أحاديث متفرقة - الدرس : 008 - من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.

1989-01-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ))

 أو فهو رَدْ إذا وقفنا على هذه الكلمة .

 

(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ))

  هذا الحديث الشريف يُستنبط منه أشياء كثيرة، أولاً:
 من أحدث في أمرنا ـ ومعنى كلمة أمرنا أي في ديننا ـ ما ليس منه فهو ردٌ ". أي مردودٌ بإبطال هذه المحدثات.
 الحقيقة البدعة هي الشيء المبتدع الذي لم يكن من قبل، هناك بدعةٌ في الدنيا، وهناك بدعةٌ في الدين، بدعة الدنيا مرفوضةٌ ومقبولة، مرفوضةٌ إذا خالفت أحد نصوص الدين.
 لو أن نمطاً من الحفلات، قام ولم يكن على عهد رسول الله فيه اختلاط، وفيه كشفٌ للعورات، فهذه البدعة في الدنيا ما دامت تعارضت مع أحكام أساسية في الدين، مع نصوص صريحة فهي مرفوضة.
 أما بدعةٌ حسنة في الدنيا ؛ لو أن الماء الساخن صار في كل المساجد، يتوضأ به المصلون في أيام الشتاء القارصة، هذا أمرٌ لم يكن على عهد رسول الله، لكنه بدعةٌ في الدنيا حسنة، مقبولة، بدعة الدنيا مقبولةٌ أو مرفوضة، ومقياس القبول أو الرفض مدى انسجامها مع أوامر الشرع، أو مدى معارضتها لأوامر الشرع، أي شيءٍ في بيتك ؛ جهاز تبريد لا يتعارض مع أوامر الشرع، جهاز لهو فيه إثارةٌ للشهوات السفلية، وقد ينجم عنه انحرافاتٌ خُلُقية، جهاز التبريد بدعةٌ في الدنيا، وجهاز اللهو بدعةٌ في الدنيا، لكن بدعة جهاز التبريد لا تتعارض مع نصٍ شرعي، أما بدعة جهاز اللهو قد تفسد أخلاق مَن في البيت، إذاً البدعة في الدنيا مقبولة ومرفوضة، مقبولةٌ إذا لم تتعارض مع أوامر الشرع، ومرفوضةٌ إذا تعارضت مع أوامر الشرع.
 لو أن بضعة أشخاص، أربعة أشخاص دون الخمسة، اتفقوا على أن يسهروا في الأسبوع سهرة، يتذاكرون فيها أمر تجارتهم، أو أمر دينهم، هذا الاجتماع الدوري لا يتعارض مع أوامر الشرع، أما لو أن هذا الاجتماع الدوري ساده الغيبة والنميمة، وتعارض مع أوامر الشرع، فهو بدعةٌ في الدنيا مرفوضة، أي تصرف، أي شيء، أي جهاز، أي حاجة، أي أسلوب، أي نمط في المعيشة، أي عمل قسه بأوامر الشرع، كأن أوامر الشرع مقياسٌ دقيق تقيس به كل شيء، ما من شيء في الأرض إلا ولابد من أن ينطبق عليه أحد الأحكام الشرعية الخمسة ؛ فرضٌ، واجبٌ، سنةٌ، مباحٌ، مكروهٌ، محرم، عند الأحناف هناك فرضٌ وواجب، عند الشافعية فرضٌ، وسنةٌ، ومباح، ومكروهٌ، وحرامٌ. فأي عمل، أي تصرف ؛ أن تشتري ثياباً جديدة، مباح، أن تبالغ في هذه الثياب، مكروه، دخلت في الإسراف، أن تستخدم شيئاً حرمه الله عزَّ وجل، إذاً البدعة في الدنيا قضيتها محلولة.
 لكن الدين، لأن الله سبحانه وتعالى قال:

 

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 3" )

  لأن دين الله عزَّ وجل جاء بالتمام والكمال، وما الفرق بين التمام والكمال ؟ التمام يعني القضايا التي عرضها الدين قضايا شاملة، لم يغادر قضيةً تتعلق بعلاقة الإنسان بربه إلا وعرضها، عدد القضايا التي تناولها الدين في القرآن الكريم عددٌ تام، لم ينس أمر الطلاق، لم ينس أمر الميراث، لم ينس أمر البيع والشراء، لم ينس أمر السِلم والحرب، لم ينس أمر الأسرى، أي موضوعٍ مهمٍ يتعلق بسعادة الناس في الدنيا والآخرة طرقه الشرع، إذاً:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾

  تمام النعمة، التمام من حيث العدد، والكمال من حيث النوع، فالموضوعات التي عالجها القرآن الكريم عالجها معالجةً كاملة، وعدد الموضوعات التي تطرَّق إليها القرآن الكريم عددٌ تام، فالعدد تام، وطريقة المعالجة كاملة، هذا دين الله، هذا شرع الله، والذي أنزله خالق الكون، خالق السماوات والأرض، لذلك لا يمكن أن تفكر أن ترمم الدين، أو أن تسد ثغرةً فيه أو أن تحدث فيه ما ليس منه، هذا رد، لذلك بدعة الدين مرفوضة.
 سيدنا الصديق رضي الله عنه يقول: " إنما أنا متبع ولست بمبتدع ". فـ:

 

 

(( من أحدث في أمرنا ـ أي في ديننا ـ ما ليس منه فهو رد ))
(( صلوا كما رأيتموني أصلي))

 

( من الجامع لاحكام القرآن: عن " الأوزعي " )

  صلاتنا، وصيامنا، وحجنا، وزكاتنا كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، بيعنا وشراؤنا، زواجنا وطلاقنا، ميراثنا، يجب أن نطبق ما جاء به القرآن الكريم، وما بينه النبي عليه الصلاة والسلام من دون زيادة ولا نقصان، الزيادة بدعة في الدين، والنقصان تقصير، لذلك:

 

(( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد))

  أي مردودٌ عليه بالبطلان، توضح أن البدعة في الدنيا نوعان، مقبولةٌ إذا تمشَّت مع أوامر الشرع، ومرفوضةٌ إذا تعارضت مع أوامر الشرع، وبدعة الدين مرفوضةٌ أصلاً جملةً وتفصيلاً بقضِّها وقضيضها لأن الدين جاء تاماً وكاملاً، القرآن الكريم ذكر أشياء، وسكت عن أشياء، وحرَّم أشياء، فالذي أمرنا به يجب أن نأتمر به، والذي حرمه يجب أن ننته عنه، لكن الذي سكت عنه ففي السكوت عنه حكمةٌ لا تعدلها حكمة.
 فالذي سكت ؛ عنه كيف نأكل ؟ لو أكلت على الطاولة مقبول، لو أكلت على الأرض مقبول، لو نمت على السرير مقبول، لو نمت على الأرض مقبول، لو استقبلت الضيوف على وسادات موضوعةً على الأرض مقبول، لو استقبلتهم على فُرُش مقبول، على أثاث من نوع حديث مقبول، أمور الأثاث، والطعام، والشراب، واللباس، وتنظيم البيت، هذا لا يتعلق بإقبالٍ أو إدبار، بمعصيةٍ أو طاعة، هذه أشياء سكت الشرع عنها، فالذي سكت عنه مباح، الأصل في الأشياء الإباحة، والذي أمرنا به ؛ هناك أمر إيجاب، وهناك أمر ندب، بين الفرض والمندوب، والذي نهانا عنه ؛ هناك نهي تحريم، ونهي كراهة، وهذا نأخذه في دروسٍ قادمةٍ إن شاء الله تعالى.
 لكن أردت من هذا الحديث الذي عقد تحت باب (النهي عن البدع ومحدثات الأمور ) في رياض الصالحين أنه:

 

 

(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ))

 

* * * * *

 والآن، إلى موضوعات البيوع التي بدأناها في الدرسين السابقين
 أولاً في الدرس الماضي والذي قبل الماضي عالجنا موضوع تعريف البيع، ومشروعية البيع، وركن البيع الأوحد وهو الرضا..

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

( سورة النساء: من آية " 29 )

  وكيف أن الرضا حالةٌ نفسية يعبر عنها بالكلام، بالإيجاب والقبول، أو بالفعل، بالمناولة، أي بالتعاطي. وبينت لكم أيضاً أن للبيع شروط انعقاد، وشروط صحَّة، وشروط نفاذ، وشروط لزوم، بدأنا بشروط الانعقاد، بينت أيضاً أن من شروط الانعقاد ما يتعلق بالمتعاقدين، هناك شرطان أساسيان: الأهلية، والتعدد. ومن الشروط ما يتعلق بصيغة العقد، صيغة البيع، وهو الإيجاب والقبول، وكيف أن الإيجاب والقبول يجب أن يكون متطابقاً، يجب أن يتطابق الإيجاب والقبول، ويجب أن يكون بصيغة القطع والجزم، وأن من الشروط ما يتعلق بمكان البيع، هذا المجلس مجلس البيع، ومجلس البيع يدخل فيه المكان والزمان. وتحدثت عن هذا بالتفصيل في الدرس الماضي.
 واليوم ندخل في الشروط المتعلقة بالمعقود عليه، بهذه السلعة التي سأبيعها، شروطٌ متعلقةٌ بالمتعاقدين، شروطٌ متعلقةٌ بصيغة البيع، شروطٌ متعلقةٌ بمكان البيع، وشروطٌ متعلقةٌ بالمبيع، بموضوع البيع.
 ولكن قبل أن أبدأ سألني أخٌ كريم في الدرس الماضي السؤال التالي، قال: أنت قلت في الدرس أنه من شروط انعقاد المبيع، والتي هي متعلقةٌ بالمتعاقدين الأهلية والتعدد، فلو أنني أملك معملاً للنسيج، وأنا محتاجٌ إلى خيوط بشكلٍ مستمر، قريبةٌ لي، أو قريبٌ لي أعطاني مبلغاً من المال، وكلفني أن أستثمره في حرفتي، أنا وجدت من الخير أن أشتري بهذا المبلغ مادة الخيط، فإذا ارتفع ثمنها بعتها، فكان هذا الربح قسمٌ منه لي نظير جهدي، وقسمٌ منه لصاحب المال نظير ماله، قلت: جيد. قال: فإذا احتجت إلى هذه الكمية من الخيوط والتي هي بحوزتي، والتي اشتريتها وكالةً عن المستثمر، إذا احتجتها إلى معملي فإنني سأشتريها من المستثمر وكالةً، فأبيعها أنا وكالةً عن المستثمر، وسأشتريها أنا أصالةً عن نفسي، فهل هذا البيع باطل ؟
 قلت له: إننا ندرس في هذا المسجد المذهب الحنفي، ومن المستحيل أن تدرَّس المذاهب جميعاً في درسٍ واحد، ولكن أؤكد لكم أن اختلاف الأئمة الأربعة رحمة، واختلافهم يسع جميع الحالات، لو أن صاحب هذا المعمل سأل مَن يعملون بتجارة الخيوط: كم سعر الخيط اليوم ؟ فقالوا: كذا، وهذا سعرٌ معروفٌ وثابت، فصاحب المعمل اشترى هذه الكمية من الخيوط لنفسه، هنا انتفى التعدد، باع الخيط وكالةً عن المستثمر واشتراه لنفسه أصالةً عن نفسه، هذا البيع في مذهب الإمام أحمد، ومذهب الإمام مالك صحيح على شرط أن يكون السعر مطابقاً لسعر السوق، ويفضل أصحاب هذين المذهبين إذا سأل عن السعر، فجاءته أسعارٌ متفاوتة، يفضل أصحاب مذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل أن تشتري هذه الكمية بأعلى سعر بلغه مسمعك، أو بالسعر المتوسط، على كلٍ يجب أن يكون السعر عادلاً، لذلك السادة الأحناف رفضوا أن يشتري الإنسان وكالةً عن إنسان وأصالةً عن نفسه، لابد من التعدد، بينما الإمام أحمد والإمام مالك أكدوا أنه إذا كان السعر عادلاً، لا مانع من أن يبيع الإنسان نفسه، هذا موضوع متعلق بالدرس الماضي.
 الموضوع الثاني أنا قلت: يستثنى من هذا الشرط القاضي ـ قاضي الشرع ـ قاضي الشرع بإمكانه أن يشتري وأن يبيع وشخصه واحد، لو أن عنده أيتام لهم بيت ضاق بهم، وعنده أيتام آخرون محتاجون لهذا البيت، بإمكان قاضي الشرع أن يبيع البيت عن هؤلاء، وأن يشتري البيت لهؤلاء وهو شخصٌ واحد، فالأب والقاضي مستثنى من حكم التعدد في المذهب الحنفي، هذان الحكمان متعلقان بالدرس الماضي.

 

* * * * *

 الآن درسنا اليوم الشروط المتعلقة بالمعقود عليه:
 أولاً: الوجود، يجب أن يكون المعقود عليه البيع موجوداً، لذلك بيع المعدوم باطل من أساسه، شيءٌ لم يوجد بعد، فالمعدوم لا ينعقد عليه البيع، فلا يجوز أن تشتري الثمر قبل أن ينعقد، ولا يجوز أن تشتري ولد الشاة قبل أن تحمل الشاة، هذا معدوم، بل إن الفقهاء زادوا على ذلك الشرط بأنه لا يجوز أن تشتري ما هو في حكم المعدوم، أو ما كان العدم خطراً عليه، يعني دابةٌ بطنها منتفخ، لا يجوز أن تشتري ما في بطنها، لعل الذي في بطنها انتفاخ، أو استسقاء وليس حملاً، ولا يجوز أن تشتري اللبن في ضرع الشاة، لعل هذا اللبن استسقاء أو ورم، وليس لبناً، فالشيء المعدوم لا ينعقد عليه البيع، بل إن عقد بيعٍ على شيءٍ معدومٍ يعد هذا البيع باطلاً من أساسه.
 قس أنت على هذه القاعدة أي عقد شراءٍ على شيءٍ لا وجود له إطلاقاً، يعني بالطابق الخامس عشر الشقة اليمين، أرض خراب، والبيت العربي موجود لم يهدم بعد، في شروط، هذا بيعٌ معدوم، وهناك مآسٍ كثيرة جداً نتجت من البيع المعدوم.
 لماذا حرَّم الشرع شراء المعدوم وحرَّم بيعه ؟ لأن المستقبل بيد الله عزَّ وجل، تشتري شيئاً ليس موجوداً، لذلك شراء المعدوم من نتائجه الغرر، والغرر يؤدي إلى المنازعة، والشرع الحنيف جاء ليزيل أسباب المنازعة، يقولون لك: إزالة العدوان، وإزالة آثار العدوان، وإزالة أسباب العدوان، لذلك الشرع جاء لا ليزيل المنازعات، بل جاء ليزيل أسباب المنازعات، ومن أسباب المنازعات بيع الغرر، من أسباب بيع الغرر أن تبيع شيئاً معدوماً لا وجود له إطلاقاً.
 النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، أن تبيع شيئاً ليس عندك، فهذا في حكم المعدوم، لو قال لك: اشتريت. أصبح هذا الشيء ملك الشاري، أين هو ؟ ليس موجوداً، هذا بيعٌ باطل، معنى باطل غير فاسد، البيع الفاسد يصحح، لكن البيع الباطل لا ينعقد أصلاً.
 والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمار على الأشجار قبل أن يبدو صلاحها، هذا بيع باطل، قد يأتي صقيعٌ فيذهب بكل هذا المبيع، قابض خمسين ألف رعبون، أين ذهبوا ؟ لكن الصقيع انتهى، الثمرة انعقدت، الضمَّان عرف تقريباً حجم الفاكهة التي على الشجر، الآن الدفع صحيح، لكن هناك احتمال الصقيع، والثمر لم ينعقد، وأنا أضمن هذا البستان بمائة ألف، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار على الأشجار قبل أن يبدو صلاحها، لا تبع الحب حتى يشتد، ولا تبع العنب حتى يسود، حتى يبدو صلاحه، ويقول عليه الصلاة والسلام:

((لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر))

( من الجامع الصغير: عن " ابن مسعود " )

  ونهى عليه الصلاة والسلام عن بيع حبل الحبلة، يعني الشاة الحبلى، نهى عن أن تشتري ما في بطنها، لأن هذا الشراء في حُكْم المعدوم، ليس معدوماً لأن البطن منتفخ، لكن في حكم المعدوم قد تولد ميتة، وقد يكون هذا انتفاخاً، أو مرضاً، أو استسقاءً وما شاكل ذلك.
 إذاً أول شرط من شروط صحة انعقاد المبيع: أن تكون مادة البيع المعقود عليه البيع موجوداً، يقول لك العوام: حاضر حلال، أخي في بيت تشتريه ؟ يقول لك: ثالث طابق، شرق غرب شمال مفتوح، أنت تتصور ثالث طابق شرق غرب شمال مفتوح، أربعة وصالون وغرف واسعة، هذه واسعة مطَّاطة، يطلع البيت سبعين متر، ويطلع في عليه مثلاً تنظيم، ويطلع في مخالفات، وست إشارات حجز، لا تشتري بيت قبل أن تطلب الكشف، في عليه إشارات حجز، في عليه إشكالات، في عليه مخالفات، فالغرر يؤدي إلى المنازعة، هذا الشرط الأول في المبيع.
 الشرط الثاني: المالية ـ غير وزارة المالية ـ مالية المبيع أن يكون مالاً، والمال ما يتموله الإنسان ويقتنيه، ما أحد يتمول قمامة، القمامة ليست مالاً في حكم الأفراد طبعاً، في حكم الأعمال الكبرى الصناعية تباع وتشترى، أما في حكمة الأفراد القمامة ليست مالاً، المال ما يتموله الإنسان ويقتنيه.
 الأحناف عرَّفوا المال على الشكل التالي، قالوا: ما يميل الطبع إليه، سجادة جميلة هذا مال، ثرية، مثلاً مروحة، برَّاد، فرش، سرير، ثياب صوفية، كل شيءٍ يميل الطبع إليه، لكن عقرب، لا أحد يشتري عقرب، الطبع ينفُر منه، ما يميل الطبع إليه، ويجري فيه البذل والعطاء والمنع، يبذل والله فلان كريم، يمنع بخيل، ما يجري فيه البذل والمنع وما يميل إليه الطبع، ويمكن ادِّخاره لوقت الحاجة. هذا تعريف السادة الأحناف للمال، فإذا لم تنطبق هذه الشروط على الشيء المبيع، فهذا ليس مالاً، وليس محلاً للعقد في الأصل.
 فالطبع مثلاً لا يميل إلى الميتة، من يشتري كلب ميت مثلاً، قطة ميتة، أرنب ميت، فروج ميت، غنمة ميتة، جمل ميت من جمعة ورائحته تبعد عنه كيلو متر ؟ فالطبع لا يميل إلى الميتة، فالميتة ليست مالاً، والدم ليس مالاً، والمال يجب أن يبذل وأن يمنع، فحبة القمح ليست مالاً، لو واحد أعطاك حبة قمح تقول له: كتر خيرك تفضلت علينا، الله يجزيك الخير، الله يقدرنا على مكافأتك ؟ أو غير حبة قمح، حبة هيل مثلاً، هذا شيءٌ لا يجري فيه المال إطلاقاً لا البذل ولا المنع، شق تمرة ـ نصف تمرة ـ واحد بالحج رأى لوزة رفعها، وأحدث في الحج ضجيجاً كبيراً: من صاحب هذه اللوزة ؟ من صاحب هذه اللوزة ؟ حتى قال له عمر: كلها يا صاحب الورع الكاذب. كلها وخلصنا.
 فمن تعاريف المال أنه يجب أن يجري فيه البذل والمنع، وأن تميل النفس إليه، طبعاً الإنسان لا يميل للميتة ولا للدم، لكن يميل للقمح، لكن حبة قمح هذا شيء زهيد دون الحد المقبول، الآن بالنقود مثلاً ربع ليرة، الآن ما لها قيمة، قديماً كان نصف فرنك، تأخذ كأس عرقسوس بنصف فرنك، بقرشين ونصف مثقوبة كذلك، الآن الليرة ما لها قيمة تقريباً، فالشيء الناس لا يعبأون له أقبضوه أم لن يقبضوه، فهذا الشيء لا يجري فيه البذل ولا المنع.
 لكن الأحناف اشترطوا شرطاً ثالثاً: أنه يمكن ادخاره إلى وقت الحاجة. جمهور العلماء رفض هذا الشرط، مثلاً حق الانتفاع، حق الارتفاق، حق الشُفْعَة، هذه حق مجردة، هذه عند الأحناف ليست مالاً لأنها لا تدخر، لكن عند غير الأحناف تعد مالاً، حقوق مجرَّدة. لذلك عند السادة الأحناف بيع المنافع باطل، لك جار في عنده بيت عرضه للبيع، وأنت لك حق شراء هذا البيت، هذا الحق مجرَّد، لا يجوز أن تبيع هذا الحق لإنسان آخر: أنا أبيعك هذا الحق بعشرة آلاف اشتري هذا البيت منه، هذا الحق لك بالذات وليس لغيرك، هذا الحق خاص للجار لا يباع، ولا يجير، ولا يعطى، ولا يوهب. إلا أن الأحناف أجازوا من بيع المنافع الإيجار، أن تستأجر بيت، أن تستأجر سيارة، أن تستأجر آلة، اتفق العلماء على أن بيع المنافع إيجاراً هذا شيءٌ مستحسن وقد أجمع عليه العلماء، مقبول، تسـتأجر منزل، أنت تشتري المنفعة فقط، في عندنا ملك الرقبة وملك المنفعة، تستري أنت منفعة البيت دون رقبته.
 الآن لو اشتريت شيئاً صحيحاً يعد مالاً، لكن اشتريته بثمن ليس مالاً، مثلاً لو واحد اشترى.
 إذا كان مال متقوماً، ومعنى متقوم أن يحل الشرع استعماله، إذا كان جهاز يؤذي الناس في أخلاقهم، هذا مال غير متقوم، الخمر مال غير متقوم، لحم الخنزير مال غير متقوم، قد تكون صفقة مواد غذائية غالية جداً، ولكن أكلها محرم، فيها لحم خنزير، أو فيها شحم خنزير، فهذه الصفقة الغذائية لا يجوز بيعها ولا شراؤها إطلاقاً، شيء دقيق جداً، أخي أنا عندي برتية مورتديلاً فرضاً، ثمنها ثمانمئة ألف، هذا مال لكن غير متقوم، لأنه محرم أكل لحم الخنزير في الشريعة الإسلامية، يجب أن يكون موجوداً، يجب أن يكون مالاً متقوماً، ولا يتقوم المال إلا إذا أحل الشرع استعماله، فقس أنت أي شيء محرم تداوله، واستعماله، وتناوله، وأخذه فهو مال غير متقوم، أما الميتة ليست بمال، الدم ليست بمال، العقرب ليس بمال، أما لحم الخنزير مالٌ ليس متقوَّم، والخمرة مالٌ غير متقوم.
 شيءٌ آخر: لو إنسان باع مالاً متقوَّماً بمالٍ غير متقوم، أي باع بيت بصفقة لحم خنزير فرضاً، أو صفقة خمر، البيع ليس باطلاً بل هو بيعٌ فاسد، والفاسد يصحح، يعني نغير الثمن، عوضاً عن الخمر أو لحم الخنزير نقبض مال، نقبض نقد.
 فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما لا يحل الانتفاع به، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير، من الصحيحين )

 الآن يقول لك: صنم مثلاً، مذهبات أو فضيات، إذا كان الصنم أشكال كلها تقليد لخلق الله عزَّ وجل، فهذه لأن الشرع نهى عن اقتنائها، لذلك لا يجوز أن تباع وأن تشترى، فهذه مال، فيها ذهب، فيها فضة، أحياناً كؤوس خاصة لشراب الخمر، هذا الكأس لا يستخدم إلا لشرب الخمر، هذا لا يباع ولا يشترى، لا يجوز بيعه وشراؤه.
 الشرط الرابع: الإحراز، أنا بإمكاني أن أبيع الطيور في السماء لأن حق صيدها يستوي فيه الشاري والبائع، فالطير الذي في السماء ليس مالاً مُحْرَزَاً، معنى محرز يعني تضعه في مستودعك، مغلق عليه، ملكك الشخصي، فكل شيء مباح لا يباع، أتستطيع أن تبيع ماء بقين ليست بالقناني بل ماء عند النبع ؟ املأ هذا البيدون وهات خمس ليرات، تقدر تقول له هذا ؟ هو يملأه محلك، مكان النبع، مكان الحنفيات عند بقين، تقف عند النبع: أخي اسمح لنا، ملأت بيدون، أنا سأعبي ببلاش هذه للكل، كل شيء مباح لا يباع، باستواء الشاري والبائع في حق امتلاكه، الشاري له حقٌ في امتلاكه، والبائع له حقٌ في امتلاكه.
 واحد باع مثلاً ألف طير بري بالبادية، وهما مازالوا في السماء، الشاري يكون أحمق لأنه بإمكانه أن يصيدهم، واحد باع للثاني الترام وقال له: هذا يأتيك دخل منه كل يوم مثلاً كذا، قديمة هذه القصة، دفع ثمنه طلع أنزلوه من الترام، فكل شيء يستوي الشاري والبائع في امتلاكه هذا مباح، إذا لا يقابله الاحتراز أن يكون في حرز، في مستودع، يدك عليه.
 بيع الملح الطبيعي، جبل ملح لا تستطيع بيعه أنت، لاستواء الناس في تملكه، بيع العشب في البادية، البادية في الشام سنة خير وكلها عشب، جاء واحد أخي أنا سأبيع الكيلو متر مربع بألف ليرة، لمَن الكيلو متر مربع ؟ هذا العشب للجميع، لكل من يرعى به، لكن يجوز إذا أحرزته أن تبيعه، طبعاً لما عبأنا زجاجات بقين في زجاجات بلاستيك، وختمناها والصناديق كرتون يمكنك أن تشتريها من البقالية، هذا الماء أحرز، لأنه عبِّأ، وصار بمستودعات فدخل بالإحراز.
 لكن العلماء اشترطوا لإمكان أن تبيع الشيء المبذول للناس جميعاً الإحراز، والإحراز له شرطان الأول الاحتواء، ونية التملك، أن تضعه في مستودعك، وأن تنوي تملكه، إذا نويت تملكه، وأحرزته إلى مستودعك، فهذا المال الذي كان مباحاً، واحد ذهب وحمَّل خمس أمتار مكعب ملح ونقلها بشاحنات، ووضعها بأكياس، يستطيع بيعها الآن لأنه احتواها ونوى تملكها.
 شيءٌ آخر من شروط المبيع: أن تكون مالكاً لهذا المبيع، فإن لم تكن مالكاً فأنت فضولي، وبيع الفضولي ينعقد ولكن بشرط أن يجيز مالك الشيء بيعه، فإن لم يجز فسد البيع، فالفضولي هو الذي يبيع ما ليس له.
 إذا باع الرجل مال غيره ناوياً أن يبيعه عن نفسه فهو باطل، أما إذا باع مال غيره ناوياً أن يبيعه عن غيره فهو صحيح، الفرق هو النية فقط، وبيع الفضولي بيعٌ منعقدٌ لكنه موقوف على إجازة المالك. الآن بالقضاء إذا إنسان أجَّر بيت، المستأجر أخذ ورقة إيجار، بعد ثلاث سنوات اكتشف أن الذي وقع له ورقة الإيجار ليس مالك البيت، فالقضاء أخذ قاعدة: إذا مضى سنتان، ولم يعترض المالك الأصلي، فهذا الفضولي يعد إيجاره صحيحاً، أما قبل السنتان، للمالك الأصلي أن يعترض، فإذا اعترض، ألغي الإيجار، هذا فضولي، ولكن اعتبروا أنه يكفي أن يمر سنتان على إيجار الفضولي، أو على بيع الفضولي دون أن يعترض المالك الأصلي، ينقلب هذا الإيجار صحيح، وهذا البيع صحيح، فأغلب العلماء على أن بيع الفضولي بيعٌ منعقد لكنه موقوفٌ على إجازة مالك المبيع.
 الشرط الثالث: القدرة على التسليم في وقت العقد. فإن لم تكن هناك قدرة على التسليم فالبيع باطل، فإذا كان البائع عاجزاً عن التسليم وقت العد، عُدَّ البيع باطلاً كمن يبيع الطيور وهي في الهواء، وهو عاجزٌ عن تسليمها.
 لكن العلماء فصلوا في هذا الموضوع ثالث أمور: من كان عاجزاً عن التسليم إلا بحيلة، يعني باع سمك بالبحر لكن السمك يحتاج لصيد، وهذا السمك ليس مملوكاً له فالبيع باطل، السمك مباح للجميع وهو باع سمك في الماء، ولم يصطده بعد فالبيع باطل.
 صاد سمك، ثم وضعه في بركة محفورة، وفي عنده حيلة للصيد، وفي عنده شبكة، هذا البيع فاسد، لأن البيع بالماء.
 الآن، عنده طائر يألف البيت، والطائر ملكه، فباعه والطائر طار، لكن من عادته أن يرجع الطائر يعود بلا حيلة، فالبيع صحيح، إذا كنت أنت عاجزٌ عن تسليم المبيع إلا بحيلة ولست تملكه فالبيع بالطل، عاجز عن التسليم إلا بحيلة لكنك تملكه فالبيع صحيح، عاجز عن التسليم لكن سيعود بلا حيلة وتملكه فالبيع صحيح.
 آخر شرط من شروط المبيع: عدم نفي الثمن. مثلاً لو قلت لك: بعتك هذا الشيء بلا ثمن، هذا عقد باطل، لأن الثمن صفر، أساس البيع مبادلة مالٍ بمال، فلو بعت شيئاً بلا ثمن فالبيع باطل. لكن إذا بعت شيئاً والثمن مجهول، البيع فاسد، يجب أن تعرفوا الفرق بين الباطل والفاسد، الباطل لا ينعقد أصلاً، ولكن الفاسد ينعقد بعد التصحيح، قال واحد لجاره: أريد غرفة نوم، قال له: هذه غرفة والله جميلة، قال له: ابعتها لي، أعطاه أول جمعة خمسة آلاف، الثانية خمسة آلاف، الثالثة خمسة آلاف، الرابعة خمسة آلاف، يكفي أربعين ألف ثانية صار مشاكل، صار خنائق، هذا البيع صحيح لكن فاسد لأن الثمن مجهول وما في تحديد.
 هذا الشيء الذي أتمنى عليكم أن تطبقوه، الجهالة تفضي إلى المنازعة، إذا ترغب أن لا تتخاصم مع إنسان وضح كل شيء، البيان يطرد الشيطان، فالبيع باطلٌ إذا نفي عنه الثمن نصاً، بعتك هذا البيت بلا ثمن، باطل، هذا عقد هبة ما عاد عقد بيع، أما إذا بعتك هذا البيت بثمنٍ لا نختلف عليه، هذا فاسد، البيع تم، لكن الثمن يجب أن يحدد وقد يفضي هذا إلى المنازعة.
 نعيد على أسماعكم شروط البيع:
 أولاً: الوجود، ثانياً: أن يكون المبيع مالاً، موجوداً ومالاً، ومالاً متقوماً، يعني يبيح الشرع استعماله، وأن يكون في حرزٍ، في مستودعك وأنت تملكه فعلاً، وأن تبيع هذا الشيء وأنت مالكه، وأن تقدر على تسليمه، وأن يكون هذا الشيء بثمن، إذا توافرت هذه الشروط السبعة فالبيع ينعقد.
 وردني سؤال عن الكومسيون، وهذا له بحث آخر، هذا ليس ببيع ولكنه بيع خدمات، له تفسير آخر إن شاء الله.

 

* * * *

 الآن، إلى الإمام عليٍ كرَّم الله وجهه

 سيدنا علي أرسل رسالة إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال فيها: " أما بعد، فإن الدنيا مشغلةٌ عن غيرها ـ غيرها الآخرة ـ وصاحبها مقبورٌ فيها، ومنهومٌ عليها، لم يصب منها شيئاً قط إلا فتحت له حرصاً، وإلا أدخلت عليه مؤونةً تزيده رغبةً فيها .
 الإمام البصيري رضي الله عنه قال:

فلا ترم بالمعاصي كثر شهوتها    إن الطعام يقوي شهوة النهم

* * *

 كلما أوغلت فيها زادك التوغل فيها رغبةً فيها، لهذا قال سيدنا رسول الله:

((إن أسعد الناس فيها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها))

  وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً "، و.. " من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ".

 

(( ولم يستغن صاحبها بما ناله عما لم يبلغه))

 يعني مهما حصلت منها الطموح أكثر، الأمل أكثر ـ ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره، فلا تحبط أجرك أبا عبد الله، ولا تجارين أحداً في باطله .
 يعني هذه كلماتٌ دقيقات، كلما أوغلت في الدنيا ازداد حصرك عليها، أقلل من الشهوات يسهل عليك الموت، خذ من الدنيا ماشئت، وخذ بقدرها هماً.
 فلا ترم بالمعاصي كثر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النهم.
 هذا من أقواله رضي الله عنه. ومن أقواله أيضاً: " أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباده، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وأقرب الأعمال لرضوانه، وأفضلها في عواقب الأمور عنده، وبتقوى الله أمرتم وللإحسان خلقتم... " أمرت بتقوى الله وخلقت بالإحسان، لذلك الساعة التي تمر من دون أن تعمل فيها عملاً صالحاً هي خسارةٌ كبيرة..

 

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

( سورة العصر )

  فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه فإنه حذر بأساً شديداً

 

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)﴾

 

( سورة المدثر )

  واخشوا ربكم خشيةً ليست بتعذير، واعملوا من غير رياءٍ ولا سمعة، فإنه مَن عمل لغير الله وكل لما عمل ـ إذا عملت لله وفقك الله، سددك الله، أرشدك الله، أكرمك الله، أما إذا عملت لنفسك وكلت إليها ـ ومن عمل مخلصاً لله تولاه الله فأعطاه فضل نيته، وأشفقوا من عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثاً، ولم يترك شيئاً من أمركم سدىً، قد سمى آثاركم، وعلم أسراركم، وأحصى أعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغرنكم الدنيا فإنها غرارةٌ لأهلها والمغرور من اغترَّ بها".
 الإنسان أحياناً يجد علبة في الطريق، يظن فيها شيئاً ثميناً، ينكب عليها، يأخذها بعنايةٍ، يفتحها، فإذا هي فارغة، يصاب بحالة اسمها الإحباط، والله الذي لا إله إلا هو ما من إنسان تعلَّق بالدنيا إلا أصيب بأحد أيام حياته قبل أن يفارق الدنيا بحالةٍ تشبه أشد أنواع الألم، الإحباط، هذه الدنيا ‍‍!! ظن المال كلا شيء فسعى إليه، وبذل من ذلك دينه، فلما جاء خريف العمر رآه شيئاً ولكن ليس كل شيء، ظن المرأة كل شيء فسعى إليها، وعصى من أجلها ربه، فلما جاءه خريف العمر رأى أن المرأة أليس كل شيء، شيء ولكنها ليست كل شيء، ظن أن هذه الدرجات العلية في الدنيا شيءٌ ثمينٌ جداً فسعى إليها، ضحى بالغالي والرخيص، ضحى بدينه، فلما وصلها رآها شيئاً تافهاً، لذلك التقوى أقوى، من عاش تقياً عاش قوياً.
 فسيدنا عمر الله يرضى عنه كان إذا أصابته مصيبةُ قال: الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها
 من أقواله رضي الله عنه:

((الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها، ودار نجاةٍ لمن فهم عنها، ودار غنىً وزادٍ لمن تزوَّد منها، مهبط وحي الله، ومسجد الأنبياء، ومتجر الأولياء، ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة ". يعني أربح تجارة أن تعمل صالحاً، أربح تجارة أن تعرف الله، أربح تجارة أن تكون مستقيماً على أمر الله))

 آخر قول أقوال سيدنا علي:

((إن المضمار اليوم وغداً السباق ـ المضمار اليوم، الآن في مدرج، أما السباق عند الموت فلان سبق، فلان تخلَّف ـ ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، من قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها، ألا وإن من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإن الدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعدٌ صادق يحكم فيها ملكٌ قادر، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن طول الأمل ينسي الآخرة))