الرد الجميل - الندوة : 1 - فقه الأولويات

2000-01-02

مقدمة :

الأستاذ راضي :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أخوتي أخواتي في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم معنا في حلقة جديدة من برنامج "الرد الجميل" .
أيها الأخوة والأخوات ، المتأمل في واقع الأمة المعاصر يرى كثيراً من التناقضات في ساحة العمل الإسلامي ، ففي الوقت التي تعاني منه الأمة الإسلامية من أزمات طاحنة وما تتعرض له من محن قاسية نجد من يشغل نفسه بأمور بعيدة عن الواقع ، فأيهما أولى العمل على إيقاظ الوعي بقضايانا المصيرية والدفاع عن أرضنا ومقدساتنا المغتصبة ، أم نقيم الدنيا ولا نقعدها على مباراة كرة ؟ أيهما أولى الإنفاق على بناء الجدران والحوائط ، أم النفقة على بناء العقول ؟ أيهما أولى حج نافلة كل عام ، أم الإنفاق لسد حاجات المسلمين من المرضى والفقراء ؟ أيهما أولى الإنفاق على حفلات الزواج والرحلات الترفيهية ببذخ وإسراف ، أم المساهمة في تزويج الشباب وستر عورات الفتيات ؟ أيهما أولى الإنفاق على زيف الفن الهابط ، أم دعم طلبة العلم الباحثين ؟
فقه الأولويات التي نفتقده ، فقه الأولويات وما يتطلبه منا لندرك دورنا الغائب ونسترد وعينا المفقود ، هذا هو موضوعنا وتلك هي حلقتنا من برنامج الرد الجميل .
الرد الجميل يسعدنا أن نستضيف فيه العالم والمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي المعروف ، مرحباً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ راضي جزاكم الله خيراً .
الأستاذ راضي :
فقه الأولويات هذا المصطلح يتردد كثيراً على الألسنة والأقلام ونقرأ عليه كثيراً في الصحف والمجلات ، ما المقصود بفقه الأولويات ؟

 

المقصود بفقه الأولويات :



الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أستاذ راضي جزاك الله خيراً ، أريد أن أعرض على الأخوة المشاهدين مثل حي، إنسان نزل بمظلة قد يجهل شكلها بيضوي ، دائري ، مستطيل ، قد يجهل عدد حبالها ، قد يجهل نوع حبالها من خيوط صناعية أم طبيعية ، ولكن شيئاً واحداً إذا جهله نزل ميتاً ، طريقة فتحها ، فأيهما أولى ؟ أن يعلم وأن يبحث بطريقة فتحها ، لأن سلامته متعلقة بمعرفة طريقة فتحها ، إذاً مبدئياً المجتمع يعاني ما يعاني ، عنده هموم ، هناك تحديات ، هناك واقع مرير ، هناك مشكلة عويصة ، هناك خطر داهم ، فقه الأولويات يعني أن يأخذ من الدين ما يغطي هذه الحاجات الأساسية وما يحل هذه المشكلات المستعصية ، لأن الدين واسع جداً ، ففقه الأولويات أن نأخذ من الدين ما نحن في أمس الحاجة إليه ، وهذا التعريف دقيق جداً وله شروح طويلة ، إنشاء الله سنأتي عليها بالتفصيل .
الأستاذ راضي :
إذا كان الأمر كما عرفت فضيلتك فأيهما المهم وأيهما الأهم ، أيهما أولى أن نأخذ أنفسنا به ؟

 

المهم والأهم :

الدكتور راتب :
الحقيقة أي موضوع في الدين إذا أخذناه وبحثنا فيه واختلفنا حوله وهو لا يؤكد واقعاً نعيشه فهذا موضوع غير مهم ، الأهم أن نبحث في موضوع نعاني منه ما نعاني ، مثلاً كما تفضلت إنسان يحج كل عام ، وابنه في أمس الحاجة إلى الزواج ، والفريضة أداها وأدى مجموعة نوافل ، لكن زواج الابن مهم جداً ، فالأولى أن يبدأ بزواج ابنه ، وأن يقلل قليلاً من الحجج النوافل ، هذه أولوية ، نحن بحاجة إلى تصنيع ، فالتأكيد على تصنيع ثرواتنا أولى من المناقشات الفارغة في موضوعات في الدين لا تقدم ولا تؤخر ، نحن حينما نأخذ من الدين ما يغطي حاجاتنا ويطور حياتنا ويرقى بنا في كل المجالات نكون قد أخذنا من الدين الأولويات التي نحن في أمس الحاجة إليها ، الدين واسع جداً ، أحياناً ترد نصوص أن سيدنا آدم طوله ستين متراً ، إن كان ستين أم متر هذا ماذا يقدم وماذا يؤخر ؟ في موضوعات لا يبنى عليها حكم شرعي ، مرة النبي عليه الصلاة والسلام دخل إلى المسجد فرأى إنساناً تحلق الناس حوله، فقال : من هذا ؟ كسؤال عارف ، قالوا : هذا نسابة ، قال : وما نسابة ؟ قال : هو يعلم أنساب العرب ، قال : ذاك علم لا ينفع من تعلمه ولا يضر من جهل به .
الأستاذ راضي :
عفواً هذا الرجل كان متخصصاً بأنساب العرب ، على دراية بأنساب العرب .

