المجالس الهاشمية - المحاضرة : 2 - دور الإعلام في بيان الصورة الحقيقية للإسلام

2008-09-19

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الكلمة الطيبة ، وعلى آله وصحابته أجمعين ، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته ، في هذا اللقاء الطيب الخير في المجلس الثالث من المجالس العلمية الهاشمية ، والتي تقيمها وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية .
 سمو الأمير علي بن نايف ... مندوب حضرة صاحب الجلالة الهاشمية ... الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه ... أصحاب السماحة والمعالي والفضيلة والعطوفة والسعادة ... أيتها الأخوات الفاضلات ... السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته .

 

ترحيب حار بالضيوف الكرام :

 مشاهدينا ، وحضوراً ، ومستمعين ، نلتقي في هذا المجلس الخير الطيب ، والذي هو بعنوان ( دور الإعلام في بيان الصورة الحقيقية للإسلام )فالموضوع في غاية الأهمية لما للإعلام من أهمية كبرى بوسائله وأدواته ، وفي بيان وضح رسالة الإسلام السمحة .
 معنا في هذا اللقاء نخبة من علمائنا ، وأساتذتنا ، والذين لهم باع طويل في هذا المضمار ، من مصر الشقيقة :
 الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم ، عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف ، رئيس اللجنة الدينية في البرلمان المصري ، ورئيس جامعة الأزهر السابق .
 ومن سورية الجارة العزيزة :
 الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي المعروف ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين .
 ومن الأردن الحبيب :
 الدكتور نبيل الشريف وزير الإعلام الأردني السابق ، وسفير الأردن في المغرب ، الشريف (سفير سابقاً)، ورئيس تحرير صحيفة الدستور الأردنية حالياً .
 أهلاً ومرحباً بكم .

الكلمة الطيبة هي أصل الوجود و استمراريته والكلمة الخبيثة لا أصل لها على الإطلاق :

 في سورة جمالية رائعة يبين المبدع سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة في هذه اللوحة الجمالية حيث يقول :

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

( سورة إبراهيم )

 منتشرة في أطراف العالم .

﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

( سورة إبراهيم الآية : 25 )

 ويهول الله عز وجل من الكلمة الخبيثة ، حينما يقول تعالى :

﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾

( سورة إبراهيم )

 ليس لها أصل على الإطلاق ، فالوجود دائماً للكلمة الطيبة ، للكلمة الإيجابية على الدوام ، الكلمة الطيبة هي أصل هذا الوجود ، واستمراريته ، وديمومته ، والكلمة الخبيثة كلمة مبتورة ، لا أصل لها على الإطلاق .

 

أثر الكلمة الطيبة على المجتمعات :

 أيها الأخوة والأخوات ، عدد من المحاور التي يمكن أن نتحدث عنها في هذا اللقاء الطيب الخير .
 المحور الأول : هو أثر هذه الكلمة الطيبة على المجتمعات ، وعلى الناس جميعاً وأثرها في وسائل الإعلام ، وبكل وسائلها ، وبكل أدواتها .
 تفضل دكتور محمد راتب النابلسي إذا كان هناك تعقيب .
الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم :
 بين الأرض والشمس 156 مليون كم ، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، هذا الذي أراد أن يسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصور بغباء ما بعده غباء أنه لو توجه نحو قرص الشمس وهي في رابعة النهار ، وأراد أن يبصق عليها ليطفئها البصقة رجعت إلى وجهه ، وتبقى الشمس في عليائها ، وما ضرّ السحاب نبح الكلاب ، وما ضرّ البحر أن ألقى فيه غلام بحجر ، ولو تحول الناس إلى كناسين ليسيئوا لهذا الدين ما أثاروا هذا الغبار إلا على أنفسهم .
المحاضر :
 دكتور محمد راتب النابلسي تطرق دكتور نبيل الحقيقة إلى حرية التعبير ، لابدّ أن نتعرف إلى بعض ضوابط حرية التعبير لو سمحت .

