريه أو لا يشتريه، هذه الوظيفة يقبل بها أو لا يقبل، هذه الفتاة يقبلها زوجة أو لا يقبل، خيار الإنسان مع مليون شيء خيار قبول أو رفض، إلا مع الإيمان خيار وقت، لأن أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات الآية : 24]

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص الآية : 38 ]

 فرعون عندما أدركه الغرق قال :

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس الآية : 90 ]

 إذاً خيار الناس مع الإيمان خيار وقت، فالبطولة أن أعرف الحقائق قبل فوات الأوان، طالب بعدما خرج من الامتحان وأخذ صفراً، فتح الكتاب، قرأ الإجابة الصحيحة، لكن ما قيمة هذه القراءة الآن بعد الامتحان؟ نحن نهتم بمعرفة الله ونحن أحياء في الدنيا، أما عند الموت حتى أكفر كفار الأرض يعرف الحقيقة التي جاء بها الأنبياء .

خاتمة و توديع :

 الأستاذ راضي :
لا يسعنا في نهاية اللقاء باسمكم أخواتي إلا أن نقدم الشكر للعالم الجليل الدكتور محمد راتب النابلسي، الداعية الإسلامي الذي سعدنا في تواجده معنا في جمهورية مصر العربية، وفي برنامجنا الرد الجميل من خلال قناة اقرأ الفضائية مركز القاهرة، شكراً لك فضيلة الدكتور، وجزاكم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
الدكتور راتب :
وأنا سعيد بكم.
الأستاذ راضي :
بعد هذا الكلام الطيب، والعطاء الطيب، نذكر أن الأمة الإسلامية التي تنسب نفسها لدين الله عز وجل هي الأمة التي تنقاد لحكمه، وتقضي بشرعه، وتحيا وفق أمره، وتضبط شؤونها الخاصة والعامة، عندئذ تبقى هذه الأمة بعين الله عز وجل ما بقيت مخلصة، موحدة لربها، عندئذ يتحقق لنا النصر، إن تنصروا الله ينصركم، يتحقق لنا الرضا، والاطمئنان القلبي والنفسي، وأن نفوز ونحظى بود الرحمن،

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

 نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء، شكراً لكم على حسن المتابعة، نستودعكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.