في أولويات الدين ينبغي أن نهتم بالقضايا التي تحل مشكلاتنا ويبنى عليها حكم شرعي:

 

الدكتور راتب :
قال : هو يعلم أنساب العرب ، قال : ذاك علم لا ينفع من تعلمه ، ولا يضر من جهل به ، أنا حينما أبحث آخذ من الدين ما تحل به مشكلاتي ، مشكلات أمتي ، مشكلات مجتمعي ، هناك عدو يتربص بنا ، هناك تخلف اقتصادي ، هناك أزمة عمل ، هناك بطالة عالية ، هناك عنوسة عالية ، هناك أمية ، هناك فقر ، هذه مشكلات كبيرة ، هناك شباب يرون الطريق أمامهم مسدوداً ، لا أمل عندهم لا في بيت ولا زواج ، وهؤلاء الشباب هم المستقبل فإن لم نهتم بشؤونهم نحن أمام قنبلة موقوتة ، فأنا حينما أهتم بالمشكلات التي نعاني منها لأن الإنسان حينما يحل مشكلاته يتوجه إلى ربه :

 

﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (8)﴾

( سورة الشرح )

أنا أرى أن في موضوعات في الدين كبيرة جداً ، مثلاً هذه الموضوعات كيف نتعاون ؟ التعاون حضارة ، التعاون فريضة ، فإذا كان هناك تنافس ، بالمناسبة الإنسان حينما يجهل يتنافس والتنافس يضعف الطرفين ، نحن في أولويات الدين ينبغي أن نهتم بالقضايا التي تحل مشكلاتنا ، ويبنى عليها حكم شرعي ، وتجمعنا .
الأستاذ راضي :
ولا نشغل بسفاسف الأمور .

الدكتور راتب :
أستاذ راضي ، صدق ولا أبالغ يمكن أن تدعو إلى الله خمسين عاماً في الأمور المتفق عليها والتي توحدنا وتدفعنا إلى أن نتعاون ، وممكن أن نعالج قضايا مضت نأخذها من التاريخ تشتتنا وتفرقنا ، تضعفنا ، البطولة أن تختار الموضوع الذي يرقى بنا ، الموضوع الذي يوحدنا ، أن نتجاوز عن الموضوعات الخلافية ، أنا والله أرى الآن أن معالجة أية قضية خلافية الآن يعد في حق الإسلام جريمة ، لماذا ؟ لأن الغرب وضعنا جميعاً في سلة واحدة ، فينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد ، أنا سافرت إلى أوربا ، إنسان دعاني إلى مكتبه في سويسرا ، والغداء في بيته في إيطاليا ، لا يوجد حدود ، بين فرنسا وألمانيا ليس هناك حدود ، بين ألمانيا وهولندا لا يوجد حدود ، كنا في سويسرا في مطعم بفرنسا ذهبنا إليه ، شيء رائع جداً ، لا يوجد حدود ، لا يوجد سدود ، وعملة واحدة ، وبينهما حروب لا يعلمها إلا الله .
المشكلة الدقيقة جداً ، الطرف الآخر يتعاونون وبينهم خمسة في المئة قواسم مشتركة ، والمسلمون يتقاتلون وبينهم تسعون في المئة قواسم مشتركة ، هذه وصمة عار في حق الأمة ، آن الأوان أن نأخذ من الدين ما يوحدنا وأن ندع ما يفرقنا ، والدين واسع جداً ، أساسه أن تعرف الله ، وأن تقبل عليه ، وأن تحسن إلى أخيك الإنسان ، في آيات دقيقة جداً ، من معاني هذه الآية :

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

( سورة مريم )

حركة نحو الخالق ؛ معرفة وعبادة وطاعة وتقرباً ، وحركة نحو المخلوق بالإحسان إليه ، هذا أصل الدين ، أما دخلنا في متاهات ، وفي خلافات ، واقتتلنا ، والدماء سالت ونحن بعيدون عن جوهر الدين ، لذلك الآن الوعي الديني مطلوب بشكل كبير جداً لأن هناك اتجاهات تفرقنا ، اتجاهات تجعلنا فريقين متخاصمين متقاتلين ، هناك أشياء تضعفنا ، لذلك في علم السياسية نقول : هذا الحادث من فعله ؟ يقولون : من انتفع منه ، المنتفع منه هو الذي فعله ، وأنا أرى خلافاتنا لا ينتفع منها إلا الأعداء ، وكأن الأعداء هم الذين أرادوا أن نختلف .
الأستاذ راضي :
إدراك الأهم فالمهم هل له ضابط شرعي ؟ هل له سند من الشرع أم الأمر متروك لتقدير الفرد بنفسه ؟ بمعنى أوضح حتى نفهم فقه الأولويات ، كيف أحكم بعقلي وبنفسي على أن هذا الأهم وهذا المهم أيهما أقدم ؟ هل لهذا سند شرعي أم متروك للعقل ؟

 

إدراك الأهم فالمهم هل له سند شرعي أم متروك للعقل :

 

الدكتور راتب :
القرآن الكريم فيه كليات الدين ، والسنة فيها التفاصيل ، فإذا كان هناك واقع يتناقض مع القرآن الكريم ، قال تعالى :

