موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 01 - الخلق أن تتحرك وفق منهج الله

2008-01-02

 أعزائي المشاهدين اسمحوا لي بادئ ذي بدءٍ أن أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ قسم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية في كليات الشريعة ، وأصول الدين .
 فضيلة الدكتور ، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، ومن ها هنا نسمع منكم شرحاً عن مفهوم الإيمان وما هو تعريف الأخلاق ، وهل للأخلاق علاقة بالإيمان ؟ فتفضلوا مشكورين غير مأمورين .
الدكتور :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 الحقيقة أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة ، لقوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 والإنسان هو المخلوق المكرم ، لقوله تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 والإنسان هو المخلوق المكلف ، مكلف أن يعبد الله ، لقوله تعالى :

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

 لكن الإنسان أودع الله فيه حاجات كثيرة ، من هذه الحاجات : أودع فيه حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على الفرد ، وأودع فيه حاجة إلى الطرف الآخر المرأة ، حفاظا على النوع ، وأودع فيه حاجة إلى التفوق حفاظاً على الذكر ، هذه الحاجات الثلاث الأساسية تدفعه إلى الحركة ، إذاً هو كائن متحرك .
 الحقيقة : أن هذه الحركة يجب أن تنضبط بمنهج الله عز وجل ، كيف ؟ لا بد من طرح بعض الأمثلة :
 إنسان سافر إلى بلاد الغرب ، نزل في فندق ، استيقظ في صبيحة اليوم الأول وسأل إلى أين أذهب ؟ نقول له : ما هذا السؤال الغريب ! نحن نسألك لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم ؟ اذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت سائحاً ؟ اذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، وإن جئت تاجراً ؟ اذهب إلى المعامل والمؤسسات ، معنى هذا المثل أن حركة الإنسان في الدنيا لا تصح إلا إذا عرف سر وجوده .
 قبل قليل قلت : الإنسان كائن متحرك ، حركته بسبب أن الله أودع فيه حاجات كثيرة من أبرزها الحاجة إلى الطعام والشراب ، والحاجة إلى الجنس ، والحاجة إلى تأكيد الذات ، الأولى حفاظاً على الفرد ، والثانية حفاظاً على النوع ، والثالثة حفاظاً على الذكر ، إذاً هو كائن متحرك ، هذه الحركة يجب أن تنضبط بمنهج الله ، متى تنضبط ؟ حينما يعرف الإنسان سر وجوده .
 هذا الذي ذهب إلى بلد غربي إن كان قد جاءه سائحاً له حركة ، وإن جاءه تاجراً له حركة ، وإن جاءه طالب علم له حركة ، فلماذا خلقنا في الدنيا ؟ ما لم يعرف الإنسان علة وجوده في الدنيا لن تصح حركته ، مثلاً :
 هذا الطالب الذي ذهب إلى بلد غربي لينال الدكتوراه ، ما دام الهدف واضحاً جداً وضوح الشمس ، يسلك إليه آلاف الوسائل ، وكل هذه الوسائل مرتبطة بالهدف كيف ؟ يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة ، توفيراً للوقت والجهد والمال ، يصاحب طالباً يتقن اللغة الفرنسية ، يشتري مجلة تتصل باختصاصه ، يأكل طعاماً يعينه على الدراسة ، ما دام الهدف واضحاً فهذا الإنسان يختار من الوسائل التي لا تعد ولا تحصى الوسائل التي توصله إلى هدفه ، لكن بن قوسين أجري استبيان في بلد عربي حول ما إذا كان الإنسان مدركاً لهدف ما ، فالنتيجة الصاعقة أن 93 % من الناس لا يعرفون أهدافهم إطلاقاً .
 لذلك نقول : إما أن يكون لك هدف ، وتخطط له ، وإما أن تكون أنت رقماً لا معنى له في خطط الآخرين ، إما أن تخطط ، وإما أن يخطط لك ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك )

 إذاً لا تصح حركة الإنسان في الحياة لأنه كائن متحرك إلا إذا عرف سر وجده وقد يعرف سر وجوده بالتأمل ، والبحث ، والدرس ، ولكن وحي السماء ، الحق المطلق يخبره أن الإنسان خُلق للعبادة ، والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، في هذا التعريف جانب معرفي وجانب سلوكي ، وجانب جمالي ، الجانب السلوكي هو الأصل ، والجانب المعرفي هو السبب والجانب الجمالي هو النتيجة .
 لذلك نعرفه فنعبده فنسعد بقربه في الدنيا والآخرة ، نعرفه فنطيعه ، فنسعد بقربه يعني إن أردت أن تضغط الدين لكله في كلمات ثلاث معرفة الله أولاً ، وطاعته ثالثاً والسعادة بقربه في الدنيا والآخرة ثالثاً .
 إذاً اتفقنا أن الإنسان لا تصح حركته إلا إذا عرف سر وجوده ، والإنسان كائن متحرك .
 مرة ثانية : لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري ، يبنى على الامتحان مستقبله ، وظيفته ، زواجه ، استقراره ، وجاء أصدقاءه الذين يحبهم ويحبونه ، أخذوه إلى مكان جميل ، قبل الامتحان بأيام معدودة ، أطعموه أطيب الطعام ، تمتع بأجمل المناظر لماذا يشعر بكآبة كبيرة ؟ لأن هذه الحركة قبل الامتحان لا تتناسب مع هدفه ، لو أنه جلس في غرفة قميئة ، وقرأ الكتاب المقرر ، يشعر بلذة وسعادة ما بعدها سعادة ، سماها علماء النفس الشعور بالإنجاز .
 إذاً متى يشعر الإنسان ؟ أول مثل لا تصح حركته إلا إذا عرف سر وجوده متى يسعد ؟ إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه .
 لذلك التاجر عند كساد الأسواق مع أنه مرتاح ، ويجلس على أريكة مريحة ويشرب ما طاب له أن يشرب من القهوة والشاي ، ومن المجلات والصحف لكنه متألم أشد الألم ، أما حينما يبيع ويشتري وينسى أن يأكل ويبقى واقفاً طوال النهار هو في قمة السعادة .
 فالإنسان يسعد إذا جاءت حركته في الحياة موافقة لهدفه ، ويشقى إذا جاءت معاكسة .
 إذاً الإنسان كائن متحرك يسعد إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه ، بل تصح حركته إذا رف سر وجوده ، الإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 هذا الإنسان كما قال الإمام علي كرم الله وجهه و رضي عنه قال : ركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما ، فإن سمى عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 ركب الملك من عقل بلا شهوة ، ركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، ركب الإنسان من كليهما ، فإن سمى عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 الإنسان تحرك ، ما الأخلاق ؟ الله عز وجل أودع فيه الشهوات ، وبإمكان الإنسان أن يتحرك منطلقاً من هذه الشهوات بزاوية 180 درجة ، لكن الشرع سمح له بسبعين مثلاً ، ما الخلق ؟ أن تضبط شهواتك في هذه الزاوية التي سمح الله لك بها ، الخلق ضبط يعني من السهل جداً أن تأكل ما تشاء ، وبكمية تشاء ، ومع من تشاء ، إما حينما تأكل وفق القواعد الصحيحة تكون قد استمتعت بالطعام ، ولكن وفق منهج .
 بالمناسبة : ليس في الإسلام حرمان ، في الإسلام تنظيم ، أقول كلمة دقيقة : ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسر خلالها ، ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً ، ولكن في الإسلام تنظيم .
 لذلك : يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 عند علماء الأصول هناك المعنى المخالف ، المعنى المخالف في هذه الآية : الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، الخلق أن تتحرك وفق منهج الله ، الخلق في أدق تعاريفه انضباط ، الجانب السلبي ، وعطاء ، الجانب الإيجابي ، انضباط .

(( إن عمل النار سهل بسهوة ، وإن عمل الجنة حزن بربوة ))

 أنت حينما تتحرك وفق منهج الله فأنت أخلاقي ، وأنت مؤمن .
 بالمناسبة : الإيمان مرتبة عالية جداً ، كيف إذا قلنا فلان دكتور ، يعني حتماً معه تحصيل ابتدائي ، وإعدادي ، وثانوي ، وجامعي ، ودراسات عليا ، ودكتوراه ، وكتاب ألفه وفي تقييم دقيق جداً لهذا الكتاب ، كيف إذا قلنا مؤمن ، مؤمن مرتبة علمية ، مرتبة أخلاقية مرتبة جمالية .
 فلذلك الإنسان حينما يتحرك وفق منهج الله يكون مؤمناً ، ويكون أخلاقياً ، وهذا الذي دعا ابن القيم هذا العالم الجليل إلى أن يقول : الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .
 الحقيقة في نقطة دقيقة جداً : أن الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ، من كبار الصحابة وقف أمام النجاشي ، وسأله النجاشي عن الإسلام ، الآن نصغي مع إخوتنا المشاهدين إلى تعريف الإسلام من أحد الصحابة الكبار ، قال :
 أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، هذه الجاهلية ، وفي ملمح لطيف حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 33 )

 إشارة إلى أن هناك في آخر الزمان جاهلية ثانية .
 فلذلك قال : " كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه ونسبه وعفافه " ، الشيء اللطيف جداً : أن الصدق والأمانة والعفة أركان الأخلاق ، وفي هذه اللقاءات الخيرة إن شاء الله سيكون الحديث عن الأخلاق ، لكن إذا كان للأخلاق أركان أساسية الصدق والأمانة والعفة ، يعني إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف .
 يعني بشكل أو بآخر أنت حينما ترى إنسان وهو صامت تقيمه من هيأته ، من ثيابه ، من أناقته ، من انسجام ألوانه ، من جلسته ، أما إذا تكلم قد تنسى هيأته ، أما إذا عاملك قد تنسى كلامه .
 " حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه و أمانته وعفافه ونسبه " ، لكن لي مع النسب كلمة ، النسب تاج ، يتوج به المؤمن ، أما إذا كان غير مؤمن فلا قيمة له طلاقاً والدليل :

 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

( سورة المسد )

 وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام ، " حتى بعث الله فينا رجلاً منا نعرف صدقه و أمانته وعفافه ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ـ الآن دقق ـ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء " ، هذا تعريف الصحابي الجليل للإسلام ، مكارم أخلاقية ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً .
 لذلك لعل الله سبحانه وتعالى يوفقنا في هذه اللقاءات المتكررة حول مفهوم الأخلاق لأن الخلق القويم هو الذي نبحث عنه ، والذي نتمنى أن يكون متمثلاً في المؤمنين المعاصرين كما كان متمثلاً في الصحابة الكرام .
 لكني أنوه هذا التنويه : والله لو أن الصحابة الكرام فهموا هذا الدين كما نفهمه نحن ، يعني مظاهر ، واحتفالات ، مراتب علمية ، ومؤتمرات ، ومؤلفات ، لما خرج من مكة المكرمة ، الدين أخلاق .
 مرة بعث النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة ليقيم تمر خيبر ، فأهل خيبر أغروا هذا الصحابي الجليل بحلي نساءهم كي يقلل من قيمة التمر ، وكأنهم أرادوا أن يرشوه ، فقال : جئتكم من عند أحب الخلق إلي ، من عند رسول الله ، ولأنتم أبغض إلي من القردة والخنازير ، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقال أهل خيبر : بهذا قامت السماوات والأرض ، وبهذا غلبتمونا .
 ولن يستطيع المسلمون أن يحققوا أهدافهم ، كانوا رعاة للغنم ، فحينما اتبعوا النبي الأمي صاروا قادة للأمم ، لن يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم ثانية ، وأن يستعيدوا دورهم القيادي إلا إذا تخلقوا بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام .
لكن المشكلة أنك إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر أما إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر .
 هناك مرحلة مكية عاشها الصحابة مفقودة في حياتنا ، مرحلة معرفة الله عز وجل يعني مثلاً الله عز وجل قال في القرآن الكريم :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

( سورة البقة الآية : 26 )

 بعوضة ! من أقل المخلوقات شأناً عند الإنسان ، النبي أشار إلى ذلك ، قال :

(( لو كَانت الدُّنيا تَعْدِلُ عند الله جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سقَى كافراً منها شَرْبَة ماء ))

[ أخرجه الترمذي سهل بن سعد رضي الله عنه ]

