أحاديث متفرقة - الدرس : 026 - من أحدث في أمرنا ما ليس.....

1990-12-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: أحرص دائماً أن أختار لكم حديثاً صحيحاً يعد أصلاً من أصول الدين، لأن الإنسان إذا عرف حقيقة الدين وجوهره سهل عليه أن ينتقل إلى تفصيلاته وفروعه.
كلكم يعلم أن الإنسان جاءه خطاب من الله عز وجل إنه القرآن الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام بين هذا القرآن، لذلك الدين في الأصل نقل، وبما أن الدين نقل أخطر ما في الدين صحة النقل، لذلك يجب أن يعتمد الداعية الأحاديث الصحيحة التي صحت عن رسول الله، لأن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، يجب أن نأخذه عن رسول الله، ولا ينبغي أن نأخذ دينا من حديث لم تثبت صحته.
النبي عليه الصلاة والسلام من أجل أن يستمر الدين كما بدأ، من أجل أن يبقى نقياً كما بدأ، من أجل أن يبقى صحيحاً كما بدأ أعطانا موازين.
حديث اليوم ميزان من موازين الدين، العمل، قيمته، نيّته، تعرفون هذا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات))، قيمة العلم بنيته، لو أن إنساناً أعطى إنساناً شراباً، وهو يعلم أن هذا الشراب يؤذيه، أعطاه هذا الشراب ذا الطعم الطيب ليؤذي معدته، وشفي بهذا الشراب فهو محاسب عند الله على نيته، ولو أن طبيباً أعطى مريضاً دواء، وفي نيته أن يشفيه، فكان هذا الدواء مضاداً لعلته، وقضى بها، فالطبيب مثاب على نيته الطيبة، وإن كان مؤاخذًا على عدم تحققه، فحديث

((إنما الأعمال بالنيات))

 أصل من أصول الدين، وهو حديث متواتر تواترًا لفظيًا، وهو أعلى أنواع التواتر.
  إذاً قبل أن تقدم على عمل، قبل أن تنجز عملا، قبل أن تلتقي مع فلان، قبل أن تقيم هذا العمل افحص نيته، لأن هذا العمل قيمته من قيمة نيته، قال تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

[ سورة الفرقان: 23]

  أحد الأئمة الكبار له مقولة شهيرة قلتها لكم كثيراً: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله "، والآيات كثيرة:

 

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾

[ سورة الإنسان: 9]

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾

[ سورة الإنسان: 8]

 إذاً قيمة العمل في نيته، قد يقول قائل الآن: هذه النية كيف أصل إليها ؟ كيف أصل إلى أن أنوي نوايا عالية ؟ الجواب: كمن سأل الطبيب: يا طبيب، يا حكيم كيف تكتب الوصفة ؟ علمني، أنا أحب أن أختصر الطريق، أنا لا أحب أن آخذ الشهادة الثانوية بمعدل عال، ولا أحب كلية الطب، أحب أن تعلمني أنت كيف أكتب هذه الوصفة، وأستريح من هذه الشهادة، بلا الدكتوراه، بلا دخول جامعة، وسبع سنوات دوام، وأول سنة تشريح وصفي، وثاني سنة علم الأمراض، وعلم الأدوية، تربص عملي، يا طبيب علمني كيف تكتب هذه الوصفة، يقول لك الطبيب: إن كتابة هذه الوصفة هو محصلة الطب كله، كل هذه السنوات، وكل هذه الليالي الطويلة، وكل هذه الخبرات، وكل هذه التدريبات، وكل هذه الجهود الجبارة التي بذلت حتى نلت هذه الشهادة محصلتها إذا فحصت المريض اكتب له هذه الوصفة، فإذا قلت أنت لعالم الدين: بربك علمني كيف تكون نيتي عالية أقول لك: النية العالية محصلة الدين كله، كلما عرفت الله أكثر أخلصت له أكثر، كلما عرفت ما عنده من ثواب أخلصت عملك لله عز وجل، كلما عرفت ما عنده من عقاب خفت أن تعصيه، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا ميزاناً دقيقاً جداً، أنا أدعو الناس لوليمة، تفحص نيتك من أجل أن يروا بيتي، تعبت كثيراً حتى زينته، جعلت فيه الأثاث الجديد، التزيينات الرائعة من أجل أن نريهم غرفة الطعام، التي كلفتني ثمانين ألف ليرة، من أجل أن أريهم مقدرة زوجتي على صنع الطعام، أهذه نية المؤمن ؟ افحص نيتك قبل أن تدعو، قبل أن تلتقي، قبل أن تحتفل، قبل أن تعلن فرحتك، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تصل، قبل أن تقطع، قبل أن تبتسم، قبل أن تغضب، تفحص نيتك، هذا ميزان، لأن الله عز وجل يقول فاعبد الله، لكن:

