أحاديث متفرقة - الدرس : 019 - إن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة.

1990-09-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: لازلنا في الحديث الشريف الذي يحض فيه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام على التمسك بكتاب الله، والاهتداء بهدي النبي عليه الصلاة و السلام.
 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ:

((مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))

[ مسلم، أبو داود، النسائي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  لعل الله سبحانه و تعالى في هذا الدرس يمكنني من شرح هذه الفقرات الأربع التي تبدو أخطر ما في الحديث.
 يا أيها الإخوة الأكارم: أذكركم بحديث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حينما خاطب سيدنا عبد الله بن عمر قال له:

((ابن عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 نحن مع هذا الدين العظيم في مشكلة هو أن لهذا الدين ينابيع صافية نقية.
 عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ:

((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))

[ الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  منهج الله عز وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب الله قطعي الثبوت، محكم الآيات، وسنة النبي عليه الصلاة و السلام الصحيحة هما منبعا هذا الشرع الحنيف، و لكن ما الذي حدث ؟ أضيف على الدين ما ليس منه، أضيف على عقائده، أضيف على عباداته، أضيف على معاملاته، إلى أن أصبحنا في وضع صار الدين بعيداً عن منبعه، بعيداً عن أصوله، فأعظم عمل نفعله اليوم أن نعود إلى الأصول، أعظم عمل نفعله اليوم أن نتمسك بكتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، أعظم عمل أن نرفض كل شيء جديد على هذا الدين، ماذا يقول عليه الصلاة و السلام ؟ يقول: ((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ))، الحقيقة فهم النصوص يقتضي أن تفهم السياق، أي نحن الآن نستخدم هذه المصابيح المتألقة ربما كان استعمالها أهون بكثير من المصابيح القديمة التي تحتاج إلى وقود سائل وإلى إشعال، فهل نسمي هذه المصابيح مثلاً، وهذه المراوح من شر الأمور ؟ أم أن النبي عليه الصلاة و السلام حينما قال:

((إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ))

 مادام هذا التعبير جاء بعد أصدق الحديث، وبعد أفضل الهدي فما المقصود بالمحدثات هنا ؟ تغيرت أنماط حياتنا، تغير مساكننا، تغيرت حاجاتنا، اخترع الإنسان آلات حديثة أراحت معظم الناس تقريباً، فيا ترى أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن كل شيء جديد محدث، و أن كل محدث بدعة، و أن كل بدعة ضلالة ؟ أم أن النبي عليه الصلاة و السلام أراد من هذا بحسب السياق شيئاً آخرا هذا من مستلزمات فهم النصوص ؟ أي لو أننا وضعنا في هذا المسجد ماء ساخناً لم يكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لو أننا وضعنا في هذا المسجد وسائل مريحة للمصلين، ماء نظيفاً يأتي في صنابير، ماء بارداً نشربه في الصيف، لو وضعنا هذا الجهاز لتكبير الصوت ونقله إلى قسم النساء أيعد هذا شيئاً جديداً ما كان على عهد النبي، وهو ينطبق عليه هذا الكلام المخيف ؟

((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ))

  سؤال كبير جداً، أنا أقول لكم: هذه الفقرة في الحديث من أخطر ما في الحديث ومن أخطر ما في الدين، وهذا نحن بحاجة ماسة إليه.
 يا أيها الإخوة الأكارم: بادئ ذي بدء البدعة من ابتدع، وابتدع أي أحدث شيئاً جدياً، شيء بديع أي شيء جديد، ابتدع استحدث، ولكن هناك بدعة لغوية، وهناك بدعة شرعية، دعونا مبدئياً من البدعة الشرعية، ما معنى البدعة اللغوية ؟ أي شيء لم يكن من قبل، آلاف الحاجات، آلاف الأدوات، آلاف الأجهزة، أنماط اللباس، أنماط الطعام، أنواع البضائع كلها لم تكن من قبل، في بيت كل منا أجهزة حديثة، يقول لك: عندي خلاط، يا ترى هذا بدعة ؟ إذا كان عنده خلاط بالبيت، واستخدمه لحاجات الطعام هل هذا بدعة ؟ طبعاً يوجد بديهة، يوجد فطرة، الشيء الجديد بدعة بالمعنى اللغوي، وفي حديث آخر عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا.))