ضوابط حرية التعبير :

الدكتور راتب :
 قبل كل شيء بعض العلماء فهموا قوله تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾

( سورة إبراهيم الآية : 4 )

 فلو فهموا هذه الآية فهماً معمقاً وموثقاً لأدركنا أن لسان قومه وسائل النشر في حياته ، فالأنبياء بدؤوا بالكلمة ، لكن الآن الإنسان يستطع أن يُسمع صوته للملايين المملينة عبر الإذاعة ، ويستطيع أن يقرأ الناس مقالته أيضاً الملايين المملينة ، وأن يرى خطابه ملايين مملينة من الناس ، هذه فرصة عجيبة جداً أنه إنسان في مكان واحد يخاطب نصف سكان الأرض هذا مسؤولية كبيرة جداً ينبغي أن نتحملها ، لأن بعضهم وصف الأجهزة الإعلامية العملاقة بالقنبلة الذَرية ، تصل إلى كل بيت ، تقتحم كل السدود والحدود ، فلابد من تهيئة القنبلة الذُرية كي تقف بوجه هذه القنبلة الذَرية ، لابد من إنشاء جيل مؤمن واعٍ ، وأن يستخدم هذه الوسائل .
 أنا أقول دائماً : لو أن عدواً ماكراً معه سلاح طيران قوي ، لا يوجد طريق للوقوف بوجهه إلا بتأمين سلاح طيران مقابله ، الآن أسلحة العالم الإعلام ، فلابد أن نستخدم هذه الأسلحة بالذات كي نصل بها إلى تعزيز مواقفنا ، ومبادئنا ، لأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على المسلمين جهاراً نهاراً .
 أما موضوع الحرية الحقيقة أنهم ليسوا منطقيين ، يعني لو أن أحداً تعرض لا للمحرقة أصلاً للرقم يدخل السجن ، فلماذا عندهم خطوط حمراء لا يستطيع أحد أن ينال منها هم الذين يدعون الديمقراطية ؟ لو أن إنساناً شكك برقم المحرقة يدخل السجن ، لماذا يبيحون لكتابهم أن يصلوا إلى مقدسات المسلمين ، وما لم يعتمد العالم كله مقاييس موحدة في حدود الحرية فيبقى هذا الوضع المضطرب والذي ينذر بانفجار كبير قائم ... وشكراً .
المحاضر :
 الدكتور محمد راتب النابلسي ، الحقيقة هنالك محور مهم جداً ونحن نتحدث في هذا السياق عن دور الإعلام ألا وهو الانترنيت ، كيف لنا أن نستثمر هذه الوسيلة الحديثة والوسيلة المهمة في توضيح صورة الإسلام ؟.

 

دور الانترنيت في توضيح صورة الإسلام :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صاحبته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 سمو الأمير علي بن نايف مندوب جلالة الملك حفظه الله تعالى ... السادة العلماء الأجلاء ... الأخوة الفضلاء النجباء ... الأخوات المؤمنات ... الأخوة المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مقولة رائعة تقول :
ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء ، لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال ، وهل إذا لدغتنا جماعة من النحل نقاطع عسلها ؟ إننا نفتح أبوابنا ونوافذنا كي نجدد هواء بيوتنا ، ولكن لا نسمح للرياح العاتية أن تقتلعنا من جذورنا هذه المقولة كانت نظرية أصبحت من خلال الانترنيت عملية .

الوجه السلبي للانترنت :

 أولاً هناك وجه سلبي لابدّ من ذكره ، هذا الوجه السلبي أن الانترنيت حطمت الحواجز والحدود ، والموانع والسدود ، والمبادئ والقيم ، وكان من أهم ضحاياها شريحة الشباب ، فهذا الشاب في غرفته المغلقة استطاع من خلال الانترنيت أن يرى العالم كله بلا ضوابط إطلاقاً ، وبلا قيود ، ولأن ضعفاً في بنائه الديني والأخلاقي جرفه إلى الفساد .
 لذلك الشباب الآن من خلال الانترنيت ، ومن خلال التشدد ، أمام تطرفين تطرف تفلت ، أساسه هذه المشاهد الإباحية ، وتطرف تشدد يبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير ، فما لم نهتم بالشباب لأنهم عاد الأمة ، ومستقبل الأمة ، وعليهم المعول في أن تستعيد الأمة دورها القيادي ، هذه وجه سلبي من الانترنيت ، وللعلم هناك 23 مليون موقع إباحي للانترنيت يعني قديماً وضع المسلمين كان يشبه حديقة حيوان تقليدية ، الوحوش بالأقفاص ، والزوار طلقاء ، الآن وضع العالم نحن أمام حديقة حيوان إفريقية ، الوحوش طلقاء ، والزوار إن لم يدخلوا في سيارة مصفحة يهلكون ، فلا بد من التحصين الذاتي .