﴿مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾

[ سورة الزمر: 11]

  من الخارج عبادة، ومن الداخل إخلاص، الميزان الداخل الإخلاص، ليس هذا موضوع الدرس، هذا تقديم للدرس، هذا الميزان الداخل، الميزان الداخلي هو إخلاصك لله عز وجل، أما حديث اليوم فهو الميزان الخارجي، هذا الحديث.
 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))

[ متفق عليه ]

  وفي رواية لمسلم:

((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))

  إنما الأعمال بالنيات ميزان الإخلاص، أما هذا العمل فهذا الحديث ميزان خارجي، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام زودنا بميزانين، ميزان داخلي نقيس به نوايانا، وميزان خارجي نقيس به أعمالنا، أنت بين عمل له داخلية نفسية، وله ظاهر مادي، لو أن مؤسسة مياه حريصة حرصاً بالغاً على تزويد المواطنين بماء نقي ماذا تفعل ؟ لعل مستودعات الماء اختلطت ببعض المياه المالحة، لعل طحالب نمت لم ننتبه إليها، لعل جهةً وضعت في هذه المستودعات مواد سامة، ما الطريق إلى تزويد المواطنين بمياه نقية دائماً ؟ الجواب الفحص الدوري، كل يوم تؤخذ عينة من المياه، وتؤخذ إلى المخبر فتفحص في المخبر في موازين.
 والآن أيها الإخوة: العلوم تقدمت تقدماً كبيراً، كان طابع العلوم القديم طابعًا وصفيًا، الآن هو طابع معياري، الآن في جهاز يقيس الضجيج يقول: صوت المكيف مثلاً سبعون ديسبل، إقلاع الطائرة بمئة وثلاثين، الطائرة بمئة وثلاثين تؤذي السمع، هناك جهاز لقياس الضجيج، وجهاز لقياس الرطوبة، يقول: الرطوبة سبعون، هناك جهاز لقياس حموضة التربة، وجهاز لمقياس الحرارة، بالأصح لكل شيء ميزان.
 إذاً من أجل ضمان أن يستمر الدين كما بدأ أن يصل إلينا كما أراده الله عز وجل، أن يطبق الشرع الذي جاء به النبي نفسه أعطانا النبي عليه الصلاة والسلام ميزانين، ميزاناً داخلياً نقيس به النوايا، وميزاناً خارجياً نقيس به الأعمال.
 ذكرت لكم أن القرآن الكريم أشار إلى هذا الميزان، قال الله عز وجل على لسان سيدنا يوسف وعليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

 

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

 

[ سورة النمل: 19]

  كيف أن اللغة لها دور كبير في فهم القرآن، أعمل صالحا ترضاه، ترضاه جملة فعلية إعرابها صفة، لأن الجمل بعد النكرات صفات، والصفة قيد كما تعلمون سابقاً، أقول مثلا: خمسة آلاف مليون إنسان مسلم، ألف مليون إنسان مسلم عربي، مئة مليون، كلما أضفت صفةً ضاقت دائرة الشمول، إذاً ربنا عز وجل قال:

 

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

 

[ سورة النمل: 19]

  هذا الصالح مقيد بما يرضي الله عز وجل، أن أعمل صالحا ترضاه، فإذا قلت: سأجعل هناك اليانصيب الخيري يخصص ريعه لليتامى فاليانصيب غير مشروع، فهذا عمل صالح في ظاهره، لكنه لا يرضي الله عز وجل، أن أعمل صالحاً ترضاه، حديث اليوم:

((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))

  إذاً العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً، وإلا إذا كان صواباً، إذاً كل شيء جديد ليس عليه هذا الدين، لم يشرع بدين الله، لم يأمر به النبي، نهى عنه النبي خرجت به عن قواعد الدين، عن أصول الدين، عن العقيدة الصحيحة، عن الشرع الحنيف، عن أمر النبي عليه الصلاة والسلام فهو رد مرفوض، ومنقوض في وقت واحد.
 شيء آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  تصور نهرًا له نبع صاف عذب، ماء سلسبيل فرات، ماء نمير سار، هذا النهر نزل عليه رافد، ثم رافد، ثم رافد، ثم ماء مالح، ثم أسيقة، هذا النهر الذي تراه في منبعه تشتهي أن تشرب منه في مصبه، تراه أسود اللون، إذاً نحن ماذا نحتاج ؟ إلى أن نعود إلى الينابيع، إلى ينابيع هذا الدين، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد ]

  لا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
 النبي عليه الصلاة والسلام توضيحاً للحديث الأول:

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  قد يصبح ذكر الله عز وجل في أناس يرتدون ألبسة خاصة فضفاضة، إذا داروا أصبحت كالمظلة، ولهم طرابيش معينة، وهناك موسيقا، وهناك رقص، هذه حلقة ذكر، أهكذا فعل الصحابة الكرام ؟

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلاف كثيراً))

 عن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ.

((مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))

[ الدارمي، أبي داود ]

  الحديث الثاني يوضح الأول:

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  الآن في الإسلام مقولات ونماذج وسلوك وقواعد وأعراف وطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، انحراف خطير، زاوية منفرجة جداً عن أصل الدين، عن خط الدين الأساسي، فلذلك الإنسان أمام مقولات، أمام نماذج، أمام أفكار، إضافات، بدع في العقائد، وفي السلوك، وفي العبادات حلق ذكر لها نماذج خاصة، لذلك أنت أمام بحر، أمام ركام من الإضافات، ماذا تفعل ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))

  إذا رأيت اختلافاً كثيراً، إذا رأيت بدعاً كثيرة، إذا رأيت انحرافات كثيرة، إذا رأيت ديناً أصبح طقوساً، إذا رأيت ديناً أصبح تجارة، إذا رأيت النفاق مستشر، إذا رأيت الفتن يقظة، إذا رأيت انحرافاً خطيراً، ماذا تفعل ؟ دخلت إلى غرفة فوجدت ألف قطعة صفراء لامعة، قيل لك: من هذه القطع مئة قطعة من الذهب الخالص عيار أربعة وعشرين، ومن هذه القطع عيار واحد وعشرين، مئة من هذه القطع ثمانية عشر، ومئة ستة عشر، ومئة أحد عشر، ومئة نحاس مطلي بالذهب، ومئة نحاس ملمع، ومئة حديد، وعليك أن تأخذ من هذه القطع مئة قطعة، ومعك ساعة واحدة، فإذا وفقت إلى أن تأخذ مئة قطعة ذات العيار أربعة وعشرين فقد أخذت أثمن ما في هذه الغرفة، لو قيل لك: هذا المقياس لمجرد أن تضع عليه القطعة يعطيك معيارها، هذا مقياس مهم جداً.
 نحن الآن نبحث عن مقياس، نحن الآن أمام ركام، أمام مقولات، أمام إضافات، أمام بدع، أمام نماذج من السلوك، أمام شخصيات، أمام دجل، أمام خزعبلات، أمام حقائق، أمام إخلاص، أمام نفاق، أمام صدق، أمام كذب، أمام إضافات، أمام مصالح، ركام، كل يدعي وصلاً بليلى، كل يقول: أنا على حق، لا يوجد مقياس ؟ لو وضعنا قطعة قماش وقلنا للناس: كم تقدرون طولها ؟ قال أحدهم: ثمانية عشر متر، قال آخر: تسعة أمتار، قال: آخر سبعة أمتار، قال ثامن: عشرة أمتار، واختلفوا، وتشادوا، وتماسكوا، وتضاربوا ليس هناك مقياس للمتر، أعطونا متراً نظامياً نقس به هذه القطعة، وانتهى الأمر.
إذا هناك اختلاف كثير، وبدع، وخرافات، ودجل، وترهات، وأباطيل، وإخلاص، ومصالح، وصدق، وكذب، وأمانة، أنت أمام ركام، أين المقياس ؟ أنت بحاجة إلى مقياس اسمعوا الحديث:

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  قال لي صديق: طائرة حجاج متجهة من المغرب إلى مكة المكرمة متعطلة في تونس، نزل ركابها في فندق، في وقت صيف، هؤلاء الحجاج حجاج بيت الله الحرام المتجهون إلى الكعبة شعروا بالحر، فنزلوا إلى البحر، وسبحوا نساءً ورجالاً، حجاج.

 

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  حتى في الحج بعد انتهاء الإحرام والوقوف بعرفة ترى نساء من شرق آسيا بأبهى زينة، بلا شيء، أين هذا الحج ؟ شيء عجيب،

 

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

 بعضهم يقول: الله ما حرم الخمر، لكن الأفضل أن تجتنبها،

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  اختلاط، حفلات مختلطة، بالمقاهي، بالمتنزهات نساء ورجال، والأغاني تصدح، وإذا أذن الظهر يصلون في المقهى نفسه،

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  في البيع في الشراء، في التعامل، في العلاقات الاجتماعية، في الزواج، أسرة عريقة من بلد محافظ في العرس يتقدم الخطيب ويجلس على كرسي فخم أمام نساء كاسيات عاريات بأبهى زينة، الجماعة مسلمون، وأطهار، سألنا عنه فقالوا: رجل فاضل،

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  يا ترى ديننا عادات تقاليد، أخي هكذا الناس، دينك من أين تأخذه ؟ من الناس، من عادات الناس، من تقاليدهم، مما ألفوه عن آبائهم وأجدادهم، أم تأخذه من الشرع، والقرآن والسنة، الحديث دقيق:

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  يذهب الفلاح، يكون عنده غنم، هذا الأعرابي والسَّنة سَنة قحط، وكادت هذه الغنم تموت عطشاً وجوعاً، يتوجه صاحب هذا الغنم إلى المدينة، يبيع صوف الغنم بيع سلم، يقول لك: ورد في الشرع بيع سلم، صحيح، على العين والرأس، لكن كيلو الصوف يساوي مثلاً خمسين ليرة، يشترونه منه بعشر ليرات، ربا، هذا عشرة أمثال بالمئة، خمسة بالمئة فائدة، يشترون منه كيلو الصوف بعشر ليرات، على الموسم يعطونه مئتي ألف، يشتري العلف لغنمه، بالموسم باع كل صوفه بمبلغ زهيد، يمكن أن يكون الصوف ثمنه مليون ليرة، باعه بمئتي ألف، يقول: بيع سلم،

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  ممكن أن تزور الأمور ؟ ممكن أن تتعامل بالربا بأسلوب شرعي ظاهري ؟ ففي التعامل في البيع والشراء، في العلاقات الاجتماعية، في الزواج، أنا أريد أن أقيم في أوربة خمس سنوات، يلزمني زوجة هناك، من بعد هذا أطلقها،

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً))

  الأمثلة معروفة عندكم، في مثل هذه الحالة ركام من التقاليد، والعادات، وتقليد الأجانب من الخرفات من الخزعبلات، من الدجل، من البدع، ماذا أفعل أنا ؟

((من يعش منكم بعدي فسيرى اختلاف كثيراً فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ))

  ما هم عليه أصحاب رسول الله، ما هو عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ما ورد بالسنة الصحيحة، ما ورد في القرآن الكريم، اثنان ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة رسوله، أنت معك مقياس بكل قضية، ما رأي الشرع بهذا ؟ ما حكم الشرع في هذا البيع، في هذا الشراء، في هذا اللقاء، في هذا الاجتماع، في هذه الحفلة، في هذه النزهة، في هذا التصرف، في هذا الموقف، في هذا المنع، في هذا العطاء ؟ ما حكم الشرع بهذا ؟ هذا الذي ينجينا من عذاب النار، هذا الذي ينجينا من الهلاك، قال عليه الصلاة والسلام:

((.. وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))

 معقول، عقد قران أو عرس نسائي يصور العرس بفلم، ويوزع على الأصدقاء، ويشاهد، هذه فلانة زوجة فلان، وهذه زوجة فلان، هذا إسلام، ونحن مسلمون، وعائلة محافظة، ومن بيت عريق، أي بيت عريق ؟ وأي محافظة ؟ هذا كلام فارغ، نحن نريد: عليكم بسنتي، هل يحق لهذا الأجنبي أن يرى هذه المرأة بأبهى زينة ؟ فلانة زوجة فلان:

((... فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وكل ضلالة في النار))

  الحقيقة أن البدع لها معنيان، تحدثت عن هذا البارحة، ولكن في الإعادة إفادة، لها معنى لغوي، ومعنى شرعي، المعنى اللغوي كل شيء جديد، كل شيء جديد له ثلاث أحكام، إما بدعة سيئة، بمعنى أنها مخالفة للشرع، كأن يقف هذا الإنسان أمام النساء الكاسيات العاريات، وبدعة حسنة كأن تيسر للمصلين راحتهم في المسجد، ماء ساخن في الشتاء، كأن تزود المسجد بتكيف في الصيف، كأن تزود بجهاز تكبير صوت مريح، هذه لم تكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها شيء جديد، لكنه مفيد، وهناك بدعة موقوفة على نوع استعمال ذلك الشيء، فإذا استعمل بما يرضي الله كان حلالاً، وإن استعمل بما يبغض الله كان حراماً، هذا البدعة اللغوية، هذا معنى حديث

((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا))

[ مسلم، ابن ماجه، الترمذي، النسائي ]

  أما البدعة في الدين فحرام قولاً واحداً، أن تضيف في الدين ما ليس فيه، أن تقول: هذا من الدين، وهو ليس من الدين، لمجرد أن تضيف على الدين شيئاً ليس فيه نعود إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))

  الدين ككل، بالمناسبة إذا قسمنا إلى أبواب ما هي هذه الأبواب الكبيرة ؟ من يجيبني عن هذا السؤال ؟ الأخلاق، والعبادات، والمعاملات، والعقائد، أحكام الطلاق من أي بند ؟ معاملات، الصبر من الأخلاق، أحكام الحج عبادات، الإيمان بالملائكة عقائد الدين، الدين عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، القرآن عبر عن هذه الأربعة بكلمتين، من يعرف ؟

 

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 

[ سورة البروج: 11]

 آمن عقائد، عمل الصالحات، صلى، وصام، وحج، وزكى، وأوقع كل علاقاته وفق الشرع، هذه المعاملات، وتخلق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
 كل بدعة ضلالة، هل عندنا بدع في العقائد ؟ ما أكثرها، إذا قلت: الإنسان خالق عمله هذا شيء مرفوض في الإسلام، لا يقع شيء إلا بأمر الله، بفعل الله، فإذا قلت: الإنسان خالق عمله، هذه بدعة، القرآن مخلوق، هذه بدعة، كلام الله قديم.
 بدعة في العبادات ؟ اسمعوا:
 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ فَسَأَلَ عَنْهُ قَالُوا هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ قَالَ مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ))

[ البخاري، ابن ماجه، أبو داود ]

  يجب أن تعبد الله كما يريد، لا كما تريد، أن تقف في الشمس تقرباً إلى الله عز وجل هذه بدعة في العبادات، في العقائد أن تقول: ليس هناك جن، نفيت شيئاً جاء في القرآن الكريم، في العقائد أن تقول عن الإنسان: إنه خالق فعله، أو أن تقول: القرآن مخلوق، أو أن تقول ما يقوله المنحرفون في عقيدتهم، أما في العبادات فأن تتقرب إلى الله بشيء ما فرضه عليك، أن تواصل في الصيام، أن تصوم يوم العيد، أن تصلي واقفاً، وأنت مريض مرضاً شديداً، هذه بدعة في العبادة، حيثما خالفت قول النبي عليه الصلاة والسلام وسنته المطهرة، بل ورد عن بعضهم في عهد التابعين أراد أن يطوف من مكان أبعد مما طاف منه النبي عليه الصلاة والسلام، فقيل له: لا تفعل، إنك إن فعلت هذا تفتن، قال: كيف أفتن، وأنا أعبد الله عز وجل ؟ فقيل له: وهل من فتنة أشد من أن ترى نفسك سبقت رسول الله هذه فتنة ؟.
 إذاً من صلى وقت الكراهة فهو بدعة، من صام في الأيام التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام فهو بدعة في العبادة، بدعة في المعاملات، ربا استثماري، أيضاً من طلق امرأته في حيض، من طلقها في طهر مسها فيه، من طلقها لسبب ليس له علاقة به، مثلاً من طلقها في ساعة غضب شديد، وضيع أهله وأسرته.
 حتى في الحج هناك بدع، نحن في صلاتنا، وصومنا، وفي حجنا، وفي زكاتنا يجب أن نتقصى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، في معاملاتنا بدع، في البيع بدع، في البيع تلقي الركبان، فلاح يحمل بضاعته، يجهل سعر بضاعته، تلقيته أنت قبل أن يعرف السوق، هذه منهي عنها، يعني هناك أشياء كثيرة في العلاقات الاجتماعية، في البيع، في الزواج، في الطلاق، في الأفراح، في الأحزان، هذه كلها بدع ما أنزل الله بها من سلطان.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا:

((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالُوا لِي عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ لِرَجُلٍ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا))

[ متفق عليه ]

  أخي أنا لا أذبح بالحج الهدي، ادفع مكانه صدقة، أنت ابتدعت بدعة مخالفة لأصل الدين، لا أريد أن أطيل عليكم بالأمثلة، أريد أن أبين لكم أننا في وقت كثر فيه القيل والقال، كثرت فيه المقولات، كثرت فيه النماذج السلوكية التي لا تنطبق على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يجب إذا رأينا اختلافاً كثيراً

((... فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وكل ضلالة في النار ))

  النبي عليه الصلاة والسلام فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلى مخالفا للسنة، لم تطهر، لم يطهر رحمها، لم يظهر براءة رحمها، لم تعتد بعد وفاة زوجها، فزواجها من هذا الرجل قبل انتهاء العدة زواج باطل مردود.
 معنا الآن معنى آخر للحديث:

((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))

 أي مردود عليه، أي هذا الزواج لا يقع، وهذه المعاملة فاسدة، وهذا العقد فاسد لا يقع، فهو رد، أي مردود مرفوض، قال: ردت الدعوة أي رفضت.
 النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( سووا بين أولادكم في العطية ))

  فهذا بشير بن سعد لما خص ولده النعمان بحديقة ولم يسوِ بين ابنه النعمان وبين أولاده الآخرين وجاء النبي عليه الصلاة والسلام يستشهده على هذه العطية فسأله:

((هل خصصت بقية أولادك ما أعطيته لابنك النعمان ؟ قال: لا، قال: أشهد غيري فإني لا أشهد على جور ))

  دقق في معاملاتك مع أولادك، مع زوجتك، في بيعك، في شرائك، في زواجك، في طلاقك، في سفرك، في حلك، في ترحالك، في احتفالاتك، في مناسبات الحزن والفرح، في عقيدتك، في صلاتك، في حجك، في زكاتك، صيامك، يجب أن توقع أعمالك كلها وفق الشرع، هذا المسلم، والشرع مقياس، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
 الآن ننتقل على القسم المتعلق بالنساء، وهي وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة المسلمة.
 عن أنس بن مالك رضي الله عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((ألا أخبركم بنسائكم بالجنة ؟ - يعني من هي المرأة التي تستحق دخول الجنة ؟ هذا معنى الحديث - قلنا بلى يا رسول الله: قال: كل ودود ولود))

  يعني أجمل ما في المرأة مودتها لزوجها، هذا ذوق النبي عليه الصلاة والسلام،

((خير نسائكم الولود الودود الستيرة))

  ترفع من اسم زوجها، تثني عليه، لا تذكر ثغراته ونقاط ضعفه، ضعفه أحياناً، فقره أحياناً، ضيقه أحياناً، دائماً تثني عليه، هذه المرأة المسلمة.
 نعود إلى حديثنا هذا:

((قلنا بلى يا رسول الله قال كل ودود ولود))

  طبعاً الإنسان مع زوجته في أيام الخطبة هذه مرحلة لا يقاس عليها أبداً، لأن كل طرف يظهر للطرف الآخر أحسن ما عنده، يقول لك: ملَك من السماء، وهي تقول كذلك عن زوجها، البطولة أن ترى هذه الأسرة بعد سنتين كيف الوضع، دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام، إذا أغضبت، الآن صار في غضب، أما في الخطبة فلا غضب إطلاقاً، كل طرف يمتص كل شيء، القدرة على الامتصاص عجيبة، كل طرف ينسى كل غلط، ترى هذا الخطيب صبورًا، والخطيبة صبورة جداً، تلتمس الأعذار لخطيبها مهما تكن فادحة، ويلتمس لها الأعذار، ولكن بعد أن تستقر عنده، ويظهر كل طرف على حقيقته، الآن هناك مشكلات، لها طلبات، له طلبات، ضائقة مالية، أعمال معسرة، طباع معينة، مصادمة أحياناً، مجابهة، تصادم، طباع، تنشأ مشكلات، هنا البطولة، بعد أن يمضي وقت لابأس به يكشف كل طرف الطرف الآخر.

 

((إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل حتى ترضى))

  الذي لفت نظري في هذا الحديث موقف الاعتذار، أو موقف الاسترضاء، يعني إذا كان الزوج يتمتع بخلق الاسترضاء، والزوجة تقابل هذا الخلق بخلق مثله، إن رأته غاضباً تسترضيه، هل قصرت في حقك ؟ هل أنت غاضب مني يا زوجي العزيز ؟ وإذا هو رآها غاضبةً استرضاها، إذا رأيتم دواءً سحرياً للوفاق الزوجي وللسعادة الزوجة أن يتمتع كل طرف بهذه الصفة، أن يسترضي صاحبه، لفت في هذا الحديث نظري هذه الكلمة:
 قال:

 

((ألا أخبركم بنسائكم في الجنة ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كل ودود ولود إذا أغضبت، أو أسيء إليها، أو غضب زوجها - يعني هناك مشكلة وغضب - قالت: هذه يدي في يدك - أنا معك على الشيطان، ولست مع الشيطان عليك، أنا معك في السراء والضراء - لا أكتحل حتى ترضى))

  هل أنت راض عني ؟ هذا الموقف موقف الاسترضاء، موقف سحري، كيف أن وعاء الماء إذا صببته على جمر ملتهب أطفأ الجمر، موقف الاسترضاء لو تمتع به كل طرف اتجاه الطرف الآخر لحلت كل مشكلات البيوت الإسلامية، ألم أخبركم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل بيته وجاءه طبق طعام نفيس من السيدة صفية، وأخذت الغيرة بالسيدة عائشة مأخذها، فأمسكت هذا الطبق ورمته أرضاً، وكسرته، ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ لمّ الطبق، وقال:

((غضبت أمكم غضبت أمكم))

  طرف الثاني يمتص الغضب، كنت أضرب مثلا مضحكًا، إبريق بلور وإسفنج، اختلطوا، لم يحدث شيء للإسفنج، امتص إبريق بلور، أما أكمل شيء إسفنج مع إسفنج، لا يكون شيء، كل منهما يمتص غضب الآخر، شيء لطيف جداً في هذا الحديث:

((قالت هذه يدي في يدك لا أكتحل حتى ترضى))

  هل أنت غاضب مني يا زوجي ؟ هل قصرت في حقك ؟ ما الذي يسعدك ؟ ما الذي يرضيك ؟ يجب على الزوجة الصالحة المؤمنة أن تفعل ما يرضي زوجها، ولو لم تكن قانعةً به، ويجب على الزوج المسلم أن يرضي زوجته، ولو لم يكن قانعاً بهذا الإرضاء، لأنها شريكة حياة،

((قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل حتى ترضى))

  فإذا عود نفسه إذا غلط أن يعتذر، وإذا كان الآخر غاضبًا يسترضيه انتهت كل مشكلة، الآن بربك لو أنك اعتذرت من موقف أساء لزوجتك، قلت لها: والله معك حق، أنا مقصر ألا يبرد غضبها ؟ ألا تستحي منك لو أنها اعتذرت منك، والله ما كنت أقصد أن أسيء إليك، لكن هذا الذي حدث، سامحني، كلمة سامحني ثقيلة على اللسان ؟ الاعتذار والمسامحة هذه كلمات طيبة تطفئ الغضب، تبرد الغيظ، معظم النار من مستصغر الشرر، كم من بيت هدم بكلمة، كلمة تلاها، كلمة رد أقسى، رد أقسى، مشاجرة، فراق، هجر، طلاق.
 كلمتان أتتمنى على كل إنسان مسلم أن يعتمد على هاتين الكلمتين في علاقته مع امرأته الاسترضاء والاعتذار، إن كنت مسيئاً فاعتذر، وإن رأيت الطرف الآخر غاضباً فاسترضه، خالق الكون يسترضى:

((صدقة السر تطفئ غضب الرب))

((باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها))

 خالق الكون يسترضى، ينبغي أن ترضى أنت.
 المشاحنة إذا دامت فتّتت العلاقة الزوجية.
 حديث رائع جداً: عن أنس بن مالك رضي الله عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((ألا أخبركم بنسائكم في الجنة ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كل ودود ولود، إذا أغضبت، أو أسيء إليها، أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك، لا أكتحل حتى ترضى))

[ رواه الطبراني ورواته محتج بهم في الصحيح ]

  عن معاذ بن جبل عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن لأحد في بيت زوجها وهو كاره))

  حكم شرعي، قال لها: فلانة لا أحب أن تدخل لبيتي، ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن لأحد في بيت زوجها وهو كاره))، لا أريد فلانة، ولا بيت فلان، والقصة المعروفة أن المرأة الصالحة زوجة شريح القاضي قالت له: إنني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، ولا ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، من ضمن النقاش قالت: من تحب من الجيران أن أسمح لهن بدخول بيتك، ومن تكره ؟ قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم غير ذلك، يعني أنه بيت فيه فسق وفجور، والزيارات لها مشكلة، البارحة سهرنا، ورقصنا، فعلنا، شاهدنا الفلم الفلاني، أنت لك سياستك، نظامك، تربيتك العالية، تحب أن يكون بناتك أطهارًا عفيفات بعيدات عن هذه الأجواء المنحرفة، فأنت ليس لك مصلحة أن تدخل فلانة على البيت إطلاقاً.

 

((لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن لأحد في بيت زوجها وهو كاره))

  هذا حكم شرعي، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام،

 

((وألا تخرج وهو كاره))

  فهما حكمان، ألاّ تسمح لأحد بدخول بيت زوجها، وهو يكرهه، وألا تخرج من بيت زوجها وهو كاره، ((وألا تطيع فيه أحداً))، لو فرضنا أن أمها قالت لها: عامليه هكذا، الأم لا علاقة لها، أقرب الناس لها زوجها، لا حق للزوجة أن تأتمر بأمر آخر يدعو إلى إزعاج زوجها، زوجها أقرب الناس إليها.

 

((لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن لأحد في بيت زوجها وهو كاره، وألا تخرج وهو كاره، وألا تطيع فيه أحداً وألا تعتزل فراشه))

  هذا أيضاً حكم من أحكام النبي عليه الصلاة والسلام.
 عن ابن أبي أوفى قال:

 

((لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد للنبي عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام ما هذا))

  إنسان يسجد لإنسان، لا يركع له، ما هذا ؟.
 قال:

((يا رسول الله، قدمت الشام فوجدتهم يسجدون لبطاركتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل مثلهم، وأنت رسول الله، قال: لا تفعل، فإني لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))

  لكن إذا أمر إنسانًا له حق كبير على إنسان فهو الزوج على زوجته، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر، هذا الحديث يبّن عظم حق الزوج، ليس معنى الحديث أن تسجد المرأة لزوجها، لا، ولكن هذا الحديث لبيان عظم حق الزوج، وحينما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((أنت ومالك لأبيك))

 سأسألكم: إذا كان مع إنسان وكالة عامة من ابنه، والابن عنده بيت، والأب باع هذا البيت، ووضع ثمنه في جيبه، وصرفه، هكذا قال رسول الله ؟

((أنت ومالك لأبيك))

 نقول له: هذا الحديث أراد منه النبي عليه الصلاة والسلام بيان عظم حق الأب، أما أنت فمؤاخذ بهذا العمل، وعليك أن تدفع ثمن البيت لابنك، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((من نظر على جاره ففقأ عينه لا عليه إن فعل))

 نقول له: هذا الحديث أيضاً طريقة بلاغية رائعة لبيان عظم حق الجار، النبي بين عظم حق الزوج، وعظم حق الجار، وبين عظم حق الأب.
 في للحديث تتمة جيدة جداً:

((والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ))

 رواية ثالثة ولفظ ابن ماجه قال عليه الصلاة والسلام:

((فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها))

  يقول لي أحد الأزواج: إن كل عملها إساءة لي، وهي تقرأ القرآن، وتصلي الضحى، أي ضحى، وأي قرآن إذا كان عمل الزوجة إساءة لزوجها، مقصرة في حقه، تبحث عن شيء يزعجه ؟ أي قرآن هذا الذي تقرأه، وأي صلاة تصليها ؟ دققوا هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام:

((لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه))

  على قتب يعني على دابة، القتب ما يوضع على الدابة، هذه أحاديث رسول الله، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالمرأة المسلمة التي تريد أن تؤدي حق ربها عليها أن تؤدي حق زوجها، ويا أيها الأزواج اتقوا الله في زوجاتكم، كونوا أزواجًا مسلمين كاملين حتى تستحقوا هذا الدعم من رسول الله، وإلا فهذا الدعم ليس لكم.
امرأة سألت عالمًا أزهريًا، قالت: يا سيدي رسول الله يحق له أن يقول: ناقصات عقل ودين، ليس له حق أن يقول هذا الكلام علينا، فكان الشيخ ذكيًا جداً، قال لها: لا يا بنيتي هذه ليست لكم، هذه للصحابيات، أنتن لا عقل ولا دين.
 بالمقابل كل هذه الأحاديث التي تبين عظم حق الزوج هذه ليست لكل الرجال، للمؤمنين، للأتقياء للذين يعرفون حق المرأة، وقيمتها، ومكانتها في الإسلام، ودورها الخطير، من عرف حق زوجته، من عرف فضلها، من عرف قيمتها، من عرف ما لها وما عليها، من عرف أنها شريكته، من عرف أن لها حقاً عليه، من أراد أن يأخذ بيدها إلى الله عز وجل، نقول له: أنت أيها الأخ الكريم على العين والرأس، هذه الأحاديث كلها لك، وإلا ليست لك، هذه ليست لكل الرجال، رجل أناني شهواني يحب ذاته، يحتقر زوجته، يهملها، لا يعطيها حقها، يريد أن يسفهها دائماً، يسخر منها، هي تعمل ليلاً ونهاراً، هذه الأحاديث ليست له، هذه الأحاديث لمجتمع المؤمنين، كما أن المرأة أمرت من قبل النبي عليه الصلاة والسلام أن تعرف حق زوجها، وأن تؤدي حقه كذلك الرجال، أمرك الله عز وجل:

 

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

 

[ سورة النساء: 19]

 أمر إلهي، كما أمر بالصلاة، وجاء في تفسير هذه الآية: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منه، وقال:

((غضبت أمكم غضبت أمكم))

 النبي عليه الصلاة والسلام نبي عظيم، رسول كريم، رئيس دولة، تكسر زوجته طبق الصحن أمامه، إنه نبي مرسل كريم.
 حتى لا يكون هناك إساءة لفهم للدرس أو استغلال كل واحد لزوجته تعالي واسمعي ماذا قال الشيخ، لا هذه للأزواج المؤمنين الطيبين الطاهرين، هذه الأخلاق تحتاج هذه الأحاديث، وهذا الوضوء يحتاج هذا المنشفة، كل شيء يناسبه شيء.