[ مسلم، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  أي من فعل شيئاً لم يفعل من قبل، معنى ذلك بدعة، شيء جديد، لذلك المعنى اللغوي للبدعة الشيء الجديد، و الشيء الجديد يقاس بالشرع، فإذا كان في مصلحة المسلمين، وفي تيسير أمورهم، وفي التخفيف عنهم، فهي بدعة حسنة، وسنة حسنة، وهي مقبولة، و يؤجر صاحبها عليها.
 مثلاً لو أننا طبعنا كتاباً عن أحاديث رسول الله، والله هذه بدعة حسنة، لم يكن على عهد النبي كتب مطبوعة، كتاب مطبوع عن أحاديث النبي e، كتاب مطبوع عن تفسير القرآن الكريم، لو أنك استمعت إلى تسجيل لخطاب ديني هذا شيء لم يكن من قبل.
 إذاً البدعة بمعناها اللغوي الشيء الجديد، وهذا الشيء الجديد يقاس بالشرع، فما وافق الشرع، وما دخل في مصالح المسلمين وفي قضاء حوائجهم وفي التخفيف عنهم فهي بدعة حسنة، إذاً لم يكن على عهد النبي e أن يدخل العريس ليجلس أمام النساء الكاسيات العاريات هذا شيء جديد، هذه بدعة سيئة.
 عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ))

[ مسلم، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  الآن دخلنا في الموضوع، الشيء الجديد يقاس بالشرع، فإن وافق الشرع، وافق مصالح المسلمين، لبى حاجاتهم، خفف عنهم، فهذا شيء طيب، ولمن فعله الأجر و الثواب، و كل من قلده له مثل أجره إلى يوم القيامة، و من سن سنة سيئة أي من أجل أن يتذكر هذا الحفل البهيج استقدم مصور فيديو للعرس، فصور هؤلاء النساء الكاسيات العاريات، وهذا الشريط طبع منه نسخاً كثيرة، وجلس الزوج مع زوجته، قال: من هذه ؟ قالت: هذه امرأة فلان، من هذه ؟ هل هناك شيء أشد حرمة من هذا العمل ؟ فمن مستلزمات الحفل التصوير، نساء المسلمين يفضحن في البيوت، أي إنسان صور هذا الفيلم، أو أخذ منه نسخة بإمكانه أن يرى كل النساء بأبهى زينة، و هذه بدعة، ولكن ما أسوأ هذه البدعة.
 إذاً نحن مقياسنا الشرع، أي شيء جديد نقيسه بالشرع، فإن وافقه نقول لصاحبه: لك الأجر والثواب، ولمن فعله من بعدك الأجر والثواب، وكله في صحيفتك، و من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، هذه البدعة اللغوية.
 بقي صنف ثالث، هو البدعة الموقوفة، يوجد جهاز كهذا الشريط، يمكن أن تسجل عليه قرآناً كريماً، ودرساً في الفقه أو التفسير أو الحديث، ومديحاً لرسول الله صلى الله عليه و سلم، ويمكن أن تسجل عليه غناء حرمه الله و رسوله:

((من استمع إلى صوت قينة صب في أذنيه يوم القيامة الآنك، قيل و ما الآنك ؟ قال: الرصاص المذاب))

  والغناء ينبت النفاق، وصوت المرأة عورة، ولو سبحت الله عز وجل، ولو أذنت صوتها عورة، فكيف بها إذا غنت، إذاً هناك بعض الأجهزة موقوفة على نوع استعمالها، فإذا استعملتها في الخير أضيفت إلى البدعة الحسنة، فإن لم تستعملها إلا في الشر ضمت مع البدعة السيئة، كل هذا الحديث وهذا الكلام وهذه الأنواع ليست داخلة في هذا الحديث، ما الذي دخل في هذا الحديث ؟ بدعة حسنة، بدعة سيئة، شيء جديد، شيء لم يكن على عهد النبي e، الآن تشيع الجنازة بالسيارة يبدو أنه مستحيل في ظروف المدينة الصعبة، وفي الازدحام الشديد، وفي هذا الوضع الذي لم يكن من قبل أن تشيع الجنائز مشياً على الأقدام، لكن لا يخالف نصاً دينياً، ولا يؤذي أحداً أن يشيع هذا الميت بالسيارة، لكن لما قال النبي عليه الصلاة و السلام:

((إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ))

 النبي عليه الصلاة و السلام قصد البدعة الشرعية، أي أن يضاف على الشريعة ما ليس منها، أن يضاف شيء جديد في العقائد، أن يضاف شيء جديد في العبادات، لماذا ؟ لسبب لأنك إذا أضفت إلى هذا الدين شيئًا لم يكن من قبل فكأن في الدين نقصاً، كأن هذا الدين ناقص، كأن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3]

  كأن هذه الآية غير صحيحة، الله عز وجل خالق الإنسان، خالق البشر، رب الأكوان، أنزل هذا القرآن على النبي العدنان، ويكون فيه نقصٌ، وتأتي أنت أيها المسلم لتضيف عليه شيئاً، من قال لك ذلك ؟ هل يستطيع إنسان كائناً من كان بعد النبي عليه الصلاة والسلام أن يضيف شيئاً ؟

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3]

  هل هناك فرق بين الكمال والتمام ؟ نعم فرق كبير، الكمال نوعي، والتمام عددي، تلك عشرة، يقول لك بالتمام والكمال، أي عشرة، وهذه الليرات جديدة كما تسلمتها منك بالتمام والكمال، فالتمام للعدد، والكمال للنوع، فربنا عز وجل يقول:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3]

  إذاً قبل أن تقبل هذه القصة، قبل أن تقبل هذا التوجيه، قبل أن تقبل هذه القاعدة، قبل أن تقبل هذا السلوك، يجب أن تقيسه بكتاب الله وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن وافقت كتاب الله أو سنة رسوله قبلتها، وإلا مرفوضة، و ليكن قائلها كائن من كان، لا يستطيع رجل كائناً من كان بعد النبي e أن يضيف على الدين شيئاً:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3]

  إذاً سياق الحديث، موضوع الحديث يتعلق بالشرع، فأصدق الحديث كتاب الله، و أفضل الهدي هدي محمد، الآن: ((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا))، جاءتنا فكرة جديدة ؛ أن الاختلاط يهذب المشاعر، لا، هذه فكرة محدثة، ولأنها محدثة فهي بدعة، ولأنها بدعة ضلالة، و لأنها ضلالة فهي في النار، من روجها، و من قَبِل بها، و من صدقها، و من فعلها، مثلاً جاءتنا بدعة مثلاً يجب أن نعطي المرأة كالرجل، لأنها نصف المجتمع، هذه بدعة، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 11]

  نقول نحن: يجب أن تعطى المرأة حريتها بأن تسافر من دون إذن زوجها خلافاً لنصوص الشرع مثلاً ؟ هذا موضوع طويل، أي فكرة، أي توجيه، أي مبدأ، أية قاعدة، أي تعديل، أي تبديل، أي إضافة لهذا النظام المعجز هذا شيء مستحدث، ومادام مستحدثاً فهو بدعة، و مادام بدعة في الدين فهو ضلالة، ومادام ضلالة فهو في النار، قولاً واحداً، لأنه يا أخي هذا المال لا يجوز أن يجمد هكذا، فإذا أقرضته، وأخذت عليه ربحاً رمزياً لئلا يفقد من قيمته، هذه بدعة، هذا شيء جديد، الله عز وجل قال:

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 276]

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 279]

  أخي المال تقل قيمته، هناك تبدلات في أسعار العملات، هناك تضخم نقدي مستمر، أنا إذا أخذت فائدة أحافظ على مالي،

((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ))

  إذاً في الشريعة، في الصلوات، في الصيام، في الحج، في الزكاة، في الأحكام الشخصية، الأحوال الشخصية، في الزواج، في الطلاق، في البيوع، في المضاربات، في القرض قرض مع فائدة،

((وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ))

  أي شيء يضاف على الدين، إن في العقائد، أو في المعاملات، أو في العبادات، هذا شيء مرفوض، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (

(مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ))