 

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

( سورة مريم )

والواقع أن هناك اختلافات ، وهذه أولوية ، الاعتصام بحبل الله جميعاً من أولى أولويات الدين ، أن نكون متوحدين ، لذلك لأولي الأمر من المؤمنين أن يلغوا نافلة أدت إلى ترك واجب ، في واجبات أساسية ، القرآن الكريم يحدد الأشياء الأساسية ، فإذا كنا في وضع يتناقض مع القرآن هذه مشكلة كبيرة ، الله عز وجل يأمرنا ويقول :

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة الآية : 2 )

فالتعاون فريضة ، نحن نتوهم أن الدين خمس عبادات ، والله لا أبالغ الدين خمسمئة ألف بند ، تبدأ هذه التوجيهات من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية ، منهج كامل ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]

الإسلام شيء ، والخمس شيء آخر ، الإسلام بناء أخلاقي ، الإسلام قيم أخلاقية ، الإسلام علاقات ، لذلك أقول هناك عبادة شعائرية كالصلاة والصيام والحج والزكاة ، وهناك عبادة تعاملية ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأل النجاشي سيدنا جعفر رضي الله عنه ، حدثني عن الإسلام ، قال :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))

[ أحمد عن أم سلمة ]

العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

فالإسلام بناء أخلاقي فأنا حينما أتعامل مع مسلم بالكذب أحياناً ، وعدم الأمانة ، والغش وأصلي ؟!! نقول النقطة التي أتمنى أن تكون واضحة وضوحاً جلياً لدى الأخوة المشاهدين أن العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، أوضح الأمثلة ، النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ : الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

إذاً أنا حينما أصلي ولا أؤدي ما علي من واجبات ، أنا حينما أصلي وأسيء للمسلمين لن أستطيع أن أنتفع من صلاتي ، هذه الصلاة :

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ أخوانكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ابن ماجة عن ثوبان]

الصيام أستاذ راضي :

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

vالحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ؛ قال الله عز وجل : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

[ رواه الشيرازي وأبو مطيع عن عمر ]

الزكاة :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

الأولويات أن هذا الدين مجموعة مبادئ أخلاقية :

الأولويات أن هذا الدين مجموعة مبادئ أخلاقية ، ابن القيم رحمه الله تعالى قال : " الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان " .
أنا لا أريد أن يبقى الدين خمس عبادات شعائرية تؤدى شكلاً ، المشكلة كبيرة ، لأنه ورد في بعض الأحاديث :

(( ... وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ أبو داود عن ابن عباس ]

والله أنا أعتقد كما تعتقد جنابك أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، الله عز وجل يقول :

﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

والله نحن لسنا مستخلفين .

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

هل نحن ممكنون ؟ لا والله .

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

الأولويات أن نقدم لله الأشياء التي تعد عند الله سبباً للنصر :

عندنا خلل خطير ، الأولويات أن نقدم لله ما يسمح لنا أن ننتصر ، أن نقدم لله الأشياء التي تعد عند الله سبباً للنصر :

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية : 7 )

لأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 10 )

ثم :

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 160 )

في النهاية :

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية : 7 )

نريد أن نقدم لله الأسباب التي وضعها كي ننتصر ، هذه أولوية في الدين ، خمس دول إسلامية محتلة ، ثرواتنا تنهب ، شبابنا يقتلون ، أرضنا تحتل ، هذه مشكلة كبيرة ، إذاً هذا الدين ؛ دين القوة ، دين المنعة ، دين العزة والكبرياء .
الأستاذ راضي :
هذا الكلام يأخذني إلى نقطة هامة جداً ، أين الخلل في عدم تحقيق نصر الله عز وجل لنا رغم وضوح الرؤيا ؟ إن تنصروا الله ينصركم ، هل نصرنا الله عز وجل في أنفسنا؟ هل نصرنا الله عز وجل على أرضنا ؟ هل نصرنا الله عز وجل فيما بيننا ؟ أرجو التعليق ، وكلمة ستسأل عنها أمام الله سبحانه وتعالى وأحسبك من الصالحين ، الدعاة الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله .

 

نصر الله عز وجل للمؤمنين :

 

الدكتور راتب :
أستاذ راضي جزاكم الله خيراً ، أنا أتوقع ما دامت أزمة أهل النار بالنار هي أزمة جهل :

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )

الإنسان لأنه مفطور على حب وجوده وعلى حب سلامة وجوده وعلى حب كمال وجوده وعلى حب استمرار وجوده ، لماذا الشقاء ؟ من الجهل ، الجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظلّ المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل . المشكلة في الأول والآخر مشكلة علم ، لأنك أنت تحب وجودك .
الأستاذ راضي :
عفواً سيدي الكريم كلام فضيلتك ملأ القلب وعلى العين والرأس ، لكن إذا أذنت لي فضيلتك الكل يعلم ، الحكام يعلمون ، الشعوب تعلم أين الخلل ، أنا أقصد في لب الموضوع.

