أحاديث متفرقة - الدرس : 005 - المبادرة إلى الخيرات - أي الصدقة أعظم.

1988-09-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... لا زلنا مع الحديث النبوي الشريف، ولا زلنا في باب المبادرة إلى الخيرات، وحثٍ على التوجه للإقبال على الله عز وجل بالجد من غير تردد.

((فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ))

( متفق عليه )

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ هذا الحديث الصحيح المتفق عليه من قِبَل أئمة الحديث يؤكد على المؤمن أن يسارع إلى الخيرات، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾

 

( سورة آل عمران )

 من طبيعة الإنسان أنه يحب الخير، ومن علائم حب الخير المسارعة إليه، فإذا تيقَّن الإنسان أن الخير كله في الأعمال الصالحة سارع إليها، لذلك، من علامات المؤمن المسارعة إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات، والتقرب إلى الله بالقُرُبات، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه رجلٌ.
 فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً ؟ وكما تعلمون من قبل أن الصدقة سُمِّيت صدقةً لأنها تعبر عن صدق الإنسان، دليل صدقه، الذي تعتقده، والذي تؤمن به لا يقدم ولا يؤخر، ما لم يترجم إلى عمل، فالعمل هو الذي يؤكد صدق الإنسان، إنك إذا آمنت بحقيقةٍ ثابتة، ماذا فعلت ؟ لم تفعل شيئاً، لم تفعل شيئاً إلا إذا عبرت عن إيمانك بعمل طيب، لهذا قال الحسن البصري:

((الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل))

( أخرجه البيهقي )

  فسمي دفع المال الذي هو مادة الشهوات، والذي هو قوام الحياة، دفع المال المكتسب من وجهٍ حلال في سبيل الله، هذا اسمه صدقة لأنه يعبِّر عن صدق الإنسان، فهذا الصحابي الجليل الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الصدقة الفضلى، أو أي الصدقة أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " أن تصدق " أي أن تتصدق، وإذا جاء في الفعل تاءان فإنّ العرب يحذفون التاء الأولى تخفيفاً، لأن تكرار الحرف مما يثقل على اللسان، كلمة ( تتصدق ) تحتاج إلى بذل جهد، وهذه قاعدة في اللغة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أفصح العرب، وقد أوتي جوامع الكلم، قال: أن تصدق، أي أن تتصدق
  وأنت " هذه وأنت جملة حالية، أي ينبغي أن تكون الصدقة في حالة كونك صحيحاً شحيحاً تخشى الفقر وتأمل الغنى.
 صحيح " أي في كامل صحتك، لأن الإنسان إذا شارف على الموت هذا المال الذي بحوزته لا جدوى منه، لا ينفعه، ذهبت قيمته عند صاحبه، المال قد يأخذك إلى مكانٍ جميل، قد تأكل به ألذ الطعام، قد تسكن به أجمل البيوت، قد تركب به أجمل المركبات، ولكن إذا جاء الموت، وانقطع الأمل، ولاح شبح الموت، ما قيمة هذا المال ؟ لذلك حينما يتصدق الإنسان بماله وقد يئس من الحياة، هذا المال لا شأن له، عند صاحبه، لا قيمة له عند صاحبه، يعطيه جزافاً لأنه لم تعد به حاجة، لكن البطولة أن تصدق بهذا المال وأنت صحيح، أي في أوج قوتك، في أوج شبابك، هذه الأموال لها معنى تحل بها بعض المشكلات، تلبي بها بعض الرغبات، تعطيها لمَن تخشى بأسه، أو ترجو خيره، تعطيها لمَن أنت مكلف أن تعوله، لكنك أنفقت هذا المبلغ في سبيل الله عز وجل.
 لذلك قيمة الصدقة تنبع من قيمة المال، فإذا كان المال عندك ذا قيمة أنت صحيح، أنت في أمس الحاجة إلى هذا المال، لذلك قال عليه الصلاة:

((سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالُوا وَكَيْفَ قَالَ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا))

( رواه النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

 أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، أما الشحيح، طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

((اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))

 

(أخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن عابس )

 ابن آدم اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة، فإذا تصدقت وأنت صحيح، هذه الصدقة لها أجرٌ آخر ؛ بحسب حاجتك إلى المال، بحسب حرصك عله، بحسب ما يفعله هذا المال في حياتك، فلهذا إذا شئت أن تنال أعلى الأجر، وأعظم الأجر، فتصدق وأنت صحيح شحيح، وأنت في أوج حياتك، لا أن تكتب وتصبح تحت رحمة هذا الذي وكَّلته بإنفاق المال من بعدك، قد ينفقه وقد لا ينفقه، قد يعطي وقد لا يعطي، قد ينفِّذ وقد لا ينفذ، قد يتهم آباه أنه ذا تفكير سقيم، لماذا ندفع لهذا العمل الخيري كذا، نحن أولى به، فأنت لست متأكداً، إن لم تنفق هذا المال في حياتك لست متأكداً من أنه سينفق بعد مماتك، العلماء قالوا: الشح أعم من البخل، وكأن الشح جنس والبخل نوعٌ، لهذا يقول الله عز وجل:

 

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾

 

( سورة الحشر)

 الشح مرض خطير، مرض خطير يصيب النفس، وقد قال عليه الصلاة والسلام

:(( أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً))

 هذا مريض، ليس المال هدفاً بذاته إنما هو وسيلة، وقيل: البخل في أفراد الأمور والشح عام، أي الشح سمة عامة في النفس، والبخل حالة خاصة.
 وقيل أيضاً: الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق، كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، فالشح ملازم للصحة، الإنسان إذا قوي، صحيح، هذا المبلغ يأكل به طعاماً نفيساً، يذهب مع أصدقائه إلى نزهة، لماذا يدفعه إلى الفقير ؟ النبي عليه الصلاة والسلام كأنه قرن الصحة بالشح، ما دمت صحيحاً فأنت شحيح، معنى شحيح، بمعنى أنك بحاجةٍ ماسة لهذا المال، أنت محتاج إليه، أنت حريص عليه، فإذا أنفقته في طاعة الله، كان هذا الإنفاق ذا أجر كبير.
 وقال بعض العلماء: الشح هو البخل مع الحرص، فإذا اجتمع البخل والحرص كان شحاً، والشح أعاذنا الله وإياكم من هذا المرض الخطير، أي إذا كان الأب شحيحاً، ينتظر أولاده موته، فإذا كان كريماً، يتمنى أولاده أن تدوم حياته إلى آخر وقتٍ ممكن، وشتان بين أن تعيش بين أناس يتمنون الموت، وبين أن تعيش بين أناس يتمنون حياتك، الفرق بين هاتين الحالتين هو الشح والبخل.
 إذاً أن تصدق وأنت صحيح وشحيح تخشى الفقر، وربنا عز وجل قال:

 

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾

 

( سورة آل عمران )

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾

( سورة البقرة )

 كلما نويت أن تنفق هذا المال قال لك: أنت أولى به، لك أولاد، قد يأتي زمان أسود، لا تتحامق بإنفاق هذا المال، ابقِ هذا المال في حوزتك، هذه وساوس الشيطان، أسمِعْه آيات الرحمن..

 

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

 

( سورة سبأ: من الآية 39 )

 يخلفه..

 

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)﴾

 

سورة النساء)

 إذاً الصحيح أغلب الظن هو شحيح، بمعنى شحيح بحاجة إلى المال، يحرص عليه، المال له قيمةٌ كبيرة عنده، تخشى الفقر وتأمل الغنى، وكل إنسان في حال صحته يخشى أن يكون فقيراً ويتمنى أن يكون غنياً، في هذه الحالة إذا تصدقت كان لهذه الصدقة أجرٌ عظيم عند الله عز وجل، تخشى فعل مضارع من خشي، وهذا الفعل له ست مصادر، جمعها الإمام مالك في بيت من الشعر:

 

خشيت خشياً ومخشاةً ومخشيةً    وخشيةً وخشاءً ثم خشياناً

* * *

 والمصادر في اللغة تتعدد..

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

( سورة فاطر: من آية " 28 " )

 خشي خشيةً، هذه مستعملة أكثر، خشياً، مخشاةً، مخشيةً، خشاءً، خشياناً، هذه مصادر خشي.
 وتأمل الغنى أي تطمح إليه، ولا تمهل، إذا عزمت على عمل صالح فلا تمهل، إذا عزمت فأقدم وتوكل على الله ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم، أي بلغت الروح الحلقوم، أي قاربت بلوغه، هذا معنى "بلغت"، أي قاربت، لأن الإنسان إذا قارب الموت لا تنفذ وصيته، ولا يعتد بكلامه، وأصبح المال مِلك الورثة، لهذا فسرت "بلغت" بمعنى قاربت، إذ لو بلغته حقيقةً لم تصح وصية، ولا صدقة، ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق، يعني اتفق لعلماء على أن الكلام الذي يتفوه به الميت عند النزع لا يعتد به، لا صدقة، ولا وصية، ولا أي توجيه آخر، هذا المال الذي تركه في حال بلوغ الموت بمعنى المنازعة، فقد أصبح للورثة، وكلام الذي على فراش الموت لا يعتد به أبداً.
  حتى إذا بلغت الحلقوم " قلت: لفلان كذا، أعطوا فلانًا مائة ألف، أعطوا فلانًا مائتين، هذا البيت لفلان، هذا البيت ليس له معنى عندك، الأرض ليس لها معنى، المزرعة لم يعد لها معنى، هذه السيارة لفلان، صارت لا قيمة لها، كل هذه الأشياء حينما سخوت بها عند الموت لا قيمة لها إطلاقاً، لذلك البطولة وأنت حي ترزق، وأنت صحيح شحيح، " حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا "، الأصح من هذا وقد كان لفلان كذا، أي أن هذا المال أصبح لفلان الوريث، وليس لك أن تقول: لفلان ولفلان.

 

((وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ))
((فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عِنْدَ مَوْتِهِ))

 

(رواه أبوداود)

 هذا الحديث الآخر يوضح هذا الحديث الأول.

 

((لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ))

 

((فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عِنْدَ مَوْتِهِ))

 فهذا المال عندما تبلغ الحلقوم ليس لك، وليس لك الحق أن تقول لفلان ولفلان، هذا أصبح للوريث، فالوريث إما أن يجيز هذه الوصية وإما أن يرفضها، وله الأمر وليس لك الأمر، فالإنسان لا يكون تحت رحمة الوريث، ولا تحت رحمة الوصي، ولا تحت رحمة أولاده، ولا تحت رحمة أحد، ليتمثل قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالُوا وَكَيْفَ قَالَ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا))

( أخرجه النسائي عن أبي هريرة)

 درهم تنفقه في حياتك خير من ألف درهم ينفق بعد مماتك.

 

* * * * *

 والآن، إلى شيء من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
 شيخ يقطع الطريق وهناً ـ أي بضعف، ميمماً وجهه شطر دار الندوة، ليقضي بها ساعة الأصيل مع رفاق الشيخوخة، وإنه لماضٍ في سبيله، إذ لقيه في الطريق أعرابي قريب العهد بمكة، يعمل راعياً لدى واحد من سادات قريش، ولا يكاد الفتى ـ هذا الراعي ـ يبصر الشيخ أمامه، حتى تتحدر الكلمات من بين شفتيه في حمية وعجلة ويقول هذا الأعرابي لهذا الراعي:
 ـ هل علمت النبأ العظيم يا أخا العرب ؟
 ـفقال الشيخ: وأي نبأٍ عظيم ؟
  قال هذا الرجل الأعسر اليَسَر.
 يقول له الشيخ: الذي كان يصارع في سوق عكاظ ؟
 قال: أجل هو.
  قال: ما باله يا فتى ؟ ماذا تريد منه.
  قال: أين هو، لم أره في سوق عكاظ ؟ سوق عكاظ كان سوقًا أدبيًّا تتم فيه المناظرات الشعرية، وكان سوقًا للمصارعة، ومنتدى أدبيًّا، سوقًا مشهورًا، فهذا الأعرابي لم يبصر عمر ابن الخطاب وكان مصارعاً في هذا السوق.
 فقال الشيخ: لقد أسلم واتبع محمداً، والحق إن محمداً ليوسعنَّهم خيراً، أي إنّ هذا النبي سوف يملأ الدنيا خيراً، وهؤلاء الذين اتبعوه سوف ينالون كل شيء بهذا الاتباع.
 إن هذا المصارع الأعسر اليَسَر، هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سيملأ الناس عدلاً، وأمناً ورحمة وهدىً، كان هذا الرجل قوياً، مجدول اللحم، أي مفتول العضلات، مشرباً بالحمرة، عريض القدمين والكفين، عريض المنكبين، شامخًا عملاقًا، كان طويلاً، فلم يَسِر مع قوم قطُّ إلا كان أعلاهم رأساً من فرط طوله، كان إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا أطعم أشبع، إذا ضرب أوجع.
 وكان عليه الصلاة والسلام يدرك عظمة الطبيعة البشرية التي رُزِقها عمر، وكان يعرف ما تنطوي عليه من أصالة واقتدار، كما كان يعرف أيضاً ما يتمتع به عمرو بن هشام من جاه ونفوذ، من أجل هذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام ربه أن ينصر الإسلام بأحب الرجلين إليه ؛ عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَر))

(أخرجه الترمذي)

 سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، كان إسلامه فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، بعد إسلام عمر صار المسلمون يصلون بالبيت الحرام، هكذا قال النبي، وهكذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام:

((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ))

 في الجاهلية كانت عداوته للإسلام تكاد وحدها تعدل أذى قريشٍ كلها، وكان تشبثه بموقفه يدحض أي أمل في عدوله عن هذا الموقف، أحد المسلمين صوَّر يومئذٍ يأسه من إسلام عمر بقوله: إنه لن يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، أي إذا حمار آل الخطاب أسلم يسلم عمر، لشدة تشبثه بموقفه، وشدة عداوته لهذا الدين، والصلحة بلمحة، " إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
 لكن بعض المحللين لشخصية عمر يذكرون أن سيدنا عمر كان متفوقاً ولم يكن متطرفاً، وهذا توجيه دقيق لنا، كن متفوقاً ولا تكن متطرفاً، فالحق وسطٌ بين طرفين ،ّ

(( فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

(رواه البخاري)

 أي إن الحق، ليس مع التطرف، لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، تركتم على بيضاء نقية، يقول عليه الصلاة والسلام:

((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، ولا تكونوا كَلاًّ على الناس))

( أخرجه ابن عساكر عن أنس)

  فيا أيها الإخوة الأكارم... نحن مع التفوق وليس مع التطرف، يعني أن تهمل عملك، أن تترك دراستك، أن تهمل بيتك بدعوى أنني زاهد !! لا، ليس هذا هو الزهد، الزهد أن تعطي، أن تقدم لمجتمعك شيئاً ثميناً، أن تقدم له خدمة، أن تقدم له سلعة، أن تقدم له عملاً نافعاً، أن تكون عضواً إيجابياً لا سلبياً، مقداماً لا منسحباً، منفتحاً لا منغلقاً، هذا هو الاعتدال، فالإسلام ليس مع التطرف لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، ولكن الإسلام مع الاعتدال لذلك كن متفوقاً. فسيدنا عمر كان متفوقاً ولم يكن متطرفاً.
 ذات يوم لاهبٍ خرج عمر بن الخطاب من داره حاملاً إصراراً عجيباً، وسيفاً جسوراً، مولياً وجهه شطر دار الأرقم، حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام يذكرون الله هناك، وفي الطريق يلقاه نُعَيْم بن عبد الله، فيرى نعيم ملامحه تتفجر يأساً وبأساً ونقمة، فيقترب منه على وجل ويسأله:
ـ إلى أين ذاهب أنت يا عمر ؟
 ـفيجيبه عمر: إلى هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله. يعني إلى سيدنا محمد، اللهم صلِّ عليه.
 ويذهل نعيم عن إحساسه بالموقف، وبالخطر الذي ينجم عنه، فيقول لعمر:
 ـلبئس السعي سعيك، وبئس الممشى ممشاك.
 ويخشى عمر أن يكون نعيم قد أسلم، فيقول له:
 ـ لعلك صبأت يا نعيم، إن تكن فعلت فو اللات والعزى إنْ كنت قد أسلمت لأبدأنَّ بك، ونعيم يعرف تماماً أن ابن الخطاب يعني ما يقول، فينهي الحوار بعبارة تلوي زمام عمر، إذ لا يكاد يحتمل وقعها الشديد فقال له نعيم:
 ـألا تعلم يا عمر أن أختك وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما وتركا دينك الذي أنت عليه.
 أخته فاطمة بنت الخطاب، ماله ولدار الأرقم وقد اقتحم الخطر داره، وهكذا أغز السير إلى دار أخته وزوج أخته سعيد بن زيد، وفي جوف الدار كان سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب وملء أيديهم صحيفةٌ فيها وحيٌ من كتاب الله. وقرع الباب قرعاً رهيباً، فهو يغلي، وقيل:
 ـمَن ؟
 ـقال: عمر.
 فاستقبلاه لدى الباب يغشاهما ذهول المفاجأة، ولم تنس بنت الخطاب في هذه الغمرة الصحيفة الكريمة التي بها آيٌ من كتاب الله فخبأتها تحت ثيابها، الشر بعينه، قال عمر والهول ينقذف من عينيه:
 ـما هذه الهينمة، سمعت دمدمة سمعت قراءة، ما هذه الهينمة التي سمعت عندكم ؟
 ـأجابا: لا شيء، إنها نجوى وأحاديث، كانا يقرآن القرآن.
 ـفقال لهما: سمعت أنكما صبأتما !! أي أسلمتما.
 ـفقال سعيد: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك ؟ ما قولك؟
ولم يمهله عمر حتى يتم حديثه، فوثب عليه في عنفوان لجب، يغلي.
  فقال: يا عدو الله، أتضربني على إيماني بالله الأحد، ألا ما كنت فاعلاً فافعل، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
 فبينما هو في بأسه الشديد، يجابه لاحق عالي الصيحة، إذا هو تأخذه غشية، يقول:
 هاتِ الصحيفة لأنظر ما فيها.
 وتجيبه أخته: كلا، إنه لا يمسّه إلا المطهرون، اذهب فاغتسل وتطهر.
 ويمضي عمر، ويغتسل، ويعود ليطلب الصحيفة، ويقرأ ما فيها فإذا فيها هذه الآيات:

 

 

 

﴾ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)﴾

( سورة طه)

 

 

ثم يتابع التلاوة:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) ﴾

( سورة طه)

 الصلحة بلمحة، فيعانق عمر الصحيفة، ثم يقبلها، وينهض واقفاً ويقول: لا ينبغي لمَن هذه آياته أن يكون له شريك يعبد في السماوات والأرض، دلوني على محمد.
 الإنسان لا ييأس، فلا تيأس من أخيك، ولا مِن جارك، ولا من ابنك، الصلحة بلمحة، كل هذا العنفوان، كل هذا الجبروت، كل هذه العداوة، رأى النبي صادقاً، أميناً، رأى أصحابه أناسًا طاهرين، إذاً هم على حق، فقال: دلوني على محمد. وهنا يقول سعيد بن زيد:
أبشر يا عمر فوالله لقد استجيب دعاء النبي لك، النبي دعا لك، قال:

((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ))

 ويتخذ عمر سبيله إلى دار الأرقم، وهناك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل في الدين الحق، ويكبِّر المسلمون تكبيرة تهتز لها مكة جميعاً.
 طبيعةٌ كطبيعة عمر ترفض التبعية، وتستعلي على الإذعان، ليس لها مجال حيوي ولا مناخ طبيعي إلا في دين كهذا الدين، حيث يقف الناس فيه سواسية كأسنان المشط، أساساً لما جاءه جبلة بن الأيهم ملكاً وقد أسلم أثناء طوافه حول الكعبة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فانخلع ثوب هذا الملك، فالتفت جبلة إلى هذا البدوي وضربه ضربة هشمت أنفه، هذا البدوي اشتكى إلى سيدنا عمر، فسيدنا عمر استدعاه، قال له:
 ـماذا حصل ؟
 فقال: أيها الأمير بدوي من فزارة داس طرف ثوبي فكدت أعرى.
 ـقال له: هل ضربته ؟
 ـقال: نعم.
 ـفقال: أرضِ الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك
 ـقال: كيف ذاك يا أمير المؤمنين هو سوقة وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضا ؟!!
 ـفقال سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرضِ الفتى.
 ـفقال: كان وهماً ما جرى في خلدي، أنني عندك أغلى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
 ـفقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالَم مبني كل صدع فيه بشذا السيف يداوى، وأعز الناس بالصعلوك بالعبد تساوى.
 هذا الدين الذي يرضي عمر، دين الناس جميعاً سواسية، كأسنان المشط، اسمعوا وأطيعوا، هكذا قال النبي الكريم ولو تولى عليكم عبد رأسه كالزبيبة، " إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".
 سيدنا عمر قال: والله لن أترك مكاناً جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، كلٌّ منا إذَا تفضل الله عزوجل عليه وقبله، فعليه بقدر ما سهر مع رفاقه سهرات لا ترضي الله، أن يسهر مع إخوته المؤمنين سهراتٍ ترضي الله، بقدر ما ذهب نزهات لا ترضي الله، يجب أن يمشي مع إخوته المؤمنين فيما يرضي الله، بقدر ما أنفق من ماله على متع لا ترضي الله، يجب أن ينفق من ماله فيما يرضي الله، فإذا كانت التوبة حصلت تماماً فلا بد من التصحيح، ولا بد من التكفير.
بعضهم يرى أن هذا الصحابي الجليل حينما كان ضعاف المؤمنين يعذبون في أول عهد الإسلام، وكان عمر يرى أن هؤلاء ضعاف، فلابد من أن يقف إلى جانبهم، فإذا عذب معهم رفع من شأنهم، وأزال عنهم وحشتهم، فذهب إلى بيت أبي جهل، فتهيَّبه أبو جهل، ذهب إلى بيت صفوان تهيبه صفوان، إلى  أن دخل في الكعبة، ودعا إلى الإسلام، وناوشه أعداء الإسلام، فقال رضي الله عنه: وسار إلي الناس يضربونني وأضربهم، فجاء خالي وقال: ما هذا ؟ قالوا ابن الخطاب، فقام على الحجر وقال ألا إني قد أجرت ابن أختي، فانكشف الناس عني، فكنت لا أزال أرى الذين يضربون من المسلمين، وأنا لا يضربني أحد فقلت: ألا يصيبني ما يصيبهم ؟ فجئت خالي وقلت له:
 ـجوارك مردود عليك. أنا أحب أن أكون مع هؤلاء الضعاف، جوارك مردود عليك.
 فقال لا تفعل يا ابن أختي.
 قلت: بل هو رد عليك.
 ـقال: ما شئت فافعل.
 فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله دين الإسلام، فكان يحب أن يرفع من شأن هؤلاء الضعاف الذين لا سند لهم.
 مرة سيدنا عمر يبدو أنه علا شأنه، وصار أمير المؤمنين، وصار في حالة من السمو لا يبلغها أحد، ففي خطبته المشهورة قال:
 أيها الناس لقد رأيتني وأنا أرعى الغنم لخالات لي من بني مخزوم، نظير قبضة من تمر أو من زبيب.
 استرجع ماضيه، كنت راعي غنم أرعى غنمات لخالات لي من بني مخزوم، نظير قبضة من تمر أو من زبيب، ثم ينزل من على المنبر بين دهشة المستمعين وتساؤلهم، فالكلام ليس له معنى هو أمير المؤمنين، ما علاقة ماضيه السحيق حينما كان راعياً للغنم.
 تقدم منه سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وقال: يا أمير المؤمنين ماذا أردت بهذا ؟ ما علاقة الكلام ؟
  فيجيبه عمر قال: ويحك يا ابن عوف، خلوت بنفسي فقالت لي: أنت أمير المؤمنين، وليس بينك وبين الله أحد، فمن ذا أفضل منك ؟ فأردت أن أعرفها قدرها، أنا كنت راعي غنم، أرعى الغنم على تمرات لبني مخزوم.
 فلا تنسَ ماضيك، إذا الله عز وجل رفعك، فصرتَ تاجرًا كبيرًا، لا تنس لما كنت أجيرًا تعمل مقابل دريهمات لا تجد طعاما تأكله، إذا صرت بوظيفة عالية لا تنس أنك كنت تشتغل بوظيفة دنيا، تسكن بيتًا مريحًا لا تنس لما كنت في بيت صغير فأكرمك الله، فالإنسان لا ينسى أصله، ولا ينسى ماضيه، وليكن دائماً مطأطئ الرأس تواضعاً لله عز وجل، فإذا نسي ماضيه لحظة فقد انتهى.

 

 

* * *