الوجه الإيجابي للانترنت :

1 ـ استخدام الانترنت من قِبل عدد كبير جداً من الناس :

 الشيء الأول في هذا الموضوع الإيجابي : الوجه الآخر للانترنيت تؤكد الإحصائيات أن في عام 2004 يستخدم هذه التقنية العالية ثمانمئة مليون إنسان في الأرض أنت أمام مئة مليون إنسان ، فإذا استخدم الدعاة إلى الله هذا في الأسلوب الإعلامي الخطير وصلوا إلى ثمانمئة مليون إنسان طبعاً تحتاج إلى لغات عديدة ، لا يكفي أن تكون باللغة العربية .

2 ـ العدد الضخم فرصة مواتية لتقديم الصورة الصحيحة للإسلام :

 شيء آخر : هذا العدد الضخم فرصة مواتية جداً لتقديم الصورة الصحيحة للإسلام لهذا الكم الهائل من الزوار .
 لم تنل وسيلة معلومات ما نالته الانترنيت من سرعة الانتشار ، والقبول بين الناس ، وعمق التأثير على مختلف الأجناس والأطياف والشرائح .

3 ـ تميزها بتنوع كبير وحجم خطير دون عقبات مكانية أو زمانية :

 الشيء الآخر : تتميز الانترنيت بتنوع لا حدود له في المعلومات ، وبحجم لا يوصف في هذه المعلومات ، تنوع كبير ، وحجم خطير ، دون عقبات مكانية أو زمانية ، ما في عقبة مكانية أو زمانية .
 والانترنيت ربما في المستقبل ، وقد بدت ملامح هذا الإجراء تقضي على وسائل الإعلام التقليدية ، من صحف ومجلات وكتب وإذاعات ، بل هي الوسيلة الأولى الآن بلا منازع وهذا الكلام إن رأيتموه شطحاً هناك أسباب تؤكده .

 

الانترنت الوسيلة الأولى بلا منازع لعدة أسباب :

1ـ ألغت المكان و تجاوزت الحدود و السدود :

 أولاً الانترنيت ألغت المكان ، تجاوزت الحدود ، والسدود ، والموانع ، والعقبات تجاوزت كل شيء ووصلت إلى كل إنسان ، ألغي المكان في الانترنيت ، ولأن المكان ألغي يمكن أن نستخدمها بالدعوة إلى الله كي نصل بها إلى كل الأطياف ، إلى كل الشعوب ، إلى كل الأمم .

2ـ ألغت الزمان :

 الشيء الآخر : أنها ألغت الزمان ، فالسرعة الكبيرة التي يتم بها نقل المعلومات بحجم هائل أسقطت عامل الزمن ، يعني الذي يقع في طرف الدنيا تراه في الانترنيت بعد دقائق ، تراه وتقرأ عنه كل التفاصيل .
 لذلك الآن هناك شيء جديد المعلومات متاحة لكل الناس ، هناك سواسية بين الناس في أخذ المعلومات ، إذاً أسقطت عنصر المكان ، لأنه كان هناك عقبات اقتصادية ، نقل المعلومات يحتاج إلى نفقات باهظة ، الآن كما تنقل الرسالة بالدي ـ إش ، إل ، مبالغ طائلة جداً ، نقل المعلومات كان أمامه عقبات اقتصادية ، الآن ألغي المكان لأن النقل أصبح سريعاً جداً وألغي الزمان .

3 ـ التفاعلية :

 الآن هناك جديد التفاعلية ، الإعلام التقليدي يتعامل مع الناس كجهة تتلقى فالإعلام يريها ما يرى , وقد جاء في القرآن الكريم :

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾

( سورة غافر الآية : 29 )

 أما الآن المستخدم للانترنيت هو يرى ما يريد ، يأخذ ما يريد ، وقد يدلي برأي فيما يرى ، صار في تفاعل ، كان المواطن يتلقى فقط من وسائل الإعلام التقليدية ، أما في الانترنيت صار بإمكانه أن يختار هو ما يريد ، وأن يدلي برأيه فيما يقرأ .

4 ـ المجانية :

 شيء آخر : المجانية ، نحن عندنا موسوعة بريطانية ثمنها في دمشق 75 ألف ليرة ، الآن تأخذها بالانترنيت مجاناً ، شيء ثمنه فوق طاقة أي طالب علم ، خذ مجاناً من الانترنيت ، الآن كتب ثمينة جداً ، غالية جداً ، يمكن أن تسحبها من الانترنيت مجاناً ، فصار في إلغاء الزمان ، وإلغاء المكان ، والمجانية ، والتفاعلية .

5 ـ سهولة الاستخدام :

 شيء آخر : سهولة الاستخدام ، لا تحتاج لا إلى دكتوراه ، وإلى اختصاص تجلس مع صديق ، كم معلومة بسيطة تدخل في الانترنيت ، هذه كلها جعلت الانترنيت وسيلة من وسائل الإعلام المعاصر .

 

سلاح الانترنيت سلاح مخيف يصل إلى كل بيت فعلينا أن نربي أبناءنا تربية إيمانية واعية:

 الآن ومع الأسف الشديد الإسلام يُهاجم من خلال الانترنيت ، وما لم يقف المسلمون ليردوا على هذا الهجوم بالوسيلة نفسها ، ذكرت قبل قليل : أن دولة معادية عندها سلاح فتاك ما في سبيل أبداً أن ننتصر عليها إلا أن نستخدم السلاح نفسه ، الآن سلاح الانترنيت سلاح مخيف يصل إلى كل بيت ، يقتحم أية غرفة في البيت ، فما لم نربِ الأجيال تربية إيمانية واعية ، وما لم ندخل في هذا الحقل الذي يبدو أنه خطير جداً سيقضى علينا .
 أيها الأخوة الكرام ، بتواضع شديد أنا لي موقع في الانترنيت إحصائيات شهر آب مجموعة الدخولات31 مليون و500 ألف ، يعني بمعدل أكثر من مليون باليوم ، الإنسان يخطب بجامع وأمامه عشرة آلاف ، أما هنا يومياً في مليون ، مجموع المواد المسحوبة 88500 غيغا ، المواد المسحوبة ، هذا رقم كبير جداً ، مجموع الملفات النصية 886 ألف و600 ألف نص ، الملفات النصية ، الملفات الصوتية 3 ملايين و500 ألف ، الملفات المرئية مليون و200 ألف بشهر واحد ، فهذه وسيلة نشر عالية جداً ، ويمكن عن طريق الانترنيت إلى كل الأطياف ، والانترنيت موقعي باللغة الإنكليزية والعربية معاً .

مبادئ الدعوة إلى الله عز وجل عديدة منها :

 أيها الأخوة الكرام ، لكن موضوع المحاضرة :( الدعوة إلى الله والانترنيت )

1 ـ الدعوة إلى الله بالعمل الصالح و القول الحسن :

 بادئ ذي بدء : لابدّ من أن ننتبه لهذه الدعوة ، الحقيقة ما من شيء يتذبذب بين أن يرقى إلى أعلى عمل يقترب من صنعة الأنبياء ، وبين أن يسقط في الوحل ولا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله ، يصبح عملاً عظيماً يرقى إلى صنعة الأنبياء حينما يبذل الداعية من أجلها الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، وحينما يخلص فيما يقول ويطبق ما يقول .
 قال الإمام الشافعي : والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين فمشكلة الدعوة إلى الله تسمو وتسمو حتى تقترب من صنعة الأنبياء .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت )

 ليس عند الله إنسان أفضل من هذا الإنسان .

2 ـ القدوة قبل الدعوة :

 الشيء الثاني : القدوة قبل الدعوة ، الدعوة الإسلامية بالذات ، قد تنتفع من طبيب ، من مهندس ، ولا يعنيك سلوكه اليومي ، أما الدعاة إلى الله لا يمكن إلا أن يكونوا قدوة قبل أن يقولوا كلمة .
 سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته ، وقال : إني قد أمرت الناس بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وأيم الله لا أوتين بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني ، فصارت القرابة من عمر مصيبة .
 القدوة قبل الدعوة ، لذلك ابن آدم عظ نفسك فإن وعظتها فعظ غيرك ، و إلا فاستحِ مني .
 فحينما يرى الطرف الآخر أن الدعوة التي يسمعها ليست مطبقة تسقط الدعوة .
 لذلك حال واحد في ألف أبلغ من قول ألف في واحد ، مسافة كبيرة ، حال واحد صادق موصول في ألف أبلغ من قول ألف في واحد ، القدوة قبل الدعوة ، والإحسان قبل البيان .