[ البخاري، مسلم، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

  أنت يا أخي الكريم بحاجة ماسة إلى مقياس، لأن هناك مقولات في الدين لا تعد و لا تحصى، كل أناس يزعمون أنهم على الحق، وهؤلاء أضافوا هذا الرقص باسم الحضرات، وهؤلاء أضافوا هذه النياحة على الأموات، و هؤلاء أضافوا ذكرى معينة، و هؤلاء أضافوا احتفالات ما أنزل الله بها من سلطان، إذا قبلنا كل شيء أضيف على الدين ضاع الدين، و انتهى الدين، لابد من موقف حازم، لابد من موقف صارم،

((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ))

  النقطة الدقيقة أنا قلت مرة: مثلاً إذا دخلت إلى غرفة، ويوجد بالغرفة ألف قطعة لونها صفراء، مئة منها ذهب من عيار أربعة وعشرين، مئة أخرى من عيار أحد وعشرين، مئة ثالثة من عيار ثمانية عشر، مئة رابعة عيار ستة عشر، ومئة خامسة أحد عشر، و مئة سادسة نحاس مطلي بذهب، و مئة سابعة نحاس ملمع، و مئة ثامنة نحاس بلا تلميع، و مئة تاسعة تنك، و مئة عاشرة حديد فيه صدأ مثلاً، و لك أن تبقى في هذه الغرفة ساعة واحدة، و لك أن تأخذ من هذه القطع مئة قطعة، فإذا أمكنك أن تأخذ جميع القطع ذوات العيار أربع و عشرين ذهباً تكون أنت أذكى إنسان، هذا المثل تقريبي، وأنت أمام آلاف القصص، آلاف الأحاديث، آلاف التوجيهات، آلاف القواعد، آلاف الخرافات، آلاف الكرامات، آلاف الشطحات، أنت أمام ركام عمره ألف وخمسمئة عام، ألا يجب عليك أن تبحث عن مقياس تأخذ من الدين أصوله، من الدين حقائقه، من الدين ثوابته، من الدين ما هو صحيح، من الدين الذي كان على عهد النبي عليه الصلاة و السلام، ما أنا عليه وأصحابي، هذا أخطر عمل تفعله في حياتك، الدين واسع جداً، فرق ضلت، و أضلت، و أناس شطوا، و شطحوا، و أناس بالغوا، و أناس مسخوا، و أناس طمسوا، و أناس أبرزوا، أي شيء ليس له نهاية، أنت ينبغي عليك أن تأخذ من الدين أصوله، أن تعود إلى الينابيع، إلى كتاب الله و سنة رسوله، عليك كمسلم ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل، وألا تقول شيئاً إلا بالدليل، لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يأخذ شيئاً من دون دليل، و لا أن يروج شيئاً من دون دليل، الإنسان الوحيد الذي بإمكانه أن يعطيك شيئاً من دون دليل هو رسول الله، لأن كلامه هو الدليل، ولأن الله أمرك أن تتابعه، أمرك أن تطيعه، أمرك أن تأخذ منه:

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

[ سورة الحشر: الآية 7]

  النبي e وحده، لذلك أعلى إنسان في الإسلام بعد النبي كما قال عليه النبي عليه الصلاة و السلام: ((لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرحج))، وفي أول خطبة خطبها الصدِّيقُ قال: (أيها الناس إنما أنا متبع، و لست بمبتدع).
لا يقدر رضي الله عنه، سيدنا الصديق، تسابقت أنا و أبو بكر فكنا كهاتين، ما ساءني قط.
 ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، إلا أخي أبا بكر، واساني بماله، وزوجني ابنته، وما ساءني قط، فاعرفوا له ذلك، و سدوا علي كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، و مع ذلك ماذا قال ؟ قال: (إنما أنا متبع، و لست بمبتدع ).
 إذاً لا يستطيع أحد بعد النبي عليه الصلاة و السلام أن يضيف على هذا الدين شيئاً، لمجرد أن يضيف معنى هذا أن الدين ناقص، لمجرد أن تضيف على سنة النبي e شيئاً معنى ذلك أن النبي e أقل ورعاً منك، أنت أكثر منه ورعاً، لمجرد أن تفعل شيئاً ما فعله النبي e تتهم النبي e بأنه قصر في تبليغ الدعوة، لذلك شيء خطير جداً أن يضاف على عقائد المسلمين عقائد لم تكن من قبل، أو على عباداتهم، أو على أحكامهم الشرعية، إلا أنه في المعاملات فقط أحياناً الأحكام تدور مع مصالح المسلمين، والفقهاء مسموح لهم أن يستنبطوا أحكاماً جديدة من كليات قديمة توافق مصالح المسلمين، مثلاً نظراً لضيق ذات اليد، ولأزمة الزواج مثلاً سُمح للزوج أن يجعل بعضاً من مهر الفتاة معجلاً، وبعضه الآخر مقدماً، هذا شيء يسمى في الفقه المصالح المرسلة، فالفقهاء لظروف طارئة، ظروف جديدة، لأزمات معينة لهم أن يستنبطوا أحكاماً تفصيلية جزئية لأحكام كلية، هذا المسموح به فقط، أما حينما يأتي الحجاج إلى بيت الله الحرام، ويذبحون هذا الهدي، ويذبحون هذا الخروف، ويلقونه في الطريق، بعد أيام عدة يصبح جيفة لها رائحة تسد الأنوف، يصبح جبل عرفات ومنى بعد شهر من الحج له رائحة لا تواجه، الآن أحدثوا مسلخاً آلياً، وكل حاج يريد أن يذبح الهدي يأتي إلى هذا المسلخ بالخروف فيذبح، و يبرد، و يوضع في قماش أبيض، و يرسل إلى فقراء المسلمين في شتى بقاع الأرض، الفقهاء استنبطوا بأن هدف الشريعة مقاصدها معروفة لمصلحة المسلمين، وليس في صالح المسلمين أن يذبح مليون خروف، ويلقى في الأرض في جو حار جداً.
ممكن هذا أن يكون، وشيء طيب جداً، فلذلك المقصود في قول النبي عليه الصلاة و السلام:

((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ))

 أي إذا أحدث في العقيدة شيئًا لم يكن من قبل، أو أحدث في العبادات شيئًا لم يكن من قبل، هذا كله مرفوض كلياً من قبل النبي عليه الصلاة و السلام.

 

((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ))

 أي الذي ابتدعها، والذي قلده، والذي روج لها، كل من له صلة بهذه البدعة فمصير هذه البدعة وأصحابها إلى النار.
 إذاً يجب أن نفرق بالضبط بين البدعة اللغوية التي هي مطلق الشيء الجديد، هذا الشيء الجديد في حياتنا، في أدواتنا، في بيوتنا، في مساجدنا، في متاجرنا، في بيعنا، في شرائنا، أي النقل كان على الجمال، وأصبح على الشاحنات لا مانع، كان النقل في البحر، وأصبح في الجو، لا مانع، كان السفر إلى بيت الله الحرام مشياً على الأقدام، أو على محامل، أو على جمال، ثم أصبح بالسيارات، و القطار، ثم بالبواخر، ثم بالطائرات، لا مانع، القصد الانتقال، فالبدعة اللغوية القضية فيها محلولة، أية بدعة جديدة، أي شيء جديد يقاس بالشرع لا علاقة له بالمحرمات، متعلق بالنساء، والنساء هناك أحكام كثيرة في صومهم، و في ابتعادهن عن الرجال، فأي صرعة جديدة، احتفال معين، عرس مختلط بالفندق، هذه بدعة سيئة مرفوضة كلياً، ثوب جديد ترتديه المرأة يبرز مفاتنها، هذه بدعة فاسدة، كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما الشيء الجديد الموافق فلا مانع فيه، الله عز وجل جعل الإنسان خليفته في الأرض، قال تعالى:

 

 

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 30]

 و قال تعالى:

 

﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾

 

[ سورة هود: الآية 61]

  أي جعلكم تعمرون هذه الأرض، إذا صار البناء مريحًا، من إسمنت له عمر طويل فلا مانع، طرقات عبّدناها، عملنا لحياتنا ترتيبات، كله مقبول، مادام وفق الشرع، مادام مع مصالح المسلمين، مادام لقضاء حاجاتهم من دون أن يكون هناك مخالفة لأوامر الدين، هذه البدعة اللغوية، بدعة حسنة، و بدعة سيئة، و بدعة موقوفة على نوع استعمالها، و لكن البدعة التي وردت في هذا الحديث إنما تعني البدعة في العقائد، أي العمر بحسب اعتناء الإنسان بصحته، هذه بدعة في العقيدة، لقول الله عز وجل:

 

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

 

[ سورة الأعراف: الآية 34]

  ليس ممكناً أن يؤخر عمر الإنسان، إذاً أية فكرة، أية عقيدة، أي مبدأ، أي طرح بالتعبير الحديث، أي نظرية تروج إن كانت مخالفة لأوامر الدين فهي بدعة.
 في العبادات خمس صلوات، الأذان معروف، الصلوات معروفة، الجمعة مثلاً بعض البلدان الجمعة حوّلوها إلى يوم الأحد، هذا لا يصح، مخالفة للدين، أخي هنا وضع آخر، الأحد عطلة، الأحد نصلي الجمعة، هذا لا يصح، لأن هذه عبادة:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة الجمعة: الآية 9]

  في بعض البلاد الأجنبية أصبح هناك مراكز إسلامية، يأتي الشيخ يعقد القران للزوج، و الزوجة، الزوجة بأبهى زينة، والشيخ يعقد القران، هذه الأصول ؟ لا، هذه بدعة، لا يحق لهذا الشيخ الذي يعقد العقد أن يرى المرأة بهذه الزينة، هذا لا يجوز، هذا موضوع مهم جداً.
عود على بدء:

((ابن عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، و لا تأخذ عن الذين مالوا))

 أي إياك أن تعطل عقلك، أعطيناك جهازًا حساسًّا جداً إلكترونيًّا تضع فيه العملة، فإذا كانت مزورة يقول لك: فيها لون معين، هذه العملات المعجونة بمواد معدنية توضع على أجهزة حساسة للمعادن فيظهر على الشاشة لون زهر مثلاً، إذا ً هذه العملة صحيحة، إذا كان اللون أبيض يكون الورق عاديًا، فهذه العملة مزورة، أنت معك جهاز، أعطيناك جهازًا تكشف به كل أنواع العملات المزورة أو غير المزورة، فأنت لم تهتم بالجهاز، قبضت قبضة كبيرة، ثمن البيت، ولم تفحص العملة، ثم تندب حظك، وتصرخ بويلك، الحق عليك، لأنه يوجد معك جهاز، الله أعطاك عقلاً فلا تعطل عقلك، لا تقبل شيئاً من دون دليل، لا تتكلم بشيء من دون دليل، لا تقبل هكذا، هكذا لا يوجد، هكذا قال فلان، من فلان ؟ أقول لك هذه الكلمة، و أنا و الله أقولها من أعماق نفسي: أنت أمام القرآن الكريم ليس لك إلا أن تبحث عن معنى هذه الآية، لا يوجد عندك خيارات، الآية معقولةٌ ؟ غير معقولة، أنت مخطئ، هذا كلام الله قطعي الثبوت، كلام رب العالمين صحيح مئة بالمئة، حق مئة بالمئة، صواب مئة بالمئة، لا يوجد به خطأ، ولا تناقض إطلاقاً، فأنت آمن بالقرآن عندك حركة واحدة، نشاط واحد، أن تبحث عن معنى الآية فقط، لا تملك شيئاً آخر أبداً، لكن مع الحديث عندك نشاطان، ما هما ؟ أن تتأكد من صحة الحديث، فلعله موضوع، لعله ضعيف، لعله حديث ما قاله النبي e، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))

[ البخاري، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  قبضوا على وضاع للأحاديث، قال: والله وضعت فيكم أربعين ألف حديث، حرمت فيها الحلال، وحللت الحرام، فأنت أمام قول عليه الصلاة و السلام ؟ قف ما هذا الحديث ؟ بأي كتاب ؟ أين وجدته ؟ بالبخاري على العين والرأس، بمسلم، بالترمذي، ابن ماجه، في كتاب كذا، هذا كتاب فيه موضوعات كثيرة جداً، هذا الكتاب فيه أحاديث ضعيفة جداً، فأنت مع الحديث عندك نشاطان، أول نشاط، أو أول حركة أن تتأكد من صحة الحديث، حتى لا تذهب نفسك، قد يكون الحديث موضوعاً، وأنت تعمل به ليلاً و نهاراً من دون جدوى، شخص وضاع أحاديث دجال، فكلما سئل هذا الحديث قاله النبي e يقول: اليوم مساء أراه في منامي، فهو يراجع كتباً يقول له: سألته ؟ فقال لي: هذا الحديث ما قلته، ثاني يوم أعطوه حديثًا موضوعًا، فتح فوجده موضوعًا، قال: و الله رأيت النبي e فقال لي: لم أقل هذا الكلام، فيوجد شخص أذكى منه أعطاه حديثًا ضعيف، قال له: اسأل لنا إياه اليوم، ما وضع هذا الحديث ؟ قال له: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، وقال لي: هذا حديث ضعيف، فالنبي لا يوجد عنده ضعيف، عنده، إما قاله، أو لم يقله، كشف كذبه، فأنت مع الحديث عندك نشاطان، أولاً: هل قاله النبي ؟ إذا لم يقله أرح نفسك، ولا تعمل شيئاً، قاله انتهى، ماذا أراد منه ؟ هذه الثانية، مع نص قرآني ليس لك إلا أن تبحث عن معنى الآية، لأن القرآن قطعي الثبوت، مع نص للنبي عليه الصلاة و السلام لك أن تعمل شيئين، أن تتأكد من صحة هذا الحديث، بعدها تبحث عن المعنى الذي أراده النبي، بالمناسبة يجب أن تفهم الآية لا كما تريد بل كما يريد الله عز وجل، و يجب أن تفهم الحديث لا على هواك، بل كما أراد النبي عليه الصلاة و السلام.
 الآن دخلنا مع الناس، قال فلان، قال علان، قال العالم الفلاني، العالم الكبير، قطب الأقطاب، وحيد عصره، فريد زمانه، أي مهما يكن اللقب كبيراً، و لو كان لقبه خمسة أسطر، وحيد عصره، و فريد زمانه، قطب الأقطاب، مهم كان كلامه فأنت الآن أمامك ثلاث مهمات، أول مهمة أن تتأكد من صحة هذا الكلام إليه، لعله لم يقله، لعله أضيف عليه، لعله أفتري عليه، هكذا قال الإمام الشعراني، قال: في كتاب لشيخ أمورًا كثيرة خلاف الشرع، فلما ذهبت إلى مكة المكرمة، والتقيت بالعالم الفلاني قال: دخل إلى غرفته، وجاء بكتاب الفتوحات بخط يد الشيخ ، فإذا في هذا الكتاب ليس فيه شيء مما في نسختي في الشام، معنى ذلك قد يرد كلاماً لعالم لم يقله، الإمام أحمد بن حنبل دسوا تحت وسادته قبل أن يموت عقائد زائغة، الإمام الفيروزبادي دسوا عليه كتاباً في تكفير أبي حنيفة، الإمام الغزالي دسوا في إحيائه ما لم يقله، الإمام الشعراني نفسه نسبوا إليه كتاباً ما ألفه إطلاقاً، فقال: احرقوه، إذاً يمكن إذا قيل لك هكذا: قال الشيخ ، هكذا قال الإمام الغزالي، هكذا قال الإمام الشافعي، قد يكون هذا القول ليس للشافعي، ليس للغزالي، ممكن، إذاً أول عمل التحقق من صحة هذا الكلام إليه، ثانياً أن تفهمه كما أراده، قال الإمام الغزالي ليس في الإمكان أبدع مما كان، أساؤوا فهمه، هو قال: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، المرحلة الثانية يجب أن تفهم ماذا أراد صاحب هذا النص، المرحلة الثالثة هذه النتيجة لعل هذا النص للإمام الغزالي، ولعل المعنى الدقيق لهذا النص هكذا، ولكنه مخالف لكتاب الله، كما قال العلماء، ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين و الرأس، و ما جاءنا عن غيره فهم رجال، ونحن رجال.
 كل إنسان يؤخذ منه و يرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، هذا منهج بحث إسلامي، مع القرآن فهمه، مع الحديث صحته و فهمه، مع كلام الناس صحته، و فهمه، و تقييمه، أنت تريد الدين الحقيقي، تريد الدين كما أراد الله عز وجل، تريد الينابيع، الأصول، تريد كما كان عليه الصلاة و السلام و أصحابه، يوجد ضلالات، يوجد خزعبلات، يوجد إضافات، يوجد شطحات، يوجد مبالغات.
 و الله حدثني أخ أثق بكلامه، قال لي: في قطر عربي التقيت عرضاً مع إنسان يأكل في رمضان، و يدعي أنه رفع عنه التكليف، قال لي: رث الهيئة، قذر، بعد خمس سنوات توفي أصبح مدفوناً بمقام، نحن لا نتحمّل أولياء زيادة على اللزوم، نريد أتباعاً للنبي عليه الصلاة و السلام، فأنت دائماً مع الشرع، كن مع الشرع حيثما دار، لا تقبل شطحات، لا تقبل زيادات، لا تقبل إضافات، لا تقبل خرافات، خزعبلات، لا تقبل مبالغات، لا تقبل طقوسًا، لا تقبل شيئًا جديدًا، هذه الفقرة بالحديث خطيرة جداً:

((وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّار))

  كلمة أخيرة يا إخوان: دائماً اجعل المقياس هو رسول الله، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، سيد الأنبياء و المرسلين , مع ذلك: قل لا أعلم الغيب، فأي إنسان مهما كبر حجمك، قال لك: أنا أعرف ما تكلمت به معك، قل له: أنت كاذب، قل لا أعلم الغيب، شيء ثان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا لغيره.
 شيء ثالث:

 

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 13]

  هذا حجم النبي e، هل يجرؤ إنسان يعد النبي أن يدعي فوق ما بحجم النبي ؟ كلام باطل، لذلك فلان ولي، أي مستقيم على أمر الله فقط، أي عنده علم، وعنده حال، لكن أكثر لا يوجد، أي ينهض بك إلى الله حاله، تجلس معه يؤنسك، قلبه موصول بالله، يؤنسك، شيخ آخر متعلم، أي يعرف بعضاً من كلام الله، شيء من السنة فقط، هذا حجم كل العلماء و الدعاة والأولياء، لا يوجد أكثر، أما أنت هكذا وهكذا، أنا أعلم ما سيحدث معك، وأنت بفضل شفاعتي لك ستصبح هكذا، هذا كله كلام، و الله سمعت بعض الشطحات لم أقبلها، مثل: فلأن يسقط الإنسان السماء من عين الله أهون من أن يسقط من عين شيخه، لا، و الله، اللهُ أعظم شيء، لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، هذا الكلام فقط، لا أقبل غيره، فقط إلى هنا، أما أعظم عالم، أعظم شيخ لا يزيد حجمه على أن له حالاً و قالاً فقط، يخاف إن عصى الله، إذا النبي الكريم قيل له: مثّل بهم، هؤلاء كفار قريش، هؤلاء الذين آذوك، و أخرجوك، و ائتمروا على قتلك، و فعلوا ما فعلوا خلال عشرين عاماً، مثل بهم، قال:

((لا أمثل بهم فيمثل الله بي و لو كنت نبياً))

  هكذا النبي، هذا ورعه، هذا انضباطه، فنحن المقياس هو النبي عليه الصلاة والسلام، المقياس أنه لا يعلم الغيب، و أنه لا يملك لنفسه نفعاً و لا ضراً، و أنه يخاف إن عصى الله عذاب يوم عظيم، لا يستطيع إنسان آخر أن يعمل لنفسه حجماً أكبر من هذا الحجم، هذا حجم النبي e، يجب أن يكون حجمه أقل بكثير، لذلك قال الإمام ابن عطاء الله السكندري: " لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، و لا يدلك على الله مقاله".
 له لسان ذاكر، وقلب موصول بالله فقط، هذا كل ما يقال عن العلماء والمرشدين والأولياء والصالحين والدعاة، وما إلى ذلك، أنا لا أقلل من حجمهم، ولكن هذا حجمهم الحقيقي، من أجل أن يكون الله عز وجل مقصودَ الإنسان، ورضاه مطلوبه، وكما يقول بعض العلماء: " إلهي أنت مقصودي، و رضاك مطلوبي ".