 

الإنسان في النهاية إما أن يؤثر المبادئ أو المصالح :

 

الدكتور راتب :
الخلل في الإرادة ، أحياناً أعلم ولا أملك إرادة ، أو لا أريد أن أفعل ما أعلمه ، والنقطة مهمة جداً ، أحياناً الإنسان يعلم أن هذا العلم خطأ لكن هذا العمل يحقق له شهوة ، فالإنسان في النهاية إما أن يؤثر الحق أو شهوته ، يؤثر المبادئ أو المصالح ، فنحن في عصر مصالح ، عصر شهوات ، عصر استمتاع بالدنيا .
الأستاذ راضي :
سيدي الكريم أليس في الأمة الإسلامية رجل رشيد يعلن انتماءه لله بدل أن يعلن انتماؤه لأمريكا وغير أمريكا ، ألا يوجد في الأمة الإسلامية رجل رشيد يعلنها صراحة أنه لله، ونتصافح ونتعاون ونتكاتف ونكون أمة واحدة .
الدكتور راتب :
ولكن هذا يحقق له نجاحاً فردياً ، الإنسان الرشيد حينما ترشد أفكاره ويتعرف إلى ربه ويطبق منهج ربه يسعد بهذا الاتجاه ، وهذا الالتزام ، وهذا العمل الصالح ، ولكن أن تنهض أمة بأكملها تحتاج إلى أن يكون التعليم ممتازاً .
الأستاذ راضي :
هذا هو لب الحلقة فقه الأولويات .

 

يجب أن يكون الإعلام والمدرسة والأسرة متناغمة مع بعضها بعضاً :

 

الدكتور راتب :
أن تكون الأسرة منضبطة ، أن يكون الإعلام منضبطاً ، التغذيات تأتي من الأسرة ، ومن المدرسة ، ومن الإعلام ، فما لم يكن الإعلام والمدرسة والأسرة متناغمة مع بعضها بعضاً لن يحقق هذا فهماً صحيحاً لهذا الجيل ، فالجيل أحياناً يدخل إلى الصف العاشر يتعلم من أستاذ الديانة أن آدم أبو البشر ، يدخل أستاذ الطبيعيات الإنسان أصله قرد ، هذا الطالب تمزق ، الصراعات المستمرة تسبب اللامبالاة ، يعني يسمع شيئاً من خطيب المسجد لا يراه في أبيه ، يسمع شيئاً من المعلم لا يراه عند أخوته ، ما دام هناك تناقضات ، هناك أشياء تطرح بشكل جيد غير مطبقة .
الأستاذ راضي :
سيدي الكريم لو أذنت أنا لا أحب أن أقاطع ضيفي لكن بما عهدناه فيكم من سعة صدر ورجاحة عقل وفكر مستنير ومعين لا ينضب ربنا يبارك فيكم ، يقول أحد الفقهاء الأجلاء : إصلاح فساد الراعي خير من إصلاح فساد الرعية ، أنا كان سؤالي واضح لفضيلتك : ألا يوجد في الأمة رجل رشيد يدعو الحكام ويدعو الشعوب لتتألف وتتوحد وتعتصم بحبل الله كما أراد الله عز وجل

 

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

الدكتور راتب :
والله أنا الذي أعلمه أن الدعاة لا يقصرون ويتحدثون .
الأستاذ راضي :
من وجهة نظر فضيلتك أن الدعاة يقومون بدورهم .

 

صفات الداعية :

الدكتور راتب :
إلا بعضاً منهم آثر أن يكون مجاملاً لمن هو قوي ، أما الأصل الداعية يجب أن ينصح ، وهذه مهمته ، والدليل :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 39 )

هؤلاء لهم صفات كثيرة أغفلها الله جميعاً ، ترك صفة واحدة :

﴿ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

فلو أن الله الداعية خشي غير الله فسكت عن الحق خوفاً منه ، أو تكلم بالباطل إرضاءً له ، انتهت دعوته ، فما لم تكن الكلمة صادقة ، ما لم تكن النصيحة دقيقة واضحة في عندنا مشكلة :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 39 )

الأستاذ راضي :
إذاً لن ندرك دورنا الغائب ونسترد وعينا المفقود طالما العلماء أو بعضهم كما تفضلت فضيلتك يداهنون الحكام .
الدكتور راتب :

هذه مشكلة كبيرة جداً وأي حاكم يجد حوله من يثني عليه ، هذه مشكلة :

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ))

[ مسلم عن تميم الداري ]

الأستاذ راضي :
أستاذنا كما يقال اللحن المكرر يسئم ، أنا أنتقل بفضيلتك لنقطة أخرى ، على مستوى المجتمعات الإسلامية والعربية في بلادنا الإسلامية والعربية نجد أكثر التناقضات موجودة ونلمسها في المجتمعات ، سأكتفي هنا بما أحسبه أكثر شيوعاً ، هناك من يحج كل عام ، كل عام يحج ، كل عام يعتمر ، هناك من ينفق ببذخ وإسراف شديد على رحلاته الترفيهية ، هناك من يستبدل سيارته كل عام طبقاً للموديل ، أي أمور كثيرة جداً تجعل الإنسان يقف مع نفسه ، أين أنا من إسلامي ؟ أي أنا من فقه الأولويات ؟ وفي نفس الوقت لا ننكر على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم أن يتنعموا ، ولكن ننظر بعين الرحمة والرأفة والأخوة الإسلامية إلى المحرومين ، ما أكثر المرضى ، ما أكثر الجوعى ، ما أكثر العرايا ، فقه الأولويات ، أين العلماء من فقه الأولويات ؟ أنا أريد من فضيلتك أن تتحدث ولا تخشى في الله لومة لائم .

 

موقف العلماء من فقه الأولويات :

الدكتور راتب :
هذه المشكلات التي طرحتها أنا أراها أعراضاً لمرض واحد هو الإعراض عن الله ، ما لم ينجح الخطاب الديني ، فيعرف الإنسان بسر وجوده وبغاية وجوده ، أعراض الإعراض لا تعد ولا تحصى ، مثلاً الطبيب الناجح لا يعالج ارتفاع الحرارة في المريض بخافض حرارة ، هذا الارتفاع وراءه التهاب فما لم يعالج الالتهاب لا يكون طبيباً ، فنحن حينما نرى مشكلات كثيرة وقد تكون كثيرة جداً ، ونعددها ، ونصيح بضرورة حلها ، ولا نعالج أسباب هذه المشكلات ، أنا أرى أن أكثر هذه المشكلات هي أعراض طبيعية جداً لإنسان أعرض عن الله ، فما لم يكن الخطاب الإسلامي ناجحاً ، يغذي عقله ، يغذي قلبه ، هناك قصص لا تقدم ولا تؤخر ، هناك تجاوزات للواقع العلمي ، هناك شطحات ، هناك خرافات ، هناك كرامات ، هناك منامات ، فإذا كان الخطاب الديني شطحات ومنامات وخرافات هذا الدين مرفوض عند الناس ، فإذا رفض الدين إنسان بلا منهج في عنده شهوات والشهوة قائمة وفعالة أنا أرى أن أحد أكبر أسباب شرود الناس عن الله عدم نجاح الخطاب الديني .
الأستاذ راضي :
عدم النجاح سببه تقاعس العلماء أم المؤسسات والهيئات أم الشعوب أم الحكام ؟
الدكتور راتب :
والله أنا ما ألفت أبداً في حياتي أن أعزو مشكلة كبيرة جداً إلى جهة واحدة ، ألفت أن المشكلات الكبيرة جميعاً نحن مسؤولون عنها ، العلماء والحكام والشعوب والطبقة الدنيا ، كلنا مسؤولون .
الأستاذ راضي :
عدنا إلى الحلقة التي تربط بيننا وبين العلماء ، الكل يعول على دور العلماء ، نحن نحب الفن الهادف ، الإسلام ليس ضد الفن ، لكن عندما تقيم الدول العربية والإسلامية التي يرتفع فيها الآذان الله أكبر مهرجانات وجوائز لدعاة الفن الهابط ، أين رصد الجوائز والعلماء والباحثين والمفكرين إذا أردنا أن ننهض بالأمة ؟ لكن هنا دور العلماء يبرز كما تفضلت فضيلتك .

دور العلماء في النهوض بالأمة :

الدكتور راتب :
أنا أرى أن هناك تطور رائع جداً في الدعوة إلى الله ، بدأ يظهر علماء مخلصون يضعون أيديهم على جراحات الأمة ، يضعون الحلول ، الحقيقة دورة الحق أطول من عمر الإنسان ، لكن الوعي الديني الآن أقوى بمئة مرة من الوعي قبل خمسين عاماً ، في التزام ، المشكلة الآن أنه هناك حق أرمز له باللون الأبيض الناصع ، وهناك باطل أرمز له باللون الأسود القاتم ، بينهما خط رمادي كبير جداً ، أنا أرى الآن المنطقة الرمادية اختفت ، هناك حق صريح وباطل قاتم ، إنسان إباحي أو ولي ، الحالة الوسط التي عشناها قبل خمسين عاماً اختفت الآن ، تجد إنساناً ملتزماً صادقاً أميناً ورعاً ، وإنساناً متفلتاً يأخذ ما ليس له ، يتكلم بما ليس قانعاً به ، المشكلة يجب أن ننجح الخطاب الديني ، والخطاب الديني أقول إذا إنسان قرأ قصة سخيفة ثمانمئة صفحة يقرأها ويتثاءب وينام ، قد يقرأ رسالة لصفحة واحدة تبدأ متاعبه ، حينما ينجح الخطاب الديني تنتهي من سماع هذه الخطبة ، من سماع هذا الدرس ، تشعر أنك ضيعت سر وجودك وغاية وجودك ، تشعر أن السعادة الحق في الاتصال بالله ، في طاعته ، حينما ينجح الخطاب الديني من العلماء الصادقين المخلصين فالإنسان يؤثر ما يبقى على ما يفنى ، يمكنني أن أذكر لك آلاف الأمراض الاجتماعية ، أنا أراها وأنا واثق من قولي أن هذه الأمراض هي أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله عز وجل ، أحياناً الخطاب الديني لا ينجح ، خطاب تقليدي ، خطاب قصصي ، خطاب خرافي ، أحياناً في قصص وفي تجاوزات ، أما حينما يكون الخطاب الديني متماسكاً ، قوياً ، مبنياً على قاعدة صلبة ، يؤكده العلم ، الإنسان أحياناً يدخل في صراع يجد العلم في وادي والدين في وادي ، مع أن العلم والدين متوافقان ، فبطولة الداعية أن يربط الحديث بالقديم ، والعلم بالدين بالواقع ، أنا أعول أهمية كبيرة على خطاب ديني ناجح يصل إلى أعمق ما في الإنسان ، يجعله ملتزماً ، الآن تجد إنساناً شرد عن الله شرود البعير ، فبعد سماع خطاب ديني ناجح يعود إلى الله ، ويستقيم على أمر الله ، أنا أرى أن المشكلات التي نعاني منها أعراض مرض واحد هو الإعراض عن الله ، فإذا استطعنا أن نعرف الإنسان بسر وجوده وغاية وجوده عندئذ حملناه على الطريق المستقيم ، أما أن نعالج قضية قَضية ، أنا أرى كلما عالجنا قضية ظهرت أخرى ، المعالجة يجب أن تكون في بنية الإنسان والآية الدقيقة جداً :

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية : 11 )

الآية الكريمة تؤكد أن التغيير ينبغي أن يبدأ من الداخل ، لماذا أنا موجود ؟ والإنسان يحب وجوده ، يحب سلامة وجوده ، يحب غاية وجوده ، حينما يؤمن أن هناك آخرة المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا ، العطاء كبير جداً ، نحن في أمس الحاجة إلى خطاب ديني ناجح ، لكن خطاب ديني تتبناه وسائل الإعلام .
الأستاذ راضي :
إذا كان الإعلام ليس له أهداف ، إبعاد الناس وإقصاء الناس عن الإسلام ، القائمين على بعض وسائل الإعلام في بلادنا العربية والإسلامية إما تجده علماني ، أو ماسوني ، أو له مآرب أخرى ، الحل ماذا ؟

 

كيفية توجيه وسائل الإعلام :

 

الدكتور راتب :
الحل أن نسعى بالتوفيق بين الجهات التي تملك القرار ، إن الله يذع بالسلطان ما لا يذعه بالقرآن ، أصحاب القرار هم مسؤولون بالدرجة الأولى ، فإذا وجهوا الإعلام توجيهاً صحيحاً ، وجهوا المناهج توجيهاً صحيحاً ، وجهوا الأسر توجيهاً صحيحاً ، يصبح تقدم مع أن التقدم لا يتم بليلة وضحاها ، التقدم يحتاج إلى أمد طويل لكن حينما نبدأ بالحركة الصحيحة .
الأستاذ راضي :
أصحاب القرار لن يتقدموا ولن يصلحوا إلا إذا تحرك العلماء ، شيخنا الجليل نعود إلى العلماء على مستوى الدعوة ، نجد بين الحين والآخر من يواجهنا من بعض المنتسبين للعلم ويمكن بعضهم ليس له من بضاعة الفقه بشيء ، يتحدث عبر الفضائيات في أمور ثانوية ، شغلوا وشغلوا الناس معهم بالفروع وليس بالأصول ، بالجزئيات وليس بالكليات هناك من يثير موضوعات تحدث بلبلة بين الناس ، وما أكثرها ، يمكن فضيلتك تعلمها ، ماذا يقول الدكتور محمد راتب النابلسي لهؤلاء ؟ لنرقى بأنفسنا بدءاً من الخطاب الديني المتمثل في العلماء .

 

كيفية الارتقاء بالخطاب الديني المتمثل في العلماء :