3 ـ الإحسان قبل البيان :

 مرت معي رواية تاريخية لا أدري مدى صحتها لكن جاء سيدنا معاوية كتاب من أحد المواطنين أما بعد :
 فيا معاوية ! مباشرة ، إن رجالك قد دخلوا أرضي ، فانههم عن ذلك ، وإلا كان لي ولك شأن والسلام .
 استدعى ابنه يزيد ، قال له : ما ترى يا يزيد ؟ قال له : أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه ، قال له : غير ذلك أفضل ، اكتب أيها الكاتب ، أما بعد :
 فقد وقفت على كتاب حواري رسول الله ، ولقد ساءني ما ساءه ، والدنيا كلها هينة جنب رضاه ، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها .
 جاء الكتاب الثاني ، أما بعد :
 فيا أمير المؤمنين ! أطال الله بقاءك ، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل .
 قال : يا بني من عفا ساد ، ومن حلُم عظُم ، ومن تجاوز استمال إليه القلوب .
 الداعية يحتاج إلى إحسان ، يجب أن يفتح قلوب الناس بإحسانه حتى يفتحوا له عقلهم .

4 ـ الأصول قبل الفروع :

 شيء آخر : الأصول قبل الفروع ، سمعت فتوى عجيبة حصل خلاف في رمضان في بعض المساجد ، واصطرع رواد المسجد حول صلاة التراويح ، 8 ركعات أو 20 ركعة ، فأصدر المفتي فتوى بإغلاق المسجد ، لأن الأصول وحدة المسلمين ، والتراويح سنة ، لا نضحي بأصل من أجل فرع ، الأصول قبل الفروع ، نحن أحياناً غرقنا بالتفاصيل ، غرقنا بالتفاصيل يتناقض مع مقاصد الشريعة ، هذه نقطة دقيقة بالدعوة إلى الله .

5 ـ المبادئ لا الأشخاص :

 شيء آخر : المبادئ لا الأشخاص ، تعلمون جميعاً من منسياتكم أن جبلة أن الأيهم قدم سيدنا عمر مسلماً ، فرح به ، وأثنى عليه ، وطاف حول الكعبة ، بدوي من فزارة داس طرف ردائه ، فضربه ضربة هشمت أنفه ، هذا البدوي شكاه إلى عمر ، فاستدعاه عمر وجرى حوار بينهما ، شاعر معاصر صاغه شعراً ، فقال عمر لجبلة :
 أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
 قال جبلة : لست ممن ينكر شياً ، أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيدي .
 قال عمر : أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك ، و تنال ما فعلته كفك .
 قال : كيف ذلك يا أمير ؟ هو سوقة ، وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟
 قال عمر : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها ، أقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
 فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني .
 فقال عمر : عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
 الدعوة إلى الله تنطلق من أن المبادئ هي الأصل لا الأشخاص ، نحن لا نعرف الحق بالرجال نعرف الرجال بالحق ، هذه مبادئ الدعوة إلى الله ، حتى إذا وضعناها في الانترنيت أن تصل إلى الطرف الآخر .

6 ـ المضامين لا العناوين :

 بالمناسبة أيها الأخوة ، الدين توقيفي ، يعني هو منتج سماوي ، ليس منتجاً أرضياً لا يخضع لا للبحث ، ولا للدرس ، ولا للدراسة ، ولا للتأمل ، ولا للتعديل ، ولا للتطوير ، ولا للتحديث ، ولا للزيادة ، ولا للنقصان ، ولا للحذف ، منتج سماوي ، وليس منتجاً أرضياً الدين ليس تراثاً ، ليس ثقافة ، الدين منتج إلهي ، وحي .
 لذلك هذا الوحي إذا أصررنا على التجديد بالدين نستبدل هذا المصطلح بمصطلح آخر ، التجديد في الخطاب الدعوي ، أما إذا بالغنا بالإصرار على التجديد في الدين نقول التجديد في الدين يعني أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه ، هذا هو التجديد .
 إذاً القدوة قبل الدعوة ، الإحسان قبل البيان ، الأصول قبل الفروع ، المبادئ لا الأشخاص ، المضامين لا العناوين .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 62 )

 دققوا : الذي منعه أن يؤذي مخلوقاً .

﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 للدين إطار ، و مضمون ، إذا بقي الاهتمام بالإطار نحن في طريق الهاوية لابد من أن نعتني بالمضامين قبل العناوين .

7 ـ التدرج لا الفطرة :

 شيء آخر : التدرج لا الطفرة ، تحريم الخمر الآيات التي نسخت بقيت بالقرآن لماذا ؟ ليتعلم الدعاة منها التدرج لا الطفرة ، ومخاطبة العقل والقلب معاً ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

( سورة الانفطار )

 أي دعوة إلى الله تعتمد على مخاطبة العقل وحده لا تنجح ، وأية دعوة إلى الله تعتمد على مخاطبة القلب وحده لا ينجح ، القرآن خاطب العقل وخاطب القلب لأن الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، فإذا لبينا حاجاته الثلاث تفوقنا ، وإذا اخترنا واحدة تطرفنا ، وفرق كبير بين التطرف وبين التفوق .

 

خلاص العالم في الإسلام بشرط أن يحسنوا فهم دينهم وعرضه وتطبيقه :

 أيها الأخوة الكرام ، حينما يصح الخطاب الديني نقنع به الطرف الآخر ، لذلك يقول أحد كبار العلماء الأمريكان وقد هداه الله إلى الإسلام : أنا لا أصدق أن العالم الإسلامي يستطيع اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء ، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام بشرط أن يحسنوا فهم دينهم ، وأن يحسنوا عرضه ، وأن يحسنوا تطبيقه .
 هذه ورقات العمل لنا ، فنحن حينما نعتني بالخطاب الدعوي ، حينما نجدد الدين بمعنى أن نزيل عنه كل ما علق به مما ليس منه ، الآن إذا وضعناه بالانترنيت ، ووصلنا بهذا إلى ثمانمئة مليون إنسان بالأرض نكون قد استخدمنا هذه الأداة الجديدة التي لها فعل السحر عند الناس ، وأتمنى أن نسعى جادين لتلافي سلبياً الانترنيت ، والله لها سلبيات وأنا أحياناً تحضرني هذه الآية أن الانترنيت والفضائيات كالخمر :

﴿ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 219 )

 فبطولتنا أن نقلل من سلبيات الانترنيت ، مثلما قلت لكم 23 موقع إباحي لها والإنسان يصل بأقل سبب ، فلابد من وقفة وصحوة ، وتعاون لتلافي سلبيات الانترنيت ولتوظيف هذا المنبر الإعلامي المذهل في نشر هذا الدين العظيم .
 والحمد لله رب العالمين ، وشكراً لإصغائكم .
المحاضر :
 بارك الله فيك دكتور محمد راتب النابلسي ، هل من تعقيب دكتور نبيل على موضوع الانترنيت ؟

 

الحذر الشديد أثناء نقل معلومات ما من الانترنت :

الدكتور نبيل :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، بالفعل لقد تعمق دكتور النابلسي في شرح هذا الموضوع الخطير موضوع الانترنيت وأهميته ، وأقول فقط أن نكون حذرين في المعلومات التي نتلقاها عبر الانترنيت ، مثلاً : لو أن شاباً أراد أن يبحث عن معلومات حول القدس ودخل إلى محرك البحث ، وكتب القدس باللغة العربية ، أو باللغة الإنكليزية أو غيرها من اللغات فستنهال عليه مع شديد الأسف معلومات معظمها مغرض ، ومشوه ، ومحرف ، فيجب من خلالنا نحن أن نضع على الانترنيت المعلومات الصحيحة ، وقاعدة البحث الصحيحة حول الإسلام ، وحول المقدسات الإسلامية ، وننبه الشباب أنه ليس كل شيء يتلقونه عبر الانترنيت هو معلومة آمنة ، ومعلومة يمكن أن يتصرف بها بشكل مباشر ، هناك مواقع إسلامية مسؤولة باللغات المختلفة ، باللغة العربية ، والإنكليزية ، والفرنسية ، ننبه الشباب إليها ، وأنا أُركز على أهمية التواصل مع الشباب عبر الانترنيت ، فليس سراً الآن أن الشباب أصبحوا يتلقون معلوماتهم عبر ما يسمى بالإعلام الجديد ، وبدؤوا ينصرفون عن وسائل الإعلام التقليدية الصحافة ، والإذاعة ، والتلفزيون ، الرقابة أيضاً سقطت كمفهوم ، لم يعد في هذا الوقت إمكانية للرقابة ، كيف تراقب ؟ وماذا تراقب ؟ وأنا أؤيد الدكتور النابلسي أن الحل هو التحصين ، والتعليم ، والتوجيه ، الانترنيت إذاً هي خطر ، ولكنها فرصة ، فرصة لنا كي نقدم أنفسنا بشكل أفضل .

المستقبل للتعايش والتكامل بين وسائل الإعلام لا للتنافس و الصراع :

 هناك مقولة طبعاً : إن الانترنيت قد تقضي على وسائل الإعلام التقليدية الصحافة المطبوعة ، وهذه مقولة تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة ، لكن واضح الآن أن الاتجاه لتعايش هذه الوسائل ، بدلاً من أن تقضي واحدة منها على الأخرى ، نفس الكلام قيل عندما جاء التلفزيون بعد المذياع ، قالوا إن المذياع سينقرض ، المذياع مازال موجوداً ، وما زال مهماً ، في عمان وحدها يوجد ما لا يقل عن ثلاثين محطة إذاعية ، فأنا أعتقد أن المستقبل للتعايش والتكامل بين وسائل الإعلام ، من المحزن أن نسبة انتشار الانترنيت في العالم العربي ضئيلة جداً ، وأقول أيضاً : بسبب الانترنيت أصبحت مسؤولية بيان الإسلام ، وتوضيح صورة الإسلام مسؤولية الجميع ، وليست مسؤولية الإعلاميين فقط ، كل مواطن واعٍ ومطلع يستطيع أن يدخل في هذا الحوار مع العالم ، وتوضيح صورة الإسلام إما عبر المدونات الموجودة عبر الانترنيت ، حتى الحوار مع الآخرين مفهوم الجوار تغير بسبب الانترنيت فالجار ليس فقط الذي يجلس إلى جانبك ، لكن الجار الذي تتحاور معه حتى ولو كان في الصين ، تقيم علاقات معه ، فمن واجبك ومسؤولية كبيرة عليك أن توصل له رسالة الإسلام عبر الانترنيت بالطريقة التي تراها مناسبة ، وشكراً .
المحاضر :
 دكتور محمد راتب النابلسي ، لماذا لا ندعو حقيقة من هذا المنبر ، ومن هذا المكان إلى تشكيل هيئة من أصحاب رؤوس الأموال لدعم الإعلام الهادف ، الإعلام الإسلامي ؟.

مسؤولية أصحاب رؤوس الأموال في دعم الإعلام الهادف :

الدكتور راتب :
 والله أنا أقول دائماً : هناك عبادة عامة ، هي طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، في عبادة الهوية ، ما معنى ذلك ؟ أن الغني عبادته الأولى إنفاق المال ، والقوي عبادته الأولى إحقاق الحق ، وإنصاف الضعيف ، والعالم عبادته الأولى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 39 )

 فأغنياء المسلمين ، يملكون أموالاً لا تأكلها النيران ، ومع ذلك هناك حاجة ماسة إلى دعم هذه الأجهزة ، والفضائيات ، والانترنيت ، بحيث تقف في وجه هذه الهجمة الشرسة.

 

الغنى والفقر بعد العرض على الله :

 أنا أتمنى أن يعلم الغني المسلم أن هذا المال يده عليه يد الأمانة ، وأن مهمته أن يصرفه في طاعة الله ، لأن الله قال :

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾

 هو ، كلامه ، مقولته :

﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

 بعد قليل :

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر الآية : 17 )

 أداة نفي وردع ، يعني يا عبادي ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء ، فالمال ليس نعمة ، ولا نقمة ، موقوف على طريقة إنفاقه ، فإذا أنفق هذا الغني المسلم هذا المال لتعزيز قيم الإسلام ، لتعزيز دور الدعوة إلى الله يكون قد وضع المال في مكانه الصحيح .
 سيدنا علي له كلمة يقول : الغنى والفقر بعد العرض على الله ، قبل العرض على الله ليس الغني غنياً ، ولا الفقير فقيراً ، لأن الموت ينهي قوة القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، وذكاء الذكي ، ومحدودية المحدود ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، ينهي كل شيء ، فالغنى والفقر بعد العرض على الله ، هنيئاً لمن قدم ماله أمامه عندئذٍ يسره اللحاق به ، وشكراً .

 

خاتمة وتوديع :

 بارك الله فيك ، أيها الأخوة والأخوات شكراً لكم جميعاً ، وباسمكم أشكر العلماء الأساتذة الأجلاء أحمد عمر هاشم ، والدكتور محمد راتب النابلسي ، والدكتور نبيل الشريف .

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .