أحاديث متفرقة - الدرس : 018 - أما بعد فإن أصدق الحديث2.

1990-09-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، ونفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: بدأنا في الدرس الماضي شرح الحديث النبوي الشريف الذي روي جَابِرٍ قَالَ:

((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  هذه الفقرة الأولى من الحديث شرحت بشكل أو بآخر في الدرس الماضي، خالق الكون هذا كلامه، كلامه صدق، كلامه حق، أي شيء تستمع إليه، قصة، فكرة، مبدأ، مذهب، حادثة، رواية، مخالفة لكتاب الله فهي باطلة، قل هذا وأنت مطمئن، لأن أصدق الحديث كتاب الله، ولكن هذا الكلام لا يستطيع أن يقوله إلا من آمن بالله إيماناً تحقيقياً، ثم آمن بالقرآن الكريم إيماناً تحقيقياً، إذا آمنت بالله تحقيقاً، وآمنت بكتابه تحقيقاً، الآن تشعر بطمأنينة لا حدود لها لِما في هذا الكتاب الكريم من حقائق، عندئذ تجعله مقياساً لك، إذا كان معك مقياس من أدق المقاييس، ميزان من أدق الموازين، وهناك أشياء كثيرة أمامك، على كل شيء لصاقة مكتوب عليها الوزن، قد يكون الوزن غير صحيح، أنت معك ميزان، القرآن ميزان حتى إن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

 

[ سورة الرحمن: الآية 7]

 جعل كتابه ميزاناً، وجعل شرع النبي الكريم ميزاناً، وجعل العقل ميزاناً، وجعل فطرتك ميزاناً، العقل ميزان والفطرة ميزان، إذا جنح العقل أو شوهت الفطرة يأتي القرآن الكريم والسنة النبوية ميزاناً على هذين الميزانين.
 عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

 

((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ))

 

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

 الفقرة الثانية هي قول النبي عليه السلام:

((وَإِنَّ أَفْضَلَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ))

  ما الفرق بين كتاب الله وهدي محمد ؟ إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، مثلاً: ترد في الدستور مادة تقول: التعليم حقٌ لكل المواطنين، هذه مادة من الدستور، لكن القوانين والتشريعات هناك تعليم ابتدائي إلزامي، وهناك تعليم إعدادي، وتعليم ثانوي، من ثلاث سنوات، يوجد في السنة الأولى التاريخ والجغرافية والفيزياء......الخ، ولكل مادة كتاب ومنهج، ونظام في النجاح والرسوب، يعني آلاف التفصيليات والجزئيات كلها تفسر كلمتين أو ثلاثا في الدستور حق التعليم، التعليم حقٌ لكل مواطن، فكتاب الله يوجد حقائق كلية، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، زكاة المال، زكاة النقدين، زكاة الأنعام، زكاة الزراعة، زكاة الزراعة المروية، زكاة الذهب أو الفضة، زكاة الركاز، زكاة المعادن، زكاة الثروات الباطنية، هناك آلاف الأحاديث تبين نصاب الزكاة، وعلى من تجب الزكاة، مصارف الزكاة، أنواع الأموال التي تجب عليها الزكاة، إذا النبي عليه الصلاة والسلام بينّ وفصل، وهكذا، قال الله عز وجل لتبين يا محمد للناس ما نزل إليهم، النبي مبيّن، والله عز وجل مشرّع، إذاً كما أن هناك موادَّ في الدستور موجزة، لكن القوانين التنظيمية والتشريعية والمراسيم التشريعية والتنظيمية توسع، وتفصل هذه القوانين الموجزة، فكذلك ولله المثل الأعلى، كتاب الله عز وجل موجز، أما التفصيلات ففي السنة النبوية المطهرة، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدي هدي محمد، اللهم صل عليه، إذا أردت أن تستيقظ فما هدي محمد في الاستيقاظ ؟ هناك دعاء تدعوه:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 190]

  هذا هديه في الاستيقاظ، أو أن تقول: أصبحنا وأصبح الملك لله عز وجل، إذا أردت أن تدخل دورة المياه فثمة دعاء: اللهم أعوذ الخبث والخبائث، الإنسان دخل برجله اليمنى، خرج برجله اليسرى، قال: اللهم الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه، فأنت دائما أنت مع نعم الله، ذهبت إلى الصلاة، وصليت السنة، صليت الفجر في المسجد، عدت إلى البيت تلوت القرآن، قال تعالى:

﴿إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾

[ سورة الإسراء: الآية 78]

  هذا هدي النبي، كيف توقظ زوجتك، بالعنف أم باللطف ؟ كما فعل النبي، كان إذا دخل بيته لف ثوبه، هذا هدي النبي، صوت هذا الثوب أيقظ النائم ؟ ومع ذلك إذا دخل بيته لف ثوبه، وهذا هدي النبي، في الطعام إذا جلست إلى الطعام قل: بسم الله الرحمن الرحيم، آكل وفق هدي الله، وهذه نعم الله، في البسملة معنيان: هذه النعم نعم الله عز وجل، ويجب أن أتناول هذا الطعام وفق هدي الله عز وجل، إذا بسم الله الرحمن الرحيم، أردت أن تشرب ثلاث مرات، مصوا الماء مصاً، ولا تعبوه عباً، فإن الكباد من العب، بسم الله الرحمن الرحيم، انتهيت الحمد لله، شربت الماء، شيء ثمين جداً، سأل مرة أحد الخلفاء: يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذه الكأس إذا منعتْ عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال فإذا منع إخراجه ؟ قال بنصف ملكي الآخر، كأس الماء النظيف البارد على المائدة هذه نعمةٌ كبرى، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم النعم عنده مهما دقت، إذا ارتدى ثوباً جميلاً أو جديداً، تناول كأس ماء بارد، شعر بالريّ، تناول طعاماً يحبه، شعر بالشبع، الحمد لله الذي أطعمنا وأشبعنا، ربنا لك الحمد والشكر، زاد في الصحن لقمة واحدة، ما هدي النبي في هذه الحالة ؟ أن تلعقها لعق الإناء من السنة، أما من نوع الأكابرية أترك لقمتين في الصحن، يأتي الموظف، ويضعها في الزبالة، هذه اللقمة تخاطبك يوم القيامة تقول لك: يا إنسان أمَا خلقت من أجلك، لماذا لم تأكلني ؟ ما هدي النبي فيما تبقى في الصحن ؟ هؤلاء الذين يرمون الطعام في القمامة أدبهم الله عز وجل تأديباً بليغاً، طعام يكفي مئة شخص يوضع أمام شخصين، ماذا يأكلان منه ؟ النزر اليسير، والباقي في القمامة، أقسم لي أحدهم بالله إن ما يرمى بالقمامة من طعام يكفي لجياع السودان، ما يرمى في القمامة في الدول الغنية من طعام في القمامة يكفي لجياع بلدٍ بأكمله، ما هدي النبي في هذا الموضوع ؟ الآن يوجد نقطة خطيرة جداً، لو أنك تريد أن تتبع هدي النبي،هل تعرف هدي النبي ؟ هذه أخطر نقطة في الدرس، أنت مؤمن آمنت بالله عز وجل وآمنت بكتابه وآمنت برسوله، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَإِنَّ أَفْضَلَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  ما دام أفضل الهدي هدي محمد فهل تعرف أنت هدي محمد ؟ كيف تطبق هدي محمد إن لم تكن تعرف أنت هدي محمد ؟ لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم))

 أنت ليس لك خيار، كيف أكلَ باعتدال، ماذا فعل بعد أن أكل، هل غسل قبل الطعام؟
 عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))

[ الترمذي، أبو داود ]

 بعد الطعام ماذا فعلت ؟ هناك وضوء ثان، كيف أكل ؟ سمّى بالله، أكل ممّا يليه، أكل باعتدال، نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، وأول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله الشبع، هدي النبي في الطعام، هدي النبي في الشراب،

((مصوا الماء مصاً، ولا تعبوه عباً، فإن الكباد من العب))

 ان إذا شرب الماء شربه ثلاثاً.
 عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمُثَنَّى يَقُولُ سَمِعْتُ مَرْوَانَ يَسْأَلُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ ؟ فَقَالَ:

((نَعَمْ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ فَإِنِّي لَا أُرْوَى يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ قَالَ فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ قَالَ إِنِّي أَرَى الْقَذَى فِيهِ قَالَ فَأَهْرِقْهُ))

[ الترمذي، أبو داود، أحمد، مالك، الدارمي ]

 شرب الإنسان مصًّا، وعليه أن يبعد الإناء عن فيه، لأن في النفس أحد أنواع العدوى، يكون من اختلاط النفس في الماء،

((فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ))

 ما هدي النبي في اسخدام الإناء المكسور ؟ نهى عن ذلك، لأن هذه الثلمة في الإناء فيها جراثيم، ما هدي النبي في تناول الفاكهة ؟ قال النبي:

((من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه))

 أكل فاكهة من دون غسيل هي مخالفة للسنة، كيف كان يأكل البطيخ مثلاً ؟ ما هدي النبي في أكله ؟ له ترتيب، العنب له ترتيب، كيف إذا انتهى من الطعام ؟ كيف إذا خرج من بيته ؟ اللهم إن أعوذ بك من أن أضل، أو أذل أو أجهل، دعاء، إذا دخل بيته يقول: الحمد لله الذي أواني، وكم من لا مأوى له، يوجد ناس في الطريق، شعوب شرق آسيا نصف الشعب ينام على الرصيف، في الطرقات هو وزوجته وأولاده، وكيف ينجبون الأولاد ؟ في الطريق فضيحة، وشعوب تنام في القوارب في الأنهار، أنت معك مفتاح بيت، تقول لي: أجرة، أقول لك لا يهمّ، عالٍ، منخفض لا يهمّ، صغير، كبير لا يهمّ، معك مأوى، الحمد لله الذي أواني، وكم ممن لا مأوى لهم، هذا الدعاء، طلب منك رجلٌ قرضًا ؟ تقول له: أعطني وصلاً، ما هدي النبي في هذا الوصل ؟ قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 282]

  إذا كان الشيء خطيرًا في حياتنا فيجب أن تعرف هدي النبي، إذا أردت أن تكون طبيباً ما العمل ؟ لا بد من أن تذهب إلى الجامعة، وإذا أردت أن تكون فقيهاً لا بد من أن تذهب إلى الجامع، يجب تعلم هدي النبي في العقود، هدي النبي في العارية، استعرت كتابًا، ما هدي النبي في هذا الكتاب ؟ يجب أن ترده إلى صاحبه مع الشكر الجزيل، تعال وخذ الكتاب، لقد انتهيت من قراءته، هذا خلاف هدي النبي، قال له: أخي هل تعيرنا السُّلم، قال له: والله كتفي يؤلمني، قال له: ما دخل كتفك بالسلم ؟ لأنني مضطر أن آتي، وآخذه من عندك، تستعمله أنت، تنتهي من عملك، تتركه عندك، وحين أريده آتي وآخذه من عندك، قال: والله كتفي يؤلمني، قال عز وجل:

 

﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 178]

  ما هدي النبي ؟ الأجرة إلى صاحبها، العارية إلى صاحبها، القرض إلى صاحبه، هذا هدي النبي، في الزواج أكرم النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن كل لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً، من أن أكون لئيماً غالباً، هذا هدي النبي في معاملة الزوجات، لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر، هذا هدي النبي، الصبر، ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وأنا لا أعتقد أن ثمة عملا أشرف ولا أخطر من أن تعرف هدي النبي، لأن هدي النبي أفضل هديٍ، النبي الكريم سنته القولية تقريباً ستمئة ألف حديث، سنته العملية، سيرته، أنت مع أصدقائك في نزهة، ما هدي النبي ؟ قال أحدهم: عليّ ذبح الشاة، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال ثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، أنت رسول الله، سيد الخلق، أنا لا، قالوا: نكفيك ذلك، قال: أعرف ذلك، ولكنني أكره أن أتميز عليكم، إن الله يكره العبد الذي يتميز عن إخوانه، هذا هدي النبي، احترامك للنبي، هدي النبي المؤاثرة، ليس الأثرة، أفضل مكان على الشباك فيه هواء، يستحله فوراً، هدي النبي أن تؤثر إخوانك، غرفة يوجد فيها ثلاث أسرّة، يوجد سرير جنب النافذة، والجو صيف، هذا أجمل سرير، فيه هواء، ونشاط، وهناك سرير في مكان لا يوجد فيه هواء، خذ أسوأ سرير، هذا هدي النبي، ودع أحسن سرير لأخيك، صعدت مع أخيك إلى السيارة، أو المركبة العامة، هدي النبي أن يقعد هو على الشباك، وأنت اجلس بعده، هذا هدي النبي، تعرف هدي النبي في تناول الطعام، في علاقتك مع زوجتك، مع أولادك، قبلت الصغير قبّل الثاني، حذاء بحذاء، ثياب بثياب، أنت عندك ثوب، نأخذ لأخيك الصغير، يحبه الأب زيادة، أخذ له ثيابا جديدة في العيد، حرق قلب الثاني، النبي الكريم قال:

((اعدلوا بين أولادكم ولو في القبل))

 هذا هدي النبي، الزوجة يوجد أيضاً هدي في معاملتها، كان e إذا رجع من السفر يخبرها، الآن يوجد هاتف، أنت غائب عنها شهرين، أو شهرًا أو أسبوعًا، وهي تغسل اليوم، وفي وضع لا يرضيك، إذا أخبرتها أنك قادم يوم الثلاثاء الساعة التاسعة، في الليل تهيئ حالها، تنظم أمورها، تكون بشكل مقبول عندك، السنة النبوية هكذا، يجب أن تخبر الأهل بقدومك حتى يستعدوا، من أجل أن يبقى الوفاق والمودة، هذا هدي النبي، هدي النبي في قص الأظافر، له هديٌ خاص، يوم الخميس مثلاً، هدي النبي في الاغتسال يوم الجمعة، اغتسل ولو مداً بدينار، لو كان مد الماء بدينار فاغتسل، حق الله على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة، هدي النبي هكذا، كيف تنام على شقك الأيمن ؟ يوجد بحث طويل عريض عنه، له علاقة بالهضم، له علاقة بالكبد، بالأمعاء، بالأحلام، هكذا هدي النبي e، فالقرآن قواعد كلية، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، قال تعالى:

 

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

 

[ سورة الصف: الآية 5]

  أنواع الفسق، أحل الله البيع وحرم الربا، هذا هدي القرآن، وهدي النبي ممنوع أن تتلقى الركبان، هؤلاء الناس يحضرون معهم بضاعة، وهم لا يعرفون شيئاً، السوق ما زالت في أوجها، أذهب وأتلقى الركبان في الطريق، وأشتري البضاعة، هناك من يفعل هذا، يوجد صاحب بضاعة، يوجد معه تفاح نازل على الشام، ذهب وتلقاه في الطريق، اشتراه منه، السوق في الشام تحسّن، هذا لما أتى إلى الشام ندم لماذا باع هذه البيعة ؟ نهى النبي عن تلقي الركبان، نهى عن شراء الحّب حتى يشتد، نهى عن شراء العنب حتى يسود، نهى عن بيع الإنسان شيئاً ليس في رحله، ليس في مستودعه، نهى على أن يبيع شيئاً ليس عنده، نهى عن بيع المعدوم، حوالي مئتي حديث في البيوع، هذا هدي النبي، أقول لكم كلمة: والله ما مِن مشكلة في التجارة إلا سببها مخالفة للشرع، باع على المساطر، البضاعة ما وصلت، حدثت مشكلة في الباخرة، البضاعة ما وصلت، في البيع تنشأ مشاكل ومنازعات، شخص له جار نجار، وله غرفة نوم مناسبة، قال له: أريدها، قال له: خذها، أنت جاري، حمل وأخذ، ما سأله السعر، وذاك الجار لم يقل له أيضاً، هذا أعطاه أول دفعة ألفين، الأسبوع الثاني ثلاثة آلاف، بعد ذلك خمسة آلاف، يدفع، ثم يدفع، يأخذها منه، يدفع، يقول له: هات، يعوض عليك، القصة قديمة، دفع ثمانية وعشرين ألفاً، يقول له: هات، وقتها قال له ثمنها ستون ألفًا، لماذا لم تقل له ؟ ماذا قال النبي ؟

((الجهالة تفضي إلى المنازعة))

 قاعدة، هذا هدي النبي e، مادام هناك جهالة في السعر، أو النوعية، أو التسليم فثمة مشكلة، وضح كل شيء، لا يوجد عندك أي مشكلة في التجارة، البضاعة تأتي بعد شهر، والبضاعة وضعها كذا، وزنها كذا، لونها كذا، مواصفاتها كذا، يتفقون على الشراء، في الدفع لا نزعجك، هذا كلام عام، كيف هي طريقة الدفع ؟ أنت في بالك أن البيع نقدي، ذاك في باله على التيسير، فتنشأ منازعة، هدي النبي ألاّ يكون في البيع جهالة أبداً، هذا هدي النبي.
 فموضوع درس اليوم: يجب أن تعرف هدي النبي e حتى في الأشياء الشخصية، في أشياء يستحي أن تسأل عنها، هناك كتب فقه مختصرة مفيدة، تريد كتاب فقه فيه كيف يغتسل الإنسان، أحياناً يجد ماء، وهذا الماء ليس ماء حياة، هو ماء خفيف أبيض، يا ترى يوجب غسلاً أم لا، النبي له هدي في هذا الشيء، حتى في أشد العلاقات الزوجية خصوصية فيها هدي للنبي e، لذلك إن أفضل الهدي هدي محمد، وأيضاً يمكن أن تصل إلى مستوى عالِ جداً، حتى في العلاقات الدولية هناك هدي للنبي عليه الصلاة والسلام، هذا دين الله عز وجل، دينٌ كامل.
 إذاً: عن جَابِرٍ قَالَ:

((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  الكلام القطعي الثبوت حق مئة بالمئة، وإن أفضل الهدي هدي محمد.
 الآن ما معنى الهدي ؟ ما معنى هداه وأهداه ؟ أهداه قدم له هدية، بالهمزة هدية، من دون همزة إرشاد، هو الإرشاد اللطيف في الهدى، والعلماء قالوا: هناك أربعة أنواع من الهدى: هدى عام لكل المخلوقات، حيث إن الله عز وجل أعطى الإنسان عقلاً، العقل يهديه إلى سواء السبيل، أعطى الإنسان شمًّا يهتدي بالشم إلى حيوان ميت في البيت، يوجد رائحة ليست طبيعية في البيت، بالشم تهتدي إلى أن الغاز مفتوح، و بالشم تهتدي إلى أن الطعام فاسد، ما هذا الطعام ؟ رائحته كريهة، جعل لك الأنف للهدى، تهتدي إلى الطعام الفاسد، إلى الروائح الكريهة، إلى حريق المكواة، احترق القميص، من الغرفة الثانية ركضت، من الذي هداك إلى هذا ؟ هذا الأنف، هذه هي الهداية العامة، الأذن، يوجد فتحة بالحائط، معنى ذلك أنه يوجد فأرة، بالسقف يوجد حركة، سائق يوجد صوت في المحرك، تهديك أنه يوجد صوت ليس طبيعيًا، الذين يملكون السيارات تجد لديهم حساسية عجيبة جداً للأصوات، أيّ خلل في المحرك فيه صوت غير طبيعي، هداك إلى خلل في مركبتك، هداك إلى فلان على التلفون، هداك إلى المتكلم في التلفون، أعطاك أذناً، أعطاك ذاكرة سمعية، هذا الهدي، هداك بالأذن، هداك بالأنف، هداك باللسان، تسأل، هداك بالعين، هداك باللمس، الباذنجان مرّ، لأن لونها ليس غامقًا كثيرًا، لأنها فاتحة، هل العنب حامض ؟ لأن لونه أخضر، العين تهديك إلى ألوان الفواكه والخضار والثمار، هذه الوردة ذبلة، يقول لك: هذا القماش سواده ليس جميلا، أريد سوادًا فحمًا، هداك بالعين، لها حاجاتها، هداك بالأنف، هداك بالأذن،هداك بالعقل، ليس هناك كهرباء، يا ترى مِن عندك أم من عند الجيران، أم من الخط العام ؟ تسأل الجيران، يقولون لك: والله عندنا كهرباء، إذاً من عندك، حصرتها، عندي ماس، أعطاك عقلا لكي تهتدي، فالعقل والسمع والبصر والشم واللمس هذه كلها وسائل هدى، الهدى العام، قال تعالى:

 

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾

 

[ سورة طه ]

  هذه هي الهداية العامة، كافر، مسلم، غير مسلم، منافق، فاجر، ملحد، الكل أعطاه فكراً، أعطاه عيناً، أعطاه لساناً، أعطاه أذناً، أعطاه شماً، أعطاه لمساً، يعمل كذا، لكن هذا الشيء لم يضبط معي، العين لا ترى شيئًا باليد أحياناً، أحياناً تعرف أن هذا ليس صوفًا أحياناً وإنما خيط صناعي تركيبي، من اللمس تعرف، كل صنعة لها تركيبة، هذا هو الهدي العام.
 الهدى الأرقى من ذلك أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن، وبعث النبي العدنان، هذا الهدى الثاني.
  الهدى الثالث: إذا نويت أن تعمل أعمالاً صالحة يهديك، يجمعك مع شخص، أخدم فلانًا نويت أن تتصدق يرزقك، نويت أن تهدي زوجتك يلهمك الأسلوب الصحيح، نويت أن تدعو إلى الله، يقول لك: الطريقة المجدية المؤثرة كذا، هذا الهدى رقم ثلاثة.
 هناك هدى عام:

 

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾

 

[ سورة طه ]

  هذا الهدى العام، الدرجة الثانية : أن الله عز وجل هدانا بهذا الكتاب، وبهذا النبي، وبهذه السنة.
 الدرجة الثالثة: إذا نويت أن تفعل خيراً يهديك إلى فعل الخير، نويت أن تهدي الناس يهديك إلى الطريقة المناسبة، نويت أن تصلح بين زوجين يهديك إلى الكلمات المناسبة المؤثرة، أنت الآن أصبحت عبدًا وطالبًا من الله الهدى، يا رب ألهمني الصواب في هذا الدرس، ألهمني الصواب في هذا اللقاء، ألهمني إلى أن أتكلم كلمة مؤثرة، ألهمني أن أفعل كذا وكذا، هذا هو الهدى الثالث.
 الهدى الرابع: الله يرزقنا جميعاً إلى الجنة،

 

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

(محمد)

  هداك بالحواس والعقل، وهداك بالدين والشرع، وهداك بالإلهام إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، ثم هداك إلى الجنة، يوجد أربع أنواع إلى الهدى.

 

((وَإِنَّ أَفْضَلَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ))

  هدى آخر: التبيين لما في الكتاب، لذلك أنا أتمنى عليكم أن تقرؤوا عن شمائل النبي e في كتاب الجامع الصغير بأواخره عند الحرف كاف، كان إذا أكل لم يتكئ، أما أنا فلا آكل متكئاً، الأكل متكئاً فيه كبر، كان إذا أكل أَكل ممّا يليه، لكن سمح النبي أن تنتقي الفاكهة، فهناك من يحب الفاكهة الحامضة، أخذ الحامضة القاسية، إجاصة خضراء، أخذ الخضراء، وغيره يريد إجاصة مستوية، كل واحد له ترتيب في الفاكهة، مسموح أن تختار، لكن في الطعام لا يجوز أن تنقي، مشى لم يلتفت، كان إذا قال أسمع، صوته واضح جهوري، كان يعد المستمع كلماته عداً، هادئ من دون سرعة، فأنت إذا قرأت السنة أنا أقول لك، وأنا واثق من كلامي: يجب أن تقرأ سنة رسول الله، سيرته، و سير أصحابه، و شمائله لأنها فرض عليك، لأن هذه أفضل هدي، قال له: أسلم، قال له: لا أعرف ماذا أقول، قال له، أخي أنت تريد الهدي المحمدي، أين هو، لا تعرفه، في بيعك، في شرائك، تبيع بسعرين، تقيم للزمن ثمنًا، صار البيع مخالفا للسنة، تعاون أحدهم في بيت آجار بسعر منزل، تأخذ منه أجرة، تريد مبلغاً ثابتاً، قد يحصل شيء على البيت، قد يوجد تنظيم، تريد أن تأخذ أجرة، إذاً أنت مالك، والمالك معرض لمشكلات المالك، يريد أجرة مع ضمان، هذا لا يصح، لا ضمان مع إيجار، إما ضمان أو إيجار، إما قرض فحقك محفوظ، أو أنت مالك، تريد هدي النبي عليه الصلاة و السلام.
 فأنا ما أردت أن أفصل تفصيلات كثيرة جداً، لأن الهدي النبوي لا بد لتفاصيله من سنوات، لكن يجب إن لم تعرف أن تسأل في كل قضية.
 أحياناً تضيف على الفاتورة مبلغاً ترضي به الصانع، هذا خلاف السنة، إذا أردت أن تكرم الصانع فأعطه من ربحك، هذا هدي النبي عليه الصلاة و السلام.
 شخص لم يقل لك: إنه تاجر، هو أراد منك خدمة، هو شرط عليك خدمة، وليست تجارة، هذا هدي النبي عليه الصلاة و السلام، لا يوجد مجال للتفصيل، لكن نحن يجب أن نعرف هدي النبي، لذلك حضور مجلس العلم جزء من معرفة هدي النبي عليه الصلاة و السلام، فحضور مجلس العلم فرض على كل مسلم، ليعرف أمر دينه وأمر كتابه وأمر السنة النبوية، وهكذا.
 إن شاء الله في الدرس القادم نشرح الفقرة الثالثة:
 عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

 

((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ....وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))

  وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
 قَالَ وَكَانَ يَقُولُ:

((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  إن شاء في دروس قادمة نشرح بقية فقرات هذا الحديث.
 الآن من السيرة النبوية المطهرة: كمال عقل النبي عليه الصلاة و السلام.
 الحقيقة كما قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث:

((تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً، إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما , ويختلفان في العقل كذرة جنب أحد، ولا قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين))

  فلا أعتقد أنه يوجد عطاء أثمن في الحياة من أن تكون ذا عقل راجح، لذلك النبي الكريم يقول:

((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))

  يوجد تناسب، أنت بالنهاية عقل يدرك، وقلب يحب، وهناك علاقة بين العقل والقلب، كلما نما عقلك سما حبك، وكلما انخفض العقل أصبح المحبوب منخفضاً، أي شيء فان فهو شيء قذر، شيء منحرف.
 أول دليل من أدلة رجحان عقل النبي عليه الصلاة والسلام أنه عندما أسلم سيدنا خالد دخل على النبي عليه الصلاة والسلام فسلم عليه بالنبوة، قال له: السلام عليك يا رسول الله، فرد عليه السلام بوجه طلق عليه الصلاة و السلام، فقال سيدنا خالد: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال له النبي الكريم: تعال، فأقبل، فقال عليه الصلاة و السلام:

((يا خالد، الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً، رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير))

  إذاً هذا كلام النبي e، كلام قطعي الدلالة، العقل الراجح يهدي إلى الخير، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير، وها قد أسلمك إلى الخير.
 لذلك الإنسان يحركه عقله أو شهوته، عقله يوصله إلى النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وشهوته توصله إلى الدمار والهلاك وشقاء الدنيا والآخرة.


 ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً.

 

 

 أشخاص كثيرون ذهب أحدهم إلى بلد أجنبي، وتورط بانحراف أخلاقي، استيقظ ومكتوب على مرآة في غرفة النوم: أهلاً بك في نادي الإيدز، هذه المرأة مصابة بالإيدز، يكاد ينتحر من ألمه، ألا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً.
 أنت في حركتك إما بتوجيه من عقلك، وإما بدفع من شهوتك، والشهوة تغري، وتردي، وتشقي:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

[ سورة النازعات ]

  روى الطبراني عن قرة بن هبيرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله، إنه كان لنا أرباب وربات، نعبدهن من دون الله عز وجل، فدعوناهن فلم يجبن، وسألناهن فلم يعطين، فجئنا فهدانا الله بك، فنحن نعبد الله، فقال عليه الصلاة و السلام:

((قد أفلح من رزق لباً))

  هذا هو الفلاح، وهذا هو النجاح، وهذا هو الفوز، وهذا هو التفوق، وهذا الإنسان هنيئاً له، من رزق لباً، أي عقلاً راجحاً يهديه إلى سواء السبيل، هذه اللقطة الثانية من رجحان عقل النبي، ودعوته إلى العقل الراجح.
 الشيء الآية الثالثة:

 

﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾

 

[ سورة القلم ]

  أنت من أعقل العقلاء، فإذا كان الشخص مطيعًا الله عز وجل، والله يحبه، فهو من أعقل العقلاء:

 

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾

[ سورة هود: الآية 28]

  النبي من رجحان عقله يقظته صلى الله عليه وسلم، ومن رجحان عقله حسن مداراته للناس، ومن رجحان عقله حسن اختياره لمن معه، اختار رسولاً العلاء بن الحضرمي، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى، هذا ملك المناذرة، وكان تحت جناح الفرس، النبي الكريم بعث بهذا الرسول، لكن اختيار الرسول مهم جداً، رجحان عقلك بمداراة الناس، رجحان عقلك باليقظة والاحتياط، رجحان عقلك بالمنطق، رجحان عقلك باختيار معاونيك، هذا عقل راجح جداً، فالنبي أرسل هذا الرسول إلى المنذر بن ساوى، ومعه كتاب يدعوه إلى الإسلام، فلما قدم عليه قال له: يا منذر، إنك عظيم العقل، فلا تصغرنا في الآخرة، أحيانا يكون للإنسان مكانة كبيرة، له شأن، لكن كونه في معصية الله لابد من أن يعالجه الله عز وجل، فلما يعالجه ينكمش حجمه، وصغر، يكسب مالاً حراماً، الناس ملء سمعهم وبصرهم، لكن المال حرام، يأتي وقد يدمر ماله، يشفق الناس عليه صغر حاله، فكلما عصى الإنسانُ الله عز وجل فلا بد له من تأديب شديد، عندئذ يصغر، لذلك قال له: إنك عظيم قومك، هذا العلاء الحضرمي، فلا تصغرن في الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكريم للعرب، ولا علم عن أهل الكتاب، إنهم ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، كلام دقيق، يأكلون ما يتكرم عن أكله، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، بعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم العقل ولا الرأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألا تصدقه ؟ ومن لا يخون لا تأمنه، ومن لا يخلف ألا تثق به، النبي الكريم أرسل هذا الرسول، وكان في أعلى درجات الذكاء والحصافة، وقد دخل على ملك المناذره المنذر بن ساوى، وخاطبه بكلام موجز، أنت مع هؤلاء المجوس دينهم أن يعبدون النار، وينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم على أكله، فكيف تكون معهم، هل هذا النبي الكريم الذي ما كذب قط، أيكذب ؟ الذي ما خان من قبل ألا يؤتمن، قال: كان هذا هكذا، فهذا هو النبي الأمّي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يبلغه، هذه النقطة ما أدقها، لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به النبي نهى عنه، مهما كان عقلك راجحًا لا تستطيع أن تقول: ليت ما أمر النبي بذلك، أو هذا الذي نهى عنه ليته لم ينه عنه، وما نهى عنه أمر به، ولا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به النبي نهى عنه، وما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص في عقابه، إذ كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل النظر، كل تصرفاته، كل أقواله، كل أوامره، كل منهياته جاءت على وفق أهل العقل وأهل النظر، فقال له المنذر: قد نظرت لهذا الذي بين يديّ دين المجوسية فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا، فما يمنعني قبول دينٍ فيه أمنية الحياة وراحة الموت، انظر إلى التفكير، هذا الدين للدنيا فقط، أحيانا يعمل الإنسان مع جماعة للدنيا فقط، يقوى مركزه، يكبر دخله، يرتفع شأنه في الدنيا فقط، يموت ولا علاقة لهم به، أما دين الله عز وجل ففي الدنيا والآخرة، فقال له المنذر: قد نظرت لهذا الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للدنيا والآخرة، فما يمنعني لقبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، يوجد كلمة أخرى دقيقة جداً، قال: ولقد عجبت أمس ممن يقبله، يعني الدين، وعجبت اليوم ممن يرده، فعندما يكون الإنسان بعيداً عن الدين يعجب من المتدين، ترى إنساناً ضيق الأفق الإنسان محدودًا، فوت فرص السعادة في الدنيا والمباهج، أما إذا ذاق طعم القرب من الله يعجب لكل إنسان بعيد عن الدين، قال له: لقد عجبت بالأمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده.
هناك رجل آخر اسمه المهاجر بن أمية المخزومي، شقيق أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن عبد كلال أحد ملوك حِمْير، فلما قدم عليه المهاجر قال له: يا حارث، إنك كنت أول من عرض النبي عليه نفسه فخطأته، يعني لم تستجب له، وأنت أعظم الملوك قدراً، وإذا نظرت في غالب الملوك، فنظر في غالب الملوك الذي يغلبهم، للحديث القدسي: أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والحكمة، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلح، فإن صلاحهم بصلاحكم، كلمه بكلام في المنطقة الحساسة، قال: إذا نظرت بغلبة الملوك، فنظر في غالب الملوك، وإذا سرك يومك فخف غدك، قد يعيش الأعمى لحظته بصحة طيبة، جيب ممتلئ، أكل، شرب، لا ينقصني شيء، هذا اليوم ليس غداً، وبعد أسبوع، وبعد شهر، بعد سنة، قال له: إذا سرك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوكاً ذهبت آثارها، وبقيت أخبارها، عاشوا طويلاً، وأمّلوا بعيداً، وتزودوا قليلاً، فمنهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وأنا أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد، أدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، فأيّ شيء أمر به النبي e كان منتهى الكمال، وأقبح شيء نهى عنه كان منتهى القبح، واعلم أن لك رباً يميت الحي، ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، فهذا النبي الكريم، وهؤلاء رسله، كانوا على أعلى قدر من الذكاء والفتنة.
 وردتني رسالة يقول صاحبها، ويبدو أنه قلق جداً، يقول: قبل أسبوعين وأنا حيران، لا أعرف ليلي من نهاري، قد شعرت بسكرات الموت، وأنا نائم شعرت بها، وكأنني أموت تماماً، وحين كانت الشهقة الأخيرة استيقظت على صوت مؤذن الفجر، وفي أثناء شعوري بالموت مر أمامي شريطٌ كامل لهذه الدنيا، وأنا أقول: لقد انتهى كل شيء، ماذا أفعل الآن ؟ انتهى كل شيء، واستيقظت وأنا أرتعد خائفًا، أقول لنفسي: الحمد لله، أنا حي، أنا حي، يقول هذا السائل: قل لي بالله عليك ماذا كان هذا الحلم، هل هو بمثابة إنذار لي، أنا حيران ؟
 الحقيقة الحلم إذا كان واضحًا جداً فهو من الله عز وجل، مثلاً يأكل كبّة، وينام، فيرى منامات أشكالا وألوانًا، هذه أضغاث أحلام، أما هذا فمنام واضح جداً، وربنا عز وجل يعلمك أحياناً على طريق عالم، عن طريق خطيب، عن طريق داعية، لكن إذا أحب الله عز وجل يعطيك إعلامًا مباشرًا، نداءًا مباشرًا، يمد لك خطًّا مباشرًا، تدق الرقم، فكأن الرؤية الواضحة طريقة لإعلام الله عز وجل لهذا المؤمن، فما دامت الرؤية واضحة فالموت نهاية كل حي، وكلمة انتهى كل شيء، والإنسان استُعرِض أمامه كل شيء.
 حدثني رجل يعمل طيارًا مدنيًّا، في أثناء التدريب طائرته سقطت، فقفز بنفسه أقسم بالله منذ أن ترك جسم الطائرة، وهو في طريقه إلى الأرض ما عرف في دقيقة واحدة أقسم بالله أنه رأى كل حياته في شريط، منذ أن ولد، كيف دخل المدرسة، كيف خرج منها، كيف تزوج، أعماله السيئة كلها أمامه، الصالحة كلها أمامه، هذا شيء معروف، حتى إننا درسناه في الجامعة في علم الصحة النفسية، إذا أوشك الإنسان على خطر يستعرض كل حياته.
 فهذا الأخ الكريم يبدو أنه متأثر جداً من المنام، هذا المنام من الرحمن، لأنه يضعه أمام مسؤولياته، يا عبدي لا بد من ساعة لقاء، والحقيقة الشيب، وضعف البصر، وضعف السمع، وانحناء الظهر، وبعض الألم، وبعض الأعراض المرضية، وأمراض الشيخوخة، هذه كلها إشارات من الله عز وجل، كأن الله يقول لك: يا عبدي اقترب اللقاء، حضّر حالك، عبدي شاب شعرك، وانحنى ظهرك، وضعف بصرك، فاستحي مني، فأنا أستحي منك:

إلى متى أنت باللذات مشغول      وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

 كل إنسان له ساعة يلقى الله بها، فهذا المنام طيب، مادام الإنسان قد رأى المصير، فقد كان الصالحون يشترون قبرًا، وينامون فيه يوم الخميس، ويتلون في القبر قوله تعالى:

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[ سورة المؤمنون]

  يقول لنفسه: قومي قد أرجعناك، هيا تفضلي أرجعناك، وهذا يقول: أنا حي، أنا حي، فرح بحياته، الحمد لله، بدأ القلب ينبض، هناك فسحة ومهلة عند الإنسان، وعندما يصدق الإنسان مع الله عز وجل فالوقت ليس له قيمة، يقول الناس باللغة الدارجة: حرق المراحل، إذا كان في صدق تقطع ما يُقطع في عشرين سنة في ساعة، تقطعه في يوم تقطعه، هذا المنام من الرحمن، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد، مالك ]

  يوجد اتصال مباشر، السؤال التالي: ما هي الأحاديث التي تنص على حضور مجلس العلم ؟
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَشْهَدَانِ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَتَغَشَّتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ))

[ الترمذي، ابن ماجه ]

  هذا الحديث في معنى الطلب، بعد ذلك تسأل به خبيراً،

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾

 

[الأنبياء: من الآية 7]

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾

[ سورة الكهف: الآية 28]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: الآية 119 ]

  آيات كثيرة جداً تحثك على أن تكون مع أهل الحق، ومع الصادقين، وفي بيوت الله:

((إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحُقَّ على المزور أن يُكرم الزائر))

 آخر شيء سؤال: الرجاء بيان حكم اللقطة، حيث وجدتُ قطعة ذهب كزينة للنساء قرب أبنية، فماذا أفعل ؟
 يجب أن تضع إعلاناً في الأبنية التي إلى جانب هذه اللقطة لمدة عام إذا كان شيئاً ثميناً، من دون أن تذكر ما شكل هذه القطعة، وما حجمها، وما وزنها، فإذا جاء من يقدم لك الوصف الدقيق فهي له، فاللقطة هكذا حكمها، يجب أن تبلغ أقرب البيوت، وأقرب المحل التجارية، وتنتظر، إذا كان هناك محل، مثلاً سمان، أو بائع لوح، فضع إعلانًا صغيرًا على البلور: عثرنا على قطعة ذهبية، فمن كانت له فليقدم وصفاً لها، والعلاقة مع فلان، يمكن إذا كانت القطعة الذهبية ثمينة قد تكون لفتاة مثلاً، تألمت جداً من ضياع هذه القطعة.