الدكتور راتب :
الذي أقوله كما قلت قبل قليل : هناك قيم أخذ بها الطرف الآخر الغرب ، فكان قوياً جداً بها ، وهذه القيم أصل في ديننا ، فتحدثت عن العمل ، وعن إتقان العمل ، وعن تطوير العمل ، وعن إدارة الوقت ، وعن إدارة الذات ، أن أهتم بعلاقتي مع ربي ، إدارة الذات ، ومع أسرتي ، ومع عملي ، ومع صحتي ، شيء آخر العمل المؤسساتي هذا عمل يستمر ، نحن في الدول النامية العمل شخصي ، أما التقدم يقتضي أن يكون العمل مؤسساتي ، فيه نظام ، فيه مبادئ أكبر من الأشخاص ، فكلما تخلف النظام كبر الشخص ، وكلما كبر الشخص تخلف النظام ، أما الأصل أن هناك مبادئ ثابتة تحكم المجتمع كله ، هذه واحدة ، في شيء ثاني فريق العمل ، كنت مرة في بلد أجنبي قرأت إعلان في صحيفة عن وظيفة لإنسان الأشياء كلها مألوفة عندنا ؛ الشهادات والعمر ، لكن لفت نظري بند : أن يصلح للعمل ضمن فريق ، نحن لا نتعاون ، نتنافس ، من خصائص تخلفنا التنافس ، لأن الإنسان حينما يعرف الله يتعاون مع أخوته المؤمنين ، والأمر واضح فالتعاون حضارة ، والتعاون يؤدي إلى فريق عمل ، أما أي شركة ، أي مؤسسة ، كل واحد ضد الآخر ، كل واحد يصل إلى المدير ليشتكي على زميله ، هذه مشكلة خطيرة ، يصبح هناك تخلف ، إذاً نظام فريق العمل ، العمل المؤسساتي ، الالتزام بالمواعيد الوقت ثمين جداً ، شيء آخر العمل ضمن الإمكانات المتاحة يمكن أن نستغل ما عندنا من مواد أولية ، من أوضاع ، أما هناك من يستورد كل شيء ، الكتلة النقدية ذهبت إلى الغرب ، في ترشيد الاستهلاك ، يمكن أن تنتهي أزمتنا كلها بترشيد الاستهلاك ، ليس عندنا وعي إطلاقاً .
كيف حال الإنسان حين يقوم الليل ؟ تأتيه نشوة إيمانية ، حين يدفع صدقة ؟ تأتيه نشوة إيمانية ، أنا أرى أنه ينبغي للدعاة أن يؤكدوا للناس أن إتقان العمل يجب أن ينتهي بك إلى نشوة إيمانية ، تطوير العمل ، إدارة الذات ، إدارة الوقت ، ترشيد الاستهلاك ، والله هذه القيم وحدها تنقلنا نقلة نوعية من وضع متخلف إلى وضع متقدم ، أيام ورقة كبيرة هي صممت وطبعت من أجل أن تكتب فيها كتاب ، تنشف بها الأيدي بعد الغسيل ، كلفت مبلغاً ضخماً ، لا يوجد استهلاك مرشد ، لا يوجد استهلاك حكيم ، هذه القيم الغربية من حيث الانضباط ، من حيث ترشيد الاستهلاك ، من حيث الالتزام بالوقت ، إدارة الوقت ، إدارة الذات ، العمل المؤسساتي ، الإسراع للعمل ، الالتزام بالمواعيد ، الوقت أثمن شيء في حياة الإنسان ، أتمنى أن نأخذ من الدين هذه القيم التي قوي بها الطرف الآخر ، وأن نجعلها ضمن الخطاب الديني ، حتى يحس الإنسان بالقرب من الله وهو يتقن عمله ، عدم الإتقان له مضاعفات خطيرة جداً ، فأتمنى إذا تحدثنا عن الأولويات ، هذه القيم الحضارية التي هي أصل في ديننا ينبغي أن تكون موضوعاً لخطابنا الديني .

توجيه الخطاب الديني لحلّ مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية :

النبي الكريم توضأ من قعب ، إناء ماء توضأ منه فضلت فيه فضلة ، قال : ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين . وقف أمام قبر الذي حفر القبر ما أتقنه ، قال له : إن هذا لا يؤذي الميت ولكنه يؤذي الحي :

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))

[الجامع الصغير عن عائشة]

تجد لقطات رائعة جداً ، سيدنا عمر رضي الله عنه دخل إلى قرية فرأى معظم الفعاليات فيها من غير المسلمين ، فعنفهم تعنيفاً شديداً ، قالوا : قد سخرهم الله لنا ، فقال سيدنا عمر : كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ هذا الخليفة العملاق أدرك قبل ألف وأربعمئة عام أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف .
أحياناً نبيع الصوف يعود لنا قماشاً بألف وسبعمئة وخمسين ضعف ، يعني نشتري أشياء مصنعة بأسعار تفوق حد الخيال ، قطعة سيارة ثلاثمئة ضعف عن ثمنها ، هنا يأخذون أموالنا إذا باعونا وإذا اشتروا منا لضعف تصنيعنا ، في بلاد كثيرة كل شيء مستورد ، فنحن يجب أن نوجه الخطاب الديني لحل مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية ، في عنوسة عالية جداً مشكلة كبيرة ، أنا سألت مرة قاضي شرعي ، قال لي : كان الطلاق في سوريا خمسة عشر بالألف ، صار خمسة عشر بالمئة ، صار خمسين بالمئة ، في تطورات سلبية خطيرة جداً فلا بد من صحوة ، لا بد من وقفة متأنية ، لا بد من عودة إلى هذا الدين ، هذا الدين منهج الله عز وجل ، يعني بالتعبير المختصر : الإنسان آلة معقدة جداً ، ولهذه الآلة صانع حكيم ، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة ، والبطولة من أجل سلامة هذه الآلة وحسن مردودها أن نطبق تعليمات الصانع .
لأستاذ راضي :
في ظل ما نعانيه من أزمة حقيقة بين واقع الأمة وأفراد الأمة كيف نصل بالمسلم البسيط إلى إيقاظ الوعي ؟

 

إيقاظ الوعي عند المسلم البسيط :

الدكتور راتب :
قد يشتري إنسان أمي لا يقرأ ولا يكتب مكيف ، يضغط المفتاح يأتيه الهواء البارد، وقد يشتري أستاذ اختصاصه علم التكييف في الجامعة مكيف ، يضغط الزر يأتيه هواء بارد ، قالوا : الانتفاع في الشيء ليس أحد فروع العلم به ، فهذا الأمي غير المتعلم يكفي أن أقنعه أن يتوب ، أن يصدق ، أن يتقن عمله ، من دون تعليلات ، من دون فلسفات ، من دون تحليلات ، عظمة هذا الدين أنه هواء للأمة ، هذا الدين تسعد به ولو طبقته فقط ، وتسعد به ولو طبقته عن علم ، هناك إنسان يحلل تحليلات عميقة يأتي بالأدلة والبراهين ، الدين ممكن أن ينتفع منه كل الطبقات ، في شيء دقيق جداً بالدين أنه دين جماعي وفي الوقت دين فردي فإذا طبقته وحدك قطفت كل ثماره ، وإن طبقته الأمة قطفت ثماره كلها ، لذلك أنا أتمنى هذا الدين أن يكون الخطاب موجهاً لكل الطبقات بكل المستويات ، وبكل وسائل الإعلام ، وأنا أرى أن مصلحة الأمة في أن تعود إلى ربها ، لأنه وكما رأيت هناك حلول كثيرة لم تنجح ، هناك واقع خطير ما لم نرجع إلى سبب تفوقنا وهو الدين ، فالطريق ليس واضحاً تماماً أمام الأمة ، أحياناً نأخذ من عند هذا منهج ، ومن عند هذا منهج ، هذه مناهج هجينة علينا ، لا تنتمي إلينا ، فأنا أتمنى أن يكون الخطاب الديني خطاباً علمياً أولاً يربط بين الماضي والحاضر ، وخطاباً واقعياً ، وخطاباً يحل مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، إذا كان الخطاب في هذا المستوى كان الحل في الخطاب الديني ، وما أعظم الخطاب الديني إذا نهض بالأمة .
لأستاذ راضي :
كما هو معلوم أن السلبية لا تعلي همة ولا توقظ أمة ، الشباب هم رجال الغد وهم الصحوة والأمل الكبير ، كيف نبني قلاع الإيمان في نفوس الشباب لدينا ؟

بناء قلاع الإيمان في نفوس الشباب :

الدكتور راتب :
أرى أن الشباب موضوع خطير جداً لأنهم المستقبل ، والشباب قنبلة موقوتة ، يعني إذا رأى هذا الشاب أن طريق العمل مسدود ، وبالتالي طريق الزواج مسدود ، وطريق السكن مسدود ، لا في سكن ، ولا في زوجة ، وطريق الشهوات مفتوح على مصراعيه ، والخطاب الديني ما نجح ، فهؤلاء الشباب أنا أرى ما لم يبادر المجتمع بكل قواه لحل مشكلاته هناك مشكلة كبيرة جداً هذا الشاب يضيع ، وإذا ضاع انحرف ، والحقيقة أن الشباب اليوم بين تطرفين ، تطرف تفلتي وتطرف تشددي ، التفلتي إلغاء القيم كلها ، والإباحية ، والتشددي التكفير ثم التفجير ، الشباب بين تطرفين ، تطرف تفلتي وتطرف تشددي ، التفلتي الإباحية ، لا يبالي ، يفعل ما يشاء ، ما في قيم ، ولا مبادئ ، ولا رادع ، والتشددي يجتمع بحلقات مغلقة بعيدة عن وسطية الدين ، ويعتقد أشياء غير صحيحة ، ويترجمها إلى عمل يبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير ، ما لم تبادر الأمة بكل قواها ، بكل مستوياتها ، بكل أفرادها إلى حل مشكلة الشباب ، أنا أرى أن الشاب يحتاج إلى بيت وزوجة وفرصة عمل ، فالأمة ينبغي أن تنهض لحل مشكلات الشباب ، تأمين بيوت سكن ، تأمين فرص عمل ، لذلك سافر إنسان إلى ألمانيا لإقامة مصنع ، الشيء العجيب أنه طُلِب منه وثيقتين ، أعطي أرضاً مجاناً أجرتها مارك للدونم ، وتصريحين ؛ أن لا يلوث البيئة ، ويؤمن فرص عمل للناس ، الأمر حينما يتضح أمام أولي الأمر ، فالشباب أخطر شيء بحياتنا ، لا بد من تأمين أعمال لهم ، وزواج ، وبيوت، أما إذا اهتممنا كما تفضلت بالولائم ، والإنفاق الاستهلاكي ، والبذخ ، والرحلات ، والإنفاق على شيء لا يقدم ولا يؤخر ، ماذا أقول ؟ أحياناً من أجل موضوع فني هناك ستة وثمانين مليون اتصال خلال عشرين يوماً ، من أجل موضوع فني بعد سقوط بغداد ، في بالأمة مشكلة يجب أن نرتقي بهذه الأمة ، أحد الشعراء قال :

أكاد أومن من شك ومن عجب هذه الجماهير ليست أمة العرب
* * *

يتألم الإنسان ألم شديد .

 

خاتمة و توديع :

لأستاذ راضي :
صحيح بارك الله لنا فيك ، لا يسعنا في هذا اللقاء إلا أن نتقدم باسم مشاهدي قناة اقرأ في كل مكان أن نتقدم لفضيلتك بخالص الشكر والتقدير سائلين الله عز وجل أن يجزيك عنا وعن الإسلام خير الجزاء .
أخوتي وأخواتي هذا هو فقه الأولويات ، ليتنا ندرك الأهم ثم المهم حتى نسترد وعينا الغائب ، وندرك دورنا المفقود ، أخوتي أخواتي أذكر نفسي بقول الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (19)﴾

( سورة الحشر )

نشكركم على حسن المتابعة .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .