أحاديث متفرقة - الدرس : 112 - لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا.

2005-04-10

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصداق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في إتحاف المسلم بما في الترغيب والترهيب من صحيح البخاري ومسلم والحديث الشريف اليوم فيما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ))

  أيها الإخوة الكرام، أحياناً يرد في القرآن الكريم نهي عن شيء لا يملكه الإنسان كقوله تعالى:

 

﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

 

[ سورة آل عمران: 102]

  الموت بيد الإنسان ؟ ينهى الله المؤمنين ألا يموتوا إلا وهم مسلمون فكيف نفسر نهياً عن فعل لا يملكه الإنسان أصلاً، قال علماء التفسير أي لا يأتينكم الموت إلا وأنتم مسلمون يعني استعدوا له معنى الآية أنه ينبغي عليك أن تستعد للموت، لابد من توضيح هذه الفكرة بمثل لو أن شركة طيران بطاقتها تساوي خمس مئة ألف ليرة وغن لم تسافر لا ترد، مثل افتراضي، موعد إقلاع الطائرة بين الثامنة صباحاً والثامنة مساءً والشركة تأتي إلى البيت لتأخذك من بيتك هكذا الشرط فإن لم تكن جاهزاً لا تنتظر إلا دقيقة واحدة، البطاقة خمس مئة ألف والشركة تأتي على البيت ولا تنتظر إلا دقيقة وإلا لن تسافر ولا ترد لك قيمة البطاقة ماذا ينبغي أن تفعل ؟ يجب أن تقف وراء الباب من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساء حتى لا يضيع عليك الخمس مئة ألف، فأنت بهذه الطريقة تضمن عدم الخسارة، الآية:

 

﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

 

[ سورة آل عمران: 102]

  أي لا يأتينكم الموت إلا وأنت مسلم يجب أن تكون مجهزاً للقاء الله جل جلاله، هذا معنى فإذا قال الله عز وجل لا تباغضوا، البغض عمل لا شعوري عمل لا إرادي يعني مثلاً أنا قد آتي بمستوي مائل وآتي بكأس ماء وأصب الكأس على هذا المستوى المائل، لو أنني قلت للماء اصعد لا يصعد قلت له انزل سينزل كلامي لا معنى له، يعني في قوانين لا تتأثر بكلامي إطلاقاً، مثلاً حينما قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

  يعني أنت تحب المحسن و لو لم يقل لك أحبني، و أنت تبغض المسيء و لو أمرك أن تحبه، لأن الحب عمل لاشعوري تحصيل حاصل، إذاً لا تباغضوا، يا رسول الله ليس بيدي ألا أبغضه أساء إليه، فالنبي قال عن نفسه اللهم إنني بشر أرضى كما يرضى البشر، و أغضب كما يغضب البشر، و لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، إذاً ماذا نفهم من قول النبي لا تباغضوا، لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ؟
 الحقيقة يوجد عندنا سبب و يوجد عندنا نتيجة، إذا نهيت عن النتيجة معنى ذلك أنك منهي عن أسباب كثيرة، أنت إذا أخلفت وعدك مع أخيك، إذا اغتبته، إذا غمطه حقه، إذا ازدريته، إن لم تدافع عنه، إن تهت عليه بمالك، بمكانتك، بما عندك، هناك آلاف التصرفات تجعل الطرف الآخر يبغضك فالنبي عليه الصلاة و السلام لا ينهانا عن أن نبغض، ينهانا عن لا نفعل أسباب البغضاء، النهي عن الأسباب، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حرصاً منه على الحياة الاجتماعية الإسلامية الراقية، حرصاً منه على أن نحب بعضنا بعضاً، ما من شيء يباعد بيننا إلا نهانا عنه، و ما من شيء يقربنا إلى بعضنا بعضاً إلا أمرنا به، لذلك أيها الإخوة يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام حريص حرصاً لا حدود له على وحدة المسلمين، و على الحب بين المسلمين، و على التضامن بين المسلمين، و على التعاون بين المسلمين.
 لو سألتني عن فارق صارخ بين مجتمع المسلمين في آخر الزمان و بين مجتمع المسلمين في عهد الصحابة الكرام لقلت لك هو الحب، مع ضعف الإيمان تنشأ العداوات و البغضاء و الحسد و تراشق التهم مع ضعف الإيمان، و مع قوة الإيمان ينشأ أن يلتمس الإنسان لأخيه عذراً.
 أحد الأدباء الكرام قال: كان لا يلوم أحداً فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره، كل إنسان لو أخوه أخلف وعده معه يتصور سبباً و يرفضه قبل أن يأتي فإذا وصل و سألته عن السبب و كان حادثاً خطيراً أو كان الطريق مقطوعاً أو عنده حالة مرضية شديدة حالت بينه وبين القدوم، فهذا الأديب كان يقول: و كان لي صاحب كان من أشد الناس في عيني، لي صاحب كان من أعظم الناس في عيني، و كان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا من عينيه، فكان خارجاً عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجب، و لا يكثر إذا وجد، و كان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلم بما لا يعلم و لا يماري فيما علم، و كان أكثر دهره صامتاً فإذا تكلم بزّ القائلين، و كان يرى ضعيفاً مستضعفاً فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً، و كان لا يلوم أحداً فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره، و المؤمن الصادق يلتمس لأخيه عذراً و لو سبعين مرة لكن ضعيف الإيمان يكون قناصاً، ينتظر أخاه على زلة لسان، على زلة قدم و يكبر الأمر و يبالغ و يشهر.
 دققوا فيما سأقول:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

[ سورة النور: 19]

  الآية عامة جداً أي أنت حينما ترتاح لخطأ ارتكبه مؤمن فاعلم علم اليقين أنك لست في خندق المؤمنين، أنت في خندق المنافقين، الدليل القطعي:

 

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾

 

[ سورة التوبة: 50]

  لمجرد أنك ترتاح لمصيبة ألمت بمسلم، أو لزلة لسان قالها مسلم، أو لزلة قدم ارتكبها مسلم فاعلم علم اليقين أنك لست في خندق المؤمنين، أنت في خندق المنافقين، و الآية واضحة:

 

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾

 

[ سورة التوبة: 50]

  أي هل هناك من أم على وجه الأرض تتمنى فضيحة ابنتها فإن تمنت ليست أمها، فأنت لمجرد أن تفرح لزلة لسان أو زلة قدم أو خطأ و أنت تتمسك بهذا الخطأ و تشيع هذا الخطأ و تبرز هذا الخطأ اعلم علم اليقين أنك لست في خندق المؤمنين.
 شخص من أصحاب رسول الله النبي عليه الصلاة والسلام طبعاً الصحابة غير معصومين، معصومون في نقلهم عن رسول الله، و الدليل في القرآن الكريم:

 

﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾

 

[ سورة آل عمران: 152]

  فلما نهى النبي عن قتل عمه العباس فكر قال أينهانا عن قتل عمه و أحدنا يقتل أباه و أخاه في سبيل الله ؟ رأى هذا غير مقبول لكن ما تكلم أبقاها في نفسه، بعد حين تبين أن عم النبي عليه الصلاة والسلام في مكة كان مسلماً و كان عين النبي و كان يأتيه بالأخبار، و لو أن عمه العباس لم يشترك في غزوة بدر لكشف نفسه، و لو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عمي أسلم لا تقتلوه لكشفه و انتهت مهمته، و لو أن النبي سكت لقتلوه، إن سكت قتلوه و عن تكلم أنهى مهمته، و إن لم يشارك العباس مع المشركين لفضح أمره، فلما تبين هذا لهذا الصاحب الذي أساء الظن برسول الله قال ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
 الإيمان مرتبة عالية، الإيمان مرتبة أخلاقية، و الإيمان مرتبة علمية، و الإيمان مرتبة جمالية، فلذلك لمجرد أن تفرح لزلة لسان أو لزلة قدم أو لحدث لم تفهم تفسيره و لم تلتمس لأخيك عذراً فاعلم أنك لست في خندق المؤمنين، إنك في خندق المنافقين و الدليل القطعي:

 

﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾

 

[ سورة آل عمران: 120]

  إذاً:، لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، أي لا تفعلوا أسباب التقاطع و لا أسباب التدابر و لا أسباب التباغض و لا أسباب التحاسد و كونوا عباد الله إخوانا.
 و نحن جميعاً حينما يحب بعضنا بعضاً نرتقي في عين الله جميعاً، و نحن جميعاً حينما نبغض بعضنا بعضاً نسقط من عين الله جميعاً، إن سألتني عن سبب صارخ يفصل المؤمنين في آخر الزمان عن المؤمنين في عهد أصحاب النبي أقول لكم هو الحب.
 مرة في بعض الغزوات تفقد النبي أحد أصحابه فقال شخص، بالمناسبة لابد للمؤمن من كافر يقاتله، و من منافق يبغضه، و من مؤمن يحسده، و من نفس ترديك، و من شيطان يغويك، لك خمس جهات مقلقة، يوجد كافر يقاتلك و يوجد منافق يبغضك و يوجد مؤمن يحسدك و يوجد نفس ترديك و يوجد شيطان يغويك ـ فسأل النبي أصحابه عن هذا الإنسان أين هو ؟ لما لم يكن معنا ؟ شخص يبدو أنه يغار منه قال له يا رسول الله شغله بستانه عن الجهاد معك، فقام صحابي آخر و قال لا و الله يا رسول الله ما عهدنا عليه إلا خيراً، و الله يا رسول الله لقد تخلف عنك أناس لو علموا أنك تواجه عدواً ما تخلفوا عنك حبسهم العذر فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام و سر من هذا الصحابي الذي يدافع عن أخيه، أنت جرب أن تلتمس لأخيك عذراً، جرب أن تضع نفسك مكانه.
 أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة و السلام يقول: من اجتهد فأخطأ فله أجر، و من اجتهد فأصاب فله أجران، لذلك هذا الحديث يعد محوراً لهذا الدرس، لا تقاطعوا، ما الفرق بين التقاطع و بين التدابر ؟ التقاطع ألا تزوره إطلاقاً، فإذا هجرت أخاك فوق ثلاث فأنت آثم، أما التدابر لقيته في الطريق وقعت عينك على عينه فالتفت بعيداً عنه هذا التدابر.
 التقاطع ألا تراه و لا يراك، و ألا تزوره و لا يزورك، و لا تقاطعوا لا تفعل شيئاً يقتضي أن يقاطعك أخوك، هذا التقاطع، و لا تفعل شيئاً تحمل أخاك على أن يدير وجهه عنك، لا تقاطعوا و لا تدابروا و لا تباغضوا، أحياناً يوجد كلمة قاسية، تعليق قاس، شماتة أحياناً، استكبار، اعتداد، ما قولكم أن نفهم هذا الحديث الشريف الذنب شؤم على غير صاحبه إن تكلم به فقد اغتابه، و إن رضي به فقد شاركه في الإثم، و إن عيره به وقع فيه، إن عيرت ابتلاك الله بهذا الذنب، و إن ذكرته فقد اغتبته، و إن رضيت هذا الذنب شاركته في الإثم و أنت لم تذنب فكيف إذا أذنبت ؟ الذنب شؤم على غير صاحبه إن تكلمت به فقد اغتبته و إن شمت به ابتلاك الله بهذا الذنب و إن رضيت هذا الذنب شاركته في الإثم.
 إذاً التباغض لا تفعل أسباب البغضاء، و هذه النفوس طليقة، مرة ثانية يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها و بغض من أساء إليها.
 التقاطع عدم الزيارة و التدابر أن تدير وجهك عنه إذا التقيت به في الطريق، و لا تباغضوا أن تفعل شيئاً تحمل أخاك على أن يبغضك، أحياناً تخجله، أحياناً تعيره، أحياناً تستعلي عليه، أحياناً تفند أخطاءه، أحياناً تعتم على حسناته و تبرز سيئاته، أحياناً إن رأى خيراً كتمه و إن رأى شراً أذاعه.
 أي المجتمع الإسلامي لا ينبغي أن يكون مفتتاً:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾

 

[ سورة الصف: 4]

  أنا أدعو إلى أن نحب بعضنا بعضاً، أي بالمفهوم المعاكس إذا دعوتكم إلى أن يحب بعضكم بعضاً أن تفعل كل شيء يحبه أخوك، أن تسلم عليه إذا لقيته أن تهش له إذا وقعت عينك على عينه أن تتواضع له أن تلبي دعوته أن تعيده إذا مرض أن تقرضه إذا استعان بك، إذا استعان بك أعنته وإن استقرضك أقرضته وإذا مرض عته وإن مات شيعته ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه. يعني إذا قلت بالمعنى المخالف ليحب بعضنا بعضاً افعل كل شيء تحمل أخاك على أن يحبك، قدم له هدية قدم له خدمة عده إذا كان مريضاً أعنه إذا كان فقيراً دله على الخير إذا كان تائهاً حاول أن تمي الإيمان في قلبه، افعل ما يحببه إليك ولا تفعل ما يبغضك منه.

 

(( لَا تَقَاطَعُوا ))

 المقاطعة في الزيارات، عن عُبَادَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

 

((حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمْ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ))

[ أحمد ]

  إذا زار بعضنا بعضاً وإذا جلسنا مع بعضنا بعضاً وإذا أحببنا بعضنا بعضاً نحن على منابر من نور إنشاء الله هكذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي، الآن

(( لَا تَقَاطَعُوا ))

 المعنى المخالف تواصلوا، أحياناً تسأل عن صحة أخيك أحياناً تزوره تتفقد أحواله عن كانت لك رحم تصلها هذه مقابل

(( لَا تَقَاطَعُوا ))

 وإن كان لك عمل صالح طيب ورآك في الطريق لنتقل من رصيف على رصيف وعانقك وقبلك وأثنى عليك وأعلن عن محبته لك وشوقه إليك، إذاً كل نهي يقابله أمر

(( لَا تَقَاطَعُوا ))

 أي أعينوا أخاكم على أن يكون ذا صلة معكم، هذا الذي ذلت قدمه وشرب الخمر وهو صديق سيدنا عمر أرسل له رسالة أما بعد يا أخي الله عز وجل غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول وعاتبه عتاباً رقيقاً، فتاب هذا الصديق على يد سيدنا عمر فلما علم أنه تاب بكى سيدنا عمر قال هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضل كونوا عوناً له على الشيطان ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه.

 

(( لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا ))

 

 الأب في البيت علامة أنه أب مثالي إذا دخل على البيت كان عيد في البيت أما الأب غير المثالي إذا خرج من البيت كان العيد، فبين أن يكون العيد في دخوله وبين أن يكون في خروجه، مثل آخر إذا تمنى الأولاد موت أبيهم هذه علامة سيئة جداً أما إذا تمنوا طول حياته علامة طيبة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام حينما ينهى عن التدابر والتقاطع كأنه يأمر بالتواصل والتحابب، وحينما ينهى عن التباغض يطلب منا أن نأتي بأسباب المحبة، في إنسان إن جاءته دعوى من مستوى رفيع جداً يلبيها بلا تردد أما له صديق فقير في طرف المدينة يعتذر ما في وقت، لذلك أنا أقول أنت حينما تلبي دعوات الأغنياء هذا من الدنيا وليس من عبادة الله أما تلبي دعوة الفقراء هذا من طاعة الله عز وجل، من دعي فلم يلبي فقد عصى أبا القاسم.
 فدعاك فلبيته سألك فأعطيته استشارك فأشرت عليه مرض فعدته طلب قرض وأنت تملك هذا القرض أعطيته، طلب منك حاجة لبيتها إذاً هو يحبك الحقيقة الآن إذا كان التعاون قديماً فضيلة الآن فريضة، لأن في خطر داهم أتمنى أن يكون في تماسك شديد جداً لأن الطرف الآخر يستهدف كل المسلمين وأحياناً حينما يشعر أعداء المسلمين أن هذا الإسلام قوي ومتين ومتماسك وشامخ في أسلوب شيطاني يفجرونه من داخله، أعداء المسلمين الأذكياء لا يهاجمونه ولكن يضعون الألغام فيه أو يصطنعون اتجاهات إطارها إسلامي لكن مضمونها غير صحيح ليقدموا صورة مشوهة للدين، لذلك كل إنسان على ثغرة من ثغر الإسلام ينبغي ألا يؤتى من قبل هذه الثغرة، أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.
 فهمنا أن كل نهي يقابله أمر بالمعنى المخالف.

(( وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا ))

 الإنسان له فطرة سليمة، الإنسان يحب الكريم يحب الصادق يحب المحسن يحب المتواضع لا تستعلي على أخيك، حينما دخل مكة مطأطئ الرأس حتى كادت عمامته تلامس عنق بعيره.
 أما

((وَلَا تَحَاسَدُوا ))

  الحسد ينطلق من خصيصة بالإنسان، الله عز وجل كما قال تعالى:

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 

[ سورة الشمس ]

  نفس وما سواها، سواك غيورا، يعني إنسان تفوق عليك بالعلم تتمنى أن تكون مثله، سواك غيوراً إنسان تفوق عليك بالأعمال الصالحة تتمنى أن تكون مثله، هذه صفة حيادية أنا أسميها الغيرة مبدئياً إذا اتجهت إلى أعمال الآخرة فهي الغبطة أما إذا اتجهت على أعمال الدنيا فهو الحسد، فأساس الغبطة والحسد غيرة وهكذا جبلنا تحب أن تكون متفوقاً، الحسود لم يعبئ بالعمال الصالحة ولا بالأعمال الأخروية الحسود يعبئ بالدنيا فالمجرد أن يتمنى الحاسد زوال النعمة عنك وانصرافها إليك فهو حاسد، إنسان اشتهى أن تكون هذه الوظيفة له تمنى أن يصرف أخوك من هذه الوظيفة وأن تعين مكانه لكن ما تكلمت ولا كلمة سوء تمنيت فقط، تمنيت أن تزول عنه هذه النعمة وأن تتحول إليك هذا الحسد، في أعلى ؟ في هذه أدنى درجات الحسد أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك وأن تؤول إليك، في أعلى ؟ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تأتي إليك حباً بتدميره هذه أشد، في مستوى أعلى أن تكتب تقرير كي تزول عنه هذه النعمة وكي تصير إليك هذه أعلى وأعلى، بين أن تتمنى أن تزول عنه وأن تنصرف إليك وبين أن تزول عنه دون أن تأتي إليك وبين أن تعمل جاهداً كي تزيل عنه هذه النعمة.

 

(( لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا))

 أصل الحسد حيادي دققوا أية صفة يتصف بها الإنسان حيادية أنت بالغيرة قد تكون أكبر المؤمنين بالغيرة لكن لو غرت من ثروة إنسان صار حسد والحسد مذموم، لكن يجب أن تعلم علم اليقين أن المغتاب سوف تؤخذ حسناته وتوضع في ميزان من اغتبته، حتى أن أحداً قال لواحد لقد اغتبتني، قال ومن أنت حتى أغتابك لو كنت مغتاباً أحداً لغتبت أمي وأبي لأنهم أولى بحسناتي منك. هذا إنسان يعلم أن الغيبة تؤدي به إلى السيئات،

 

(( وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا))

 كاد الحليم أن يكون نبياً الحلم سيد الأخلاق، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، لو قرأت الإسلام لوجدت أن أكبر حيز فيه بمكارم الأخلاق لأن الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، وهنا

(( وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا))

 على مستوى مجموع المؤمنين لا على مستوى حلقة صغيرة مالم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، مالم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً والدليل إنما المؤمنين إخوة، وقد ينشأ بينهم بعض الخلافات فأصلحوا بين أخويكم.
 الآن إصلاح ذات البين على مستويات ثلاثة، قال تعالى:

 

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: 1]

  يعني أصلح علاقتك مع الله بالتوبة النصوح بالأعمال الصالحة بنوافل العبادات وقد تفهم الآية على مستوى آخر، أصلحوا العلاقة بينكم وبين من حولكم في زوجة في أولاد في أصهار والإنسان لا يعدم الكلمة الطيبة والاعتذار والهدية والزيارة هذه تذهب بوحر الصدر، قال تعالى:

 

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: 1]

  والمستوى الثالث أصلحوا كل علاقة فاسدة بين إنسانين.