 هذه البعوضة وردت في القرآن الكريم ، بعد أن اكتشفت المجاهر الإلكترونية تبين أن في رأس البعوضة مئة عين ، وفي فمها 48 سناً ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان ، وبطينان ، ودسامان ، وفي البعوضة جهاز لا تملكه الطائرات ، تملك جهاز استقبال حراري ، أي أنها لا ترى الأشياء لا بأشكالها ولا بألوانها ، ولا بأحجامها ، بل تراها بحرارتها فقط ، جهاز رادار ، وأن حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المؤوية ، وما كل دم يناسبها ، تملك جهاز تحليل دم ، هذا الجهاز يشير إليها أن دم هذا الطفل يناسبها ، ودم هذا الطفل لا يناسبها ، لئلا تقتل أثناء امتصاص الدم معها جهاز تخدير ، معها جهاز استقبال حراري رادار ، وجهاز تحليل وجهاز تدير ، ولأن لزوجة الدم لا تسمح للدم أن يسري في خرطومها ، معها جهاز تمييع أما خرطومها الذي لا يزيد عن قطر شعرة ، فيه ست سكاكين ، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان على شكل أنبوب تلتئمان لامتصاص الدم ، وفي أرجل البعوضة محاجم ، إذا وقفت على سطح أملس ، ومخالب إذا وقفت على سطح خشن ، فإذا قال الله عز وجل

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 نقول سبحان الله .

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

( سورة الملك )

 يعني دقة صنعة البعوضة لا تقل عن دقة صنعة الحوت الأزرق ، الذي وزنه 150 طن ، خمسين طن لحم ، وخمسين طن دهن ، وخمسين طن عظام ، ويستخرج منه 90 برميل زيت ، يرضع وليده في كل رضعة 300 كغ ، 3 رضعات طن حليب ،

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

 دقة الصنعة ، وإتقان الصنعة في البعوضة كالحوت تماماً ، إذا عرفنا الله سبحانه وتعالى ، ثم عرفنا أمره تفانينا في طاعته ، أما إذا لم نعرفه ، تفننا في التفلت من الأمر .
 يعني الانضباط الأخلاقي يحتاج إلى أن تعرف الله ، من هو هذا الإله العظيم ؟ ماذا ينتظرك لو أطعته ، وماذا ينتظرك لو عصيته ، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت .
 فالإنسان حينما يعرف من هو الله يعد للمليون قبل أن يعصيه ، لذلك يمكن أن نقول : أن معرفة الله أحد أكبر أسباب الانضباط الأخلاقي ، وهذا ما يميز المؤمن عن غير المؤمن .
 سيدنا ابن عمر لقي راعياً ، قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي قال له : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، وخذ ثمنها ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا الراعي على ضعف ثقافته الإسلامية وضع يده على جوهر الدين .
 والذي حصل علوماً لا نهاية لها ، ولم يستقم على أمر الله لم يعرف شيئاً من الدين ، لأنه الإنسان كما قيل : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعصيه يعني لمجرد أن تطيع الله عز وجل فأنت على علم بالله ، ولمجرد أن تخالف أمره فأنت على نوع من جهل الله عز وجل ، ومعرفة الله أصل هذا الدين ، فالخلق الكريم لا يبنى إلا على معرفة بالآمر .
 مرة ثانية : الإنسان قد تأتيه ورقة من دائرة البريد ، أن تعال غداً وتسلم رسالة مسجلة ، لا تتحرك شعرة ، وقد يذهب ، وقد لا يذهب ، قد تأته ورقة بالحجم نفسه ، من جهة أخرى ، قد لا ينام الليل ، الفرق بين الورقتين هو الآمر .
 فنحن إذا عرفنا الآمر تفانينا في طاعته ، أما إذا لم نعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر .
 إن شاء الله نسعى في الحلقات القادمة أن نرسخ معنى الأخلاق كمنطلق نظري أنا متى أطيع الله ؟ حينما أعرفه ، متى أتفانى في طاعته ؟ حينما أتقرب منه ، أما إذا نظرنا إلى الأخلاق مجردة عن معرفة الله في أغلب الظن أن الإنسان يتبع مصلحته ، وشهوته ونزوته ، ولا يعبأ بهذه التعليمات التي يسمعها من حين إلى آخر .
 فكما أن الصحابة الكرام أقاموا في مكة المكرمة سنوات طويلة يتعرفون إلى الله بل إن الآيات المكية كلها تعريف بالله .

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

( سورة الشمس )

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

( سورة الفجر )

 أما المرحلة المدنية مرحلة التشريع ، يعني أنت بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده وما لم نجمع بين الخطين فالحركة عرجاء ، لا بد من أن نعرف الله أولاً ، عندئذٍ نتفانى في طاعته ثانياً .
 إذاً : الخلق أبرز ما في هذا الدين ، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى : الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .
الأستاذ أحمد :
 في نهاية هذه الحلقة أسأل الله عز وجل أن يجزي فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، خير الجزاء على ما أفاد به وأجاد .
 والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .