أحاديث متفرقة - الدرس : 074 - آخر الزمان - مزايا الصحابة الكرام.

1997-06-29

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام:
 ورد في صحيح مسلم:

((عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً ))

 ما الراحلة ؟ قطيع من الإبل يعد مائة تبحث عن راحلة فقد تجد فيها واحدة، ما معنى هذا الكلام ؟ معنى هذا الكلام أو قبل أن نشير إلى معنى هذا الكلام الراحلة النجيبة المختارة من الإبل كاملة الأوصاف فإذا كانت هذه الراحلة في إبل عرفت، أي التسوق قليل، الصدق قليل، الزهد في الدنيا و طلب الآخرة قليل، الالتزام الكامل قليل أن يتقي الإنسان ربه حق تقاته قليل، أن يكون صادقاً مائة في المائة قليل، فإذا كنت بطلاً فكن من هذا القليل، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

 

(سورة الأنعام )

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ﴾

(سورة يونس )

  فسر نجاحك و سر تفوقك و سر فلاحك و سر فوزك لا أن تكون مع الأكثرية المقصرة، مع الأكثرية الشاردة، مع الأكثرية المحجوبة عن ربها، لا أن تكون مع الأكثرية التي انغمست في حب الدنيا، كن مع الأقلية، كن مع هؤلاء القليل، قال تعالى:

 

﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)﴾

 

(سورة هود )

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾

(سورة ص (

  فالإنسان أحياناً يتبع الكثرة، يتبع الخط العريض في المجتمع، يتبع التيار العام، ليس هذا بطولة، هذا الذي يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت و إن أساءوا أسأت ليست هذه البطولة، البطولة أن تكون من القلة التي عرفت سر وجودها و غاية وجودها، التي عرفت ربها، التي اتبعت منهج ربها، التي حرصت على التقرب منه، التي جعلت المال وسيلة و لم تجعله غاية، التي جعلت المرأة وسيلة إلى رضوان الله و لم تجعلها غاية:

 

((تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا ))

  الراحلة كما قلت قبل قليل النجيبة المختارة من الإبل كاملة الأوصاف التي إذا وجدت في إبل عرفت، لذلك يشير بعض شراح الحديث إلى أن المعنى: الناس متساوون ليس لأحد منهم فضل في النسب بل هم أشباه الإبل المائة لكن المؤمن وحده هو المتفوق، لكن الملتزم وحده هو المتفوق، لكن المؤمن يُعرف من بين الآلاف المؤلفة بصدقه، المؤمن يعرف من بين المئات باستقامته، يُعرف من بين الكثرة الكثيرة بإخلاصه، بمنهجيته، بتطبيقه لمنهج الله عز وجل، و قالوا هذه الراحلة تمثل الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها و الراغب في الآخرة هؤلاء أيضاً قلة قليلة، و قال بعض شراح الحديث هذا الراحلة التي شبه بها النبي المؤمن هذه الراحلة كاملة الأوصاف، حسنة المنظر، قوية على الأحمال و الأسفار، يجعل عليها الرحل فهي فعالة نافعة، لينة، خاضعة، هذا معنى الحديث الشريف أي الملخص لا تكن مع الكثرة، الكثرة تتبع صرعات الأزياء، يهودي في فرنسا يرسم ما ينبغي أن ترتدي نساء المسلمين فهذا هو الذي ينبغي أن نلبسه هكذا يقول بعض المسلمين المتفلتين، فينبغي لا أن تكون مع الكثرة، لا أن تكون مع الخط العريض، لا أن تكون مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت و إن أساءوا أسأت، ينبغي أن تكون مع الحق، ينبغي أن تكون مع منهج الله عز وجل، إذاً هذا الذي يستأنس بأنه مع المجموع هذا عنده ضعف في اليقين، لو تتبعت أحوال الناس، لو أن شيئاً شاع بين الناس، أي آلاف مؤلفة، ملايين مملينة تتبعه أما القلة القليلة من المؤمنين تجتنبه فالعبرة لا أن تكون مع الكثرة بل أن تكون مع القلة، مرة اختلف ملك مع عالم فحكّم الوزير بينهما الملك فالوزير وقع في موقف حرج قال:  أيها الملك إن الأكثرين يرون رأيك و يقصد أن الأكثرين تطبيقاً لقوله تعالى:

 

 

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا (36)﴾

 

) سورة يونس (

  هذا ينقلنا إلى موضوع أحرص عليه حرصاً بالغاً لأنه متعلق بأصل عقيدتنا و هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم يقول:

 

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ. ))

  هذا الحديث ورد بروايات كثيرة سأضع بين أيديكم هذه الروايات و بعدها نشرع في شرح الحديث.
 الرواية الثانية:

 

 

((عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَلا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ))

  في رواية ثالثة:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لا قَالَ: ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا))

 و في رواية رابعة:

 

 

((سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ))

  و الرواية الأخيرة:

 

 

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ))

 هذه كل الروايات التي وردت في صحيح مسلم.
 ماذا نستفيد و لماذا ذكر النبي هذه الحقائق أن خير القرون قرنه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ؟ و خير كما تعلمون اسم تفضيل.
 أولاً: لكرامة النبي عند الله عز وجل اصطفاه و اختار له أصحابه الكرام فأحد أكبر كرامات النبي على الله أنه جمعه بأصحاب كرام يعرفون قيمة دعوته و ينصرونه و يفدونه بأموالهم و أنفسهم.
 الشيء الثاني: أن هذا النبي العظيم الذي هو سيد الخلق أجمعين آتاه الله الوحي المبين فجعل أصحابه ممن يفهم هذا الوحي العظيم و يطبقوه ليكونوا استمراراً لدعوته العظيمة.
 الشيء الثالث: هو أن الذين عاصروا أصحاب رسول الله هم أيضاً من خيرة البشر.
 الشيء الرابع: هو أن الذين عاصروا من عاصر أصحاب رسول الله هم أيضاً من خيرة البشر فالنبي عليه الصلاة و السلام:

 

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

(سورة النجم )

  يؤكد أن خير القرون على الإطلاق قرنه و أن بعد هذه الخيرية من جاء بعد أصحابه أي التابعين و أن خير هؤلاء أيضاً بعد هذين الفريقين من جاء بعد التابعين، فصحابة النبي و التابعين وتابعوا التابعين، تسمعون مني في بعض الأحاديث و يُسمع منكم و يسمع من يسمع منكم، عندنا أصحاب رسول الله و عندنا التابعين و عندنا تابعوا التابعين، الآن قبل أن نشرح هذه الأحاديث التي وردت بصيغ مختلفة لابد من أن نقف وقفة متأنية عند دلالات هذه الأحاديث.
 أولاً: لو أن إنساناً طلع علينا الآن بفهم لكتاب الله ما فهمه أصحاب رسول الله هذا الفهم ينبغي أن يرد هذا الفهم لأن خير من فهم كلام الله هم أصحاب رسول الله، و لأن خير من طبق كلام الله هم أصحاب رسول الله، لذلك أحد مقاييس فهم القرآن الكريم أن نفهمه فهماً وفق ما فهم أصحاب رسول الله و التابعين و تابعوا التابعين و بعد ذلك كل إنسان يُؤخذ منه و يرد عليه، كلما أعمل أحد فكره و أراد أن يحدث في الدين شيئاً جديداً لابد من أن نسأله من أين جئت بهذا ؟ نحن عندنا قاعدة دقيقة جداً في منهج البحث هذه القاعدة: إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، أما أن تدع الدليل إن تركت الدليل لا قيمة لأي كلام تقوله لولا الدليل لقال من شاء ما شاء:

 

((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))

  ابن عمر قال: دينك دينك إنه لحمك و دمك خذ عن الذين استقاموا و لا تأخذ عن الذين مالوا.
 أيها الأخوة الكرام:
 آلاف الفرق الضالة، آلاف الفرق المنحرفة، آلاف الفرق التي زاغت عقيدتها و انحرف سلوكها و هي ترفع أعلام الإسلام، وهي تدعي أنها تنتمي لهذا الدين، فنحن في آخر الزمان أمام ركام من المقولات التي تقال تحت اسم الدين و الدين منها براء، أي أنت لو أنك أمام مئات القطع الصفراء اللامعة و هذه القطع الصفراء اللامعة منها ما هو ذهب بأعلى نسبة أربعة و عشرون، و منها ما هو ذهب بمعيار واحد و عشرون، و منها ما هو ذهب بمعيار ثمانية عشر، منها ما هو ذهب بمعيار ستة عشر، منها ما هو ذهب بمعيار أحد عشر، منها ما هو نحاس مغطى بالذهب، منها ما هو نحاس ملمع، منها ما هو معدن أصفر خسيس، و قلنا لك اختر من هذه القطع ما يحلو لك ؟ بربك متى تكون فائزاً و ذكياً و فالحاً و متفوقاً ؟ إن استطعت أن تختار من هذا الركام، من القطع الصفراء اللامعة أن تختار ما كان منها ذهباً خالصاً إذاً أنت إلى ماذا تحتاج ؟ تحتاج إلى جهاز يكشف لك نسبة الذهب في هذه القطعة، هذا المقياس يجب أن نبحث عنه، أوسع هذا المثل، نحن أمام ركام لا يحصى من المقولات الدينية أكثرها مغلوط، أكثرها تزوير أكثرها افتراء على الدين، أكثرها انحراف، أكثرها جر النصوص إلى المنافع و الأهواء، أكثرها تأويل النصوص بما يتناسب مع الرغبات و المصالح، كيف أبحث عن أصل الدين ؟ و كيف أصل إلى أصل الحقيقة؟ و كيف أصل إلى ما كان عليه النبي و أصحابه ؟ و كيف أكون من الفرقة الناجية ؟ هنا المشكلة، أن تصل إلى المنهج القويم الذي سار عليه سيد المرسلين، قال تعالى:

 

 

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

 

(سورة هود )

  لذلك أيها الأخوة عملية البحث عن الحقيقة أعظم عمل تقوم به أنت عملية أن تضع يدك على سنة رسول الله الصحيحة التي قالها و فعلها و اتصف بها و أقرها، لذلك الحديث الأول:

 

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ))

  الفئام من الناس الجماعة من الناس، لو أن أحدكم سألني ما هذا الفكر الذي يطرح و هو فكر منحرف بعيد عن صحة العقيدة و عن سلامة النهج ؟ أقول لك: هناك من يريد إلغاء السنة النبوية بدعوى أنها فهم مرحلي من قبل النبي عليه الصلاة و السلام، أي انقضى أمده و انتهت علته و علينا أن نفهم القرآن فهماً جديداً ما فهمه أصحاب رسول الله، و ما أكثر الكتب التي تطرح في الأسواق و التي تحاول أن تفجر الدين من داخله، لا تحاول أن تهاجمه بل تحاول أن تفجره من داخله، هذا الحديث الشريف الصحيح هو الذي يرد على هؤلاء جميعاً يعني أي فهم لكلام الله، مثلاً قوله تعالى:

 

 

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾

 

( سورة الحج )

  هم لا يصلوا إذاً لماذا ؟ لأن الله لم يمكنهم بعد، هذا فهم منحرف، و قوله:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾

 

( سورة آل عمران )

  يقول لك: هناك فتوى بقطر عربي إسلامي كبير أن كل الأموال إذا أودعت في البنوك و أُخذت عنها الفوائد ليست من الربا، إذاً ما الذي حرمه الله عز وجل ؟ إذا كان هذا ليس رباً ما الذي حرمه الله عز وجل؟ لئلا يظهر أناس في آخر الزمان يحلون ما حرم الله، أو يحرمون ما أحل الله، لئلا يظهر أناس يقولون:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

(سورة الكهف )

  البنون البناء، لئلا يظهر أناس يقولون: لا على المرأة أن تبدو أمام أبيها كما خلقها الله، لئلا يظهر أناس يجرون نصوص الدين إلى السلوك الإباحي، لئلا يظهر أناس يفرغون الدين من مضمونه، أكبر رد على هؤلاء إن خير القرون هو قرن رسول الله ثم الذي بعده ثم الذي بعده و أصحاب رسول الله ما فهموا هذا الفهم أبداً بل إن الذي يلفت النظر و يثلج الصدر أن القضايا التي ما التفت إليه أصحاب رسول الله ينبغي نحن ألا نلتفت إليها، أحياناً ترى كتاب في العقيدة هو في الحقيقة كتاب مأخوذ عن منطق لأمة قديمة جداً، منطق معقد جداً تجد أن فهم هذا الكتاب يكاد يكون مستحيلاً، إذاً هل يعقل لأن تكون عقيدة الدين عقيدة المسلم بهذا التعقيد ؟ لما لا نأخذها من كتاب الله ؟ لما لا نأخذها من سنة رسول الله ؟ الحقيقة يجب أن نجدد بمعنى يجب أن نزيح ما علق بالدين مما ليس منه، أنا مرة بناء في دمشق قديم جداً و بناء أثري و له قيمة كبيرة لكن لشدة مرور الأيام و الليالي ترسب على حجره لون أسود شوه معالمه، قبل سنوات هذا البناء جدد كيف ؟ أُزيل عن حجره بطريقة حديثة جداً، بطريقة الرمل المضغوط ما علق به من شوائب فعاد إلى رونقه السابق.
 أيها الأخوة:
 أنا أقول لكم كلاماً دقيقاً جداً التجديد في الدين لا يعني أن تضيف عليه شيئاً جديداً، هذا فهم خطير، التجديد في الدين لا يعني أن تضيف عليه ما ليس منه، التجديد في الدين أن تنزع عنه ما ليس فيه، عملية نزع لا عملية إضافة هذا هو التجديد، أرجعته جديداً، مثلاً ثوب قذر غسلته عاد جديداً أي عاد إلى أصله، عاد إلى بهائه، عاد إلى رونقه، فنحن أكبر رد على من يدعي التجديد في الدين هذا الحرام حلالاً و هذا الحلال حراماً، نضيف و نحذف و نؤول و نجر أعناق النصوص و نلويها هذا كله مما يشوه الدين لذلك خير القرون قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و الإمام أحمد بن حنبل حينما دخل في محنته الشديدة، حينما أنكر خلق القرآن الكريم و دخل السجن و عُذب ثم ناظره أحد الخلفاء ماذا كانت حجته ؟ أن هذا الموضوع بأكمله جملة و تفصيلاً هل عني به أصحاب رسول الله ؟ قال: لا، لو أن هذا الموضوع خطير ألا ينبغي للنبي أن يذكر فيه رأياً ؟ قال: نعم، هل ذكر فيه النبي شيئاً ما ؟  قال: لا، هل بحثه أصحاب النبي ؟ قال: لا، قال إذاً هذا الموضوع جملة و تفصيلاً لا يعنينا، هذا منهج قويم، أي أنا أقول لكم هذا الكلام الدقيق أيها الأخوة، أي أنت عندك امتحان خطير، امتحان مصيري، امتحان يبنى عليه مستقبلك، و هذا الامتحان في كتاب مقرر و أنت في بيتك مكتبة عامرة بالكتب فهل من العقل أن تدع الكتاب المقرر و أن تقرأ كتاباً لا علاقة له بالامتحان ؟ هذا نوع من الجهل و الغباء، العمر قصير لا يتسع لمناقشات و حوارات و خصومات و أخذ و رد، ما الذي يمزق المسلمين اليوم ؟ تشرذمهم و تفرقهم و اختلافهم و تمزقهم، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ﴾

 

( سورة الأنعام )

  إذاً نحن نفهم القرآن الكريم كما فهمه النبي عليه الصلاة و السلام و أصحابه الكرام و كما فهمه التابعون و كما فهمه تابعوا التابعين، نطبق القرآن الكريم كما طبقه رسول الله و كما طبقه أصحابه الكرام و كما طبقه التابعون و كما طبقه تابعوا التابعين فقط، أما أن نلتفت إلى كل ناعق، إلى كل من يدعي التجديد فيضيف على الدين ما ليس منه أو يحذف منه ما هو من صلبه فهذا ابتداع و قد قال عليه الصلاة و السلام:

 

(( كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّار))

 أيها الأخوة الكرام:
 المشكلة أن الابتداع في غير الدين ليس له حرج إطلاقاً، الحياة تتجدد البيوت تطورت، المركبات تطورت، وسائل المعيشة تطورت، كل شيء في تطور مستمر، هذا شأن الدنيا لا يعنينا إطلاقاً يعنينا أن الدين عقيدة و سلوك و منهج، فالعقيدة لا يجوز أن يزاد عليها و لا أن يحذف منها و لا أن تشوه و لا أن تزور، و المنهج ينبغي أن نحافظ عليه، و أذكركم بالقاعدة الأصولية.......
 أريد أن أقول لكم أيها الأخوة إن الموضوعات التي لم تشغل أصحاب رسول الله ينبغي ألا تشغلنا، إن القضايا التي اهتم بها أصحاب النبي ينبغي أن نهتم بها، إن السلوك الذي سلكه أصحاب رسول الله يجب أن نسلكه، قلت لكم مرة نصيحة تكتب على ظفر: اتبع لا تبتدع، إتضع لا ترتفع، الورع لا ينكسر، اتبع، قلت لكم مرة هناك بدعة في اللغة مقبولة، بدعة اللغة أي كل شيء جديد هذا الشيء الجديد يُعرض على الشرع الحنيف فإن وافق الحلال فهو حلال و إن وافق الحرام فهو حرام و إن كان متعدد الاستعمال كان موقوفاً على نوع استعماله، أي مسجلة يمكن أن تستمع منها إلى القرآن الكريم و إلى دروس العلم فهي حلال مائة في الـمائة، و يمكن أن تستمع من خلالها إلى الأغاني الساقطة فهي حرام، موقوفة على نوع استعمالها، هذه بدعة لم تكن على عهد رسول الله، بدعة اللغة: كل شيء لم يكن من قبل يوزن بميزان الشرع إن وافق الحلال فهو حلال أي إذا كان بالمسجد كانت إنارته جيدة النبي عليه الصلاة و السلام دخل مرة إلى مسجده فرأى فيه فوانيس متألقة قال: من فعل هذا ؟ أحد أصحابه تميم الداري كان بالشام فاشترى هذه المصابيح، القناديل بالضبط مع حبالها و علقها في المسجد النبوي و أسرجها بعد المغرب فدخل النبي فسر بها سروراً كبيراً قال: من فعل هذا ؟ قالوا: تميم الداري، قال: أين هو ؟ لما التقى به قال: نور الله قلبك لقد نورت هذا المسجد، و لو أن لي بنتاً لزوجتكها، فهناك صحابي استغل المناسبة قال: أنا عندي بنت فزوجها، إذاً إذا اعتنينا بإضاءة المسجد، بتلطيف جوه، بتنظيف مرافقه، بوضع الفرش فيه هذا من السنة، هذا معنى قول النبي:

 

 

((عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لايَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا))

 أما حينما تضيف صلاة لم تكن، حينما تضيف فكرة لم تكن، حينما تحذف من الدين أحد أركانه، حينما تفرغ الدين من مضمونه، حينما توجه النصوص وجهة ما أرادها الله عز وجل و لا فهمها أصحاب رسول الله إطلاقاً، أنت مبتدع:

 

 

(( كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّار))

  الآن نقف قليلاً مع شرح الأحاديث التي وردت بروايات متعددة، يقول عليه الصلاة و السلام: خيركم قرني، اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم، ما معنى قرنه ؟ قالوا أصحابه معنى قرنه أي أصحابه، من هم أصحابه ؟ قال العلماء: بل ما هو عليه الجمهور أن كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم و لو ساعة فهو من أصحابه، لكن حينما قال عليه الصلاة و السلام: خير القرون قرني أي أصحابي، هل يفهم من هذا أن أصحابه هم أفضل من الأنبياء السابقين ؟ الجواب لا، هناك مراتب، سيد المرسلين عليه أتم الصلاة و التسليم، المرسلون، أولي العزم من الرسل، المرسلون، الأنبياء الصديقون، أصحاب رسول الله، فإذا قال عليه الصلاة و السلام: خير القرون قرني ليس معنى هذا أن أصحابه أفضل من الأنبياء السابقين النبوة مقام كبير جداً، النبوة مقام يعني أن النبي لا ينقطع عن الله و لا لحظة، مالك يا حنظلة تبكي سيدنا الصديق ؟ قال: نافق حنظلة، و لما يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله و نحن و الجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى، لشدة كمال الصديق و تواضعه قال: أنا كذلك يا أخي انطلق بنا إلى رسول الله، لقيا النبي الكريم فحدثاه بما جرى فقال: أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيينا و لا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة و ساعة لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة و لزارتكم في بيوتكم، إذاً لا يجوز أن نفضل صحابياً على نبي سابق كما أنه لا يجوز أن نفضل صحابية على السيدة مريم و على السيدة امرأة فرعون و غيرها ممن شهد لهم النبي بالصديقية، شيء آخر: قرنه أصحابه إذاً من هم الذين يلونهم ؟ قال: أبناء أصحابه، ما معنى ذلك ؟ أن أصحابه الكرام ربوا أبناءهم تربية عالية و هذا شأن المؤمن المؤمن لا يقر له قرار إلا إذا كان ابنه على شاكلته أو أفضل منه فالإنسان يسعد بفوز أبنائه و يشقى بشقائهم، من هم الذين يلونهم بعد الذين يلونهم ؟ قالوا: أبناء أبنائه، إذاً أصحابه و أبناؤهم و أبناء أبنائهم أصحابه و التابعون و تابعوا التابعين، و قال بعضهم القرن: الأناس الذين اقترنوا في عصر واحد، أي الذين عاشوا مع النبي طالت مدة صحبتهم أم قصرت، و قال بعضهم القرن: الأمة بعد أن تهلك عن آخرها يقال لها قرن إن لم يبقَ منها أحد يقال لها قرن، و قال بعضهم: القرن عشر سنين، و قال بعضهم: سبعون، و قال بعضهم: أربعون و قال بعضهم: مئة و عشرون، لأن من أصحاب رسول الله من عاش مئة و عشرين عاماً:

 

 

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))

  و قال بعضهم: مائة، و الأوجه القرن الأول أصحابه و الثاني التابعين و الثالث تابعوا التابعين، قال:

 

 

((ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ))

  قال هذا ذم، حينما يشهد يحلف مع شهادته، حينما يشهد دقق كم هي الأخلاق منهارة، شاهد تستشهده يشهد و يحلف كأن هذا الشاهد يتوهم أن الذين يستشهدونه يكذبونه فيشهد و يحلف، أي ضعفت الثقة بالكلمة السادة المالكية استنبطوا من هذا الحكم أو من هذا الحديث أن الشهادة ترد لمن حلف منها، لكن جمهور العلماء على أنها لا ترد، و معنى قول النبي أن الإنسان يجمع بين الشهادة و بين اليمين فتارة تسبق شهادته يمينه و تارة يسبق يمينه شهادته، أي المراد أنه خلف بعد هؤلاء الأصحاب الكرام:

 

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾

 

(سورة مريم )

  و الخلف: خلف من بعدهم خلف، هل هناك فرق بين خلْف و خلَف ؟ العلماء قالوا: فرق كبير، إذا كان الذين جاؤوا بعدهم صالحين فهم خلَف، و إن كان الذين جاؤوا بعدهم طالحين فهم خلْف:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ (59)﴾

 

( سورة مريم)

  خير خلف لخير سلف، الخلَف بفتح اللام التابعون الصالحون، و الخلْف التابعون السيؤون، قال تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾

 

( سورة مريم )

  طبعاً اللغة دقيقة جداً أي أحياناً الإنسان يتفاصح و يقول: تجارُب و التجارُب هي العدوى بالجرب صوابها تجارِب، و قد يتفاصح و يقول: هذا الطبيب أخصائي في كذا ـ و الأخصائي هو الذي يخصي ـ و صوابها اختصاصي، و بعضهم يقول فلان موَلَع بكذا و الموَلع هو الثور الأحمر ينبغي أن يقول موْلَع بكذا، و هناك من يقول فلان محترم و المحترم من الحرمان ينبغي أن يقول مبجل، و هناك أخطاء شائعة كثيرة جداً تجري على ألسنة الناس و اللغة منها براء.
 النبي عليه الصلاة و السلام أثنى على هؤلاء الذين يشهدون دون أن يطلب منهم الشهادة و هنا يذمهم فكيف نوفق بين المعنيين ؟ أحياناً صاحب القضية يعرف كل جوانب الحقيقة و عنده شهود كثيرون و لم يطلب منك أن تشهد، أما هناك قضية ضاعت و خفيت على القاضي و هناك شاهد لا يعلم صاحب القضية أنه شهد الحقيقة مبادرة ليشهد أمام القاضي لينقذ الحق، أكثر الناس يتوانون، قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾

 

( سورة البقرة )

﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾

( سورة البقرة )

﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾

(سورة البقرة (

  عن طريق الشهادة تستنقذ الحقوق، أي أنت إذا شهدت حادث مروري و تعلم علم اليقين أن السائق بريء و خصمه تلبسه و قذف الاتهام عليه و كتب هذا في الضبط و ذهبت أنت إلى القضاء لتشهد الحقيقة لا تنسى أن عدل ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً، أداء الشهادة جزء من الدين، أن تنطق بالحق و ألا يأخذك بالله لومة لائم، هذا هو الدين إلا أن هناك تفاصيل دقيقة جداً أي من وقع في حد من حدود الله أنت كمسلم لست مكلفاً من قبل ولي أمر المسلمين بالبحث عن هذه المخالفات ليس لك أن تذهب و تخبر عنه فالله ستره و أنت لا ينبغي لك أن تفضح ستر الله عز وجل، هذا الذي يشهد و لا يستشهد، أما حينما تقع ظلامة و تدعى إلى الشهادة ينبغي أن تشهد، لذلك في موضوع الحدود لو أن حداً انتهك و بلغ الإمام ذلك فقد قال عليه الصلاة و السلام:

 

((لا عفا الله عنه إن عفا))

  بعض شراح الحديث فهموا هذا الحديث على أنه شهادة الزور، النبي عليه الصلاة و السلام نهى أشد النهي عن شهادة الزور و عدها من الكبائر، بل هي من أكبر الكبائر لأنه من خلال هذه الشهادة تضيع الحقوق، الله عز وجل هو الحق، و حينما تضيع الحقوق يهتز عرش الرحمن لذلك:

 

 

((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

 

 مرة تاجر يطوف حول الكعبة يقول: ربي اغفر لي ذنبي و لا أظنك تفعل، يمشي وراء هذا الرجل إنسان فقيه قال: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟ قال: ذنبي عظيم، قال: ما ذنبك ؟ قال: كنت مع حملة لقمع فتنة فلما قمعت هذه الفتنة و احتلت المدينة أبيحت لنا هذه المدينة فدخلت أحد البيوت فرأيت في هذا البيت رجلاً و امرأة و طفلين فقتلت الرجل و قلت لامرأته: أعطني كل ما عندك من نقود، أعطتني أحد عشر ديناراً ذهبياً، قتلت ولدها الأول فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة، أعجبتني ثمينة جداً تأملتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً علي، ما هذان البيتان ؟ كتب على هذه الدرع:

إذا جــار الأمير و حاجبــاه          و قاضي الأرض أسرف في القضاء
فويــل ثم ويــل ثم ويــل           لقاضي الأرض من قاضي السماء

 و كل واحد منا أيها الأخوة إذا كان في موقع قوي، في موقع بإمكانه أن يوقع الأذى في الناس، ليفكر ألف مرة أن الله أقدر عليه منه على هؤلاء لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ، قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ))

 من هو القاضي الذي يستحق النار ؟ هو الذي حكم بغير علم، و الثاني هو الذي عرف الحقيقة فحكم خلافها ـ الثاني أشد عذاباً ـ بعض الخبثاء قال: قاضيان إلى النار و قاض إلى جهنم في آخر الزمان، أي الثلاثة طبعاً، القضاء أيها الأخوة شيء مخيف، حقوق الناس بين يديك و الله سبحانه و تعالى مع الحق و لكن و الله أيها الأخوة لا يخلو أي بلد من قضاة نزيهين، قضاة صادقين، قضاة لا يبيعون دينهم بالدنيا بأكملها هؤلاء لكنهم قلة كما قلنا في مطلع الدرس، أما لا تخلو و الذي يعمم جاهل و التعميم من العمى، في أي شيء احذر التعميم، احذر أن تقول كل هؤلاء سيؤون هذا كلام خطير، يجب أن تقول في الناس من هو صالح و فيهم من هو طالح.
 أيها الأخوة:
 و من متممات هذا الدرس أن النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه أبو هريرة في صحيح مسلم أيضاً أنه قال:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ))

  رواية ثانية:

 

 

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ))

  أيها الأخوة:
 ألم يقل الله عز وجل:

 

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 

) سورة الفتح (

  ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿لقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾

 

( سورة الفتح )

 لقد حرف تحقيق:

 

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (18)﴾

 

( سورة الفتح )

  و إذا رضي الله عن إنسان فمن أنت حتى لا ترضى عنه ؟ و ما قيمة عدم رضائك عنه ؟ إذا كان رب السماوات و الأرض، إذا كان الله في عليائه قد رضي عن أصحاب رسول الله فمن أنت حتى لا ترضى عن بعضهم ؟ لذلك و التاريخ يشهد أن كبار الصحابة و أوائل الصحابة كانوا في عداد الذين بايعوا النبي عليه الصلاة و السلام و قد قال الله في حقهم:

 

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (18)﴾

 

( سورة الفتح (

  لذلك سب أصحاب رسول الله حرام من فواحش المحرمات، و من لابس الفتن منهم و غيره لأنهم مجتهدون، و المجتهد إن أصاب له أجران و إن لم يصب فله أجر فهو بين الأجر و الأجرين، و سب أحد أصحاب رسول الله من المعاصي الكبيرة و هذا مذهب جمهور العلماء و قول النبي عليه الصلاة و السلام:

 

((لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ))

  قال أهل اللغة: النصيف هو النصف، معنى ذلك لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ في ثوابه ثواب نفقة أصحاب رسول الله و لا مداً مما أنفق أصحاب رسول الله، و جمهور العلماء على تفضيل الصحابة كلهم على جميع من بعدهم و سبب تفضيلهم أنهم أنفقوا وقت الضرورة و ضيق الحال بخلاف غيرهم، و لأن إنفاقهم كان في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، و هو الذي لا ينطق عن الهوى و حمايته و ذلك معدوم بعده، أي أنت لن يتح لك أن تنصر رسول الله، قد تنصر بعض المؤمنين، قد تنصر بعض الدعاة، و لكن لن يتح لك أن تصدق رسول الله و الناس يكذبونه و أن تنصره و الناس يخذلونه و أن تدافع عنه و الناس يستهدفونه، و قد قال الله عز وجل:

 

 

﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾

 

( سورة الحدي)

  إذاً جمهور العلماء على أن أصحاب رسول الله أفضل ممن بعدهم جميعاً لأن سبب هذا التفضيل أنه كان في أنفسهم من الشفقة و التودد و الخشوع و التواضع و الإيثار و الجهاد ما لم يكن عند غيرهم.
 أيها الأخوة:
 لكن أريد أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة: طبعاً الصحابة درجات هناك من طالت صحبته و قاتل مع رسول الله و أنفق ماله و هاجر و نصر و هناك من رآه ساعة كوفود العرب، هناك من صحبه قبل الفتح فتحمل ما تحمل، هناك من صحبه بعد الفتح، فليسوا سواء، من صحبه قبل الفتح و دفع الثمن باهظاً و من صحبه بعد الفتح و كان الأمر يسيراً، و ليسوا سواء من لقيه ساعة نسميه صحابي مع من عاش معه سنوات عديدة و قاتل معه و أنفق ماله و أيده و نصره و قدم له كل معونة. نحن لا ندخل بين أصحاب رسول الله كلهم على العين و الرأس و قد قال عليه الصلاة و السلام:

 

((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))

  أي أربع خمس أطباء كبار معهم أعلى الشهادات و _أجرى كل واحد مائة ألف عملية لا يحق لحاجب أن يوازن بينهم، لا يحق لممرض أن يوازن بينهم،فإذا ذكر أصحابي فأمسكوا و هذا من الدين، هذا الذي يأمرنا به النبي عليه الصلاة و السلام، أي أردت من هذا الدرس أن أبين لكم في مطلعه أنه لا ينبغي أن تكون مع الأكثرية لأنك:

 

 

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(116)﴾

 

( سورة الأنعام )

  ثم بينت لكم أن خير القرون هو قرن رسول الله أي أصحابه و أبناؤهم و أبناء أبنائهم، أي أصحابه و التابعين و تابعي التابعين، ثم بينت لكم الموقف الكامل الذي ينبغي أن تقفه من أصحاب رسول الله جميعاً من دون استثناء.